مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند يؤكد على دور التراث العالمي في الحوار بين الشعوب

يقام لأول مرة منذ 40 عاماً خارج باريس

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
TT

مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند يؤكد على دور التراث العالمي في الحوار بين الشعوب

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)
جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)

ليس بعيداً عن ساحة «ريجستان» قلب مدينة سمرقند التاريخي، افتُتحت الخميس، الدورة الـ43 للمؤتمر العام لـ«يونيسكو»، الذي يُقام لأول مرة خارج باريس منذ 40 عاماً، ويستمر حتى 13 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويمثل عقد الدورة الحالية لـ«يونيسكو» في سمرقند أهمية الدور المتزايد لأوزبكستان بوصفها مركزاً للحوار الثقافي والعلمي العالمي.

ويبلغ عدد المشاركين في هذا المؤتمر ما بين 4 - 5 آلاف مشارك من 194 دولة، بما في ذلك رؤساء دول، ووزراء، ومندوبون رسميون، وخبراء وشخصيات دولية بارزة.

وفي كلمتها في افتتاح المؤتمر، أكدت أودري أزولاي، المديرة العامة لـ«يونيسكو» على أهمية الحفاظ على التراث الإنساني والدفاع عن التنوع البشري.

وأعلنت أزولاي عن مبادرة تقودها «يونيسكو» بالتعاون مع إيطاليا لإعادة تأهيل متحف حلب، أسوة بالجهود المبذولة لإعادة ترميم متحف دمشق في سوريا، بعد الأحداث التي شهدها هذا البلد.

وأثنت على دور «يونيسكو» في إعادة إعمار المواقع التاريخية في الموصل بالعراق، حيث تعمل «يونيسكو» منذ عام 2018 بالتعاون مع الحكومة العراقية ودولة الإمارات والاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين، لإعادة بناء المعالم الثقافية، التي دمرها تنظيم «داعش» الإرهابي، بينها إعادة بناء مسجد النوري المشهور مع مئذنته المائلة ودير الساعة «السيدة العذراء» وكنيسة «الطاهرة» للسريان الكاثوليك، بالإضافة إلى 124 منزلاً قديماً ومسجد الأغوات ومدرسة الإخلاص في المدينة القديمة.

وقالت: أطلقنا في الموصل أكبر عملية في تاريخ المنظمة، شملت جميع قطاعاتها. وتم حشد 115 مليون دولار لإعادة تأهيل المدينة القديمة وأحيائها التاريخية، وخلق آلاف الوظائف، وتعليم 120 ألف تلميذ، وترميم كنيسة الطاهرة ودير الساعة، وإعادة بناء مسجد النوري ومنارته.

واستذكرت المديرة العامة لـ«يونيسكو» أودري أزولاي، في افتتاح الدورة الـ43 للمؤتمر العام لـ«يونيسكو»، وصف الروائي اللبناني أمين معلوف لمدينة سمرقند، بأنها «أجمل وجه أطلّت به الأرض نحو الشمس».

وأضافت أنها مدينة أسطورية، جغرافيتها وتاريخها يمثّلان دعوة إلى الحوار والتبادل، في مواجهة إغراءات الانقسام. ترك الفرس واليونان والعرب والترك والمغول وغيرهم بصماتهم في هذه المدينة التاريخية.

وقالت إن المؤتمر العام يستعد لانتخاب مدير عام جديد سيتولى مهامه خلال أيام.

وأضافت: «في وقت لم تعد فيه قيمة التعددية بديهية، أثبتنا معاً أهمية الحوار والعمل المشترك، وهذه هي أفضل إجابة على الانتقادات التي تواجهها المنظمات الدولية».

وقالت: «خلال ثماني سنوات، زادت موارد (يونيسكو) بنحو 800 مليون دولار، أي أكثر من 82 في المائة، رغم غياب المساهمة الأميركية المؤقتة».

وقالت إن «يونيسكو» طوَّرت برامج لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية، ونواصل الكفاح من أجل تعليم الفتيات في أفغانستان، حيث تُحرم الملايين من حق التعلم.

وأضافت: «نخصص اليوم نحو 20 في المائة من ميزانيتنا للمساواة بين الجنسين».

وقالت إن «يونيسكو» دربت 36 ألف قاضٍ و12500 من رجال الأمن في 150 دولة على حرية الصحافة ومكافحة الجرائم ضد الصحافيين.

كما اعتمدت أيضاً توصية «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» عام 2021، وهي اليوم المعيار العالمي الوحيد في هذا المجال.

وأضافت: «نعمل مع نحو 80 دولة لوضع استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، منها سلوفاكيا وصربيا».

الرئيس شوكت ميرضيائيف رئيس أوزبكستان وأودري أزولاي المديرة العامة لـ«يونيسكو» قبيل انطلاق المؤتمر (المكتب الإعلامي للرئيس الأوزبكي)

من جانبه، أكد الرئيس شوكت ميرضيائيف، رئيس أوزبكستان، أن المواقع التاريخية ومراكز التراث الإنساني تتعرض لأضرار جسيمة نتيجة الأوضاع المضطربة في أجزاء واسعة من العالم.

كما حذَّر الرئيس الأوزبكي من أن الفارق التكنولوجي بين الدول أوجد انعداماً في تكافؤ الفرص بين الدول لتطوير وصيانة مواقعها التراثية والاستفادة منها.

وأكد على الأولويات الرئيسية للتعاون الدولي في التعليم والثقافة والعلوم.

وأعرب عن استعداد بلاده للعمل تحت رعاية «يونيسكو» لإقامة مشروع نموذجي للذكاء الاصطناعي يسهم في حفظ التراث الثقافي وتعريفه للعالم. مؤكداً ضرورة تعزيز الجهود المشتركة لصون التراث العالمي الإنساني وحفظ عناصر التراث الفريدة، وخاصة الوثائق القديمة.

وفي هذا الصدد، أعلن الرئيس الأوزبكي اقتراح إطلاق يوم 19 نوفمبر من كل عام «يوماً عالمياً للتراث الوثائقي»، مشدداً على أهمية قيام «يونيسكو» بدور فاعل في صيانة الوثائق وحفظها وتسجيلها وتمكين الباحثين من الوصول إليها.

ويعقد مؤتمر اليونيسكو في سمرقند لأول مرة منذ أربعين عاماً؛ ما يمثل اعترافاً كبيراً بأوزبكستان ودورها الحضاري المتنامي في آسيا الوسطى، بصفتها جوهرة طريق الحرير القديم بين أوروبا والشرق الأقصى.

جانب من افتتاح مؤتمر «يونيسكو» في سمرقند (الشرق الأوسط)

وتعدّ المواقع التاريخية المسجلة في التراث العالمي، شاهداً على ازدهار سمرقند مركزاً علمياً وتجارياً على طريق الحرير، ومثالاً على تفاعل الثقافات الفارسية والتركية والعربية.

ويناقش المؤتمر قضايا عالمية، مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية التراث الثقافي، ومستقبل التعليم، وتعديل التوصية العالمية الأولى حول أخلاقيات تقنيات الأعصاب. ويتضمن جلسات برلمانية، ولقاءات لجان، ومعارض ثقافية، وفعاليات جانبية، مثل افتتاح «حديقة خضراء» للاستدامة، ومناقشات حول حقوق المرأة والذكاء الاصطناعي في الحفاظ على التراث. ويعقد في مركز «طريق الحرير سمرقند» للمؤتمرات.

ومن المتوقع أن يركز المؤتمر على أهمية التعاون متعدد الأطراف في مواجهة التحديات العالمية، مع تسليط الضوء على دور سمرقند التاريخي، والاحتفاء بسمرقند بصفتها ملتقى للحضارات على طريق الحرير ومركزاً للحوار الثقافي.

نحو 150 مشاركاً شبابياً من أكثر من 140 دولة في فعاليات منتدى الشباب الـ14 لليونسكو في سمرقند (اليونسكو)

وتناقش إحدى جلسات المؤتمر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أهمية القضايا المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؛ تمهيداً لاعتماد توصيات مهمة في هذا المجال.

كما يناقش موضوع التعليم والتنمية المستدامة، مع تأكيد الحاجة إلى تطوير المهارات لمواكبة المستقبل المستدام.

وتُعدَّ سمرقند مدينةَ تراث عالمي لـ«يونيسكو» منذ 2001، الخلفية المثالية لهذا الحدث التاريخي على طريق الحرير، وتشهد هذه الفعاليات مشاركة دولية واسعة، وتُبرز دور أوزبكستان مركزاً للدبلوماسية الثقافية.

وسبق المؤتمر منتدى الشباب الـ14 لـ«يونيسكو»، الذي انطلق يومي 27 - 28 أكتوبر (تشرين الأول)، ويجمع نحو 150 قائداً شبابياً من أكثر من 140 دولة تحت شعار «الفعل المناخي والتأثيرات الاجتماعية، خاصة على الشباب». ويركز على حلول الشباب للتحديات المناخية والتغيير الاجتماعي، ويُعدّ جزءاً أساسياً من التحضير للمؤتمر العام، وإجراء مناقشات حية حول التعاون الدولي والابتكار في مجالات الصحة والتعليم والتكنولوجيا.

كرنفال ثقافي عالمي

ويصاحب انعقاد الدورة الحالية لـ«يونيسكو» فعاليات ثقافية وفنية مصاحبة تحولت خلالها سمرقند «كرنفالاً ثقافياً عالمياً»، ومن الفعاليات البارزة حفل جان ميشيل جار، حيث يحيي الموسيقي الفرنسي العالمي وسفير «يونيسكو» للنوايا الحسنة حفلاً موسيقياً كبيراً في ميدان ريجستان التاريخي في 1 نوفمبر.

كما يقام حفل توزيع جائزة البيروني الدولية، وهي الجائزة الجديدة التي أنشأتها «يونيسكو» وحكومة أوزبكستان لتكريم المساهمات في تطوير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

ويقام ماراثون سمرقند، الذي يمر عبر شوارع المدينة التاريخية.

يمثل عقد الدورة الحالية لليونسكو في سمرقند أهمية الدور المتزايد لأوزبكستان كمركز للحوار الثقافي والعلمي العالمي (اليونسكو)

‏وأقيم في مركز المؤتمرات عرض موسيقي قدمه المايسترو فلاديمير سبيفاكوف وعازفة البيانو هيلين ميرسييه، ضمن الفعاليات الثقافية في افتتاح المؤتمر.

وتُقام في المساء عروض فنية وثقافية مصاحبة، بما في ذلك حفل موسيقي يحييه المايسترو فلاديمير سبيفاكوف والفنان جوناس كوفمان.

وتمثل هذه الفعاليات مناسبة فريدة لأوزبكستان لعرض تراثها العريق ورؤيتها المستقبلية للعالم.

السياحة الثقافية

وتراهن أوزبكستان، وسط أجواء انفتاح ثقافي واستراتيجي متسارع، على ثقلها الحضاري ومخزونها الإسلامي العريق، لتصبح أحد أبرز المقاصد السياحية الجديدة لزوار العالمين العربي والإسلامي. فبسبعة مواقع مدرجة في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي، ومدن تاريخية أسطورية مثل سمرقند وبخارى وخيوة، تقدم أوزبكستان من خلال آثارها رواية متكاملة عن الذاكرة الإسلامية الحية التي شهدها هذا البلد وموقعه المتميز في آسيا الوسطى.

وابتداءً من عام 2025، تم تضمين سبعة مواقع في أوزبكستان ضمن مواقع للتراث العالمي، وأُدرجت هذه المواقع في قائمة «يونيسكو»، حيث أُدرجت مدينة خيوة بوصفها أول مدينة في هذه القائمة، بالإضافة إلى مواقع أخرى، مثل مدن سمرقند وبخارى وشهرسبز وممر طريق الحرير الذي يسير عبر 3 مناطق في أوزبكستان.

وهناك مواقع طبيعية مثل «ويسترن صن شاين»، التي تم إدراجها في قائمة التراث العالمية.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
الخليج تدعم مذكرة التفاهم جهود الحكومة اليمنية الرامية إلى الحفاظ على ممتلكاتها الثقافية (واس)

شراكة سعودية - أممية لدعم جهود حماية التراث اليمني

وقَّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مذكرة تفاهم مع منظمة «اليونيسكو» تعزيزاً للجهود المشتركة في صون التراث الثقافي اليمني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق اللعب بالعصا ضمن مهرجان التحطيب (وزارة الثقافة المصرية)

«التحطيب»... لعبة الصعايدة التراثية تُسجل حضوراً كرنفالياً في مصر

الفرق المشاركة في المهرجان قدمت استعراضات تحاكي لعبة التحطيب في صورتها الأصلية، وسط إقبال جماهيري كبير وتفاعل من الأهالي والسائحين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي توقيع اتفاقية ثلاثية لدعم التعليم في اليمن بتمويل سعودي قدره 40 مليون دولار (سبأ)

40 مليون دولار دعم سعودي إضافي للتعليم في اليمن بشراكة أممية

شهدت الرياض، الخميس، توقيع اتفاقية شراكة ثلاثية بين وزارة التربية والتعليم اليمنية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومنظمة اليونيسكو، بـ40 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»

القفطان المغربي… أناقة عبر القرون تتوجها «اليونيسكو» باعتراف عالمي

اعتراف عالمي بثراء التراث المغربي، وبقدرة هذا القفطان العريق على أن يتحول إلى لغة ثقافية عابرة للحدود، تجمع بين الجمال والهوية وتستمر في الإلهام عبر الزمن.

كوثر وكيل (نيودلهي )

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.