مثقفون مصريون يرثون حسني سليمان: كان ناشراً استثنائياً

عرفوا برحيل مؤسس دار «شرقيات» بعد 6 أشهر

حسني سليمان
حسني سليمان
TT

مثقفون مصريون يرثون حسني سليمان: كان ناشراً استثنائياً

حسني سليمان
حسني سليمان

شكلت دار «شرقيات» للنشر والتوزيع حالة خاصة واستثنائية في ذاكرة الثقافة المصرية، خاصة في حقبة التسعينات، فقد كانت فضاء حراً للإبداع ومنبراً اعتلاه كثيرون صدرت أعمالهم عنها في الرواية والقصة القصيرة والشعر لتكون بمثابة ميلاد لجيل جديد من الكتاب، فضلاً عن أناقة مطبوعاتها وتميز أغلفتها عبر هوية بصرية جديدة أسهم في تجسيدها الفنان التشكيلي الراحل محيي الدين اللباد.

أسس الدار حسني سليمان بعد عودته من الإقامة الطويلة في استوكهولم، وتحول مقرها بشارع «محمد صدقي» بوسط القاهرة إلى ملاذ آمن لأفكار متمردة وأحلام صاخبة وجدل لا ينتهي حول علاقة الإبداع بالواقع، وبرؤية ثقافية مغايرة لسليمان وإيمانه بأن النشر وسيلة لتعميق الوعي الثقافي لدى القارئ، قدمت الدار العديد من الأصوات الجديدة من شتي أطياف الإبداع في الثمانيات والتسعينات منهم: مي التلمساني، مصطفى زكري، ميرال الطحاوي، منتصر القفاش وعلاء خالد، كما احتفت بإبداعات رموز من الأجيال السابقة: إدوار الخراط، خيري شلبي، محمد عفيفي مطر، محمد البساطي، وجمال الغيطاني.

وقدمت الدار العديد من روائع الأدب العالمي في طبعات جديدة أنيقة عبر ترجمات مختلفة بثت فيها روحاً جديدة مثل «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، و«الأحمر والأسود» لستاندال، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«صورة شخصية في السبعين» لسارتر، فضلاً عن بعض أعمال بورخيس ووليم بليك وآني إرنو وكونديرا وكافكا وإيتالو كالفينو وسودرجران.

من هنا، كانت موجة الحزن العنيفة التي سادت الوسط الثقافي مؤخراً حين ذاع خبر رحيل مؤسس الدار حسني سليمان بعد 6 أشهر من وفاته دون أن يودعه الأدباء بما يليق بدوره المستنير الرائد. وزاد من مشاعر الحزن والصدمة، تبين أن كنوز الدار من المؤلفات العربية والعالمية بعد إغلاقها عام 2017 قد بيعت إلى تجار الورق والكتب القديمة في نهاية مؤسفة لم يكن يتوقعها أحد، ما أسهم في تكريس حالة العزلة والاكتئاب التي عاشها سليمان في سنواته الأخيرة بقريته بعيداً عن القاهرة.

يقول الكاتب منتصر القفاش أنه منذ الإصدارات الأولى لدار «شرقيات» عام 1991، اتضح أن صاحبها حسني سليمان ينظر إلى عملية نشر الكتب نظرة مختلفة عن المعتاد والسائد وقتها سواء من ناحية اختيار الأعمال التي ينشرها أو من ناحية الغلاف الذي كان يبدعه الفنان محيي الدين اللباد، حتى صارت في فترة قصيرة علامة على الكتاب المعتنى بكل تفاصيله، والذي يتميز من أول وهلة عن بقية الكتب على أرفف مكتبات القاهرة، كما صارت وجهة من يريد التعرف على الكتابة الجديدة في مصر.

ويشير القفاش إلى أنه على مدار صداقته لحسني سليمان تكرر مشهد لقائه بأصدقاء مصريين يعيشون في السويد ويزورون القاهرة لفترة قصيرة، ولا يكفون عن إبداء دهشتهم من قرار حسني بالعودة إلى مصر بعد أكثر من عشرين عاماً عاشها في السويد، ولا يستوعبون قدرته على العودة والتخلي عن كل ما حققه هناك، وخوض مغامرة جديدة غير مأمونة العواقب، ويلمحون إلى أن دار «شرقيات» ستفشل.

ولم يكن حسني يحاول أن يفلسف قراره ولا يخوض في الأسباب، ويكتفي مبتسماً بردود مقتضبة، ويسارع بتغيير الموضوع ليتحدث عن الكتب الجديدة التي نشرها، ويختار لهم عدداً منها ويشجعهم على قراءتها.

يضيف القفاش: «كان حسني سليمان يبدأ عمله في السابعة صباحاً، ويغلق المكان في الثالثة ظهراً ليعود إلى منزله في مدينة بنها التي رفض أن يغادرها ويقيم ولو مؤقتاً في القاهرة. تحولت جلساتنا الصباحية، نحن الأدباء الذين صدرت لهم أعمال عن الدار، إلى ورشة أدبية دون قصد ولا برنامج معد سلفاً، نتبادل فيها الآراء حول الكتابة والكتب التي قرأناها، وأحياناً نناقش أعمالاً قُدمت لـ(شرقيات) لنشرها، وخلال كل ذلك لا تشعر بأن حسني يتبوأ مقعد الناشر خلف مكتبه الذي لم يتغير موضعه أبداً، بل تراه كأنه واحد من هؤلاء الكتاب دون أن يكتب حرفاً، ولا تحس بأنه أكبر منهم سناً».

وتشير الروائية مي التلمساني إلى أنه عندما اعتزل حسني سليمان الوسط الثقافي بشكل فجائي وأغلق باب «شرقيات» دون رجعة عام 2017، كان المقربون منه يدركون أنه لا يتراجع عن قرار اتخذه، ولا يقبل أنصاف الحلول، لذا فقد احترمت مي رغبته في الانسحاب التام، وإن كانت تتساءل مع الآخرين ماذا لو أنهم استطاعوا خرق هذه العزلة والبحث عنه فمن أين يبدأون؟ كانوا يسمعون من آن لآخر أخباراً غير مؤكدة عن احتمال عودته للإقامة بالقاهرة بعد أن غادرها وفضّل عليها بيته الريفي في مدينة بنها، كما سمعوا أيضاً أن كتبه تفرقت بين المكتبات وفي أسواق الكتب القديمة، ولكن المؤكد أن أرقام هواتفه تغيرت وأصبح العثور عليه صعباً للغاية، حتى فُجع الجميع بخبر وفاته.

تقول التلمساني: «كان حسني سليمان أميناً على الكتاب، فهو الناشر الوحيد الذي يقرأ أعمال كُتابه ويناقشهم فيها بوصفه محباً ومتذوقاً للأدب، يجاهد كي لا يقع فريسة لضغوط السوق وحسابات الربح، ناشر من مصر مر بتجربة هجرة عريضة إلى السويد دفعته للعودة والمغامرة، وجعلت لحلمه مذاقاً خاصاً. التقيته في بدايات التجربة، وكانت (شرقيات) الدار الأشهر في قائمة الدور الخاصة المحدودة جداً والتي اهتمت بتكوين ذائقة أدبية ودعم الكتابات الجديدة».

وتضيف: «نعم، كان حسني سليمان حالماً، وكانت الدار استثناءً. أفاق حسني من حلمه على حقائق التوزيع المرعبة، ولطالما تمت سرقته، ولطالما أغرقته الحسابات في بحر من اليأس ثم عاد ليرفع رأسه خارج الماء، يتنفس هواءً جديداً مع كل اكتشاف مثير، يبحث في كوم القش عن العملة الثمينة، يبحث بتفان حقيقي فيما يمر العشرات ببابه ويتمنون الوصول. يدفعه الحماس للمجازفة أحياناً، ويعرب للأصدقاء عن مخاوف الفشل كاشفاً لنا عن جانب لا يستهان به من تحديات السوق».

ومن جانبه، يقول الناشر شريف بكر، مدير «دار العربي»، إن دار «شرقيات» كان لها السبق والريادة من حيث الذهاب إلى مناطق لم يجرؤ عليها الناشرون قبلها، مثل الانفتاح على تجارب الجيل الجديد وتبني الموهوبين من بين أصواته المختلفة والتعامل معهم بجدية واحترافية غير معهودة، فضلاً عن الحماس لطباعة ترجمات تبدو للآخرين مغامرة غير مأمونة العواقب مثل إصدار الترجمات الكاملة لرواية «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست.

ويرى بكر أن جوانب التسويق والتوزيع كانت بمثابة نقطة الضعف في منظومة حسني سليمان، حيث لم ينجح في تغطية النفقات الباهظة التي تحاصر دور النشر عادة، وتتطلب وجود موارد من خلال الدعاية والتوزيع والإيرادات، لكن تظل تجربة «شرقيات» في النهاية مثالاً ملهماً للقدرة على السير عكس التيار، والتسلح برؤية ورسالة في مجال حساس ومتقلب مثل صناعة الكتاب.

ويشير الشاعر علاء خالد إلى أن غالبية الكتَّاب الذين ظهروا في التسعينات كانوا يرفضون الاقتراب من مؤسسات الدولة أو أي مكان له طابع مؤسسي سلطوي مثل دور النشر الخاصة والمكرسة حينئذ، فقد كانت سوق النشر مفككة، وبسبب هذا ظهرت مساحات عشوائية لأنواع مختلفة من النشر المجاني، سواء كان فردياً، أو من خلال مجموعات، ولكنها جميعها كانت بعيدة عن حس السوق الجديد الآخذ في التبلور والتطور، تقنياً، بشروطه وذائقته في تلك المرحلة.

ويضيف: «كان النشر الخاص قبل دار (شرقيات) يقوم على فكرة فردية، على شخص متحمس يقوم مقام دار، ولكن مع تلك الدار الوليدة، ورغم أنها تقوم أيضاً على فرد، فإنها صنعت بالمجموعة التي تحوط مؤسسها من الأدباء والجيل الجديد، والمكان الذي اختاره في إحدى عمارات وسط البلد؛ فكرة مؤسسية بالمعنى الإيجابي. كونت (شرقيات) دون أن تدري جماعة أدبية ولكن بمفهوم متسع، نظراً لهذا التداخل المستمر بين الأشخاص والنصوص والأفكار المتداولة، والمزاجية الأدبية غير المسيسة لكتابها وأيضاً لصاحبها».


مقالات ذات صلة

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كتب «برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي»، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية.

حمزة عليوي
كتب محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

صدر حديثاً عن دار نشر أمازون (Amazon Publishing) كتاب جديد للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون سيدة «قصير عمرة»

سيدة «قصير عمرة»

يحوي متحف الفن الإسلامي ببرلين مجموعة من القطع الأثرية الأموية المتنوّعة، منها لوحة جدارية من الحجم الكبير، تمثّل امرأة تقف في وضعية نصف جانبية.

محمود الزيباوي

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب
TT

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت واحدة من أكثر الحضارات ابتكاراً للأساطير، وهي التي نصبت آلهة أو أكثر لكل ظاهرة من الظواهر المتصلة بالوجود والمسيرة الإنسانية. إضافة بالطبع إلى أنصاف الآلهة الذين يقعون في الوسط بين الأرضي والسماوي، بين العادي والخارق، كما بين البشري وما بعد البشري.

ومع أن الميثولوجيا اليونانية لم تولد في عصر واحد ولم تتشكل على صورة واحدة، بل كانت مزيجاً من ميثولوجيا الخليقة وأصل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين، فإن النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، وللبطولة والحب، وللجمال والألم، باتت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية، والإنسانية على نحو عام.

وحيث كان على كل واحد من الأبطال التراجيديين، أن يدفع غالياً ثمن سلوكياته وأفعاله المثيرة لغضب الآلهة، كما كانت حال بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس وغيرهم، فقد كان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع كالآخرين ثمن افتتانه المفرط بجماله، وهو الذي عاقبته الآلهة بأن دفعته إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، إلى أن قضى غرقاً في المياه المظلمة للافتتان بالذات، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه.

وقد اعتبر هربرت ماركوز في كتابه «الحب والحضارة»، أن الحضارة الغربية منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المتأخرة، قد وضعت العقل في حالة مواجهة دائمة مع الغريزة، بحيث استخدم الأول بوصفه أداة للقسر والقمع وكبح الأهواء، فيما نُظر إلى كل ما ينتمي إلى منطقة الغريزة واللذة بأنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الباحث عن مردود وللإنتاجية والتقدم عن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، الشبيهة صورتهما بصورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقياً ولكنه يغنّي».

أما على الصعيد الأدبي، فقد تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. وقد كان الشاعر الروماني أوفيد، من أوائل الذين أولوا شخصية نرسيس عناية خاصة، حيث أفرد له صفحات عدة من كتاب «التحولات»، متحدثاً عن الطفل ذي الوسامة الفائقة الذي كان ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة والإله النهر كيفيزوس، وحيث وقع نرسيس منذ يفاعته في عشق نفسه، فقد قابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغوائه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي كانت الآلهة الكبرى قد غضبت منها وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة بين الطرفين، قررت إيكو انتقاماً لحبها أن تتقمص انعكاس صورة حبيبها في المياه العميقة. حتى إذا انحنى ليشرب أعجبت صورته في الماء، فأغرق نفسه فيه، لتبكيه وفق رواية أوفيد، الآلهات جميعهن:

وكانت إيكو ترجّع نواحهنّ

وها هي تُهيَّأُ المحرقة

والمشاعلُ التي تُحرَّك في الأجواء

غاب الجسم

وفي مكانه نبتت زهرةٌ بلون الزعفران

تحيط بقلبها أوراق بيضاء

ومع أن شخصية دون جوان، التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تمتلك كثيراً من الوجوه، التي تتصل بالسلوك الماجن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانقلاب الاحتجاجي على التزمت الديني ورومانسية القرون الوسطى، فنحن لا نحتاج إلى كثير من الجهد لكي نكتشف الجنوح النرجسي لهذه الشخصية، التي وقع صاحبها في عشق نفسه، جاعلاً من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر.

ولم يفُت وليم شكسبير أن يتخذ من المآل المأساوي لجمال نرسيس، العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل من حب الذات «الوقود الكبير الذي يغذي شعلة النور الإنساني، يحث شاباً وسيماً مأخوذاً بجماله ومكتفياً به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفاً للعقم؛ بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، ليضيف قائلاً:

انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه

إن الوقت قد حان

لينشئ ذلك الوجه وجهاً آخر

وهكذا عبر نوافذ عمرك

سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي

وإلا متَّ وحيداً وماتت معك صورتك

كما بدا النزوع النرجسي واضحاً لدى أندريه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماماً بالغاً بالذات، واحتفاء باللذة، فضلاً عن ميوله المثلية، ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، والعيش وفقاً لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أما كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو عبارة عن نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث البطل الأسطوري يحاول دون جدوى أن يقبض على صورته في مرآة الماء. وهو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه:

أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق

من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية

فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام

وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة

كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود

وفي قصيدته المميزة ذات اللغة المتوهجة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألمّ بها مرض داهم. وإذ يحرص فاليري في الوقت ذاته، على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلاً في المصير، يكتب قائلاً:

ها أنا ذا أهلكُ بالجمال

أهلك لأنني اشتهيتُ نفسي في عريك

لكَم آسفُ على بريقكَ الصافي المنهك

أيها النبع الذي أحتضنه برقّة

حيث شربتْ عيناي من لازورد الفناء

وليس صدفة بالطبع أن يلح فاليري على الاحتفاء بشخصية نرسيس، إذ في هذا الاحتفاء ما يتعدى جمال الوجه والجسد، ليتصل باللغة نفسها، وهو الذي كان مساعداً لرائد المدرسة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري الباحث عن الكمال المطلق، الذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن».

تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين

يصعب الحديث أخيراً عن أثر النزوع النرجسي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلاً عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بلاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكتئاب إياه، والفشل في الحياة والحب. حتى إذا عجز الشعر عن إسكات الأصوات السوداء المنبعثة من الأعماق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انتحاراً بمثابة المرآة الأخيرة التي تلملم شتات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة.وإذ تكتب سكستون من جوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الذي تجاوزته وأنا أتعفن على الجدار دوريان غراي نفسي، وتلك المرآة المزدوجة التي تحدق في نفسها كأنها متحجرة في الزمن»، تحاول بلاث في قصيدتها «المرآة» الاستعانة بهذه الأخيرة، لكي ترسي ذاتها المتحولة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هتفت قائلة: «أنا الآن بحيرة، وثمة امرأة تنحني فوقي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، فيّ غرقتْ فتاة صغيرة، وفيّ تظهر امرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يوم، مثل سمكة رهيبة».


سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
TT

سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»

يحوي متحف الفن الإسلامي ببرلين مجموعة من القطع الأثرية الأموية المتنوّعة، منها لوحة جدارية من الحجم الكبير، تمثّل امرأة تقف في وضعية نصف جانبية. حسب البطاقة التعريفية، اقتنى المتحف هذه القطعة خلال عام 1908 من الرسّام النمساوي ألفونس ليوبولد ميليخ، وهو أحد كبار الفنانين التشكيليين المستشرقين، ومصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، تشكّل جدارياته متحفاً حياً للفن التصويري الأموي المدني.

يقع قصير عمرة في وادي البُطم، شرق عمان، وهو منتجع ملكي يجمع بين حمّام كبير مؤلف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. يتميّز هذا المنتجع برسومه الجدارية التي تلفّ جدران حجراته وسقوفها بمجموعة هائلة من الصور المتعدّدة المواضيع. يعود الفضل في اكتشاف هذا الموقع الاستثنائي إلى العالِم التشيكي ألوييس موزيل الذي قدم عام 1898 إلى المشرق العربي على رأس بعثة للآثار، بدعم فاعل من أكاديمية فيينا. وصل هذا العالِم إلى بادية الأردن خلال هذه الحملة، وقاده أهل المنطقة من البدو إلى مبنى مهجور يُعرف محلياً باسم قصير عمرة، وفوجئ بثراء حلله التشكيلية، فعاد إليه مرتين في فترة وجيزة، ثمّ زاره ثالثة في عام 1901 لدراسته بشكل موسّع، واصطحب معه الرسّام ألفونس ليوبولد ميليخ، فأنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم أكملها في محترفه في فيينا.

رسم الأبراج الفلكية والدوائر الفلكية على قبة قصر عمرة (عمرا)، أحد قلاع الصحراء الواقعة في شرق الأردن (شترستوك)

حمل الرسام النمساوي معه عيّنة صغيرة من هذه الحلل، نزعها عن جدار من جدران الموقع، ودخلت هذه العينة متحف الفن الإسلامي ببرلين في عام 1908 كجدارية مستقلّة، وكانت في الأصل تزيّن زاوية تعلو جنوب شمالي الإيوان الأوسط، وتمثل امرأة تقف منتصبة بين عمودين يعلو كلاً منهما تاج. يشكّل هذان العمودان الأبيضان قاعدة لقبّة زرقاء زُيّنت بشبكة من المكعّبات الزرقاء، وتُشكّل هذه القبّة قوساً يُعرف في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي باسم «قوس المجد». ومن أسفل هذه القبة، تنسدل ستارة طويلة، حدّدت ثناياها بخطوط حمراء. وتنفتح في الوسط، وتشكّل إطاراً في وسطه المرأة في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان لوزيتان، يعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. الذقن عريض، وكذلك العنق. الصدر ممتلئ، ويعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تماثل هذا العقد من حيث الشكل عقود الياقوت الأحمر، ويشكّل جزءاً من الحلي التي تتزّين بها هذه المرأة. يعلو الرأس شعر أسود كثيف، يكلّله بكتلة بيضاوية سوداء. وتعلو هذه الكتلة شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء. ترفع المرأة بيدها اليمنى طرف الستارة، وتشير بيدها اليسرى إلى الأسفل. يُزيّن كلّاً من هاتين اليدين سوار خطّ باللون الأسود، كما يزّين كلاً من الذراعين سوار مزدوج خطّ بأسلوب مماثل، وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة مشابهة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط.

واجهة قصر قصر مشطة في متحف بيرغامون للفن الإسلامي في 7 أبريل 2017 في برلين (شترستوك)

تشكّل هذه الجدارية عيّنة بسيطة من برنامج واسع، يصعُب تحديد مجمل عناصره بدقّة. تجمع جداريات قصير عمرة بين المشاهد الآدمية، الحيوانية والنباتية، وتشكل امتداداً لما نراه في سوريا الرومانية في العقود التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد الشام. تحتلّ هذه الرسوم مساحة كبيرة تمتدّ على مدى ما يقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج إيقونوغرافي مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية، وهو ما يجعل منها مادة استثنائية لدراسة تطور فن الرسم التصويري في القرن الثامن للميلاد، ونشوء الفن التصويري الأموي.

قدّم ألوييس موزيل قراءة أولى لهذا البرنامج في كتاب نُشر عام 1907 في مجلّدَين، ضمّ أحدهما نصّ البحث، وضمّ الآخر الصور التوثيقية التي أنجزها ألفونس ليوبولد ميليخ. بعد فترة وجيزة، قام الكاهنان العالِمان أنطونان جوسين ورافاييل سافينياك بزيارات متكررة لقصير عمرة بين 1909 و1919، والتقطا مجموعة من الصور الفوتوغرافية، صدرت في عام 1922 ضمن دراسة علمية تناولت ثلاثة مواقع أموية. في تلك السنة، أصدر العالم الكبير سالومون راينش موسوعة كبيرة خاصة بفن التصوير اليوناني والروماني ضمت 2720 رسماً تخطيطياً، وحوت هذه الموسوعة رسوماً لبعض من جداريات قصير عمرة، تعتمد على اللوحات التي أنجزها ألفونس ميليخ، وبدت هذه الجداريات يومها كأنها آخر تجلٍّ لفنون التصوير في العالم الإسلامي الناشئ. بعد بضع سنوات، أسقطت الاكتشافات الأثرية هذه المقولة، وتبيّن أن جداريات قصير عمرة تمثّل تقليداً تشكيلياً جامعاً، تحضر شواهده في قصور أموية مهجورة تقع في سوريا وفلسطين.

حظيت جداريات القصير بشهرة واسعة منذ العشرينات، وجذبت بمواضيعها الشائكة كبار المختصّين، وتوالت الأبحاث التي سعت إلى فكّ ألغازها، غير أن هذه الجداريات بقيت مهملة ومنسية في موطنها. في مطلع السبعينات، كلّفت دائرة الآثار الأردنية فريقاً إسبانياً مهمة تدعيم بناء القصير وتنظيف جداريته، فقامت هذه البعثة بثلاث حملات بين 1971 و1974، وأصدرت في عام 1975 كتاباً ضمّ 59 صورة لجدارياتها، التقطت بعد أعمال الترميم. أعاد هذا الكتاب الاعتبار إلى قصير عمرة، وفي عام 1985 تمّ إدراجه في قائمة مواقع التراث العالمي التي تعدّها اليونيسكو.

في عام 1989، عُهدت إلى «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مهمة توثيق رسوم القصير، فتولى هذا العمل على مدى سنوات، ونشر في 2007 كتاباً سعى فيه إلى تحديد مجمل البرنامج التصويري الخاص بهذا الموقع. بعد ثلاث سنوات، باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العمل في الموقع، وقام بترميم نحو 100 متر مربع من مساحة الجداريات، وكشف عن كتابة تحمل اسم صاحب المجمّع، وبات من المؤكد أن المبنى يعود إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك.

يتواصل استكشاف قصير عمرة اليوم، وتتواصل الدراسات الخاصة ببرنامجه التصويري الضخم. يبدو هذا البرنامج أشبه بكتاب ضخم مفتوح، وتحتاج كل لوحة من لوحاته الكبيرة إلى قراءة مستقلة تلقي الضوء على مكوّناتها، وتكشف عن معانيها ودلالاتها المتعدّدة.


مفارقات ساخرة ومصاير موجعة

مفارقات ساخرة ومصاير موجعة
TT

مفارقات ساخرة ومصاير موجعة

مفارقات ساخرة ومصاير موجعة

بين السخرية والوجع، تمضي نصوص المجموعة القصصية الجديدة «جامع العملات القديمة»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب شريف عبد المجيد، الذي راكم تجربة لافتة بين ضفافها على مدار ما يقرب من 25 عاماً أصدر فيها عدة أعمال، منها: «خدمات ما بعد البيع»، و«تاكسي أبيض»، و«صولو الخليفة»، و«بالحجم العائلي»، و«جريمة كاملة».

يتميز السرد في المجموعة بعين تستطيع أن تلتقط المفارقة الدرامية من ركام الواقع، وتفجّرها في الوقت المناسب عبر إبراز المتناقضات ما بين الشعارات والمبادئ، وما يحدث بالفعل على الأرض في حركة المجتمع أو الأفراد، من خلال حكايات ساحر قديم متقاعد، أو هجوم مفاجئ لجلطة تهاجم أحدهم، أو قصة نجاح لموظفة في بنك شهير...

وتعد النهايات المأساوية والمصاير الموجعة للشخصيات واحدة من أبرز سمات المجموعة؛ فالشخصية تكافح بجد واجتهاد كي تجد لها مكاناً تحت الشمس بشرف وكرامة، غير أن الرحلة لا تكتمل، والمفاجآت القاسية تتولى كتابة النهاية. على هذه الخلفية، يكتشف من يهوى جمع العملات القديمة أن الأمر لا يخلو من عبث واحتيال وخداع، أما الفنانة التشكيلية التي هربت من ذوق الجماهير التجاري فتلاحقها جريمة قتل، والعبقري الباحث عن إضافة للبشرية ينتهي به الأمر في مصحّة للعلاج النفسي، ومن أرادت التحقق في مهنة صعبة تعوضها عن الفشل في حياتها الشخصية لا تجد في النهاية ونيساً سوى إعلانات عن المقابر تحاصرها في كل مكان، وكأن العالم يسرق منها حقها في الحياة...

ويستفيد شريف عبد المجيد في مجموعته الجديدة من خبرته في المسرح والتصوير الفوتوغرافي والسيناريو والفنون البصرية بشكل عام، فتتحول كثير من النصوص إلى مشاهد سينمائية يدعمها حوار سريع الإيقاع مع نهاية تفاجئ المتلقي. كما اتسمت اللغة بالكثافة الشديدة والتقشف والميل إلى الوصف المركز، مع البعد كلياً عن الاستطراد أو المبالغات البلاغية.

من أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«جلست هنا في تلك المصحة طوال عشر سنوات أسجل أفكاري وأبحاثي، متأملاً العالم من حولي. أعرف أن هناك من يراقبني، ربما يوجد في تلك الأشجار القليلة ميكروفونات تسجل كل كلمة يقولها الناس، وكاميرات تنقل بالصورة والوقت كل همسة، وكل فكرة تخطر على بالي.

أجلس في حديقة المصحة الواسعة بجوار شجرة الأكاسيا بزهورها الصفراء؛ لأنها تشبهني، فأنا أيضاً أموت في بيئة طاردة لا يعتني أي أحد بمشكلاتي، وأزهر رغم عدم العناية. أما تشابك زهورها فيشبه حياتي المعقدة بكل ما فيها من آلام.. امتلأت الشوارع بالمجانين والباحثين عن المال والشهرة والفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم. يموت الناس بلا معنى في حوادث السيارات المسرعة وبالجلطات ومرض السرطان.

يضحكون ويبتسمون ويطلقون النكات، لكنك لا تعرف هل يضحكون من الخوف أم على أشياء مضحكة بالفعل؟ والحياة تسير والقتلة يمرحون في كل مكان. أكاد أسمع صوت ضحكاتهم المجلجلة وانتصارهم الذي حققوه بالضربة القاضية، فكل شيء يسير بلا أمل ولا حلم ولا طموح. ولكني سأواصل أبحاثي؛ حتى تغير اكتشافاتي واختراعاتي العالم من حولي، ولكني سأظل حذراً وأهرب من كل الشراك والعراقيل التي يضعونها أمامي».