قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً

حسّان الزين قدّم بطله بلغة مشهدية

قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً
TT

قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً

قائد «ثورة الفلاحين» طانيوس شاهين يعود إلى الحياة متمرداً

بقدر ما يحاول الكاتب حسّان الزين أن يقنعك بأنك تقرأ رواية، وهو يبعث الحياة عفيّة في شخصية طانيوس شاهين، الثائر اللبناني الذي حمل لواء تحرير الفلاحين من ظلم الإقطاع وجور الحُكّام في القرن التاسع عشر، يصرّ على ان يبقيك متيقظاً؛ لأن ما تقرأه هو صفحات من التاريخ، سواء من خلال المقدمة التي كتبها خالد زيادة، أو توثيق بعض الأحداث، وتوضيح الوقائع والمسارات في نهاية الكتاب.

لعبة فنية متقنة، تجعل كتاب «طانيوس شاهين... ماذا فعلت لأستحق هذا؟» الصادر عن دار «رياض الريس» في بيروت، رواية تاريخية بحقٍّ تحترم الجانب التوثيقي، والخط الزمني للأحداث، لكن كاتبها يمنح نفسه حرية التخييل ورسم التفاصيل إلى أقصاها، مستفيداً من المراجع والرسائل التي عكست روح طانيوس شاهين، والملامح العامة لشخصيته الغضوب التوَّاقة إلى التحرر والتمرد. بالتالي فالكتاب يقدّم أكثر من مجرد تغليف أدبي للتاريخ، فهو يذهب إلى استبطان شخصية طانيوس، ومحاولة إعادة تركيب بنيته النفسية، ودوافعه الاجتماعية، ومكامنه المخبوءة، وتلك هي المهمة الصعبة.

من العدالة إلى الطائفية

تمكَّن الكاتب من تقمص شخصية إشكالية، لها رمزية كبرى في التاريخ اللبناني، ثمة من يمجدها، ومن يبقيها في حدود ضيقة، وهناك من يرى فيها عنفاً واستبداداً. لكن أهمية طانيوس أنه يختزل سيكولوجيا الشخصية اللبنانية، إن صح القول. كما أن الظروف التي واجهها والتي عاشها جبل لبنان في تلك الفترة، فيها ما يشبه إلى حدٍّ كبير الواقع الحالي، بأزماته وتعقيداته، وصعوبة فك خيوطه المتشابكة، وارتهان الطوائف كلٍّ لجهة دولية تؤمِّن لها الإحساس بالحماية والاستقواء.

طانيوس شاهين، ماروني من جبل لبنان، وتحديداً كسروان، عمل مكارياً، وبائعاً متنقلاً، وحدّاداً. قاد «ثورة الفلاحين» بين عامي 1859 و1861 غاضباً على الإقطاع والظلم. بدأت حركته اجتماعية خالصة من أجل العدالة والحرية، لكنها وبسبب التدخلات الخارجية والعصبيات المحلية، سرعان ما انقلبت طائفيةً صرفةً. استطاع أن يقيم كياناً سياسياً، وهزم جزءاً من الإقطاع، لكنه، وكما يقول في نهاية الرواية، «ما ترك لنفسه صاحباً»، وتخلى عنه الجميع باستثناء رجاله الذين أحبوه ولم يتمكنوا من نصرته.

اعترافات طانيوس

اختار الكاتب أن يُنهي مؤلفه بنصٍّ معبِّر أشبه باعتراف يناجي فيه طانيوس نفسه، متأملاً في سبب هزيمته النكراء بعد فوز ملأ قلبه بالرضا والغرور. يقول: «رغم أنني لا أشك في أن رفضي للظلم وحميّتي تجاه الأهالي المنداقين المعتّرين، هما ما دفعاني إلى العصيان والتيسنة، فإنه لا يمكنني أن أنكر أن في الأمر طمعاً شخصياً». هذا إضافةً إلى غواية السلطة وصعوبة التخلي عنها؛ «لقد عزّ عليّ أن أصير ضعيفاً، ما بيطلع بإيدي شي، بعدما تمشيخت وكنت أضرب بسيفي وآمر. قلقت على المكانة التي حققتها، وتمسكت بها بأسناني وأظافري».

واحدة من غوايات الرواية هي لغتها، التي اختار حسّان الزين أن يُطعِّمها بسخاء بعامية منطقة كسروان، في محاولةٍ لجعل الكلام أقرب ما يكون إلى ما تحدَّث به طانيوس في زمانه، مع شروحات في الهوامش لغير اللبنانيين الذين يصعب عليهم فهم عامية مُغرقة في محلِّيتها. وجاءت الأمثال الشعبية التي تدور على ألسن الشخصيات، لتُشعرنا بحيوية الحوارات وواقعيتها. وما يمنح الكتاب نبضه هو حرص المؤلّف على تصوير المشاهد كأنه يُعدّ لفيلم سينمائي، حتى يمكنك القول إن الكتاب جاهز ليصبح مصوَّراً. وقد يكون هذا مما دخل في حسابات الكاتب، وهو مُحقٌّ فيما رمى إليه، إذ إن طانيوس بما له من مكانة في السرديات اللبنانية، وما تحمله سيرته من شَبهٍ مع الحاضر، تكاد تتحول إلى مرآة يمكن فيها للمواطن أن يرى صورته ومجتمعه، وعلاقته مع السلطات والزعامات الطائفية، كما الخلافات السياسية الممتزجة بالحقن الطائفي المستمر. شخصية درامية توفرت لها كل الأبعاد اللازمة لتمثل التناقضات في أبرز تجلياتها. طفولة منكوبة بموت الأب قتلاً على يد أحد إقطاعيي المنطقة آنذاك من شيوخ آل الخازن، الذي لم يحتمل أن يلقي عليه فلاح بسيط التحية فاستحقَّ أن يشرب قهوة مسمومة تودي به. مات الأب وبقي طانيوس وإخوته؛ خمسة صبيان وبنت وأمه، يذوقون مرارة اليتم والترمّل.

الحقد محرك الثورة

ستبقى هذه الحادثة محركاً في حياة طانيوس: «لم أكن ناقصاً هذا الحقد. الحقد كان يملأني ونما معي. سكن بدني ولبسته. كان أنا وكنت هو. كان يشتعل في عيني ويوقد غضبي، ينبض في صدري وعروقي وزندي وقبضتي، غيَّرني وكبّرني سنين. ولأعوام طويلة اعتقدت أنه هو ما كبّر بدني وجعلني عتراً (قوياً)».

تريده أمه متعلماً لأنه «أذكى أبناء الضيعة» غير أنه منشغل ومبتهج بتزعّم رفاقه. إذ كيف للفلاحين أن يتجاوزوا طبقتهم دون تعليم، لكنه لا يريد. عمل كوالده مكارياً، وقرر أن يصبح رجلاً، وهكذا كان، لا بل أصبح بطلاً وزعيماً. أحبه الأهالي بقدر ما أبغضه الآخرون الذين أراد أن يكون ندّاً لهم. قرر أن يستغني عن الجميع، لكنه في النهاية انتظر نجدة فرنسا «مين إلنا غير فرنسا؟ مين بقى لنا غيرها؟». لكنها لم تأتِ، مع أن المتداول حينها «أن الملك الفرنساوي سيرسل عماير لنقلنا إلى بلاد بعيدة هي الجزائر». عاش بلا أب، ولم يتمكن من أن ينجب ولداً. بقدر ما نراه قاسياً صنديداً عنيداً، نشعر بعاطفته الفياضة في لحظات الضعف والسكينة. أرادها حركة لتحرير الفقراء من جور الإقطاع، وانتهى حبيس طائفته، مارونياً يلجأ إلى الكنيسة فلا تغيثه، وتصبح ثورته من أسباب اندلاع أسوأ وأشرس حرب طائفية بين الموارنة والدروز شهدها جبل لبنان وامتدت نيرانها إلى سوريا، بل ربما إنها أسَّست لطائفية لا تزال تلتهم أبناءها إلى اليوم.

ما أشبه اليوم بالبارحة

يريد الكاتب أن يُرينا كم يشبه اليوم البارحة رغم مرور 170 سنة. إذ بمقدور كل مواطن لبناني أن يسأل نفسه، كما طانيوس: ماذا فعلت لأستحقَّ هذا؟ فمن استبداد أصحاب النفوذ بمن هم دونهم، إلى النزاعات الطائفية المرتبطة بسلطوية طاغية، وتبدل التحالفات بلمح البصر وتقلّب المصالح وانعكاساتها التي يدفع ثمنها البسطاء، حين يحاولون تغيير قواعد اللعبة... لا تزال المأساة نفسها قائمة. والأهم حضور النفوذ الأجنبي، حيث نرى القوى الكبرى تحرك بأصابعها الأحداث وتُشعل الفتن من فرنسا وبريطانيا إلى روسيا والنمسا، وبالطبع الدولة العثمانية التي بدأت تشيخ وتتسلل الدول الأجنبية بكل قواها؛ خصوصاً حين يُفسح لها المجال.

الحرية وثمنها الباهظ

كتاب يُقرأ بمتعة رغم أن موضوعه مركَّب، ويتحدث عن مرحلة غاية في التعقيد، وتفاصيله الكثيرة تحتاج إلى تركيز. الإحساس بالثقل يتلاشى وأنت تتحسس كم أن طانيوس مهمٌّ استرجاعه كشخصية حرَّكت المياه الراكدة، وَسَعَتْ إلى التغيير، بكل أخطائه وانفعالاته واندفاعاته. تراه يحتجّ على الاستخفاف به وبما يستطيع إنجازه في لحظة خطر يمكنه فيها أن يكون منقذاً ويتزعم جيشاً يوحِّد الموارنة المنقسمين. يقول للبطريرك: «شقفة مأمور بكسروان ما خليتوني أعمل، بدّكن تقبلوا أتزعم جيش الموارنة؟ وليش؟ كرمال ما يزعل الأُمرا والمشايخ والبكوات والأعيان والتجار والسماسرة والمطارين الموارنة. وهودي شو فارقة معن؟ نُصُّن أصحاب الأُمرا والمشايخ الدروز وبيمسحوا جوخ للباشا (العثماني)». أكثر من ذلك، هؤلاء «لا بيقاتلوا ولا بيلموا حجار» وعلى أهبة الاستعداد للهرب بثرواتهم والاختباء، حيث تتسع لهم أماكن كثيرة. وبينما تسيل الدماء ويُذبح الفقراء، ينتظرون المراكب الفرنسية أو العثمانية التي تحملهم حيث يريدون.

قد تكون الحرية هي الفكرة الأكثر إلحاحاً في الكتاب، يسعى إليها طانيوس بكل ما أوتي من عزيمة: «أباهي بأني حرّ، أنفّذ ما في رأسي، وسأبقى حراً حتى آخر يوم في حياتي، وأدفع الآن ثمن ذلك».


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»