أدونيس شاعر الشغف الجسدي واللغة الجامحة

قصيدته «تحولات العاشق» علامة فارقة في شعر الحب العربي

أدونيس
أدونيس
TT

أدونيس شاعر الشغف الجسدي واللغة الجامحة

أدونيس
أدونيس

يصعب الحديث عن الحب وتجلياته الرؤيوية والإبداعية في الشعر العربي الحديث، دون التوقف ملياً عند تجربة أدونيس، وما اتسمت به من فرادة وتجرؤ بالغين. وإذا كان اسم أدونيس ليس مُدرجاً بالمعنى الشائع في خانة الشعراء العشاق، كما هو حال عمر بن أبي ربيعة ونزار قباني، فليس علينا أن نبذل كبير جهد لكي نتحقق من وقوع المرأة والحب في قلب المغامرة الأدونيسية وصميمها، سواء من حيث الرؤية والموقف، أو من حيث الأفق الدلالي والتعبيري.

وإذا كان في أعمال أدونيس الشعرية ما يُظهر الطبيعة الحقيقية لعلاقته بالمرأة، فإن في نثره وحواراته ما يؤكد على التلازم الوثيق بين تجربته الشعرية ومشروعه الفكري. فما نجده هنا نجده هناك، وإن بلغة مختلفة وأسلوب مغاير. فأدونيس إذ يرى في أحد حواراته أن على الحب ألا يتكرر، لأنه حين يتكرر يموت أو يصبح غزلاً، يرى في حوار آخر أن كل حب هو ترنح دائم بين اللقاء والفراق، الاتصال والانفصال. ثم يشير في حوار ثالث إلى كون الجسد ليس واحداً بل كثرة، وليس ثباتاً بل صيرورة، وأن كل جسد قارة، تصغر وتكبر.

وإذا كان من المتعذر الاستدلال بكل ما كتبه الشاعر في مجال الحب والعشق، فيكفي أن نتوقف ملياً عند قصيدته المميزة «تحولات العاشق»، المتضمنة في مجموعته «كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل»، لكي نتيقن من أن اعتناقه مبدأ التحول الهيروقليطي قد انعكس على نحوٍ واضح في ثنايا هذا السفْر الفريد ومناخاته. إضافة إلى احتفاء القصيدة بالجسد المعشوق، وتعبيراته الحسية التي تتعدى السطوح الظاهرة، لتتلمس طريقها التأويلي وسط غابة من الرموز والتعارضات المتداخلة.

ولعل في تمهيد أدونيس لقصيدته، عبر استشهاده بالآية الكريمة «هنّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ»، وبقول القديس بالاماس «الجسد قبة الروح»، ما يصيب هدفين اثنين في آن واحد. فهو يؤكد من جهة على تفاعله الإيجابي مع النص الديني بشقيه الإسلامي والمسيحي، ويلفتنا من جهة أخرى إلى أن الأديان في بعدها الأعمق، تحرص على التعامل مع الجسد الإنساني بوصفه وديعة الخالق في الأرض وصنيعته المثلى. وهي بالتالي لا ترذله بذاته، بل حين يصبح أداة للنزق الصرف، والانحلال الغرائزي الحيواني.

ولأن الكتابة عند أدونيس هي حالة تأرجحٍ خلاق بين اللاوعي والوعي، أو هي لاوعي يعي نفسه، فإن مقطع القصيدة الاستهلالي «كان اسمها يسير صامتاً في غابات الحروف، والحروف أقواس وحيوانات كالمخمل»، ليس عملاً من أعمال التداعي الحر. فهو إذ يشير إلى المرأة المعشوقة بوصفها اسماً، يبدو وكأنه يحرص على الخلط السحري، على طريقة البدائيين، بين الاسم والمسمى، ويحول الجسد وفعل الحب إلى رموز محقونة بأمصال شهوانية الطبيعة والمنشأ.

وإذ تحتشد القصيدة بأشكال من الثنائيات المتقابلة أو المتداخلة، مثل ثنائية الجسدي والروحي، الحسي والرؤيوي، التأليف الحاذق والتداعي الهذياني، وصولاً إلى ثنائية الحب والموت، لا يتأخر أدونيس في التركيز على الثنائية الأخيرة. فالزهر الذي يرقص في مطلع قصيدته «ناسياً قدميه وأليافه»، يأتي على نحو صادم «متحصناً بالكفن»، في حين يتخذ العالم شكل «بقايا وليمة لنهارٍ مرض ومات».

أما التقابل بين موكب الأفراس البيضاء التي تمتطي السماء، والثعبان الطويل كالنخلة الذي يطارد الشاعر العاجز عن الصراخ، وصولاً إلى الشيخ الجليل الذي بشّره بالوديعة التي ستجيره، والطفلة التي تجبر الثعبان على الهرب، فلا تمكن قراءته إلا في السياق الفرويدي لشفرات الأحلام، حيث الأفراس البيضاء ترمز إلى السمو الروحي، وحيث تتوزع رمزية الثعبان بين إغواء الشهوة والخوف من اقترافها، فيما شكّل النكوص باتجاه الطفولة الممر الإجباري لتجريد الحب من العقَد والشوائب.

ورغم أن جان طنوس يقدّم في كتابه «الوجه الآخر لأدونيس»، قراءة عميقة للقصيدة تعتمد على التأويل والتقصي النفسي، فإن ترجيحه لأن يكون الثعبان رمزاً «للأب الظالم الذي يلدغ طفله»، ليس في محله، خاصة أن علاقة الشاعر بأبيه، كما تكشف نصوصه وحواراته، كانت وثيقة جداً وأقرب إلى الصداقة منها إلى الهيمنة الأبوية. والأمر نفسه ينسحب على التأويل غير المقنع لرمزية الطفلة، التي رأى طنوس في نصرتها للأب الشاعر ما يرمز إلى تعلقها الآثم به، أو توجسها من الدخول معه في علاقة محرمة؛ ذلك أن من يكتب النص أو يسرد الرؤيا هو الشاعر وليس الطفلة، وأي تفسير للحلم ينبغي أن يُلقى على عاتق الحالم لا المحلوم به.

على أن أدونيس الذي رأى إلى الشعر بوصفه تموجاً في أوقيانوس اللغة الشاسعة، كان يدرك أن قصيدته الملحمية لا يمكن أن تدور على محور واحد أو حالة رتيبة ومكررة. وهو ما يفسر التفاوت الواضح بين المستويات البنائية والنفسية للتعبير، إضافة إلى توزع الخطاب العشقي بين ضمير الغائب «كان اسمها يسير صامتاً»، وضمير المخاطب «تكبرين في الجهات كلها»، إضافة بالطبع إلى ضمير المتكلم الذي يرسم حدود مقامات العشق وأحواله، ويوزع الأدوار.

كما أن توزيع القصيدة إلى مقاطع مرقمة، يدور كل منها في فلك منفصل ومتصل في الآن ذاته، يأتي مترافقاً مع تعدد أزمنة الكتابة، تفاعُلاً قلقاً مع اللحظة الهاربة، أو تقدماً إلى الأمام، وتراجعاً إلى الوراء. وهو ما طبع بعض المقاطع بطابع سردي، قوامه استدعاء اللحظات القادمة من الماضي، لرفد الحاضر بما يحتاج إليه من النيران:

رافقتكِ إلى المدرسة

سرقتْ خطواتنا أجراس العتبة

جلستُ إلى يساركِ في الصف

نمتُ بين أهدابكِ وما رأيتك

ثيابكِ الأقاليم والفصول دربكِ إلي

وخلافاً لما عهدناه في معظم قصائد العشق العربي، التي كانت تمر تلميحاً على الجوانب الحميمية من علاقات الحب، لا يتردد أدونيس في الكشف عن تلك الجوانب، حيث يبدو التناغم على أشدّه بين عصب اللغة ومنسوب التوتر العاطفي. وفي إطار الازدواجية القائمة بين النصين اللغوي والجسدي، يمكن لنا أن نفهم قول الشاعر:

كتبتكِ على شفتيَّ وأصابعي

حفرتكِ على جبيني ونوَّعتُ الحرف والتهجيةَ

وأكثرتُ القراءات

أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق

سيري حيث تشائين بين أطرافي

وفي إطار التناص الجلي بين اللغة والجسد، يمكننا تعقُّب الدورة المتجهة صعوداً لفعل الحب وطقوسه، حيث يتم التعامل مع الآخر بوصفه القارة المجهولة التي ترغب أنا العاشق في اكتشافها. وإذ يهتف العاشق بمعشوقته «أحكمي عقدة الجفون»، فلأن في كل حب حقيقي، ما يخترق الحواس نفسها لتتكفل البصيرة بمهمة البصر، وليصبح المرئي طريقاً لغير المرئي، وصولاً إلى المماهاة الكاملة بين منتهى العناق ومنتهى اللغة:

اغتربَ الجسد، مسَّه التحول وجع المفاصل نبض الأطراف

هندسة العضل وأبّهة الفعل، الانقباض التقلص الانفساح،

مهابط الجسد مصاعده سهوله ومدارجه،

أرض الخاصرة المليئة بالنجوم وأنصافها...

أما عبارة «هكذا يقول السيد الجسد» التي تتكرر في نهاية كل مقطع، فهي بمثابة تأكيد إضافي على ما بين الجسد واللغة من وشائج، وعلى أن جسد العاشق هو «أبجديته الأولى» السابقة على الكتابة. وقد تكون الرغبة في الإنجاب هي إحدى هذه الرسائل، خاصة أن ثمة إشارات إلى «الغيوم الحبلى التي تموت وتترك أطفالاً»، وإلى الاستعارة المتكررة لصورة الرجل الماء والمرأة الأرض. وفيما تتصل الرسالة الأخرى بكون العشق لقاء ندّياً بين شخصين متحابين، تتنامى القصيدة في مناخ من الجدل التفاعلي بين الحضور والغياب، العاطفة والرغبة، المسافة والانصهار.

ولأن العاشق في نصوص الحب هو الحاضر بفاعلية، والممسك بزمام السرد، فيما يلازم المعشوق خانة الغياب، فإن الحوار الذي أقامه أدونيس بين طرفي المعادلة، والمتمثل بالسؤال المتبادل «لماذا تزوجتني»، يبدو بمثابة محاولة رمزية لإشراك الطرف الصامت في لعبة السرد، وللتأكيد على مقولة رامبو «أنا آخر»، في الوقت ذاته.

ولا بد من أن نلاحظ أخيراً أن في «تحولات العاشق» من الطبقات التعبيرية والنفسية المتغايرة ما يجعلها مزيجاً متفاوت المقادير من العصف الداخلي الديونيزي، والهندسة الأسلوبية الأبولونية. وهي في محصلتها النهائية محاولة مضنية لاكتشاف «قارة الأعماق»، عبر لغة كثيفة ومحتشدة بالرموز، وفوق مسرح من التوله العشقي، تحدّه الأنوثة المطلقة من جهة، والموت من جهة أخرى. وهو ما يختزله أدونيس بالقول:

الحلم شجرة

الشجرة امرأةٌ ومستقبل امرأة

تنقصني أرض ثانية لأضيف إلى لغتي كلمات جديدة

ينقصني الموت

(عدم إغفال ثنائية العاشق المتكلم والمعشوقة الصامتة، أو الدمج بين الديونيزي والأبولوني).


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.