مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند يؤكد على دور التراث العالمي في الحوار بين الشعوب

يقام لأول مرة منذ 40 عاماً خارج باريس

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
TT

مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند يؤكد على دور التراث العالمي في الحوار بين الشعوب

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)

ليس بعيداً عن ساحة «ريجستان» قلب مدينة سمرقند التاريخي، افتُتحت الخميس، الدورة الـ43 للمؤتمر العام لـ«يونيسكو»، الذي يُقام لأول مرة خارج باريس منذ 40 عاماً، ويستمر حتى 13 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويمثل عقد الدورة الحالية لـ«يونيسكو» في سمرقند أهمية الدور المتزايد لأوزبكستان بوصفها مركزاً للحوار الثقافي والعلمي العالمي.

ويبلغ عدد المشاركين في هذا المؤتمر ما بين 4 - 5 آلاف مشارك من 194 دولة، بما في ذلك رؤساء دول، ووزراء، ومندوبون رسميون، وخبراء وشخصيات دولية بارزة.

وفي كلمتها في افتتاح المؤتمر، أكدت أودري أزولاي، المديرة العامة لـ«يونيسكو» على أهمية الحفاظ على التراث الإنساني والدفاع عن التنوع البشري.

وأعلنت أزولاي عن مبادرة تقودها «يونيسكو» بالتعاون مع إيطاليا لإعادة تأهيل متحف حلب، أسوة بالجهود المبذولة لإعادة ترميم متحف دمشق في سوريا، بعد الأحداث التي شهدها هذا البلد.

وأثنت على دور «يونيسكو» في إعادة إعمار المواقع التاريخية في الموصل بالعراق، حيث تعمل «يونيسكو» منذ عام 2018 بالتعاون مع الحكومة العراقية ودولة الإمارات والاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين، لإعادة بناء المعالم الثقافية، التي دمرها تنظيم «داعش» الإرهابي، بينها إعادة بناء مسجد النوري المشهور مع مئذنته المائلة ودير الساعة «السيدة العذراء» وكنيسة «الطاهرة» للسريان الكاثوليك، بالإضافة إلى 124 منزلاً قديماً ومسجد الأغوات ومدرسة الإخلاص في المدينة القديمة.

وقالت: أطلقنا في الموصل أكبر عملية في تاريخ المنظمة، شملت جميع قطاعاتها. وتم حشد 115 مليون دولار لإعادة تأهيل المدينة القديمة وأحيائها التاريخية، وخلق آلاف الوظائف، وتعليم 120 ألف تلميذ، وترميم كنيسة الطاهرة ودير الساعة، وإعادة بناء مسجد النوري ومنارته.

واستذكرت المديرة العامة لـ«يونيسكو» أودري أزولاي، في افتتاح الدورة الـ43 للمؤتمر العام لـ«يونيسكو»، وصف الروائي اللبناني أمين معلوف لمدينة سمرقند، بأنها «أجمل وجه أطلّت به الأرض نحو الشمس».

وأضافت أنها مدينة أسطورية، جغرافيتها وتاريخها يمثّلان دعوة إلى الحوار والتبادل، في مواجهة إغراءات الانقسام. ترك الفرس واليونان والعرب والترك والمغول وغيرهم بصماتهم في هذه المدينة التاريخية.

وقالت إن المؤتمر العام يستعد لانتخاب مدير عام جديد سيتولى مهامه خلال أيام.

وأضافت: «في وقت لم تعد فيه قيمة التعددية بديهية، أثبتنا معاً أهمية الحوار والعمل المشترك، وهذه هي أفضل إجابة على الانتقادات التي تواجهها المنظمات الدولية».

وقالت: «خلال ثماني سنوات، زادت موارد (يونيسكو) بنحو 800 مليون دولار، أي أكثر من 82 في المائة، رغم غياب المساهمة الأميركية المؤقتة».

وقالت إن «يونيسكو» طوَّرت برامج لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية، ونواصل الكفاح من أجل تعليم الفتيات في أفغانستان، حيث تُحرم الملايين من حق التعلم.

وأضافت: «نخصص اليوم نحو 20 في المائة من ميزانيتنا للمساواة بين الجنسين».

وقالت إن «يونيسكو» دربت 36 ألف قاضٍ و12500 من رجال الأمن في 150 دولة على حرية الصحافة ومكافحة الجرائم ضد الصحافيين.

كما اعتمدت أيضاً توصية «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» عام 2021، وهي اليوم المعيار العالمي الوحيد في هذا المجال.

وأضافت: «نعمل مع نحو 80 دولة لوضع استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، منها سلوفاكيا وصربيا».

الرئيس شوكت ميرضيائيف رئيس أوزبكستان وأودري أزولاي المديرة العامة لـ«يونيسكو» قبيل انطلاق المؤتمر (المكتب الإعلامي للرئيس الأوزبكي)

من جانبه، أكد الرئيس شوكت ميرضيائيف، رئيس أوزبكستان، أن المواقع التاريخية ومراكز التراث الإنساني تتعرض لأضرار جسيمة نتيجة الأوضاع المضطربة في أجزاء واسعة من العالم.

كما حذَّر الرئيس الأوزبكي من أن الفارق التكنولوجي بين الدول أوجد انعداماً في تكافؤ الفرص بين الدول لتطوير وصيانة مواقعها التراثية والاستفادة منها.

وأكد على الأولويات الرئيسية للتعاون الدولي في التعليم والثقافة والعلوم.

وأعرب عن استعداد بلاده للعمل تحت رعاية «يونيسكو» لإقامة مشروع نموذجي للذكاء الاصطناعي يسهم في حفظ التراث الثقافي وتعريفه للعالم. مؤكداً ضرورة تعزيز الجهود المشتركة لصون التراث العالمي الإنساني وحفظ عناصر التراث الفريدة، وخاصة الوثائق القديمة.

وفي هذا الصدد، أعلن الرئيس الأوزبكي اقتراح إطلاق يوم 19 نوفمبر من كل عام «يوماً عالمياً للتراث الوثائقي»، مشدداً على أهمية قيام «يونيسكو» بدور فاعل في صيانة الوثائق وحفظها وتسجيلها وتمكين الباحثين من الوصول إليها.

ويعقد مؤتمر اليونيسكو في سمرقند لأول مرة منذ أربعين عاماً؛ ما يمثل اعترافاً كبيراً بأوزبكستان ودورها الحضاري المتنامي في آسيا الوسطى، بصفتها جوهرة طريق الحرير القديم بين أوروبا والشرق الأقصى.

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)

وتعدّ المواقع التاريخية المسجلة في التراث العالمي، شاهداً على ازدهار سمرقند مركزاً علمياً وتجارياً على طريق الحرير، ومثالاً على تفاعل الثقافات الفارسية والتركية والعربية.

ويناقش المؤتمر قضايا عالمية، مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية التراث الثقافي، ومستقبل التعليم، وتعديل التوصية العالمية الأولى حول أخلاقيات تقنيات الأعصاب. ويتضمن جلسات برلمانية، ولقاءات لجان، ومعارض ثقافية، وفعاليات جانبية، مثل افتتاح «حديقة خضراء» للاستدامة، ومناقشات حول حقوق المرأة والذكاء الاصطناعي في الحفاظ على التراث. ويعقد في مركز «طريق الحرير سمرقند» للمؤتمرات.

ومن المتوقع أن يركز المؤتمر على أهمية التعاون متعدد الأطراف في مواجهة التحديات العالمية، مع تسليط الضوء على دور سمرقند التاريخي، والاحتفاء بسمرقند بصفتها ملتقى للحضارات على طريق الحرير ومركزاً للحوار الثقافي.

نحو 150 مشاركاً شبابياً من أكثر من 140 دولة في فعاليات منتدى الشباب الـ14 لليونسكو في سمرقند (اليونسكو)

وتناقش إحدى جلسات المؤتمر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أهمية القضايا المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؛ تمهيداً لاعتماد توصيات مهمة في هذا المجال.

كما يناقش موضوع التعليم والتنمية المستدامة، مع تأكيد الحاجة إلى تطوير المهارات لمواكبة المستقبل المستدام.

وتُعدَّ سمرقند مدينةَ تراث عالمي لـ«يونيسكو» منذ 2001، الخلفية المثالية لهذا الحدث التاريخي على طريق الحرير، وتشهد هذه الفعاليات مشاركة دولية واسعة، وتُبرز دور أوزبكستان مركزاً للدبلوماسية الثقافية.

وسبق المؤتمر منتدى الشباب الـ14 لـ«يونيسكو»، الذي انطلق يومي 27 - 28 أكتوبر (تشرين الأول)، ويجمع نحو 150 قائداً شبابياً من أكثر من 140 دولة تحت شعار «الفعل المناخي والتأثيرات الاجتماعية، خاصة على الشباب». ويركز على حلول الشباب للتحديات المناخية والتغيير الاجتماعي، ويُعدّ جزءاً أساسياً من التحضير للمؤتمر العام، وإجراء مناقشات حية حول التعاون الدولي والابتكار في مجالات الصحة والتعليم والتكنولوجيا.

كرنفال ثقافي عالمي

ويصاحب انعقاد الدورة الحالية لـ«يونيسكو» فعاليات ثقافية وفنية مصاحبة تحولت خلالها سمرقند «كرنفالاً ثقافياً عالمياً»، ومن الفعاليات البارزة حفل جان ميشيل جار، حيث يحيي الموسيقي الفرنسي العالمي وسفير «يونيسكو» للنوايا الحسنة حفلاً موسيقياً كبيراً في ميدان ريجستان التاريخي في 1 نوفمبر.

كما يقام حفل توزيع جائزة البيروني الدولية، وهي الجائزة الجديدة التي أنشأتها «يونيسكو» وحكومة أوزبكستان لتكريم المساهمات في تطوير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

ويقام ماراثون سمرقند، الذي يمر عبر شوارع المدينة التاريخية.

يمثل عقد الدورة الحالية لليونسكو في سمرقند أهمية الدور المتزايد لأوزبكستان كمركز للحوار الثقافي والعلمي العالمي (اليونسكو)

‏وأقيم في مركز المؤتمرات عرض موسيقي قدمه المايسترو فلاديمير سبيفاكوف وعازفة البيانو هيلين ميرسييه، ضمن الفعاليات الثقافية في افتتاح المؤتمر.

وتُقام في المساء عروض فنية وثقافية مصاحبة، بما في ذلك حفل موسيقي يحييه المايسترو فلاديمير سبيفاكوف والفنان جوناس كوفمان.

وتمثل هذه الفعاليات مناسبة فريدة لأوزبكستان لعرض تراثها العريق ورؤيتها المستقبلية للعالم.

السياحة الثقافية

وتراهن أوزبكستان، وسط أجواء انفتاح ثقافي واستراتيجي متسارع، على ثقلها الحضاري ومخزونها الإسلامي العريق، لتصبح أحد أبرز المقاصد السياحية الجديدة لزوار العالمين العربي والإسلامي. فبسبعة مواقع مدرجة في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي، ومدن تاريخية أسطورية مثل سمرقند وبخارى وخيوة، تقدم أوزبكستان من خلال آثارها رواية متكاملة عن الذاكرة الإسلامية الحية التي شهدها هذا البلد وموقعه المتميز في آسيا الوسطى.

وابتداءً من عام 2025، تم تضمين سبعة مواقع في أوزبكستان ضمن مواقع للتراث العالمي، وأُدرجت هذه المواقع في قائمة «يونيسكو»، حيث أُدرجت مدينة خيوة بوصفها أول مدينة في هذه القائمة، بالإضافة إلى مواقع أخرى، مثل مدن سمرقند وبخارى وشهرسبز وممر طريق الحرير الذي يسير عبر 3 مناطق في أوزبكستان.

وهناك مواقع طبيعية مثل «ويسترن صن شاين»، التي تم إدراجها في قائمة التراث العالمية.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
الخليج تدعم مذكرة التفاهم جهود الحكومة اليمنية الرامية إلى الحفاظ على ممتلكاتها الثقافية (واس)

شراكة سعودية - أممية لدعم جهود حماية التراث اليمني

وقَّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مذكرة تفاهم مع منظمة «اليونيسكو» تعزيزاً للجهود المشتركة في صون التراث الثقافي اليمني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق اللعب بالعصا ضمن مهرجان التحطيب (وزارة الثقافة المصرية)

«التحطيب»... لعبة الصعايدة التراثية تُسجل حضوراً كرنفالياً في مصر

الفرق المشاركة في المهرجان قدمت استعراضات تحاكي لعبة التحطيب في صورتها الأصلية، وسط إقبال جماهيري كبير وتفاعل من الأهالي والسائحين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي توقيع اتفاقية ثلاثية لدعم التعليم في اليمن بتمويل سعودي قدره 40 مليون دولار (سبأ)

40 مليون دولار دعم سعودي إضافي للتعليم في اليمن بشراكة أممية

شهدت الرياض، الخميس، توقيع اتفاقية شراكة ثلاثية بين وزارة التربية والتعليم اليمنية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومنظمة اليونيسكو، بـ40 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»

القفطان المغربي… أناقة عبر القرون تتوجها «اليونيسكو» باعتراف عالمي

اعتراف عالمي بثراء التراث المغربي، وبقدرة هذا القفطان العريق على أن يتحول إلى لغة ثقافية عابرة للحدود، تجمع بين الجمال والهوية وتستمر في الإلهام عبر الزمن.

كوثر وكيل (نيودلهي )

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!