في كتابه «فلسفة الجوارب» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة: أماني مصطفى، يتخذ عالم الاجتماع الفرنسي جون كلود هوفمان من الجوارب، ومواقفنا المختلفة تجاهها، أداة لرصد تحولات اجتماعية ونفسية والوصول إلى نتائج مدهشة تخص المجتمع الحديث وتطوراته، عبر أسلوب يجمع بين الأفكار المدهشة والحس الساخر.
يعرض الكتاب المواقف الطريفة والعديد من التساؤلات التي قد تدور في أذهان النساء اللواتي يعبرن عن استيائهن من الفوضى التي تخلفها الجوارب المبعثرة، بينما يكشف المؤلف من خلال نظرة فكاهية وبسيطة، كيف تعكس الجوارب أسراراً عن حياتنا الزوجية وعاداتنا اليومية وحتى الطريقة التي ندير بها العالم، بدءاً من الأزياء، وصولاً إلى القرارات الكبيرة التي تؤثر على مجتمعاتنا.
يستشهد المؤلف بموقف للفيلسوف الألماني الشهير هيغل؛ حيث لاحظ أن ما يثير اهتمامه هو الجوارب ذات الثقوب، فحاول معرفة مصدر هذا الاهتمام، هل هو من ملاحظة، أم من تجربة شخصية؟ ما العلاقة بين هيغل وجواربه؟ ما المشكلات التي سببتها له؟ رغم جهوده لم يكتشف شيئاً قائلاً: «غالباً ما تظل الحياة اليومية للرجال العظماء في الظل، وتحديداً ما يتعلق بالأمور العادية في الحياة، ولا يوجد شيء عادي أكثر من الجوارب».
أصبحت عبارة هيغل عن الجوارب مشهورة للغاية: «الجورب المرقع أفضل من الجورب الممزق، ولكن هذا لا ينطبق على الوعي بالذات»؛ حيث اعتبر أن الوعي الذاتي يُولَد من التمزق وإعادة البناء، وهو المبدأ الذي انطلق منه ديكارت لإثبات الحقائق بالبرهان، من خلال مقولة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».
في عام 1968، افتتح الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر ندوة عقدها في فرنسا علق فيها على عبارة هيغل حول الوعي الذاتي العفوي؛ حيث إن الإشكالية المركزية للفلسفة الحديثة هي الفكر الديالكتيكي التأملي الجدلي الذي ينفتح على مستوى أعلى من الوعي بالذات.
وبعيداً عن هذا الجدل الفلسفي الذي يتخذ من الجورب مثالاً لقضايا فكرية كبرى، يلاحظ المؤلف أن الجورب لا يظهر إلا نادراً، وبسرية، وكل وجوده أو معظمه محكوم عليه بالنسيان. إنه تجسيد لما هو مبتذل وربما تافه؛ حيث يتعامل معه كثيرون باعتباره يجمع كل الشرور، فيكون مزعجاً عندما لا نجد فردته الثانية، ويثير الغضب لدى الزوجة عندما يتركه الزوج ملقى في منتصف غرفة المعيشة بعد عودته من العمل. وكثيراً ما يثير الحيرة حين تظهر مشكلة منزلية يجب حلها: ماذا نفعل بالجورب المثقوب؟
فيما مضى كانت الإجابة عن السؤال تلقائية، كان يكفي رتقه أو بتعبير أدق فإن المرأة أو الأم أو الزوجة المسند إليها عظائم شؤون المنزل ومصائبه تمسك به على الفور لترقعه. وما زال هوفمان يمتلك صورة لأمه بإبرتها و«كشتبانها» وبيضتها الخشبية، وهي ترتق جواربه، لكن إذا سارعت الزوجة وألقت دون تردد بجورب زوجها المثقوب في سلة المهملات، فإن ذلك ربما يحمل مؤشراً على عدم قوة عاطفة الزوجة تجاه رفيق حياتها ورغبتها، اللاشعورية، في التخلص من التفاصيل اليومية التي تذكّرها به.
ويرى المؤلف كذلك أن المسارعة بالتخلص من الجوارب المثقوبة تكشف عن «عقلية استهلاكية» يتميز بها العصر الحديث، ولا تراعي آثار حمى شراء السلع على البيئة وكوكب الأرض عموماً، في حين أن استخدام الإبرة والخيط في رتق الجورب يستعيد الصورة الحالمة الرومانسية للفتاة التي تضطلع بمسؤوليتها تجاه بيتها ومجتمعها.

