مفكرون عرب يفتحون ملف «السرديات وسؤال الهوية»

في العدد الرابع من مجلة «إيسيسكو»

مفكرون عرب يفتحون ملف «السرديات وسؤال الهوية»
TT

مفكرون عرب يفتحون ملف «السرديات وسؤال الهوية»

مفكرون عرب يفتحون ملف «السرديات وسؤال الهوية»

عن منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، صدر مؤخراً العدد الرابع من المجلة الثقافية الفصلية «إيسيسكو»، التي يشرف على إصدارها مركز الشعر والأدب في المنظمة، متضمناً باقة من المقالات والحوارات والدراسات التي تناقش قضايا فكرية وثقافية معاصرة.

ويضم العدد الرابع ملفاً رئيساً حول «السرديات وسؤال الهوية»، يشمل 5 مقالات تحليلية تناولت تحولات السرد العربي وأسئلته المرتبطة بالهوية، إضافة إلى حوار فكري مع الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، حول المفاهيم النقدية الحديثة ودور الإعلام والمعرفة في تشكيل الوعي العام.

كما يحتوي العدد على مجموعة من المقالات والدراسات المتنوعة، من بينها مقالة للدكتور عبد السلام الجوفي، المستشار في مكتب التربية العربي لدول الخليج، حول سياسات التعليم والحوكمة المؤسسية، ودراسة بعنوان «بغداد في عيون الرحّالة»، للدكتور سعد الحسني، الأستاذ بكلية الآداب في جامعة الإسراء بالعراق.

في ملف «السرد» يستعرض العدد مقالاً للمفكر العراقي الدكتور عبد اللّٰه إبراهيم صاحب موسوعة السرد العربي حول السرد والهوية والتهجين السردي، ويتحدث الناقد والأكاديمي المغربي محمد الداهي عن الهوية المتحركة أو المترحلة عبر سيرة «جان - ماري لوكليزيو»، والكاتبة العراقية إنعام كجه جي (المقيمة في باريس منذ ما يزيد على أربعين عاماً)، في رحلتها مع الهوية وصراعاتها، ويحمل مقالها عنواناً لافتاً هو «قيظ في الزمهرير».

كما يشارك في الملف الدكتور الناقد محمود الضبع حول «هوية السرد في مواجهة السيولة والذكاء الاصطناعي»، ومقال آخر للروائية السعودية أميمة الخميس تقدم فيه رؤيتها حول موضوع السرد بعنوان «السرد أرض أمومية».

علي بن تميم: بين الشعر والرواية

حوار العدد الذي أجرته رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة روضة الحاج، مع الدكتور علي بن تميم رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، استعرض العديد من القضايا والشؤون الثقافية، وعلاقته بالمتنبي، ورأيه في حضور الشعر، وتجربته الإعلامية، ورؤيته لبرنامج أمير الشعراء، التي قال فيها: «لقد نجح برنامج (أمير الشعراء) منذ انطلاقته المميزة وعبر مواسمه المتلاحقة في إعادة الشعر العربي إلى صدارة المشهد الأدبي والثقافي والإعلامي، وأعاد للشعر دوره في ارتباطه بعصره، انطلاقاً من الحقيقة التي تأكدت على مدار التاريخ العربي من أن الشاعر ابن عصره، وبيئته، ومجتمعه، وواقعه».

وأضاف: «أفلحت مسابقة أمير الشعراء بأسلوبها الذي يجمع بين فنون الإعلام، وعلوم النقد والأدب، في استعادة هذا الدور للشعر مجدداً، فدفعت الشعراء للتباري في قضايا عصرهم المتغيرة مرتحلين إلى الخيال بوصفه بوابة للإبداع والابتكار، مثل الذكاء الاصطناعي، والتنمية، والاستدامة، والبيئة؛ ليخطوا بذلك ديواناً جديداً للعرب يحكي للأجيال المقبلة وقائع عصر استئناف الحضارة».

وعن الرواية العربية، قال د. علي بن تميم: «بوصفي ناقداً متخصصاً في السرد؛ فإنني أرصد بعناية مسار التحولات في الرواية العربية منذ أطروحتي العلمية التي تتبعت فيها منجز الرواية من النوع السردي القاتل إلى جماليات العالم الثالث بالتطبيق على تناول النقاد لإنتاج نجيب محفوظ، وأستطيع أن أقول إن الرواية العربية شهدت انتقالات بارزة على صعيد الفن وعلى صعيد القضايا التي تتناولها تضعها في مصاف تجارب العالم السبّاقة في هذا الفن».

وعن الحركة النقدية يقول: «قطعت الحركة النقدية في البلاد العربية ومنطقة الخليج العربي شوطاً كبيراً، وبرزت أسماء مهمة في مجالها. لكن لا يزال النقد عربياً في حاجة إلى جهود أعمق على صعيد التنظير، أما على صعيد التطبيق فهناك بلا شك تجارب مهمة ومؤثرة، نحتاج لمزيد من الفهم والاستيعاب للمفاهيم النقدية الحديثة؛ لنستطيع أن ننتج ما يناسب تجاربنا وثقافتنا بما تتضمنه من منظومات قيم ومبادئ ورؤى، كي يصبح للنقد الأدبي دور أكثر فاعلية في الحراك الثقافي؛ فالنقد بلا شك صار شكلاً من أشكال الابتكار والتفكير الإبداعي».

عبد الله إبراهيم: السرد والهوية

في ملف السرد، بدأ الأكاديمي العراقي الدكتور عبد اللّٰه إبراهيم صاحب موسوعة السرد العربي مقاله بمدخل إلى السرد، والهوية، والتهجين، مفتتحاً بالتعريف، قائلاً: «ليس السرد رواية للأحداث، بل هو الوسيلة التي تُصاغ بها هويات الأفراد والجماعات، فالهوية لا تسبق التجربة، إنما تتشكل داخل إطار سردي يدمج الوقائع المبعثرة، ويمنحها معنى وغاية. ولا تقوم الهوية على التخييل السردي الصرف ولا على التمثيل السردي الخالص، فهي تنبثق من تهجين يجمع بينهما، ليعكس في آن واحد أحوال الفرد والمجتمع، ويجعل الهوية نتاجاً مستمرّاً لعملية سردية مفتوحة».

وأضاف: «يقصد بالتهجين المزج، والخلط، والدمج. وكانت الثقافة العربية، في الماضي، تزدري التهجين؛ لأنها تقول بالتفرد، ولا تقر بالتداخل».

وزاد: «صار ينبغي الأخذ بالتهجين الذي هو من لوازم الحياة، وعليه، فالتهجين بين الأنواع السردية ضرورة من ضرورات السرد».

وأوضح قائلاً: «أريد من ذلك القول بأنّ التهجين السردي هو السبيل لبناء هوية متنوّعة الموارد لا تنحبس في العرق ولا في الدين ولا في اللغة، ولا في الأدب، فالهوية تقترض من ذلك، ولكنها فوق كل ذلك، وكما يشمل ذلك الأمم، فإنه يشمل الآداب».

وتساءل الدكتور عبد الله إبراهيم: هل عرف السرد العربي الحديث التهجين بين الأشكال؟ ليجيب قائلاً: نعم، حدث ذلك بين نوعي الرواية والسيرة، ونتج عنه تركيب ثالث بمسمّى مزدوج الهوية ما برح يتأرجح بين «الرواية السيرية» و«السيرة الروائية». ولذلك أهمية بالغة لأنه أسهم في بناء هوية مركّبة توافق تهجينه.

إنعام كجه جي: قيظ في الزمهرير

الروائية والكاتبة العراقية، المغتربة منذ أربعة عقود، كتبت مقالاً بعنوان «قيظ في الزمهرير» تحدثت فيه عن الهوية، قائلة: «الهوية. يا لهذه المفردة التي تكاد تهترئ من كثرة التداول! هل كانت موضع تساؤل في زمن آبائنا وأجدادنا؟ كان الواحد منهم يولد وينشأ ويشيخ ويمضي وهو يعرف من هو، له وطن محدد وعقيدة يعتنقها ولغة يحكي بها ووثيقة تشهد بأنه عراقيّ أو يمنيّ أو مغربي. ثم تخلخلت الخرائط وانفتحت الحدود وحلّقت الطائرات وتعددت أماكن الإقامة تبلبلت الألسن وصار واحدنا أكثر من واحد. له أكثر من هوية».

ثم تقول: «كلما التقيت صحافياً أراه يطرح عليّ سؤال الهوية. ولا أخفيكم أنني أخشى هذا السؤال. لا بمعنى المناورة والتهرّب، بل لأنني لم أتوصّل إلى جواب شافٍ. بعد أربعين عاماً ونيّف من الإقامة في البلد الغريب، لم أتوصل إلى جواب شافٍ. هل ضاعت هويتي أو سقطت مني؟ هل اضمحلّت وبت أرتدي هوية غيرها؟ ما كان الأمر يهمنّي قبل دخولي ميدان الكتابة الأدبية. كنت أعرف أنني فلانة. أنتمي لمسقط رأسي في بغداد ولي دين أهلي ولغتي العربية ولهجتي المحلية. وهمومي الوطنية وآمال في مستقبل أفضل لأمتّي».

وتضيف: «ثم جاءت الرواية. وآه من تلك الهواجس التي تحيط بك وتحفر في تاريخك وتستثير الشكوك وأنت تكتب لتعبّر عن واقع عشته أو خيال يطير بك بعيداً».

وتسرد الكاتبة هذه القصة: «تتبادر إلى ذهني عبارة موجزة سمعتها من غابرييل غارسيا ماركيز حين أجريت حواراً معه لمجلة (الوطن العربي). كنا في عام 1982. قال: (أكتب عن قريتي لكي أبلغ العالم)»، لتتساءل بعدها: «هل يمر الطريق إلى العالم عبر قرانا وخصوصياتنا الصغيرة ومن خلال تلميعها وجلي معدن الأصالة الكامن فيها؟ تُلهمني هذه القنطرة بين المحلية والعالمية حكايات تقترب من دنيا الخيال. بل إن الواقع في وطني صار يبزّ الخيال ويسبقه ويتفوق عليه. وبرغم أن الروائي ليس مؤرخاً فإنه لا ينجو مما تفرضه عليه التغيّرات التي تركت آثاراً عميقة على مجتمعه. حفظنا الطقوس وتغيرت القناعات والأهواء. صمدنا حيناً وانحنينا في أحايين أخرى مثل السنابل أمام العواصف. لذلك وجدتني مهتمة في كتاباتي بمصائر البشر».

وعن السرد والغربة والهوية في العراق، تقول: «نصف ما يُكتب من روايات عراقية يصدر اليوم بأقلام مهاجرين. سرديات لا فكاك لها من هوياتها. العيش في الاغتراب هو سمة معظم شخصيات قصصي ورواياتي. وجدت حولي في مهجري مصائر فالتة من مداراتها. وأنا أفضل دائماً أن أعدّ نفسي مهاجرة؛ إذ لم أكن لاجئة ولا منفية. وهكذا، ودون تخطيط مسبق، سيطرت على رواياتي شخصيات قلقة تعيش تذبذب الهوية، تتعلق بوطن سابق تعذبّت فيه وتستقر في بلد يؤمن لها العيش دون أن تأتمنه تماماً. ولأنني من جيل سابق، شعرت أن من واجبي توثيق تلك المصائر».

ثم تقول: «أردت أن أوضّح للناس المحيطين بي، لجيراني في البلد المُضيف، أن وطني الأم ليس مجرد آبار للنفط، وأن العراقيين يجيدون الحب أكثر مما يحبون الحرب، وأنهم أهل سماحة وحضارة وثقافة وشعر وطرب ومواهب شتى».

السرد والذكاء الاصطناعي

في مقاله بعنوان «هوية السرد في مواجهة السيولة والذكاء الاصطناعي»، كتب الدكتور محمود الضبع، أستاذ النقد الأدبي، وعميد كلية الآداب بجامعة قناة السويس في مصر، أن الألفية الثالثة شهدت تحولات جذرية حذرت منها كتابات عدة لمفكرين وفلاسفة ومنظرين رأوا أن البشرية تمضي قدماً نحو تفتيت الهوية وتسييل كل صلابة يمكنها أن تتكئ عليها.

وقال: «تعاقبت - على نحو سريع جداً - فلسفات هيمنت على البشرية بدءاً من العولمة في جيلها الثالث، وبأنواعها المتعددة «الثقافية والتجارية والاقتصادية»، ومروراً بفلسفات التفكيك، والسيولة، وصولاً إلى هيمنة التكنولوجيا بحركاتها المتعاقبة والسريعة، والتي يمكن رصد أكثر ملامحها تأثيراً في الأدب والسرد على نحو خاص، متمثلاً في تطبيقات الميتافيرس، والذكاء الاصطناعي AI».

وتساءل: «هل يمكن في سياق هذا الانفتاح الذي بلغ حد التشتت أن يكون هناك مجال للحديث عن السرد، وهوية السرد؟ وهل يمكن أن تكون هناك هوية للسرد من الأساس؟ وإذا كانت... فما أبعادها؟ وكيف يمكن رصد عناصرها؟ وما مدى تأثر الهوية السردية العربية بفلسفات الحداثة وما بعدها، والتفكيك، والسيولة، والرقمية وأبعادها؟ وما راهن تأثير الذكاء الاصطناعي على السرد العربي؟ وكيف يمكن استشراف آفاق المستقبل المتعلقة بذلك؟

لعل هذه الأسئلة وما يشابهها يمثل منطلقاً بحثياً يسهم من جهة في بلورة ورصد الواقع الفكري العربي المعاصر، ويساعد من جهة أخرى على فهم حركة الأدب وتوجهاته وتصنيفاته الكبرى في ظل التفكيك الدائم والمطلق لكل الحدود، والسعي الدائم وراء التجريب».

وأضاف: «إن التحولات التي شهدتها البشرية مؤخراً قد خلخلت مفاهيم هوية كل شيء وليس الآداب والفنون فقط، بدءاً من التفكيكية (تقويض المرتكزات)، واستمراراً مع فلسفات ما بعد الحداثة (هدم المركزية)، وحركات العولمة (نفي العرقية والاستظلال بهوية عالمية موحدة)، وفلسفة السيولة بتأثيراتها الفادحة، التي تمثل أبسط أشكالها في تحويل كل ما كان يمثل صلابة للبشرية من قيم وتقاليد إلى سيولة مائعة، يمكن تغيير حالتها بفردانية مطلقة ودون الاحتكام لمفهوم الجماعة أو العادات أو التقاليد أو أي قاعدة سوى قواعد هيمنة منطق السوق وتحقيق (الترند). كل ذلك وغيره عمل على تفتيت الهوية في كل شيء، وهو ما يمكن رصده عبر مظاهر عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: تفتيت هوية البشر والشعوب لصالح قيم العولمة وما بعد الحداثة، على ما فيها من هيمنة سياسية وحروب اقتصادية استعانت بالإعلام البديل و(السوشيال ميديا) لصالح إقرار رأسمالية احتكارية جديدة. وتفتيت هوية الأنواع الأدبية والفنون لصالح نظم السوق».

السرد أرض أمومية

الروائية والكاتبة السعودية أميمة الخميس شاركت في ملف السرد، بمقال حمل عنوان «السرد أرض أمومية»، قالت فيه: مَر سؤال الهوية بالكثير من التحديات التي رافقت حالة الصراع الحضاري بيننا وبين الآخر، وما تخلله من استعمار واحتلال ومواجهات دموية، كانت تأخذنا إلى حافة هاوية غامضة الملامح، تعجز عن أن تمدنا بالجواب الشافي والناجع.

وأضافت: «تبدو المفارقة هنا: عندما نستعير أدوات الآخر، وفكره، وآيديولوجيته؛ لمحاولة تحليل مجتمعات قديمة وعريقة، لكن دون مرآة تتقصى ملامحها، ومن هنا بانت إحدى طرق التعامل مع هذا السؤال الزئبقي المخاتل، من خلال ما يسميه علماء النفس (الهوية السردية).

حيث تقترح الهوية السردية أن الناس يصبحون أنفسهم عندما يتموضعون في القصص، حيث يقدم هذا التصور الهوية كسردية بديلة لانتماءات الفئة الاجتماعية، أو خصائص موروثة مثل العرق أو الدين أو الأمة هنا تصبح مهمة كل أمة اكتشاف سرديتها الخاصة، التي تبرز هويتها، وفي الوقت نفسه، تحقق طموحاتها وتطلعاتها».

وتضيف: «السرديات الكبرى باتت هي المعمار القادر على أن يلملم القطع المتناثرة، ويرصفها على شكل فسيفساء ضخمة لا يشبه كل حجر فيها الآخر، لكن في الوقت نفسه تبرز تواشجها اللوحة كاملة».

وتقول: «يتساءل الفيلسوف الفرنسي ريكور: أفلا تصير حياة الناس أكثر معقولية حين يطبق عليها الإنسان النماذج السردية أو (الحبكات) المستمدة من التاريخ والخيال (مثل مسرحية أو رواية، أي صورة الذات المتحركة؟)، وفي إطار علاقة التاريخ بالمتخيل، وجد أن تحديد هوية الفرد أو المجموعة يتوقف على الجواب عن السؤال: من فعل ذلك الفعل؟ وحدّة الذات الفاعلة، أي استمراريتها وثباتها، رغم التحول لا يمكن أن تفهم إلا بالمعنى السردي، فسؤال الهوية يرتد عندئذٍ إلى عملية سردية لمسار الذات، ومن دون هذا البعد الشخصي، لا سبيل للخروج من مأزق الهوية الشخصية».

وتضيف: «لن أستطيع كوني فرداً أن أستأثر بقصة أكتبها لي وحدي؛ لأنني قد أكون لساناً يستبطن حكاية الجماعة، ورحلتها عبر الزمان، وتغريبتها داخل المكان، أي من خلال مختلف النماذج السردية - بما في ذلك الأجناس الأدبية، وبُنى الحبكة، والثيمات المجازية... إلخ - التي توفرها ثقافتي؛ لأنه يوضح الارتباطات العميقة بين القصص الثقافية والقصص الشخصية، والنسيج التفسيري للتفكير نفسه».

وترى الخميس أن الأمر قد يصبح مرّكباً عندما تكون الذات الأنثوية جزءاً من سؤال الهوية بعد أن ظلت بمنأى عن الفضاء العام لدهور، وبقيت على هامش التدوين، ولم تتسلل إلى المتن إلا في مراحل متأخرة؛ لذا يبرز هنا سؤال الهوية بطبقات متعددة، عن ذات تتموضع أمام الآخر، وفي الوقت نفسه تنوء بحمولة ثقيلة من الإرث الجندري (فالمرأة كائن موجود بغيره لا بذاته؛ فهي إما ابنة فلان، أو أخت فلان، أو زوجة فلان)».

وتضيف: «حتى جدتنا العريقة شهرزاد، التي سعت إلى مخاتلة الصمت بالكلام، نجد أن الكلام كان يوضع على لسانها وفق قوانين ثقافة شعبية، تكرّس بحرص تراتبية العائلة البطريركية وامتيازات ذكورها على اعتبار أن اللغة هي سلطة عليا لمواجهة المتمردين والمارقين، فيصبح التحدي هنا إيجاد ذات من داخل رقابة اللغة الصارمة».

وتزيد الخميس: «المرأة العربية الكاتبة كانت تدرك أنها على موعد مع كتابة تاريخ النساء المهمل، وأنها بصدد تحديد موقع لها في نسق الثقافة الرمزي، يجعلها فاعلة ثقافية بالأصالة، ويحدّ من الصوت التمثيلي الواحد للشرعية الثقافية. ويبدو ذلك جلياً من خلال خصوصيات الكتابة الذاتية النسائية، التي تتمحور حول تفكيك الهوية الأنثوية، وترميم تصدّعها الداخلي والخارجي، حيث ظلت المرأة مجرّد موضوع للحكايات والقصص التي وردت على لسان الرجال، في الوقت الذي تهيّبت فيه من الإبداع».

تحقيقات متنوعة

حفل العدد كذلك بالعديد من المقالات والتحقيقات المتنوعة والنصوص الأدبية، بينها تحقيق بعنوان «المغرب جسر حضاري بين ضفتي المتوسط»، يرى فيه الكاتب أن الهوية المتوسطية للمغرب ليست مجرد انتماء جغرافي، بل هي نتاج تاريخ طويل من التفاعل والتبادل الثقافي عبر البحر المتوسط. وكذلك تحقيق عن المغرب بعنوان «التراث المغربي بعيون إسبانية».

وتحقيق بعنوان «بلاريجيا... مدينة تسكنها الذاكرة: فسيفساء الحياة اليومية في المدينة الملكية»، يتناول الكاتب وهو خبير في التراث الثقافي، أسرار المدينة الواقعة في قلب الشمال الغربي من تونس، حيث تتماهى الأرض مع الأفق في مشهد ريفي وعلى أطراف تلال تغفو بين همسات الريح وهمسات الضوء، تنهض بلاريجيا كمدينة محفورة في ذاكرة الحجر، ومعلقة بين زمنين: زمن قرطاج المتجذر في عمق التاريخ، وزمن روما المنبسط على سطح الإمبراطورية.

ومقال بعنوان «بغداد في عيون الرحالة»، للدكتور سعد الحسني، رئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة الإسراء في العراق، يرى فيه أن بغداد لم تكن مجرد مدينة عريقة امتد تاريخها إلى آلاف السنين، بل، ولأن سكان وادي الرافدين كانوا أول من بنى حضارة بشرية اتسمت بتغيير العالم ودفعه نحو منعطف أكثر من قوة ما فعلته الثورة الصناعية في العالم.

ليس فقط أن العجلة المدورة المدولبة قد اخترعت أول مرة في وادي الرافدين، وليس فقط أن الكتابة المسمارية قد وجدت لأول مرة على الرقم الطينية الأولى لهذه الحضارة، بل إن تشريع حمورابي يعتبر أول تشريع نظم سياقات الحياة اليومية والاجتماعية والقانونية والأخلاقية في العالم أجمع.

ومن هذا المنطلق ركز الكثير من الآثاريين والرحالة الأجانب في جانب كبير من دراساتهم على حضارة وادي الرافدين، فمنهم من تجشم عناء زيارة العراق في أوقات مختلفة، ومنهم من عاش ومات ودفن حباً في العراق.

كما حفل العدد بمقال بعنوان «الإيسيسكو والذكاء الاصطناعي». واستطلاع عن «متحف شانغريلا بهاواي: نافذة على عظمة الفنّ الإسلامي»، وتحقيق موسع بعنوان «الإيسيسكو في دمشق»... وغيرها من المقالات والنصوص الأدبية.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.