مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند يؤكد على دور التراث العالمي في الحوار بين الشعوب

يقام لأول مرة منذ 40 عاماً خارج باريس

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
TT

مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند يؤكد على دور التراث العالمي في الحوار بين الشعوب

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)

ليس بعيداً عن ساحة «ريجستان» قلب مدينة سمرقند التاريخي، افتُتحت الخميس، الدورة الـ43 للمؤتمر العام لـ«يونيسكو»، الذي يُقام لأول مرة خارج باريس منذ 40 عاماً، ويستمر حتى 13 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويمثل عقد الدورة الحالية لـ«يونيسكو» في سمرقند أهمية الدور المتزايد لأوزبكستان بوصفها مركزاً للحوار الثقافي والعلمي العالمي.

ويبلغ عدد المشاركين في هذا المؤتمر ما بين 4 - 5 آلاف مشارك من 194 دولة، بما في ذلك رؤساء دول، ووزراء، ومندوبون رسميون، وخبراء وشخصيات دولية بارزة.

وفي كلمتها في افتتاح المؤتمر، أكدت أودري أزولاي، المديرة العامة لـ«يونيسكو» على أهمية الحفاظ على التراث الإنساني والدفاع عن التنوع البشري.

وأعلنت أزولاي عن مبادرة تقودها «يونيسكو» بالتعاون مع إيطاليا لإعادة تأهيل متحف حلب، أسوة بالجهود المبذولة لإعادة ترميم متحف دمشق في سوريا، بعد الأحداث التي شهدها هذا البلد.

وأثنت على دور «يونيسكو» في إعادة إعمار المواقع التاريخية في الموصل بالعراق، حيث تعمل «يونيسكو» منذ عام 2018 بالتعاون مع الحكومة العراقية ودولة الإمارات والاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين، لإعادة بناء المعالم الثقافية، التي دمرها تنظيم «داعش» الإرهابي، بينها إعادة بناء مسجد النوري المشهور مع مئذنته المائلة ودير الساعة «السيدة العذراء» وكنيسة «الطاهرة» للسريان الكاثوليك، بالإضافة إلى 124 منزلاً قديماً ومسجد الأغوات ومدرسة الإخلاص في المدينة القديمة.

وقالت: أطلقنا في الموصل أكبر عملية في تاريخ المنظمة، شملت جميع قطاعاتها. وتم حشد 115 مليون دولار لإعادة تأهيل المدينة القديمة وأحيائها التاريخية، وخلق آلاف الوظائف، وتعليم 120 ألف تلميذ، وترميم كنيسة الطاهرة ودير الساعة، وإعادة بناء مسجد النوري ومنارته.

واستذكرت المديرة العامة لـ«يونيسكو» أودري أزولاي، في افتتاح الدورة الـ43 للمؤتمر العام لـ«يونيسكو»، وصف الروائي اللبناني أمين معلوف لمدينة سمرقند، بأنها «أجمل وجه أطلّت به الأرض نحو الشمس».

وأضافت أنها مدينة أسطورية، جغرافيتها وتاريخها يمثّلان دعوة إلى الحوار والتبادل، في مواجهة إغراءات الانقسام. ترك الفرس واليونان والعرب والترك والمغول وغيرهم بصماتهم في هذه المدينة التاريخية.

وقالت إن المؤتمر العام يستعد لانتخاب مدير عام جديد سيتولى مهامه خلال أيام.

وأضافت: «في وقت لم تعد فيه قيمة التعددية بديهية، أثبتنا معاً أهمية الحوار والعمل المشترك، وهذه هي أفضل إجابة على الانتقادات التي تواجهها المنظمات الدولية».

وقالت: «خلال ثماني سنوات، زادت موارد (يونيسكو) بنحو 800 مليون دولار، أي أكثر من 82 في المائة، رغم غياب المساهمة الأميركية المؤقتة».

وقالت إن «يونيسكو» طوَّرت برامج لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية، ونواصل الكفاح من أجل تعليم الفتيات في أفغانستان، حيث تُحرم الملايين من حق التعلم.

وأضافت: «نخصص اليوم نحو 20 في المائة من ميزانيتنا للمساواة بين الجنسين».

وقالت إن «يونيسكو» دربت 36 ألف قاضٍ و12500 من رجال الأمن في 150 دولة على حرية الصحافة ومكافحة الجرائم ضد الصحافيين.

كما اعتمدت أيضاً توصية «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» عام 2021، وهي اليوم المعيار العالمي الوحيد في هذا المجال.

وأضافت: «نعمل مع نحو 80 دولة لوضع استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، منها سلوفاكيا وصربيا».

الرئيس شوكت ميرضيائيف رئيس أوزبكستان وأودري أزولاي المديرة العامة لـ«يونيسكو» قبيل انطلاق المؤتمر (المكتب الإعلامي للرئيس الأوزبكي)

من جانبه، أكد الرئيس شوكت ميرضيائيف، رئيس أوزبكستان، أن المواقع التاريخية ومراكز التراث الإنساني تتعرض لأضرار جسيمة نتيجة الأوضاع المضطربة في أجزاء واسعة من العالم.

كما حذَّر الرئيس الأوزبكي من أن الفارق التكنولوجي بين الدول أوجد انعداماً في تكافؤ الفرص بين الدول لتطوير وصيانة مواقعها التراثية والاستفادة منها.

وأكد على الأولويات الرئيسية للتعاون الدولي في التعليم والثقافة والعلوم.

وأعرب عن استعداد بلاده للعمل تحت رعاية «يونيسكو» لإقامة مشروع نموذجي للذكاء الاصطناعي يسهم في حفظ التراث الثقافي وتعريفه للعالم. مؤكداً ضرورة تعزيز الجهود المشتركة لصون التراث العالمي الإنساني وحفظ عناصر التراث الفريدة، وخاصة الوثائق القديمة.

وفي هذا الصدد، أعلن الرئيس الأوزبكي اقتراح إطلاق يوم 19 نوفمبر من كل عام «يوماً عالمياً للتراث الوثائقي»، مشدداً على أهمية قيام «يونيسكو» بدور فاعل في صيانة الوثائق وحفظها وتسجيلها وتمكين الباحثين من الوصول إليها.

ويعقد مؤتمر اليونيسكو في سمرقند لأول مرة منذ أربعين عاماً؛ ما يمثل اعترافاً كبيراً بأوزبكستان ودورها الحضاري المتنامي في آسيا الوسطى، بصفتها جوهرة طريق الحرير القديم بين أوروبا والشرق الأقصى.

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)

وتعدّ المواقع التاريخية المسجلة في التراث العالمي، شاهداً على ازدهار سمرقند مركزاً علمياً وتجارياً على طريق الحرير، ومثالاً على تفاعل الثقافات الفارسية والتركية والعربية.

ويناقش المؤتمر قضايا عالمية، مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية التراث الثقافي، ومستقبل التعليم، وتعديل التوصية العالمية الأولى حول أخلاقيات تقنيات الأعصاب. ويتضمن جلسات برلمانية، ولقاءات لجان، ومعارض ثقافية، وفعاليات جانبية، مثل افتتاح «حديقة خضراء» للاستدامة، ومناقشات حول حقوق المرأة والذكاء الاصطناعي في الحفاظ على التراث. ويعقد في مركز «طريق الحرير سمرقند» للمؤتمرات.

ومن المتوقع أن يركز المؤتمر على أهمية التعاون متعدد الأطراف في مواجهة التحديات العالمية، مع تسليط الضوء على دور سمرقند التاريخي، والاحتفاء بسمرقند بصفتها ملتقى للحضارات على طريق الحرير ومركزاً للحوار الثقافي.

نحو 150 مشاركاً شبابياً من أكثر من 140 دولة في فعاليات منتدى الشباب الـ14 لليونسكو في سمرقند (اليونسكو)

وتناقش إحدى جلسات المؤتمر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أهمية القضايا المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؛ تمهيداً لاعتماد توصيات مهمة في هذا المجال.

كما يناقش موضوع التعليم والتنمية المستدامة، مع تأكيد الحاجة إلى تطوير المهارات لمواكبة المستقبل المستدام.

وتُعدَّ سمرقند مدينةَ تراث عالمي لـ«يونيسكو» منذ 2001، الخلفية المثالية لهذا الحدث التاريخي على طريق الحرير، وتشهد هذه الفعاليات مشاركة دولية واسعة، وتُبرز دور أوزبكستان مركزاً للدبلوماسية الثقافية.

وسبق المؤتمر منتدى الشباب الـ14 لـ«يونيسكو»، الذي انطلق يومي 27 - 28 أكتوبر (تشرين الأول)، ويجمع نحو 150 قائداً شبابياً من أكثر من 140 دولة تحت شعار «الفعل المناخي والتأثيرات الاجتماعية، خاصة على الشباب». ويركز على حلول الشباب للتحديات المناخية والتغيير الاجتماعي، ويُعدّ جزءاً أساسياً من التحضير للمؤتمر العام، وإجراء مناقشات حية حول التعاون الدولي والابتكار في مجالات الصحة والتعليم والتكنولوجيا.

كرنفال ثقافي عالمي

ويصاحب انعقاد الدورة الحالية لـ«يونيسكو» فعاليات ثقافية وفنية مصاحبة تحولت خلالها سمرقند «كرنفالاً ثقافياً عالمياً»، ومن الفعاليات البارزة حفل جان ميشيل جار، حيث يحيي الموسيقي الفرنسي العالمي وسفير «يونيسكو» للنوايا الحسنة حفلاً موسيقياً كبيراً في ميدان ريجستان التاريخي في 1 نوفمبر.

كما يقام حفل توزيع جائزة البيروني الدولية، وهي الجائزة الجديدة التي أنشأتها «يونيسكو» وحكومة أوزبكستان لتكريم المساهمات في تطوير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

ويقام ماراثون سمرقند، الذي يمر عبر شوارع المدينة التاريخية.

يمثل عقد الدورة الحالية لليونسكو في سمرقند أهمية الدور المتزايد لأوزبكستان كمركز للحوار الثقافي والعلمي العالمي (اليونسكو)

‏وأقيم في مركز المؤتمرات عرض موسيقي قدمه المايسترو فلاديمير سبيفاكوف وعازفة البيانو هيلين ميرسييه، ضمن الفعاليات الثقافية في افتتاح المؤتمر.

وتُقام في المساء عروض فنية وثقافية مصاحبة، بما في ذلك حفل موسيقي يحييه المايسترو فلاديمير سبيفاكوف والفنان جوناس كوفمان.

وتمثل هذه الفعاليات مناسبة فريدة لأوزبكستان لعرض تراثها العريق ورؤيتها المستقبلية للعالم.

السياحة الثقافية

وتراهن أوزبكستان، وسط أجواء انفتاح ثقافي واستراتيجي متسارع، على ثقلها الحضاري ومخزونها الإسلامي العريق، لتصبح أحد أبرز المقاصد السياحية الجديدة لزوار العالمين العربي والإسلامي. فبسبعة مواقع مدرجة في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي، ومدن تاريخية أسطورية مثل سمرقند وبخارى وخيوة، تقدم أوزبكستان من خلال آثارها رواية متكاملة عن الذاكرة الإسلامية الحية التي شهدها هذا البلد وموقعه المتميز في آسيا الوسطى.

وابتداءً من عام 2025، تم تضمين سبعة مواقع في أوزبكستان ضمن مواقع للتراث العالمي، وأُدرجت هذه المواقع في قائمة «يونيسكو»، حيث أُدرجت مدينة خيوة بوصفها أول مدينة في هذه القائمة، بالإضافة إلى مواقع أخرى، مثل مدن سمرقند وبخارى وشهرسبز وممر طريق الحرير الذي يسير عبر 3 مناطق في أوزبكستان.

وهناك مواقع طبيعية مثل «ويسترن صن شاين»، التي تم إدراجها في قائمة التراث العالمية.


مقالات ذات صلة

إطلاق الدورة الثالثة من جائزة «اليونسكو - عبد الله الفوزان» لدعم علماء المستقبل

يوميات الشرق جانب من توزيع جوائز دورة سابقة للجائزة (الشرق الأوسط)

إطلاق الدورة الثالثة من جائزة «اليونسكو - عبد الله الفوزان» لدعم علماء المستقبل

أُعلن إطلاق الدورة الثالثة من جائزة «اليونسكو - عبد الله الفوزان الدولية»، المخصصة لتشجيع التميز في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

«الشرق الأوسط» (الخبر)
المشرق العربي كرة نارية تندلع من مبنى عقب غارة إسرائيلية في مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني

أعلن نتنياهو، اليوم الجمعة، أن الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني في جنوب لبنان، مضيفاً: «ونعمل أيضاً في بيروت والبقاع وعلى امتداد الجبهة بأكملها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
الخليج تدعم مذكرة التفاهم جهود الحكومة اليمنية الرامية إلى الحفاظ على ممتلكاتها الثقافية (واس)

شراكة سعودية - أممية لدعم جهود حماية التراث اليمني

وقَّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مذكرة تفاهم مع منظمة «اليونيسكو» تعزيزاً للجهود المشتركة في صون التراث الثقافي اليمني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق اللعب بالعصا ضمن مهرجان التحطيب (وزارة الثقافة المصرية)

«التحطيب»... لعبة الصعايدة التراثية تُسجل حضوراً كرنفالياً في مصر

الفرق المشاركة في المهرجان قدمت استعراضات تحاكي لعبة التحطيب في صورتها الأصلية، وسط إقبال جماهيري كبير وتفاعل من الأهالي والسائحين.

محمد الكفراوي (القاهرة )

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»


جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الضخم، تحتلّ وسطها صورة دائرية تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحاً مليئاً بالفاكهة. خرجت هذه اللوحة من قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غرب مدينة تدمر، ودخلت المتحف، وتمّ تثبيتها في القاعة العليا من الجناح الذي خُصّص للقى الأثرية التي تمّ اكتشافها بين أطلال هذا القصر، وهي من الطراز الروماني الكلاسيكي الرفيع، وتتبع أسلوباً ساد في مختلف نواحي الأرضي السورية خلال القرون الميلادية التي سبقت دخول الإسلام إلى هذه البقاع. تعود هذه الجدارية إلى العقود الأولى من القرن الثامن، وتشهد بأسلوبها المتقن لاستمرارية هذا الطراز خلال العهد الأموي، وتشكّل أحد أجمل تجليّاته المشرقيّة في مطلع القرون الوسطى.

أُنجزت هذه اللوحة المستطيلة على مساحة من مادة المِلاط الجصّي المتين، وتبدو في موقعها اليوم أشبه بلوحة جدارية، غير أنّها في الواقع لوحة أرضية كانت تزيّن في الأصل قاعة الاستقبال في الجناح الغربي من القصر الذي شيّده هشام بين عبد الملك في عام 727، وتتميّز بضخامتها الاستثنائية، إذ يبلغ طولها 5.21 متر، وعرضها 4.43 متر. يحيط بهذه اللوحة إطار زخرفي عريض تزينه سلسلة لولبية من الأغصان المورقة، تتدلّى منها عناقيد من العنب الأحمر. حُوّرت هذه الأغصان هندسياً، واتخذت شكل دوائر متلاحقة متعادلة في الحجم، غير أنّها حافظت على ثقلها الطبيعي، وبدا ذلك بشكل خاص في تصوير عناقيدها. تحضر في وسط هذه الإطار صورة نصفية لامرأة في وضعية المواجهة، تنتصب وسط إطار دائري تزيّنه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية المتناسقة الممهورة بأشكال نباتية منمنمة. يخرج هذا الوجه عن النمط الكلاسيكي، وتعكس ملامحه النسق المحلّي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية في قالب سوري محلّي، ساد في تدمر، كما في نواح أخرى من البقاع السورية.

بنية الرأس دائرية، تعلوها كتلة من الشعر الكثيف الأسود تحيط به، مع فرق بسيط في وسط قمّته، وخصلتين صغيرتين تنسدلان على الجبين. العينان لوزتان واسعتان يعلوهما حجابان مقوّسان عريضان منفصلان، ينسدل من بين وسطهما خيط الأنف الرفيع. الفم مطبق، وقوامه خط بسيط يرسم الشق الفاصل بين شفتيه الرقيقتين. الوجنتان مكتنزتان وموشحتان باللون الأرجواني. العنق عريضة، يزيّنها عقد لؤلؤي قصير، تعلوه أفعى تلتف من حوله، رافعة رأسها فوق الكتف اليمنى. ترفع هذه المرأة يديها في اتجاه الصدر، حاملة وشاحاً يأخذ شكل رزمة مفتوحة، تعلوها مجموعة متنوّعة من الفاكهة، تتوسّطها إجاصتان. تبدو هذه الفاكهة مرصوصة ومثبتة في الفراغ، وتشكّل مساحة أفقية تحتلّ القسم الأعلى من الصدر الأنثوي.

تتبنّى هذه الصورة نموذجاً معروفاً في الفن الكلاسيكي يمثّل سيّدة الكون «غايا»، وهي أوّل من ظهر في بدء هذا الوجود، بحسب الميثولوجيا اليونانية. توصف هذه السيّدة الأم بصاحبة الأحشاء الشاسعة وحصن جميع الخالدين، وقد تجرّدت صورتها لاحقاً من معناها الأصلي، وتحوّلت إلى صورة «حيادية» تمثّل الأرض الطيّبة المثمرة فحسب. تُشكّل الأفعى الملتفّة حول العنق عنصراً من العناصر التشكيلية التي ترافقها، وترمز في العالم القديم إلى الخصوبة والعطاء والتجدّد المستمر.

تحضر «غايا» وسط لوحة دائرية تستقرّ وسط مساحة مستطيلة تكسوها أغصان نباتية زخرفية. وسط هذه الزخارف، في القسم الأعلى من هذه المساحة، فوق هامة الأرض الأم، يطلّ مخلوقان غرائبيان متشابهان في الشكل، لكل منهما رأس إنسان عاري الصدر، وساقا تنين ذي جثة ضخمة تعلوها الزعانف. رأى دانيال شلومبرجير أن هذا الكائن الذي يلتف ثلاث مرات على نفسه بشكل لولبي هو «قنطور بحري»، والقنطور مخلوق أسطوري إغريقي نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، كما هو معروف، وهو في هذا الرسم الأموي كما يبدو مخلوق نصفه إنسان ونصفه الآخر تنين. الجزء الأسفل من هذه المساحة التشكيلية تعرض للتلف وضاع للأسف، وما تبقّى منه يُظهر بقايا ثعلبين، أحدهما يقتات عنباً، وطيرين من فصيلة الكراكي، وكلباً يجري وراء حيوان ضاعت ملامحه، وبات من الصعب تحديد هويّته.

ظهرت صورة الأرض الأم على هذه اللوحة الأرضية من قصر الحير الغربي، ولم يقتصر ظهورها في الميراث الفني الأموي على هذا الموقع، إذ نراها كذلك في قصير عمرة، في البادية الأردنية، حيث تكرّرت صورتها الواحدة ستّ مرات في بناء تعادلي محكم، على جانبي السقف المقوّس الذي يعلو صورة صاحب الموقع، في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش». يشكّل هذا الحضور استمرارية لنموذج متوارث تعدّدت شواهده في بلاد الشام كما في سائر أنحاء الشرق الأدنى، ويرى البعض أن تبنّيه في هذين الموقعين الأمويين لا يخلو من الدلالة الرمزية.

بحسب قراءة افتراضية اقترحها العالم ريتشارد اتنغهاوزن في كتابه المرجعي الذي صدر عام 1962 تحت عنوان «فن التصوير عند العرب»، يمثّل لوح الأرض المثمرة الحاضرة في صورة «غايا»، «مع المحيط الدائر الذي تمثله الوحوش البحرية»، العالم الذي «أُلقي به منبسطاً تحت أقدام هذه الأسرة». وسواء اتبع الفنان المحلّي هذه الصيغة «وفقاً لتوجيهات رسمية أم لا، فإنّ مثل هذا المعنى المحدّد كان جلياً بصفة مؤكّدة بالنسبة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام في سوريا الكبرى».


حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»