«فريز لندن»... منصات فنية عالمية ومبيعات بالملايين

تشارك فيه 45 دولة... وحضور عربي ملحوظ

من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
TT

«فريز لندن»... منصات فنية عالمية ومبيعات بالملايين

من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان

في قلب حديقة ريجنت بلندن، وبين خيام بيضاء فسيحة تضج بالحركة، يصطف الزوار أمام لوحات ضخمة وأعمال تركيبية مذهلة، يتبادلون الآراء، ويلتقطون الصور، ويتابعون عروض الأداء المباشر. هذا ليس متحفاً، بل هو (Art Fair Frieze) «مهرجان فريز للفن»، الذي يعيد تعريف تجربة الاستمتاع بالفن كل خريف. وهو يعدّ أحد أهم الأحداث الثقافية في العاصمة البريطانية، وحدثاً فنياً سنوياً يجمع بين الإبداع الفني والحضور الدولي. فمنذ انطلاقته عام 2003، تحوّل «Frieze» إلى ما هو أكثر من مجرد معرض؛ إنه ظاهرة ثقافية وتجارية تسلط الضوء على أحدث ملامح الفن المعاصر، وتثير نقاشات حول العلاقة بين الفن والسوق، والجمال والربح، وجدوى الاقتناء من عدمه للأشخاص والمؤسسات. يشارك في المهرجان أكثر من 280 غاليري تمثل 45 دولة، ويُعرَض فيها آلاف الأعمال الفنية، وتُعقَد صفقات بيع بملايين الجنيهات. وأطلق هذا المهرجان كل من أماندا شارب، وهي ناشرة ورائدة أعمال فنية، وماثيو سلوتوفر، وهو ناشر ورائد أعمال بريطاني، وجمع الاثنان بين الحس الإبداعي التجاري، ونجحا في تأسيس نموذج يحتذى به في كيفية بناء منصات فنية عالمية التأثير. وهما الآن من أبرز الشخصيات المؤثرة في عالم الفن المعاصر، وقد أسسا معاً مجلة «Frieze» المتخصصة في الفن والثقافة المعاصرة عام 1991. وأصبحت المجلة بمثابة منصة فكرية جمعت بين النقد الفني والحوار الثقافي، ولاقت نجاحاً واسعاً في الأوساط الفنية. مهّد هذا النجاح لاحقاً الطريق أمام الثنائي لإطلاق «مهرجان فريز للفن» (Frieze Art Fair) في عام 2003، في حديقة ريغنت بلندن. وجاءت فكرة المهرجان من استخدام فضاء واسع يعرض الفن المعاصر بأسلوب حداثي، يجمع بين صالات العرض العالمية والفنانين والجمهور في حدث سنوي، أصبح اليوم من بين الأهم على مستوى العالم في مجال الفنون البصرية.

يقام المهرجان سنوياً في شهر أكتوبر (تشرين الأول) داخل حديقة ريغنت، ويضم أقساماً عدة، أبرزها Frieze London الذي يركّز على الأعمال المعاصرة لفنانين أحياء، وFrieze Masters الذي يُعنى بالأعمال التاريخية التي تعود لما قبل عام 2000. من أهم أهداف مهرجان فريز تسليط الضوء على أبرز الاتجاهات في الفن المعاصر، وتوفير مساحة للحوار والتفاعل بين الفنانين والجمهور والمؤسسات الفنية. ويوفّر المهرجان كذلك منصة فريدة لاكتشاف أسماء ومواهب جديدة في الساحة الفنية العالمية إلى جانب عرض أعمال لأسماء راسخة. ولا يقتصر دوره على العرض فقط، بل يشمل برامج موازية مثل الندوات والمحاضرات والعروض الأدائية؛ ما يجعله حدثاً غنياً بالتجارب الثقافية والمعرفية. وبفضل مكانته المرموقة، يُعدّ «فريز» مؤشراً مهماً لاتجاهات سوق الفن العالمي، حيث تعقد خلاله صفقات بملايين الجنيهات؛ ما يجعله حلقة وصل حيوية بين مبدع الفن والإنتاج الثقافي من جهة، والتجارة والاستثمار من جهة أخرى.

من أعمال الفنانة الأردنية منى السعودية

أبرز صالات العروض

بين أروقة المهرجان السنوي الذي يجمع تجارب الفنّ المعاصر بالتجارب والأعمال الرائدة، دبّت الحركة في أجنحة عدد من صالات العرض التي تُعدّ من القلاع الفنية العالمية. على سبيل المثال، شارك غاليري David Zwirner، بأعمال نحتية جديدة للفنانة الباكستانية هوما بهابها Huma Bhabha، ولوحات معاصرة لفنانين، مثل كريس أوفيلي والكولومبي أوسكار موريو والفنانة بورشا زفافاهيرا من زمبابوي. قدم هذا الغاليري بوصفه من أبرز صالات العرض في مجال الفن المعاصر، عرضاً يُعبّر عن مزاوجة الإعلام الفني؛ بين التجديد والرصانة، وبين السوق والاختبار الجمالي.

كما عرض غاليري «بيبي هولدزورث» ومقرّه لندن، أعمالاً غير معروضة سابقاً لفنانين، مثل الفنانة البريطانية كيتي موران والبرازيلية صوفيا لويب، مع تركيز خاصّ على الموضوعات الطبيعية والذاكرة المشتركة وموقع الإنسان في محيطه. كما شهدت منصة غاليري «جين بوستن»، ومقرها مدينة بوستن زحاماً من قِبل الجمهور الذي حرص على أخذ صور لمنحوتات الفنان العراقي - الأميركي مايكل راكويتز الذي جسدت منحوتاته رموزاً من الحضارة الآشورية شُغِلتْ بورق تغليف التمور والصحف العربية وبقية أوراق التغليف للمؤكلات والمواد الاستهلاكية في إدانة واضحة وتذكير بجريمة سرقة وتدمير المتحف العراقي وآثار مدينة الموصل.

وفي قسم أساتذة الفن أو ما يعرف بـ«Frieze Masters»، نلمس بوضوح أن بعض المبيعات تجاوزت حدود «الفنّ المعاصر» لتلامس أساطير الفن والتاريخ. فقد بيعت لوحة تعود لعام 1909 للفنانة ورائدة التعبيرية الألمانية غابريلا مونتر(1877 - 1962) بمبلغ يُقارب ثلاثة ملايين دولار في اليوم الأول لافتتاح المهرجان في غاليري «هوسر ورث». كذلك، بيعت لوحة للفنان البلجيكي السوريالي رينيه مغريت تعود لعام 1953 بمبلغ 1.6 مليون دولار أميركي. وتعكس المبيعات أن «القيمة» في سياق تقدير الأعمال ليست مجرد رقم، بل تعبير عن موقع العمل ومبدعه في تاريخ الفن، ومدى رغبة المقتنيين والمستثمرين في اقتنائه. كذلك بيعت لوحة للفنان بول كيلي بما يقارب 1.45 مليون دولار أميركي. تتجلى في هذا المزيج بين دور العرض المعاصرة والمتاجر الفنية التاريخية، مكانة Frieze بوصفه منصةً تجمع «الآن» و«الأمس» في آن واحد، وكذلك تقارب بين التوجه التجاري والبحث الجمالي. وتقع على صالات الفنون والغاليريهات المشارِكة عبءَ اختيار الأعمال الفنية، ويتحمل المشترون عبء القيمة، ويتحمل الزائرون (مثلي) عناء ومتعة التأمل. وهكذا، يصبح المعرض أكثر من مجرد مكان يباع فيه الفنّ: بل مساحة يُقرأ فيها الحاضر ويُعاد تأمّل الماضي.

صالات العرض والغاليريهات العربية

عرض غاليري «لوري شبيبي» ومقره دبي في Frieze Masters مجموعة من أعمال للفنانة الأردنية الرائدة منى السعودي (1945 - 2022) شملت خمس منحوتات حجرية وأحد عشر عملاً طباعياً على الورق من الفترة (1973 - 1978). بينما عرض غاليري «صفير زملر» ومقره بيروت وهامبورغ في Frieze Masters أيضاً وضمن فعالية «الاستوديو» التي تحتفي بالفنانين الرواد الأحياء أعمالاً للفنانة الفلسطينية سامية حلبي المولودة في القدس عام 1936، وهي أعمال تركز على ستة عقود من الرسم التجريدي المتواشج مع البُعد الشرقي المتمثّل في البُنى الزخرفية، الهندسية، والضوء/اللون في البيئة الشرق أوسطية. أما غاليري «آثر» ومقره جدة والرياض، فشارك بعرض لفنانات سعوديات، مثل دانية الصالح وبسمة فلمبان؛ ما يعكس الحضور العربي المعاصر في المعرض.

منحوتات معاصرة

وعلى امتداد المساحات الخضراء لحديقة ريغنت في لندن، تتوزّع هذه السنة أعمالٌ فنية نُصِبت تحت عنوان: «In the Shadows/ في الظلال»، ويعكس العنوان رؤية تنقّب في الخفاء، وفيما لم يُرَ بعد، داخل ذاكرة المكان والمادّة والغياب. اختار القيّمون على العرض أربعة عشر فناناً دولياً ليفسّحوا مساحةً للفنان والمشاهد كي يتلمّس العتمة، وكي يقرأ التغيّر البيئي، وجذور التاريخ، والبُعد الداخلي للذات. ومن بين الأعمال المعروضة، مجسّم «Fibredog» لفريق فني بريطاني يدعى «Assemble»؛ وهو حيوان ضخم من القش يحيل إلى التقاليد الشعبية واللعب الجماعي، ويحوّل المسارّات الخضراء في الحديقة فضاءً للدهشة والعبور المتمهل والمتأمل. مجسم آخر للفنان النمساوي إرفين وورم بعنوان «شبح»؛ عبارة عن بدلة عمل مستعملة عملاقة فارغة وملوّنة بالأزرق، تقف كظل صامت لعالم الشركات والاستهلاك، وتدعو المشاهد إلى التأمل في واقع العصر الاستهلاكي وبصمة الإنسان الشخصية التي يتركها على أشيائه الخاصة. أما مجسّم «Requiem/ The Last Call» للفنانة الهندية - الأميركية رينا سايني كلايت؛ فعمل مركّب ضخم يُصدر تغريداً لطيور انقرضت. وعزلت الفنانة هذه الأصوات من الأصوات البشرية في أشرطة التخابر في الجيوش أثناء الحرب العالمية الأولى، وحوّلت الصمت الأبدي والانقراض تأبيناً، يذكّرنا بأن الظلال هي أيضاً نداءات لم تُسمع بعد.


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.