أدونيس شاعر الشغف الجسدي واللغة الجامحة

قصيدته «تحولات العاشق» علامة فارقة في شعر الحب العربي

أدونيس
أدونيس
TT

أدونيس شاعر الشغف الجسدي واللغة الجامحة

أدونيس
أدونيس

يصعب الحديث عن الحب وتجلياته الرؤيوية والإبداعية في الشعر العربي الحديث، دون التوقف ملياً عند تجربة أدونيس، وما اتسمت به من فرادة وتجرؤ بالغين. وإذا كان اسم أدونيس ليس مُدرجاً بالمعنى الشائع في خانة الشعراء العشاق، كما هو حال عمر بن أبي ربيعة ونزار قباني، فليس علينا أن نبذل كبير جهد لكي نتحقق من وقوع المرأة والحب في قلب المغامرة الأدونيسية وصميمها، سواء من حيث الرؤية والموقف، أو من حيث الأفق الدلالي والتعبيري.

وإذا كان في أعمال أدونيس الشعرية ما يُظهر الطبيعة الحقيقية لعلاقته بالمرأة، فإن في نثره وحواراته ما يؤكد على التلازم الوثيق بين تجربته الشعرية ومشروعه الفكري. فما نجده هنا نجده هناك، وإن بلغة مختلفة وأسلوب مغاير. فأدونيس إذ يرى في أحد حواراته أن على الحب ألا يتكرر، لأنه حين يتكرر يموت أو يصبح غزلاً، يرى في حوار آخر أن كل حب هو ترنح دائم بين اللقاء والفراق، الاتصال والانفصال. ثم يشير في حوار ثالث إلى كون الجسد ليس واحداً بل كثرة، وليس ثباتاً بل صيرورة، وأن كل جسد قارة، تصغر وتكبر.

وإذا كان من المتعذر الاستدلال بكل ما كتبه الشاعر في مجال الحب والعشق، فيكفي أن نتوقف ملياً عند قصيدته المميزة «تحولات العاشق»، المتضمنة في مجموعته «كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل»، لكي نتيقن من أن اعتناقه مبدأ التحول الهيروقليطي قد انعكس على نحوٍ واضح في ثنايا هذا السفْر الفريد ومناخاته. إضافة إلى احتفاء القصيدة بالجسد المعشوق، وتعبيراته الحسية التي تتعدى السطوح الظاهرة، لتتلمس طريقها التأويلي وسط غابة من الرموز والتعارضات المتداخلة.

ولعل في تمهيد أدونيس لقصيدته، عبر استشهاده بالآية الكريمة «هنّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ»، وبقول القديس بالاماس «الجسد قبة الروح»، ما يصيب هدفين اثنين في آن واحد. فهو يؤكد من جهة على تفاعله الإيجابي مع النص الديني بشقيه الإسلامي والمسيحي، ويلفتنا من جهة أخرى إلى أن الأديان في بعدها الأعمق، تحرص على التعامل مع الجسد الإنساني بوصفه وديعة الخالق في الأرض وصنيعته المثلى. وهي بالتالي لا ترذله بذاته، بل حين يصبح أداة للنزق الصرف، والانحلال الغرائزي الحيواني.

ولأن الكتابة عند أدونيس هي حالة تأرجحٍ خلاق بين اللاوعي والوعي، أو هي لاوعي يعي نفسه، فإن مقطع القصيدة الاستهلالي «كان اسمها يسير صامتاً في غابات الحروف، والحروف أقواس وحيوانات كالمخمل»، ليس عملاً من أعمال التداعي الحر. فهو إذ يشير إلى المرأة المعشوقة بوصفها اسماً، يبدو وكأنه يحرص على الخلط السحري، على طريقة البدائيين، بين الاسم والمسمى، ويحول الجسد وفعل الحب إلى رموز محقونة بأمصال شهوانية الطبيعة والمنشأ.

وإذ تحتشد القصيدة بأشكال من الثنائيات المتقابلة أو المتداخلة، مثل ثنائية الجسدي والروحي، الحسي والرؤيوي، التأليف الحاذق والتداعي الهذياني، وصولاً إلى ثنائية الحب والموت، لا يتأخر أدونيس في التركيز على الثنائية الأخيرة. فالزهر الذي يرقص في مطلع قصيدته «ناسياً قدميه وأليافه»، يأتي على نحو صادم «متحصناً بالكفن»، في حين يتخذ العالم شكل «بقايا وليمة لنهارٍ مرض ومات».

أما التقابل بين موكب الأفراس البيضاء التي تمتطي السماء، والثعبان الطويل كالنخلة الذي يطارد الشاعر العاجز عن الصراخ، وصولاً إلى الشيخ الجليل الذي بشّره بالوديعة التي ستجيره، والطفلة التي تجبر الثعبان على الهرب، فلا تمكن قراءته إلا في السياق الفرويدي لشفرات الأحلام، حيث الأفراس البيضاء ترمز إلى السمو الروحي، وحيث تتوزع رمزية الثعبان بين إغواء الشهوة والخوف من اقترافها، فيما شكّل النكوص باتجاه الطفولة الممر الإجباري لتجريد الحب من العقَد والشوائب.

ورغم أن جان طنوس يقدّم في كتابه «الوجه الآخر لأدونيس»، قراءة عميقة للقصيدة تعتمد على التأويل والتقصي النفسي، فإن ترجيحه لأن يكون الثعبان رمزاً «للأب الظالم الذي يلدغ طفله»، ليس في محله، خاصة أن علاقة الشاعر بأبيه، كما تكشف نصوصه وحواراته، كانت وثيقة جداً وأقرب إلى الصداقة منها إلى الهيمنة الأبوية. والأمر نفسه ينسحب على التأويل غير المقنع لرمزية الطفلة، التي رأى طنوس في نصرتها للأب الشاعر ما يرمز إلى تعلقها الآثم به، أو توجسها من الدخول معه في علاقة محرمة؛ ذلك أن من يكتب النص أو يسرد الرؤيا هو الشاعر وليس الطفلة، وأي تفسير للحلم ينبغي أن يُلقى على عاتق الحالم لا المحلوم به.

على أن أدونيس الذي رأى إلى الشعر بوصفه تموجاً في أوقيانوس اللغة الشاسعة، كان يدرك أن قصيدته الملحمية لا يمكن أن تدور على محور واحد أو حالة رتيبة ومكررة. وهو ما يفسر التفاوت الواضح بين المستويات البنائية والنفسية للتعبير، إضافة إلى توزع الخطاب العشقي بين ضمير الغائب «كان اسمها يسير صامتاً»، وضمير المخاطب «تكبرين في الجهات كلها»، إضافة بالطبع إلى ضمير المتكلم الذي يرسم حدود مقامات العشق وأحواله، ويوزع الأدوار.

كما أن توزيع القصيدة إلى مقاطع مرقمة، يدور كل منها في فلك منفصل ومتصل في الآن ذاته، يأتي مترافقاً مع تعدد أزمنة الكتابة، تفاعُلاً قلقاً مع اللحظة الهاربة، أو تقدماً إلى الأمام، وتراجعاً إلى الوراء. وهو ما طبع بعض المقاطع بطابع سردي، قوامه استدعاء اللحظات القادمة من الماضي، لرفد الحاضر بما يحتاج إليه من النيران:

رافقتكِ إلى المدرسة

سرقتْ خطواتنا أجراس العتبة

جلستُ إلى يساركِ في الصف

نمتُ بين أهدابكِ وما رأيتك

ثيابكِ الأقاليم والفصول دربكِ إلي

وخلافاً لما عهدناه في معظم قصائد العشق العربي، التي كانت تمر تلميحاً على الجوانب الحميمية من علاقات الحب، لا يتردد أدونيس في الكشف عن تلك الجوانب، حيث يبدو التناغم على أشدّه بين عصب اللغة ومنسوب التوتر العاطفي. وفي إطار الازدواجية القائمة بين النصين اللغوي والجسدي، يمكن لنا أن نفهم قول الشاعر:

كتبتكِ على شفتيَّ وأصابعي

حفرتكِ على جبيني ونوَّعتُ الحرف والتهجيةَ

وأكثرتُ القراءات

أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق

سيري حيث تشائين بين أطرافي

وفي إطار التناص الجلي بين اللغة والجسد، يمكننا تعقُّب الدورة المتجهة صعوداً لفعل الحب وطقوسه، حيث يتم التعامل مع الآخر بوصفه القارة المجهولة التي ترغب أنا العاشق في اكتشافها. وإذ يهتف العاشق بمعشوقته «أحكمي عقدة الجفون»، فلأن في كل حب حقيقي، ما يخترق الحواس نفسها لتتكفل البصيرة بمهمة البصر، وليصبح المرئي طريقاً لغير المرئي، وصولاً إلى المماهاة الكاملة بين منتهى العناق ومنتهى اللغة:

اغتربَ الجسد، مسَّه التحول وجع المفاصل نبض الأطراف

هندسة العضل وأبّهة الفعل، الانقباض التقلص الانفساح،

مهابط الجسد مصاعده سهوله ومدارجه،

أرض الخاصرة المليئة بالنجوم وأنصافها...

أما عبارة «هكذا يقول السيد الجسد» التي تتكرر في نهاية كل مقطع، فهي بمثابة تأكيد إضافي على ما بين الجسد واللغة من وشائج، وعلى أن جسد العاشق هو «أبجديته الأولى» السابقة على الكتابة. وقد تكون الرغبة في الإنجاب هي إحدى هذه الرسائل، خاصة أن ثمة إشارات إلى «الغيوم الحبلى التي تموت وتترك أطفالاً»، وإلى الاستعارة المتكررة لصورة الرجل الماء والمرأة الأرض. وفيما تتصل الرسالة الأخرى بكون العشق لقاء ندّياً بين شخصين متحابين، تتنامى القصيدة في مناخ من الجدل التفاعلي بين الحضور والغياب، العاطفة والرغبة، المسافة والانصهار.

ولأن العاشق في نصوص الحب هو الحاضر بفاعلية، والممسك بزمام السرد، فيما يلازم المعشوق خانة الغياب، فإن الحوار الذي أقامه أدونيس بين طرفي المعادلة، والمتمثل بالسؤال المتبادل «لماذا تزوجتني»، يبدو بمثابة محاولة رمزية لإشراك الطرف الصامت في لعبة السرد، وللتأكيد على مقولة رامبو «أنا آخر»، في الوقت ذاته.

ولا بد من أن نلاحظ أخيراً أن في «تحولات العاشق» من الطبقات التعبيرية والنفسية المتغايرة ما يجعلها مزيجاً متفاوت المقادير من العصف الداخلي الديونيزي، والهندسة الأسلوبية الأبولونية. وهي في محصلتها النهائية محاولة مضنية لاكتشاف «قارة الأعماق»، عبر لغة كثيفة ومحتشدة بالرموز، وفوق مسرح من التوله العشقي، تحدّه الأنوثة المطلقة من جهة، والموت من جهة أخرى. وهو ما يختزله أدونيس بالقول:

الحلم شجرة

الشجرة امرأةٌ ومستقبل امرأة

تنقصني أرض ثانية لأضيف إلى لغتي كلمات جديدة

ينقصني الموت

(عدم إغفال ثنائية العاشق المتكلم والمعشوقة الصامتة، أو الدمج بين الديونيزي والأبولوني).


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».