نقاد سعوديون في «كتارا» يستعرضون سيرة القصيبي الذي انحاز للمهمشين

ندوة تتناول نصف قرن بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية

اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
TT

نقاد سعوديون في «كتارا» يستعرضون سيرة القصيبي الذي انحاز للمهمشين

اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»

في قراءتهم لسيرة الأديب والدبلوماسي السعودي الراحل الدكتور غازي القصيبي، وتجربته الإبداعية والإدارية، أجمع ثلاثة من النقاد السعوديين على أن القصيبي كان شخصية «استثنائية» صنعت حضورها الرمزي من خلال انحيازها إلى القضايا الإنسانية ودفاعها عن قضايا المهمشين.

أُقيمت ندوة «غازي القصيبي... الشخصية والتجربة الإبداعية»، ضمن فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية المقام حالياً في الحيّ الثقافي في العاصمة القطرية الدوحة، وذلك بمناسبة الاحتفاء بالرواية السعودية كـ«ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، واختيار الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام».

تناولت الندوة تجربة القصيبي الأدبية الموزعة بين الشعر والرواية، وشارك فيها عدد من الأكاديميين والنقاد السعوديين، وهم: الدكتور معجب الزهراني، والدكتور سعيد السريحي، والدكتور محمد الصفراني، وأدارها محمد بودي.

القصيبي... النموذج والرمز

في هذه الندوة، قدم الدكتور معجب الزهراني ورقة بعنوان: «غازي القصيبي ونموذج المثقف الرمز»، استعرض خلالها شخصية القصيبي المتنازع بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية على مدى نصف قرن.

وتحدث الدكتور الزهراني عن العلاقة التي ربطته بغازي القصيبي، قائلاً: «إن علاقتي مع هذا المثقف الرمز والشخصية الاستثنائية بدأت منذ الزمالة في جامعة الملك سعود بالرياض، حيث أصدر وقتها ديوانه المثير للجدل (معركة بلا راية) الذي لاقى معارضة شديدة من التيار المحافظ. ثم عُيّن القصيبي عميداً لكلية التجارة 1971، بعدها تدرّج في المناصب الحكومية؛ مديراً للمؤسسة العامة للسكك الحديدية 1973، ووزيراً للصناعة والكهرباء 1976، ثم وزيراً للصحة 1982، حتى تعيينه سفيراً لبلاده في البحرين 1984، ثم سفيراً لدى بريطانيا 1992، حتى عودته للوزارة من جديد؛ وزيراً للمياه والكهرباء 2003، ثم وزيراً للعمل 2005».

المتحدثون في ندوة القصيبي في «كتارا»: د. معجب الزهراني ود. سعيد السريحي، ود. محمد الصفراني وأدارها محمد بودي

يضيف الزهراني أن الرواية الأولى للقصيبي كانت «شقة الحرية» في عام 1994، وكنا نرى أن هذه الرواية «سيكون لها ما بعدها»، فقد «كانت هذه الرواية علامة تحوّل في مسيرة القصيبي الأدبية، كما في مسار الرواية السعودية».

يضيف الزهراني أن القصيبي سرعان ما أصدر روايته الثانية «العصفورية» 1996، وهي رواية ساخرة لا تقل قوة عن سابقتها «شقة الحرية»، فقد «حدث للقصيبي طفرة أدبية، وفوجئ المشهد الثقافي بالشفافية الهائلة التي يتمتع بها، وهو يتحدث عن الشخصيات، ففي رواية (العصفورية) لم تبقَ فئة من شرائح المجتمع إلا ووضعها تحت مشرحة النقد».

وبرأي الزهراني، فإن عنصر التميّز في شخصية الراحل القصيبي أنه كان «يحمل قضية، ولديه الوعي النقدي»، حيث: «لا يصبح للمثقف قيمة إلا إذا امتلك الوعي النقدي».

ويواصل الزهراني سرد علاقته بالقصيبي، قائلاً: «حين عُينت في جامعة اليمامة دشنتُ كرسي القصيبي الذي لقي استجابة واسعة، وتمكن أن يجمع 6 ملايين ريال».

ويشير إلى الجانب الإنساني في حياة القصيبي الذي «كان يحوّل رواتبه على مدى عمله الطويل في الحكومة لجمعية المعاقين»، فقد كان دوماً «منحازاً للمهمشين، ومكافحاً للروح القبلية، ومناصراً للمرأة، وساعياً لتمكين الشباب من العمل، ولذلك تحوّل إلى ما يسمى الرمز».

حتى موهبته الأدبية كانت تحمل سرّ تميزها من القصيبي نفسه، ففي مقابلة معه، قال القصيبي إن موهبته «متوسطة جداً» في كلٍّ من الشعر والرواية والفكر، ويضيف الزهراني: «إن عبقرية القصيبي جعلت من كل هذا (المتوسط) علامة فارقة في العطاء الإبداعي، حتى أصبح الكثير يسعى لتقليده ومحاكاته».

ويضيف الزهراني: «ليس كل نموذج ناجح يتحول إلى رمز... فرمزية القصيبي لا أحيلها إلى العبقرية، بل إن هناك عاملين أساسيين، هما: وجود وعي عميق ومتسع إنسانياً، وكونه صاحب قضايا يتفاعل مع الإنسان ومسكون بالإنسان البسيط، مثل: المرأة، والعاطلين عن العمل»، مضيفاً أن القصيبي رغم أنه نشأ في طبقة أرستقراطية فإنه ظلّ منحازاً للهامش، في أعماله الإبداعية كما في سيرته الإدارية.

توزعت سيرة غازي القصيبي بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية على مدى نصف قرن

أقنعة القصيبي

وقدم الدكتور سعيد السريحي ورقة بعنوان: «الرواية باعتبارها قناعاً لدى القصيبي»، تناول فيها بعض روايات غازي القصيبي بالتحليل والنقد.

وقال السريحي: «إننا نظلم غازي القصيبي إذا نظرنا إليه بوصفه روائياً أو شاعراً فحسب، أو حتى سفيراً أو أكاديمياً، لأن تلك الهالة التي تحيط بالقصيبي ما تبرح أن تفيض عن الصورة التي نرسمها لهذه الشخصية».

وقال السريحي إن مهمة الناقد تحرير أعمال القصيبي من القصيبي، فمن شأن تحرير أعمال القصيبي أن يطلقها إشارة حرة قابلة للتأويل.

ويرى السريحي أن الشعر كان معركة القصيبي الأولى، فهو لم يكن حريصاً على المكاسب التي حققها في ميدان الإدارة، وقد اضطر لخسارتها مرتين بسبب الشعر؛ فمرة خسر (الوزارة) ومرّة خسر (السفارة)، فالشعر كان خط التماس الذي يتصل بشخصية القصيبي.

لكن القصيبي في مرحلة لاحقة اكتشف السرد الذي يوفر له فرصة المواجهة والمواربة، كما يوفر له حضوراً لدى فئات في المجتمع لم يسعها الشعر، ومن خلال السرد وسع دائرة قرائه والمتأثرين بما يقول، وكمنت الخبرة لدى القصيبي في أنه اتخذ من الرواية خندقاً وقناعاً، وأنه يوزع روحه في جسوم كثيرة.

ويضيف السريحي: «لجأ القصيبي في كتابته للرواية إلى السخرية من باب النقد والتأثير، فقد وظَّف السخرية أسلوباً لفضح الواقع المراد نقده. كما في رواية (سبعة) وفيها يسخر من البيروقراطية التي تنخر في الجسد الإداري، وفي (شقة الحرية) يسخر من شعارات جيل الخمسينات والستينات، وفي (العصفورية) يسخر من أزمة القيادة في العالم العربي».

حائط في مهرجان «كتارا» يتحدث عن مؤلفات الأديب السعودي غازي القصيبي (الشرق الأوسط)

الهارب من المدينة

بدوره، تناول الدكتور محمد الصفراني ظاهرة تحول القصيبي من الشعر إلى الرواية، مقدماً ورقة بعنوان: «الشعراوية... بحث في المحاقلة بين فنَّي الشعر والرواية»، وعرَّف المحاقلة بأنها عملية نقل مفاهيم حقل علمي إلى حقل آخر واستثمارها في تحليله.

لاحظ الدكتور الصفراني أن القصيبي كان يحمل سخطاً عارماً من المدينة بوصفها كتلة خرسانية تتغول على حساب الإنسان بصفته إنساناً. يبدو ذلك في شعره مثلاً، حين انتقل من الحياة في الهفوف بالأحساء شرقي السعودية، إلى المنامة في البحرين، وحين أُرسل للدراسة في القاهرة حيث حدثت له صدمة.

ولاحظ الصفراني أن القصيبي ذمّ المدينة وليس «المدنية»، وهو رغم نفوره من المدينة سعى لإنشاء مدينتين صناعيتين في السعودية هما: الجبيل الصناعية وينبع الصناعية. وتساءل الصفراني: «هل كان هذا الكائن الشعري الذي أنشأ مدينتين بهذه المواصفات يحمل تناقضات في شخصيته؟»، مضيفاً: «ليس هناك تناقض، ولكن ديدن هذه الشخصية أنها تعي دورها، وتفصل بين الذات الشاعرة، والدور المنوط بها».

وقال الصفراني إن القصيبي عانى من بعض التصنيفات التي طالته في الوسط الثقافي، كونه يمثل شخصية متحررة وعلمانية، لكن الكثير لا يعلمون أنه ارتبط بعلاقة وثيقة مع مفتي عام المملكة، وكان يواظب على زيارته، وفي نزعته الإنسانية، كان يحوّل رواتبه إلى جمعيه المعاقين.

في عام 1996 أصدر القصيبي ديوانه «سحيم»، وهو يسترجع أسطورة (سُحيم) عبد بني الحسحاس، الذي قتلته قبيلته حرقاً بالنار، لتغزُّله في نساء العشيرة. ويلاحظ الدكتور الصفراني أن ديوان «سحيم» الذي لا تزيد صفحاته على 92 صفحة يقترب فيه من الكتابة الروائية، كأن القارئ يقرأ من خلاله رواية تقترب من قصة العبد سحيم وتحاكي معاناته، في صورة أخرى لانحياز القصيبي إلى المهمشين.

الرواية تجمعنا

وضمن فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية أُعلن عن مبادرة «الرواية تجمعنا»، وستكون أولى أعمالها لهذا العام إطلاق مشاريع للتعاون في مجال كتابة الرواية بين كتاب سعوديين وقطريين، وذلك بمناسبة الاحتفاء بالرواية السعودية كـ«ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، واختيار الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام».

وقال خالد عبد الرحيم السيد، مدير إدارة الفعاليات والشؤون الثقافية في «كتارا» والمشرف العام على جائزة «كتارا» للرواية العربية، أن مشروع «الرواية تجمعنا»، يأتي ضمن حزمة من المشاريع والمبادرات التي تستقبل بها الجائزة عقدها الثاني.

وأوضح أن المشروع يقوم على مشاركة روائي قطري مع مجموعة من الروائيين العرب، بهدف تجربة العمل الجماعي في السرد، والاستفادة من تلاقح الأفكار في خلق رواية تجسد رؤى وخيالات متعددة، مضيفاً أن بداية هذا المشروع ستجمع روائياً قطرياً بروائي سعودي في تقديم تجربة إبداعية مشتركة.


مقالات ذات صلة

«مسلّية» و«الحويّط» برنامجان يعيدان تقديم الموروث النجدي في الدرعية

يوميات الشرق تقديم التراث النجدي بأساليب تفاعلية تعزز ارتباط الجيل الجديد بهوية الدرعية وقيمها الأصيلة (تصوير: تركي العقيلي)

«مسلّية» و«الحويّط» برنامجان يعيدان تقديم الموروث النجدي في الدرعية

أجواء ثقافية فريدة، تمد جسوراً إلى الماضي، وتربط الأجيال الناشئة بالتراث، وتستعرض إرث منطقة الدرعية، تشهدها فعاليتا «مسلّية» و«الحويّط» في حي الظويهرة التاريخي.

فاطمة القحطاني (الرياض)
خاص وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

خاص وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وجّه وزير الخارجية الصومالي تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص إريك ترمب نائب الرئيس التنفيذي لـ«منظمة ترمب» (رويترز) play-circle 02:43

خاص إريك ترمب لـ«الشرق الأوسط»: متحمسون للاستثمار في السعودية

أعرب إريك ترمب، نائب الرئيس التنفيذي لـ«منظمة ترمب»، عن حماسه الشديد لتوسيع استثمارات المجموعة في السعودية.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد رسم تخيلي للمشروع المزمع إنشاؤه في وادي صفار بالدرعية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«دار الأركان» و«دار غلوبال» و«منظمة ترمب» تطلق مشاريع مشتركة في الرياض

أعلنت شركتا «دار الأركان» و«دار غلوبال»، بالتعاون مع «منظمة ترمب»، إطلاق أول مشروع مشترك لهما في الرياض، تحت اسم «نادي ترمب الدولي للجولف – وادي صفار».

«الشرق الأوسط» (الدرعية)
العالم العربي فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

اليمن يطالب الإمارات بالسماح للبحسني بمغادرة أراضيها

طالبَ مصدر في الرئاسة اليمنية، دولة الإمارات بالسماح لعضو مجلس القيادة فرج البحسني بمغادرة أراضيها إلى الرياض، للمشاركة بالجهود الجارية لمعالجة الأوضاع باليمن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».