جبرا إبراهيم جبرا... استدعاءُ البئر الأولى نموذجاً

كان الشتات المعرفي الفلسطيني واسعاً إلى شتى البقاع

جبرا إبراهيم جبرا
جبرا إبراهيم جبرا
TT

جبرا إبراهيم جبرا... استدعاءُ البئر الأولى نموذجاً

جبرا إبراهيم جبرا
جبرا إبراهيم جبرا

عندما قدّم تزفتان تورودوف مجموعة مقالاته الستينية في القرن الماضي، بعنوان «شعرية النثر» (1974)، لاقى كتابه صدى حسناً، لا لأنه يقع في ميدان شهد انتعاشاً حينذاك بحكم ذيوع الاهتمام الألسني والبنائي، ولكن لأنه يستجيب أيضاً إلى محركات النص النثري ودوافعه، في حراك من السكون إلى الاضطراب ومن ثم الانفراج. تُرى هل مثل هذه الفعالية تنطبق على الشعر؟ والسيرة الذاتية؟ وكيف يكون الانفراج عندما تنفتح السيرة الذاتية على فوهة الفقدان والضياع وتدفع في مغامرة تالية تتوخى الخلاص؟

كان لا بد من استكمال سيرة جبرا إبراهيم جبرا التي نشرها عام 1986، وفي ذروة نتاجه الروائي وحضوره في «الحداثة العليا»، تلك التي ميّزت جيلاً في الكتابة العالمية من أمثال إليوت، وجيمس جويس، وييتس وفوكنر، والتي انشدَّ إليها جبرا في تجاربه الشعرية والفنية والروائية ابتداءً من «صيادون في شارع ضيق» ومن ثم «البحث عن وليد مسعود»، كان «المترجم المبدع» في شخصية جبرا قد قاده إلى ترجمة بعض أعمال هؤلاء، وفوكنر تحديداً، علاوة على أعمال شكسبير.

وعندما استكمل «البئر الأولى»، جاءت التكملة بمثابة احتفاء بـ«شارع الأميرات» (1994)، ومصاهرة عائلة العسكري وزواجه من «لميعة العسكري» زميلته حينئذ في كلية الآداب ببغداد. وأرّخت «شارع الأميرات» لحياة جبرا في بغداد، وانتمائه إلى الحركة الفنية وروادها الأوائل، من أمثال جواد سليم ونزيهة سليم ونزار سليم، وشاكر حسن السعيد، وحافظ الدروبي، والشيخلي، وفايق حسن. كان جبرا سعيداً بدوره داخل تلك الحركة الفنية وبحضوره الأدبي. وبعد أن صَعُبَ البقاء في كلية الآداب، استضافته «شركة نفط العراق» البريطانية محرراً لمجلة «العاملون في النفط». تجنَّب جبرا ذِكْر تلك الوظيفة، على الرغم من أنه نشر لمجموعة من الشباب القصائد والقصص التي تتعالى على الواقعيات بأنواعها، لا سيما «الاشتراكية منها».

وبعد تأميم نفط العراق، في مطالع سبعينات القرن الماضي، كان لا بد لجبرا من الاستعانة بوزارة الثقافة والإعلام. لكنه لم ينقطع عن نشاطه الفني والأدبي، واستمر في إعلاء «الحداثة العليا»، كما يظهر في روايته المشتركة مع عبد الرحمن منيف «عالم بلا خرائط». كانت الرواية تمريناً في إعلاء الفن واستقلالية الأدب كنشاط ذهني. ولهذا تجيء «البئر الأولى» كاستدعاء لـ«بيت لحم» التي نشأ وترعرع فيها داخل عائلة تعاني الشقاء والبؤس والسعي الحثيث للبقاء. ولكن ليس هذا ما يبرر العودة إلى جبرا و«البئر الأولى». لقد لامه العديدون على ما يعدُّونه نوعاً من التعالي على قضيته، شأن مجموعة من بني وطنه، كالشاعر والدارس توفيق صايغ الذي وضعه «مؤتمر حرية الثقافة» على رأس إدارة مجلة «حوار»، التي موَّلتها المخابرات المركزية، بالإضافة إلى عشرات المجلات الأخرى في أنحاء العالم. لكن نقاده أهملوا الأساس المتين في «شعرية» نثر «البئر الأولى»؛ فهي، من الجانب الفكري، تستكمل مقالته الفريدة: «المنفي الفلسطيني بصفته كاتباً»، التي ظهرت بالإنجليزية سنة 1979. وينبغي أن تحظى المقالة بالاهتمام لعدة أسباب، منها ما ذكره عن «عبثية» عالم اليوم؛ إذ يقول بمرارة: «إن كتبك وأفكارك ورؤاك، جميعها محض مؤشرات عبثية لعالم تسود فيه القواعد العبثية. الزم يقينك، وتلذذ به إن استطعت حينما تجهل كيف سيأتيك رغيفك التالي». لكن هذا الشعور بسعة العالم لم يدفع جبرا إلى القنوط، بل قاده في ذلك المقال إلى وضع اليد على ما يُراد: سرقة الأرض وهدم البنية المعرفية التي كانت تتنامى بشكل مميز في فلسطين. كان الشتات المعرفي الفلسطيني واسعاً، وانتشروا حاملين معارفهم إلى شتى البقاع. كان إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد وعلي كمال، وسلمى الخضراء الجيوسي، وعشرات أمثالهم، يغطون الساحة؛ ليس في العالم العربي وحده، ولكن في أميركا وأوروبا وأميركا اللاتينية. تعوزهم الثروة التي مكَّنت شتاتاً موازياً من امتلاك ساحة السياسة والحرب والمراهنة على حتمية نفوذها في إدارة عالم اليوم. لكن توطئة جبرا في مقالته هذه كانت بمثابة تعبيد لجادة العودة إلى الطفولة، حيث تمسك تضاريس بيت لحم والطريق إلى القدس وأحياء القدس وضواحيها بمخيلة الراوي طفلاً.

وتلتقي هذه التضاريس بوعي مبكر بالوطن، كما جاءت به المدرسة الثانوية في بيت لحم... كان هذا الوعي بالوطن والانتماء العربي والطقس المسيحي السائد في كنائس المدن الفلسطينية بمثابة خريطة يصعب طمسها، على الرغم من جهود الرأسمال الشريك ورعاته في أوروبا وأميركا من إيجاد حضور آخر يتمرس بشتى السبل ليمحو ما كان ويكون.

كانت رواية «أرابيسك» لأنطون شماس قد ظهرت أصلاً سنة 1986 بالعبرية أولاً، ثم ظهرت بالإنجليزية سنة 1988. و«أرابيسك»، كما يقول شماس، خوض متشابك للذاكرة في ماضٍ وحاضر، حيث تتأسس بعض نماذج أشجار النسب في داخلٍ يزداد ضغطاً وصعوبة تحت وطأة حضور غريب آخر. لكنها تستدعي «البئر الأولى» هنا، لأنها توازيه من حيث سلالة النسب والانتماء البيولوجي، بينما تتأسس «البئر الأولى» في جغرافية المكان، وهي الجغرافية التي تطل بقوة في: «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» لمحمود درويش. وبينما تتآخى رواية شماس مع «مارسيل بروست» في «البحث عن الزمن الضائع»، وهي تتجاوز خطية السرد، كان جبرا يتيح لذاكرة الطفولة أن ترسم ملامحها محفورة في كل شبر وصخرة وشجرة.

يقول جبرا في التمهيد وفي تفسير اختياره لـ«البئر الأولى عنواناً»: «البئر في الحياة إنما هي تلك البئر الأولية التي لم يكن العيش من دونها ممكناً. فيها تتجمع التجارب، كما تتجمع المياه، لتكون الملاذ أيام العطش» فـ«(البئر الأولى) هي بئر الطفولة». ولهذا تشتغل عين الطفل - الراوي كالكاميرا، تلتقط صوراً متتالية تعززها انطباعات حسية وذهنية أخرى، كما يفعل إزاء الطقوس الكنسية في بلاد الكنائس. ولا أعتقد أن السير الذاتية العربية أو غيرها، ولا الروايات، قد حفلت بمشهدية طقوس الكنيسة كما هو الأمر في «البئر الأولى».

وإذا كانت روايته «السفينة» التي ظهرت سنة 1969 تناجي رواية حليم بركات «عودة الطائر إلى البحر» التي صدرت أيضاً في 1967، فإن الاتكاء على واغنر، واستخدامه الفريد لأسطورة الطائر الذي يسمح له بالعودة إلى اليابسة فقط للبحث عمن يحب، ليعود بالخيبة كل حين، لم يعد ممكناً، كما تقول مقالة جبرا. كان جبرا يأمل العودة إذا ما تيسر أمر الحبيبة، الأرض في هذه الحالة، لكنه وبعد أن قضى 9 أشهر في بغداد ظن بعدها أن العودة ممكنة. يقول: «كيف لي أن أعرف أن فترة الـ9 أشهر ستمتد مدى الحياة؟». ليس هذا تساؤلاً بلاغياً، لأن جبرا أدرك في تلك اللحظة أنه وأمثاله يعيشون شتاتاً مزدوجاً من التشريد والتهجير والحظر الذهني، هذا ما يطلبه منه الناشر الألماني في ميونيخ؛ أن يكتب عن كل أمر، شريطة ألاّ يتناول الغاصب. يقول جبرا: «هذا يشبه المطالبة بأن تقوم بدور هاملت (من دون أمير الدنمارك)». ويضيف في التوطئة لـ«البئر الأولى»: «إن ما أكتبه شخصي بحت وطفولي بحت. ومقتربي يتركز على الذات؛ إذ يتزايد انتباهها، ويتصاعد، ويعمق إدراكها وحسها، ولا تنتهي بالضرورة حيرتها». هذه الرؤية المتشابكة هي التي جاءت بسيرة فريدة بين السير الذاتية. وإذا ما تمت قراءة ذلك بمعية «السفينة»، أي روايته، وبين مقالته سنة 1979. ندرك أن الطفل الذي ظن أن العودة طبيعية أدرك عمق القضية، وعرف أنه وأمثاله «باعة جائلون للمعرفة».

لربما يتساءل القارئ عن سبب ظهور هذه السيرة الذاتية سنة 1986: كانت الحرب العراقية - الإيرانية تأتي على الأخضر واليابس، وتربك التفكير والحياة، وتضعك أمام النهاية؛ حيث تكتظ الشوارع باللافتات السود. ويصبح التساؤل في البقاء والغياب حاضراً: ولا بد من الكتابة.

قلت مرة إن جبرا لم يهجر «الحداثة العليا» لغاية تلك اللحظة، لحظة استدعاء السيرة الذاتية. وجاء عمله أكثر تضاريسية مما فعله جيمز جويس في «صورة فنان في شبابه»، وجعل من بيت لحم «دبلن» أخرى، ولكن بكثافة تضاريسية عالية، ومهَّد لأحياء القدس وشوارعها وكنائسها كما لم يفعل غيره. قدم جبرا للفن السردي العربي والعالمي غنى كنسياً من الطقوس التي شارك فيها أو تابعها عن كثب بعين طفل ماضٍ على طريق السرد والرسم والترجمة.

وإذ تنفتح عينا الطفل وذاكرته على مرأى الاستقرار النسبي الذي أتاح التقاط التضاريس والأماكن، فإن الاضطراب رافق الرحلة إلى القدس، وتفجير «فندق داود» وما تبعه من أفعال قادت إلى الشتات الإجباري، فـ«الانفراج» الذي اعتبره تودوروف حلقة أخيرة في حركية النثر لم يتأتَّ إلا بصورة أخرى، هي الابتكار، أو تفريغ ما كان ويكون فناً يفتح باب التساؤل والفعل على مصراعيه.

* أستاذ الدراسات العربية والمقارنة في جامعة كولومبيا - نيويورك


مقالات ذات صلة

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية

«الشرق الأوسط» (سيدني )
ثقافة وفنون الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي.

عبد الله الغذامي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.