«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية

«النسيج حي» بعد 20 سنة من انطلاقتها

«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية
TT

«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية

«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية

مؤسسة «المورد الثقافي» التي احتفلت بعيدها العشرين في «متروبوليس» في بيروت، يومي 24 و25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، «أشبه بوزارة ثقافة عربية». هكذا وصفتها إحدى المشاركات في الملتقى الذي جمع شبكة واسعة من المبدعين في المنطقة العربية، وهم في غالبيتهم من الذين تعاونوا مع «المورد»، ومنهم من أصبحوا نجوماً بفضل تمويلاتها، ومشاريعها المختلفة.

كان من الممتع متابعة النقاشات الصريحة، التي دارت حول مواضيع في الصميم مثل العمل الثقافي في اللحظة السياسية الراهنة، والتحولات الرقمية، والمشاع كممارسة، واللغة وحدودها... ودارت حلقة نقاش كبرى حول «التمويل والإقصاء والبدائل»، شارك فيها أكثر من عشرين شخصاً.

موضوع التمويل الغربي، الذي اعتمدت عليه بشكل أساسي مؤسسة «المورد»، والكثير من المؤسسات الثقافية العربية، كان موضع أخذ وردّ. وعادت بشكل متكرر فكرة أن حرب الإبادة محطة فاصلة، بعدها ليس كما قبلها. وجاء في كتيب «المورد» للملتقى الذي حمل عنوان «النسيج حي»، أن «الإبادة الجماعية في غزة والحروب المتواصلة على المنطقة تعيد تذكيرنا بضرورة اللقاء والتفكير المشترك وإعادة ترتيب الأولويات، كما تؤكد أهمية ما نقوم به في مواجهة استراتيجيات المحو الممنهجة التي يمارسها المشروع الصهيوني وحلفاؤه، التي لا تستهدف الأرواح فحسب بل تطول العمران والتراث والهوية واللغة والأرشيف...»، وتأمل «المورد» من خلال هذا اللقاء «أن نعيد النظر معاً في الممارسات والقيم والنماذج والعادات التي نود التخلي عنها، أو استعادتها واستكشاف أدوات ومقاربات جديدة، كفيلة ببناء مستقبل يكون فيه الإنسان أولوية».

انقسمت الآراء، بين من قال إنه بات يرفض كلياً التمويل الغربي الذي يأتي من مصادر أميركية والاتحاد الأوروبي، وهؤلاء قلة، وقسم آخر رأى أن التخلي عن التمويل مشكلة لأنه يصعب جداً على أي مؤسسة ثقافية أن تعتمد على مداخيلها الخاصة. ومالت الأغلبية إلى الاعتماد على الذات بشكل جزئي. تحدثت هانية مروة، مديرة «متروبوليس»، وهو مركز ثقافي تعددي فيه صالات سينما، عن تجربتها الطويلة والمشجعة. وقالت إن «متروبوليس» يحاول أن يتخلى عن التمويل بالمداخيل الذاتية؛ «بيع البوب كورن مثلاً ندفع منه معاشات الموظفين، وبعض التذكارات الصغيرة وتأجير الصالة لمناسبات صباحية يسد جزءاً آخر. باتت مداخيلنا الخاصة تؤمِّن 35 في المائة من حاجاتنا، والهدف القريب تأمين نصف المصروف. ولو توقفت المساعدات بمقدورنا أن نقتصد ونستمر». إيمان حموري مديرة مركز «الفن الشعبي» في فلسطين، رأت أن «الثقافة كانت مشروعاً تحررياً، لكن بعد (أوسلو) وُجدت مؤسسات تجسِّد النيوليبرالية، يوجِّه من خلالها الممولون المشاريع الثقافية لتكون غير سياسية. وهكذا دخلنا معهم في التسويات». وعلَّقت على التجربة: «لقد وقعنا في الفخ، وأقنعنا أنفسنا بأن الأمر عادي، ووافقنا على تنازلات». حموري من الذين يرون أنه كان ثمة إحساس بأننا نقاوم الموجه، ونحاول أن نفرض رأينا من الداخل «ولم ندرك أنهم يسيرون بشكل ممنهج للوصول إلى غاياتهم، إلى أن جاء التمويل المشروط عام 2019 من الاتحاد الأوروبي، وكنا مجبرين على توقيع العقود المشروطة». من هنا كان شبه توافق على أهمية بناء شراكات مع المحيط المحلي، للتحرر من التمويل الأجنبي، قدر الممكن. بكلام آخر العودة إلى الأساليب القديمة التي اعتمدت عليها الحياة الثقافية في القرن الماضي. المسرحي روجيه عساف كان قد تحدث عن ضرورة بناء علاقات مع مؤسسات، وشركاء، وتبادل دائم بين المبدعين من مختلف المجالات. أعطى مثلاً مقهى «الهورس شو» في بيروت الستينات، حيث كان يلتقي الكاتب مع الرسام مع المسرحي مع الصحافي والموسيقى، نعمل معاً، ونتبادل الخبرات، وهناك العلاقة الوثيقة مع الجمهور أيضاً. هذه الشبكة هي التي تعطي الدفع المالي والمعنوي للعمل الثقافي. حموري، من باب الاستغناء عن التمويل، افتتحت في مركزها مدرسة للدبكة تُسهم بثُلث المصروف، بالإضافة إلى الشراكات التي تعمل على تقويتها وبـ«التضامن تكبر الحلقة».

من تونس أحمد أمين العزوزي، طرح شكلاً آخر من أشكال الرجوع إلى الممارسات القديمة، وهي أن نتخلص من فكرة المهنة الفنية التي نتفرع لها، ويمارس الفنان إبداعه إلى جانب مهنة أخرى تؤمِّن له مدخوله، كما كان الحال في السابق. قال مشاركون إن الفاعلين الثقافيين ليسوا وحدهم من أُفسدوا ولكن الجمهور أيضاً اعتاد العروض المجانية، وبات لا يريد أن يشتري تذكرة الدخول أو أن يسهم في تمويل الأنشطة الثقافية ولو بمبالغ رمزية، حسب سيرين قنون، مديرة مسرح الحمرا، في تونس.

شرحت إحدى المشاركات أن قبول تمويلات الأوروبيين والأميركيين في التسعينات، «كان بسبب تقاطع أجنداتنا مع الجهات الممولة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. هم كانوا يريدون الترويج لقيم حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الإنسان، ونحن بحاجة لهذه المبالغ. الآن اكتشفوا حدود إمكاناتهم، وتغيروا ولسنا نحن من تَغيَّرنا».

بطبيعة الحال التمويلات الغربية السخية للثقافة العربية، تشحّ، ولربما ثمة إحساس بأن الصنابير قد تُغلق كلياً في أي لحظة، فأولويات الممولين قد تتغير، وما يريدونه من المنطقة العربية قد يصلون إليه بطرق أخرى غير الثقافة. وهذا ما يفهمه الفنانون العرب، إضافةً إلى صدمة غزة التي تركت ندوبها على الأرواح وفي الضمائر. وبالتالي، ما العمل؟ سارة كحيل من فلسطين، مستشارة في تطوير الموارد، رأت أننا «أصبحنا أمام سؤال صعب. هل نبقى نعمل معهم، على اعتبار أننا نغيّر من الداخل، أم أن وقت الحوار انتهى؟». شرحت كحيل أن «ثلاثين سنة مضت، ونحن يُطلب منّا أن نخفف من قول: مَن نحن؟ فعلاً صار لزاماً علينا أن نفكر فيمَن هو الممول؟ وكيف يجب أن نتعامل معه؟ وما البدائل؟».

حيدر حلو، مخرج وممثل، هو المدير الفني لـ«مؤسسة بغداد للأفلام»، قال إن الفنانين المستقلين أهم ما يعنيهم هي الحرية؛ «نحن من خلال التجربة العراقية نرى أنفسنا ككل المنطقة العربية ركاباً في طائرة مخطوفة، وبحاجة إلى أن نتفاوض مع الخاطفين، وعندما يطلقون سراحنا نستطيع أن نتحدث ونقرر». واقترح حلو التفكير والمراجعة المستمرين، حيث إنه لا حل سحرياً لهذا الموضوع. حالياً للتغلب على المشكلة «نعمل بشراكة مع مؤسسات صديقة، ونود أن نقلب المثلث، أن نتعاون مع زملائنا العرب. نحن الآن نتعاون مع زملائنا اللبنانيين، هم يصورون في العراق ونحن نصوِّر في لبنان، ونكبّر هوامشنا باطّراد».

«كانت طفرة غربية في رأس المال» كما رأتها ليلى حوراني التي سبق وعملت مع مؤسسات مختلفة. ورأت أننا «كلنا مذنبون، وكلنا متواطئون»، مؤكدةً ما قالته فاتن فرحات، عضو الجمعية العمومية لـ«المورد». وأكملت حوراني: «أنا قاطعت أصدقاء، لم أعد ألتقي معهم بعد الإبادة، فهل سيصعب عليَّ مقاطعة المال؟»، مشددةً على أن المقاطعة تحتاج إلى أن يجد الإنسان وراءه مَن يسانده. يجب أن نتعاون ويحمل بعضنا بعضاً». وأوضحت حوراني أن مؤسسة «فورد» كان لها عشرة مكاتب في العالم، 40 في المائة من تمويلها يذهب إلى خارج أميركا. «اليوم يريدون أن يغلقوا على أنفسهم، هل أقاطع أم أصارحهم؟ نحن بحاجة إلى أن نوزِّع الأدوار بكل دهاء فيما بيننا، الجميع في وضع صعب مالياً. لذا يجب أن نجلس ونتآمر كقطاع لنرى ما علينا أن نفعل».

إحدى حاضرات الجلسة قالت إنها اشتغلت مع مؤسسة «فورد» سابقاً وعاشت التجربة، لهذا ترى أن «الجلسة كانت مخزية». قائلةً: «نحن نمارس الرقابة على أنفسنا. هل نسيتم أننا نحن دول الجنوب جرى إفقارنا وسرقة مواردنا. الأموال التي تصل إلينا هي (سوفت بور) أو (احتلال ناعم)». وأكملت: «نحن نبيع سردية غربية ملطّفة، نحتاج إلى شجاعة وعمق أكبر. البراغماتية هي التي أوصلتنا إلى هنا».

حسام الثني، الباحث الليبي في السياسات الثقافية، رأى أن دور الدول هو تهيئة البنية التحتية الثقافية وليس تمويل المشاريع التي يجب أن تبقى حرّة، إن أردنا استقلالية. فالممول بطبيعة الحال سيتحكم بالاتجاهات الثقافية. والمخرجات تذهب هدراً بدلاً من أن يعاد تدويرها.

المراجعات بدأت من الجلسات الأولى. شبَّهت كريستين طعمة، مؤسِّسة «أشكال ألوان» في لبنان، الوضع اليوم بما كان عليه في تسعينات القرن الماضي؛ «لا فرق بين المشكلات التي يواجهها الفنانون الشباب اليوم، وتلك التي عشناها في ذلك الوقت، أي علينا أن نعمل بالموجود والمتوفر. عدنا إلى نفس المكان الذي بدأنا منه قبل 35 عاماً». كثيرون تحدثوا عن الحائط المسدود الذي وصل إليه الجميع. الإيجابية الوحيدة هي أننا نجابه مشكلات نتشارك فيها مع العالم أجمع، ولسنا وحدنا هذه المرة. إدريس كسيسكس روائي ومسرحي مغربي، وصفها بأنها «أزمة وسائط سياسية فقدت مصداقيتها في كل العالم. سقف الحلم الذي كان موجوداً في القرن الماضي لم يعد قائماً. اضمحلت فكرة التعددية وحلت الفاشية. صرنا أمام خيارين: إما المشروع الوطني وإما العنصري الإباديّ». في المقابل فإن العالم الحقيقي الوحيد هو الثقافة والفن، ومن خلال كتابة الذاكرة هناك نوافذ تُفتح.

تداول المجتمعون في انهيار القيم، والموجة الكولونيالية الجديدة، وبروز دول الجنوب، وأين على الفنان والمثقف العربي أن يقف.

اللقاء هو اجتماع عربي ثقافي، ودّعت خلاله مديرة المورد إيلينا ناصيف، المجتمعين بكلمات مؤثرة، شارحةً الصعوبات التي واجهتها عند تسلمها «المورد» بعد أن انتقل المقر من مصر إلى لبنان، معتبرةً أن السنوات العشر المقبلة مهمة جداً، وأنها تترك المؤسسة بين أيادٍ أمينة، حيث تتسلم مكانها ألما سالم، التي تحدثت عن «امتداد المنطقة العربية من المشرق إلى المغرب، وتحويل الجغرافيا إلى فكرة ولوحة مفتوحة، فيما المنطقة يعاد تشكيلها. وعملُنا لا أن نرث المنطقة بل أن نبتكرها».

تأسست «المورد» كمؤسسة غير ربحية في مصر عام 2003 بمبادرة من بسمة الحسيني، وكانت لها أنشطة مهمة، مثل «مسرح الجنينة» و«مدرسة الدرب الأحمر»، وتم تمويل كثير من البرامج الثقافية. وفي عام 2017 انتقلت «المورد» إلى بيروت، واستمرت في دعم فنانين ومؤسسات ثقافية بمجموعة برامج. تشمل إنتاج أعمال جديدة والسفر والترويج لهذه الأعمال، وبرامج تدريب ومنشورات باللغة العربية تهدف إلى تطوير مهارات المديرين الثقافيين والمؤسسات الثقافية، وبحوث في السياسات الثقافية، ودعم الفنانين المعرَّضين للخطر.

ببلوغها عامها العشرين، فإن «المورد» تواجه تحديات بسبب الأزمات المالية لدى الجهات الممولة، وأزمة أخلاقية بسبب الإبادة، وهو ما استحق مراجعات الفنانين واقتراحاتهم واجتهاداتهم.


مقالات ذات صلة

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة،

منى أبو النصر (القاهرة:)
ثقافة وفنون الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة،

ألكسندرا ألتر
ثقافة وفنون  بودلير

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة.

هاشم صالح

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».