قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً

حسّان الزين قدّم بطله بلغة مشهدية

قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً
TT

قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً

قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً

بقدر ما يحاول الكاتب حسّان الزين أن يقنعك بأنك تقرأ رواية، وهو يبعث الحياة عفيّة في شخصية طانيوس شاهين، الثائر اللبناني الذي حمل لواء تحرير الفلاحين من ظلم الإقطاع وجور الحُكّام في القرن التاسع عشر، يصرّ على ان يبقيك متيقظاً؛ لأن ما تقرأه هو صفحات من التاريخ، سواء من خلال المقدمة التي كتبها خالد زيادة، أو توثيق بعض الأحداث، وتوضيح الوقائع والمسارات في نهاية الكتاب.

لعبة فنية متقنة، تجعل كتاب «طانيوس شاهين... ماذا فعلت لأستحق هذا؟» الصادر عن دار «رياض الريس» في بيروت، رواية تاريخية بحقٍّ تحترم الجانب التوثيقي، والخط الزمني للأحداث، لكن كاتبها يمنح نفسه حرية التخييل ورسم التفاصيل إلى أقصاها، مستفيداً من المراجع والرسائل التي عكست روح طانيوس شاهين، والملامح العامة لشخصيته الغضوب التوَّاقة إلى التحرر والتمرد. بالتالي فالكتاب يقدّم أكثر من مجرد تغليف أدبي للتاريخ، فهو يذهب إلى استبطان شخصية طانيوس، ومحاولة إعادة تركيب بنيته النفسية، ودوافعه الاجتماعية، ومكامنه المخبوءة، وتلك هي المهمة الصعبة.

من العدالة إلى الطائفية

تمكَّن الكاتب من تقمص شخصية إشكالية، لها رمزية كبرى في التاريخ اللبناني، ثمة من يمجدها، ومن يبقيها في حدود ضيقة، وهناك من يرى فيها عنفاً واستبداداً. لكن أهمية طانيوس أنه يختزل سيكولوجيا الشخصية اللبنانية، إن صح القول. كما أن الظروف التي واجهها والتي عاشها جبل لبنان في تلك الفترة، فيها ما يشبه إلى حدٍّ كبير الواقع الحالي، بأزماته وتعقيداته، وصعوبة فك خيوطه المتشابكة، وارتهان الطوائف كلٍّ لجهة دولية تؤمِّن لها الإحساس بالحماية والاستقواء.

طانيوس شاهين، ماروني من جبل لبنان، وتحديداً كسروان، عمل مكارياً، وبائعاً متنقلاً، وحدّاداً. قاد «ثورة الفلاحين» بين عامي 1859 و1861 غاضباً على الإقطاع والظلم. بدأت حركته اجتماعية خالصة من أجل العدالة والحرية، لكنها وبسبب التدخلات الخارجية والعصبيات المحلية، سرعان ما انقلبت طائفيةً صرفةً. استطاع أن يقيم كياناً سياسياً، وهزم جزءاً من الإقطاع، لكنه، وكما يقول في نهاية الرواية، «ما ترك لنفسه صاحباً»، وتخلى عنه الجميع باستثناء رجاله الذين أحبوه ولم يتمكنوا من نصرته.

اعترافات طانيوس

اختار الكاتب أن يُنهي مؤلفه بنصٍّ معبِّر أشبه باعتراف يناجي فيه طانيوس نفسه، متأملاً في سبب هزيمته النكراء بعد فوز ملأ قلبه بالرضا والغرور. يقول: «رغم أنني لا أشك في أن رفضي للظلم وحميّتي تجاه الأهالي المنداقين المعتّرين، هما ما دفعاني إلى العصيان والتيسنة، فإنه لا يمكنني أن أنكر أن في الأمر طمعاً شخصياً». هذا إضافةً إلى غواية السلطة وصعوبة التخلي عنها؛ «لقد عزّ عليّ أن أصير ضعيفاً، ما بيطلع بإيدي شي، بعدما تمشيخت وكنت أضرب بسيفي وآمر. قلقت على المكانة التي حققتها، وتمسكت بها بأسناني وأظافري».

واحدة من غوايات الرواية هي لغتها، التي اختار حسّان الزين أن يُطعِّمها بسخاء بعامية منطقة كسروان، في محاولةٍ لجعل الكلام أقرب ما يكون إلى ما تحدَّث به طانيوس في زمانه، مع شروحات في الهوامش لغير اللبنانيين الذين يصعب عليهم فهم عامية مُغرقة في محلِّيتها. وجاءت الأمثال الشعبية التي تدور على ألسن الشخصيات، لتُشعرنا بحيوية الحوارات وواقعيتها. وما يمنح الكتاب نبضه هو حرص المؤلّف على تصوير المشاهد كأنه يُعدّ لفيلم سينمائي، حتى يمكنك القول إن الكتاب جاهز ليصبح مصوَّراً. وقد يكون هذا مما دخل في حسابات الكاتب، وهو مُحقٌّ فيما رمى إليه، إذ إن طانيوس بما له من مكانة في السرديات اللبنانية، وما تحمله سيرته من شَبهٍ مع الحاضر، تكاد تتحول إلى مرآة يمكن فيها للمواطن أن يرى صورته ومجتمعه، وعلاقته مع السلطات والزعامات الطائفية، كما الخلافات السياسية الممتزجة بالحقن الطائفي المستمر. شخصية درامية توفرت لها كل الأبعاد اللازمة لتمثل التناقضات في أبرز تجلياتها. طفولة منكوبة بموت الأب قتلاً على يد أحد إقطاعيي المنطقة آنذاك من شيوخ آل الخازن، الذي لم يحتمل أن يلقي عليه فلاح بسيط التحية فاستحقَّ أن يشرب قهوة مسمومة تودي به. مات الأب وبقي طانيوس وإخوته؛ خمسة صبيان وبنت وأمه، يذوقون مرارة اليتم والترمّل.

الحقد محرك الثورة

ستبقى هذه الحادثة محركاً في حياة طانيوس: «لم أكن ناقصاً هذا الحقد. الحقد كان يملأني ونما معي. سكن بدني ولبسته. كان أنا وكنت هو. كان يشتعل في عيني ويوقد غضبي، ينبض في صدري وعروقي وزندي وقبضتي، غيَّرني وكبّرني سنين. ولأعوام طويلة اعتقدت أنه هو ما كبّر بدني وجعلني عتراً (قوياً)».

تريده أمه متعلماً لأنه «أذكى أبناء الضيعة» غير أنه منشغل ومبتهج بتزعّم رفاقه. إذ كيف للفلاحين أن يتجاوزوا طبقتهم دون تعليم، لكنه لا يريد. عمل كوالده مكارياً، وقرر أن يصبح رجلاً، وهكذا كان، لا بل أصبح بطلاً وزعيماً. أحبه الأهالي بقدر ما أبغضه الآخرون الذين أراد أن يكون ندّاً لهم. قرر أن يستغني عن الجميع، لكنه في النهاية انتظر نجدة فرنسا «مين إلنا غير فرنسا؟ مين بقى لنا غيرها؟». لكنها لم تأتِ، مع أن المتداول حينها «أن الملك الفرنساوي سيرسل عماير لنقلنا إلى بلاد بعيدة هي الجزائر». عاش بلا أب، ولم يتمكن من أن ينجب ولداً. بقدر ما نراه قاسياً صنديداً عنيداً، نشعر بعاطفته الفياضة في لحظات الضعف والسكينة. أرادها حركة لتحرير الفقراء من جور الإقطاع، وانتهى حبيس طائفته، مارونياً يلجأ إلى الكنيسة فلا تغيثه، وتصبح ثورته من أسباب اندلاع أسوأ وأشرس حرب طائفية بين الموارنة والدروز شهدها جبل لبنان وامتدت نيرانها إلى سوريا، بل ربما إنها أسَّست لطائفية لا تزال تلتهم أبناءها إلى اليوم.

ما أشبه اليوم بالبارحة

يريد الكاتب أن يُرينا كم يشبه اليوم البارحة رغم مرور 170 سنة. إذ بمقدور كل مواطن لبناني أن يسأل نفسه، كما طانيوس: ماذا فعلت لأستحقَّ هذا؟ فمن استبداد أصحاب النفوذ بمن هم دونهم، إلى النزاعات الطائفية المرتبطة بسلطوية طاغية، وتبدل التحالفات بلمح البصر وتقلّب المصالح وانعكاساتها التي يدفع ثمنها البسطاء، حين يحاولون تغيير قواعد اللعبة... لا تزال المأساة نفسها قائمة. والأهم حضور النفوذ الأجنبي، حيث نرى القوى الكبرى تحرك بأصابعها الأحداث وتُشعل الفتن من فرنسا وبريطانيا إلى روسيا والنمسا، وبالطبع الدولة العثمانية التي بدأت تشيخ وتتسلل الدول الأجنبية بكل قواها؛ خصوصاً حين يُفسح لها المجال.

الحرية وثمنها الباهظ

كتاب يُقرأ بمتعة رغم أن موضوعه مركَّب، ويتحدث عن مرحلة غاية في التعقيد، وتفاصيله الكثيرة تحتاج إلى تركيز. الإحساس بالثقل يتلاشى وأنت تتحسس كم أن طانيوس مهمٌّ استرجاعه كشخصية حرَّكت المياه الراكدة، وَسَعَتْ إلى التغيير، بكل أخطائه وانفعالاته واندفاعاته. تراه يحتجّ على الاستخفاف به وبما يستطيع إنجازه في لحظة خطر يمكنه فيها أن يكون منقذاً ويتزعم جيشاً يوحِّد الموارنة المنقسمين. يقول للبطريرك: «شقفة مأمور بكسروان ما خليتوني أعمل، بدّكن تقبلوا أتزعم جيش الموارنة؟ وليش؟ كرمال ما يزعل الأُمرا والمشايخ والبكوات والأعيان والتجار والسماسرة والمطارين الموارنة. وهودي شو فارقة معن؟ نُصُّن أصحاب الأُمرا والمشايخ الدروز وبيمسحوا جوخ للباشا (العثماني)». أكثر من ذلك، هؤلاء «لا بيقاتلوا ولا بيلموا حجار» وعلى أهبة الاستعداد للهرب بثرواتهم والاختباء، حيث تتسع لهم أماكن كثيرة. وبينما تسيل الدماء ويُذبح الفقراء، ينتظرون المراكب الفرنسية أو العثمانية التي تحملهم حيث يريدون.

قد تكون الحرية هي الفكرة الأكثر إلحاحاً في الكتاب، يسعى إليها طانيوس بكل ما أوتي من عزيمة: «أباهي بأني حرّ، أنفّذ ما في رأسي، وسأبقى حراً حتى آخر يوم في حياتي، وأدفع الآن ثمن ذلك».


مقالات ذات صلة

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة،

منى أبو النصر (القاهرة:)
ثقافة وفنون الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة،

ألكسندرا ألتر
ثقافة وفنون  بودلير

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة.

هاشم صالح

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».