مارغريت آتوود: مذكّراتٌ من نوعٍ ما

تستعرض فيها الروابط بين أحداث حياتها الخاصة وعملها الأدبي

مارغريت آتوود: مذكّراتٌ من نوعٍ ما
TT

مارغريت آتوود: مذكّراتٌ من نوعٍ ما

مارغريت آتوود: مذكّراتٌ من نوعٍ ما

أحبُّ مارغريت آتوود. أحبُّ سيرتها الأدبية وأعمالها. هي واحدةٌ ممّن ظلّت رفقتُهم لي - منذ بواكير انشغالي بالكتابة الإبداعية في مطلع ثمانينات القرن الماضي - أمراً طيّباً مكتنزاً بالثراء والمعرفة. دوماً حسبتها واحدةً من أضلاع خمسة أقمتُ عليها هيكلي المعرفي الروائي: دوستويفسكي، فيرجينيا وولف، نيكوس كازانتزاكي، هيرمان هسّه، ومعهم مارغريت آتوود. كنتُ أراها في كلّ العقود التي عرفتها أقرب لشخصية أفلاطونية الخواص في عصرنا هذا، وهذه خصيصة يتشاركها معها العمالقة الأربعة الذين ذكرتهم. هي تستحقُّ أن نصف أدبها - كما يطيبُ لي توصيفه - بِـ«الأدب الآتوودي» (Atwoodian Literature) بكلّ رؤاه المستقبلية الاستشرافية المشوبة بديستوبيا قد تكون غير مستحبّة لدى بعضنا. لكن ما العمل؟ هي ترى ما لا يراه الآخرون. أليس هذا بعضاً من وظيفة الكاتب الحقيقي؟ هي لم تنل جائزة نوبل حتى اليوم؛ لكن لنجرّبْ أن نضع قبالتها أيّاً من حملة نوبل الأدبية في العشرين سنة الماضية، أو ممّن لم ينالوها لكنّهم كُتّابٌ معترفٌ بريادتهم الأدبية وسمعتهم الطاغية. كيف تتخيلون النتيجة؟ هل سيصمد أحدٌ أمام مارغريت آتوود؟ ستطغى آتوود عليه بكلّ المقاييس.

مارغريت آتوود، الكاتبة الكندية، شخصية ريادية في الأدب المعاصر، وهي متعددة الأوجه والإمكانات. على مدى مسيرة مهنية امتدت عقوداً، لم تكتفِ آتوود بكتابة الروايات التي وَسَمَتْ حقبة كاملة؛ بل خاضت غمار الشعر والنقد الأدبي والقصة القصيرة، وحتى التأليف المسرحي والنشاط البيئي والنسوي. إنها قامة أدبية تجاوزت حدود النوع الأدبي المنفرد لتصبح رائية روائية تستشرف المخاطر الأخلاقية والاجتماعية في المستقبل، كما فعلت في روايتها الأيقونية «حكاية الجارية» (The Handmaid›s Tale).

سيكون سؤالاً يمتلك مشروعيته الكاملة لو تساءلنا: متى ستكتب آتوود سيرتها الذاتية أو مذكراتها؟ لِمَ لم تفعلْ حتى اليوم؟ لم تتغافل آتوود عن هذا التساؤل فنشرت مذكراتها يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وقد سبق للصحافة العالمية أن نوّهت عن هذه المذكرات منذ بداية عام 2025؛ لكن من المفضّل قبل الغوص في مذكراتها الأخيرة أن نشير لعمل آتوود الذي يمكن اعتباره سيرتها الأدبية/الكتابية، وهو كتاب «مفاوضات مع الموتى: تأمّلات كاتبة حول الكتابة» (Negotiating with the Dead: A Writer on Writing). هذا العمل المترجم إلى العربية، الذي نشأ من سلسلة محاضرات ألقتها في جامعة كامبردج، ليس سيرة شخصية بالمعنى المتعارف عليه؛ بل هو تشريح عميق لعملية الكتابة ذاتها ولشخصية الكاتب. في هذا الكتاب، تطرح آتوود أسئلة جوهرية: لماذا يكتب الكاتب؟ وما الذي يجعله كاتباً؟ مستكشفة العلاقة الغامضة بين الكاتب وعمله، وبين العالَم الحي والعالم الموازي للأدب الذي يبقى بعد موت الكاتب، ومن هنا يأتي العنوان «مفاوضات مع الموتى»؛ أي الحوار المستمر بين الكاتب ومن سبقوه ومن سيأتون بعده. يُعدّ هذا الكتاب دليلاً فكرياً لكلّ من أراد فهم خفايا الحِرْفة الأدبية من منظور كاتبة مارست كل فنون الكتابة الأدبية.

كما ذكرتُ أعلاه، نشرت آتوود مذكّراتها التي طال انتظارُها، واختارت لها عنوان «كتاب حَيَوات: مذكرات من نوع ما» (Book of Lives: A Memoir of Sorts). لن يخفى على القارئ أنّها اختارت لمذكراتها هذا العنوان الفرعي الذكي للدلالة على عدم التزامها بالصيغة النمطية للسيرة الذاتية. جاءت هذه المذكرات الضخمة (624 صفحة) لتضيء على حياة شخصية رغبت آتوود دائماً في أن تكون أعمالها هي المثابة الأبرز فيها. أشارت آتوود نفسها إلى حذرها من كتابة المذكرات خشية أن يتوقع القرّاء حكايات عن «الإفراط في شرب الكحول، والحفلات الماجنة، والتجاوزات السلوكية الصارخة، وأن يُفرط الكاتب في معاملة نفسه على أنّه ناتج ثانوي انبثق من كومة سماد سلوكي شائن لا لشيء سوى لإضفاء نمط من الواقعية الصارخة على حياته، والإشارة إلى أنّه لن يحجب شيئاً عن قرّائه من تفاصيل حياته»، مؤكدة في الوقت ذاته أنها «لم تعش هذا النوع من الحياة». أظنُّ أنّ هذه التفصيلة مثّلت هاجساً عظيماً لدى آتوود لأنّ القارئ المواظب على قراءة يعرف أنّ هذا النمط من الإنجاز الأدبي والفكري لن يتأتّى إلا بانضباط وجَلَد وحساسية تكاد تكون مَرَضية تجاه الزمن.

اختارت آتوود لكتابها مقدّمة مع تسعة وثلاثين فصلاً. لم تتقيّد الكاتبة بترتيب كرونولوجي زمني خطّي بل أرادت بقصدية كاملة أن تكون المذكرات ترتيباً كولاجياً لمواقف ورؤى وذكريات حسب أهميتها في حياتها. أسلوب الكتابة هو الأسلوب الآتوودي المعهود في كتبها السابقة: كتابة ساخرة تتخللها رؤى فلسفية هادئة من غير تمهيدات أو استطرادات. من أمثلة هذه الكتابة الآتوودية ما ورد في المقدّمة: «بذلت دماءً وعرقاً لكتابة هذا الكتاب؛ فقد كانت الحياة أكثر اكتظاظاً بالتفاصيل من أن تُحشر فيه، ولو أنني متُّ في الخامسة والعشرين - مثل جون كيتس - لكان الكتاب أقصر -. ضحكتُ كثيراً لهذه الفكرة: هل كنتُ حينها سأكتبُ الكتاب؟». ثمّ تضيف في المقدّمة ذاتها: «المذكرات هي ما يمكنك تذكّرُهُ، وأنت تتذكر غالباً الأشياء الغبية، والكوارث، وأفعال الانتقام، وأوقات الرعب السياسي؛ لذلك كتبتُ عن تلك الأشياء لكنني لم أكتفِ بها بل أضفت أيضاً لحظات الفرح والأحداث المفاجئة، وبالطبع الكثير من الكتب».

بعد المقدّمة المثيرة تتناول آتوود طفولتها غير التقليدية في براري شمال كيبك الكندية، حيث عمل والدها كعالم حشرات، وعاشت العائلة في عزلة شبه دائمة دون كهرباء أو ماء جارٍ. هذا الانغماس في الطبيعة والبراري كان بمثابة المعلم الأعظم لآتوود، وشكّل مصدر إلهام لاهتماماتها البيئية والأدب التأمّلي الذي اشتهرت به. بعد مرحلة الطفولة تتناول آتوود في فصول عدّة سنوات التكوين الأكاديمي: انتقالها إلى الحياة المدنية، وتجربتها في الجامعة بمدينة تورنتو ثم في هارفارد، وكيف غذت بيئتها الأكاديمية والاجتماعية الأولى عملها الروائي وبخاصة في روايات مثل «عين القطة» (Cat›s Eye) التي استلهمتها من تجربة التنمر في طفولتها.

عقب التكوين الأكاديمي تتناول آتوود العلاقة بين الحياة والفن؛ إذْ تستعرض بذكاء وحسّ دعابة بالغَيْن الروابط بين أحداث حياتها الخاصة وعملها الأدبي، رافضة التفسير التبسيطي الذي يرى أعمالها سيرة ذاتية مباشرة. لا تنسى آتوود في هذا السياق أن تلقي الضوء على كيفية نشأة أفكار أعمال كبرى لها مثل «حكاية الجارية»، مستمدة أفكارها من فترات تاريخية محدّدة وقواعد اجتماعية شاخصة. تفرِدُ آتوود جزءاً مهمّاً من مذكراتها للحديث عن حياتها وعلاقتها مع غريم غيبسون: زوجها وشريكها الأدبي الراحل، كاشفة عن شراكة إبداعية وعاطفية عميقة. ينتهي حديثها عن زوجها الراحل بلمسة حزينة - لكنْ قوية - تتناول سنوات تدهوره الصحي ووفاته، مؤكّدة على ضرورة الاستمرار في العمل والحياة.

عندما يقرأ القارئ الشغوف هذه المذكّرات لا بد أن يقف عند شواخص ماثلة تكشفُ عن ثراء فكري وتجربة حياتية مكتنزة

قلتُ إنّ آتوود كاتبةٌ منغمسة عضوياً في عملها الإبداعي؛ لذا ليس غريباً أن تختصّ كثرةً من فصول كتابها لأعمالها حدّ أنّ عناوين هذه الفصول هي عناوين أعمالها المنشورة ذاتها. عندما يقرأ القارئ الشغوف هذه المذكّرات فليس بمستطاعه سوى الوقوف عند شواخص ماثلة من عبارات آتوود التي تكشفُ عن ثراء فكري وتجربة حياتية مكتنزة. لا بأس من بعض الأمثلة: عن ازدواجية شخصية الكاتب وجوهر الكتابة تكتب آتوود: «كلُّ كاتب هو على الأقل كائنان: الذي يعيش، والذي يكتب... وهما ليسا الشخص نفسه». كذلك عن الذاكرة والحقيقة تكتب آتوود: «هل ما أتذكّرُهُ هو نفس الأشياء التي حدثت بالفعل؟ الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها كتابة الحقيقة هي أن تفترض أنّ ما تكتبه لن يُقرأ أبداً... لا من قبل أي شخص آخر، ولا حتى من قبلك أنت في وقت لاحق؛ وإلا فإنك تشرعُ في تبرير نفسك» من جانب آخر بعيد عن الذاتية المكرّسة، وفي سياق بيان أهمية العصر الحالي للمرأة الكاتبة مثلها تكتب آتوود: «سألني الناس على مر السنين: إذا كان بإمكانك اختيارُ قرن آخر لتعيشي فيه؛ فأيُّ قرن ستختارين؟ أجبْت: هذا سؤال عام جداً ويتناولُ تفاصيل مفروضة علينا. هو شبيه بأسئلة من نوع: ما هو جنسك؟ ما هو عمرك؟ ما هو بلدك؟ ما هي طبقتك الاجتماعية؟ هل كنتِ تفضلين أن تكوني أميرة من النبلاء أم حفَّارة خنادق؟ لم يكن لدي أدنى شك لولا عصر الطباعة لكنت أغسل الأرضيات». لا يخلو كتاب مذكّرات آتوود من مداعبة فلسفية عُرِفت بها الكاتبة؛ فحَوْل تحدّيات الجسد والوجود تكتب قائلة: «بعد أن يفرض الجسد نفسه علينا كنرجسيٍّ أنانيٍّ فإنّ حيلته الأخيرة هي -ببساطة- أن يغيب عن المشهد!!».

كتابُ مذكّرات آتوود ليس تجميعة عشوائية للذكريات؛ بل هو احتفالٌ بمسيرة حافلة بالإنجاز، وإطلالةٌ على العقل المبدع لواحدة من أهم الروائيات في عصرنا- روائية استطاعت أن تحوّل تجاربها الشخصية، مهما كانت عادية أو استثنائية، إلى نبع إلهام أدبي عالمي.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.