غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

قال إن فصل اللبناني عن الثقافة انتزاع لروحه

غسان سلامة
غسان سلامة
TT

غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

غسان سلامة
غسان سلامة

بعد ربع قرن من توليه وزارة الثقافة اللبنانية، يعود غسان سلامة إلى الموقع نفسه، وقد نضجت التجربة، وتبدلت الأحوال، وجاءت أجيال جديدة، لكنَّ إصراره على أنها واحدة من أهم الوزارات في لبنان لم يتبدل. يخبرنا بأنه سيفاجئ الجميع بدراسة تبيِّن أن القطاع الثقافي في لبنان نصيبه من الناتج المحلي أكبر من الزراعة، وربما الصناعة أيضاً. عن هذا يتحدث غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط» وعن رؤيته للمستقبل وخططه ومشاريعه الطموحة.

يصف وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة نفسه بأنه «أكبر مالك عقاري»، لأن مهمته الدفاع عن مدن وقلاع وأسواق ومبانٍ أثرية في كل لبنان، ويحميها من التعديات.

«نصف شغل وزير الثقافة هو الدفاع عن هذه الممتلكات، والحفاظ عليها. عندي قضايا كثيرة أمام المحاكم، ومتابعات يومية مع الدرك». قضايا تتعلق بسرقات أثرية أو تعديات بالبناء على آثار، أو تشويهها. هذا الجزء من عمله يعده «ثميناً جداً» و«سيادياً» ويعطيه أهمية فائقة. «أوقفنا تعديات في أماكن كثيرة. ونعمل بجدٍّ على تطوير اتفاقات مع (اللوفر) وإيطاليا للمساعدة في البحث عن آثار جديدة».

الإنتاج الثقافي وشُحّ التمويل

الجزء الثاني من عمل الوزير -يخبرنا سلامة- له علاقة بالإنتاج الثقافي. هذا جانب يعاني من ضعف بسبب عدم وجود تمويل. «دورنا أن نسهّل، وأن نفتح أسواقاً جديدة أمام الكتاب وصنّاع الأفلام وغيرهم».

مقارنةً بزمن الوفرة الذي كان خلاله سلامة وزيراً للثقافة قبل 25 سنة، لم يعد من إمكانات؛ «مالية الدولة ستكون صعبة لثلاث أو خمس سنوات مقبلة. بالتالي لم يعد دور الوزارة كمستثمر، وإنما كمساعد ومشجع أكثر من أي شيء آخر».

تقع على عاتق الوزير عملية صياغة الثقافة العامة للبلد، وموضوع الذاكرة. الأسبوع الماضي كان الاهتمام منصبَّاً على الوقوف إلى جانب السيدة فيروز، والإسهام في تنظيم مأتم ابنها زياد الرحباني وتكريمه. في الأسبوع نفسه كانت «ليلة المتاحف»، حيث جاء أكثر من 30 ألف شخص. «فوجئت حين رأيت الآلاف المؤلَّفة تنزل إلى الشارع، لم أصدِّق عيني، خصوصاً أنه لا حافلات تكفي لنقل كل هؤلاء الذين لم نتصور مشاركتهم، ولم نستعدّ لها. شجَّعهم الانتقال المجاني ووجود أدلَّاء».

وزارة تربط الناس بتاريخهم

دور الوزارة بالنسبة إلى سلامة هو الحفاظ على التراث وربط الناس بتاريخهم؛ «لذلك حين حلّت ذكرى انفجار المرفأ يوم 4 أغسطس (آب)، وطلب أهالي الضحايا وضع صوامع المرفأ المدمَّرة على لائحة الجرد العام وإلغاء القرار السابق بهدمها تجاوب سلامة معهم:

«إذا كان عائلات الضحايا يعدرون الصوامع شاهداً صامتاً على الفجيعة التي ضربتهم، فلا يجوز حرمانهم منها على الأقل حتى صدور القرار الظني».

مهمة ثالثة يتحدث عنها ويأخذها على عاتق وزارته، هي الترويج للإبداع الثقافي اللبناني الذي يعاني من ضعف، وتشجيعه بشتى السبل.

حين نسأل سلامة: لماذا يعد نفسه «شحّاذ الحكومة»؟ يقول إنه في فترة توزيره السابقة أتى بمبالغ كبيرة. «أما الآن فوضع المالية، اضعف بكثير والشحاذة أصعب». مع ذلك تمكَّن من الحصول على هبة مليون دولار لرقمنة المكتبة الوطنية، وهبة أخرى لترميم قصر بيت الدين، وغيرها لتطوير التياترو الكبير.

«المشكلة هي في الحصار المالي المضروب على لبنان، رغم أنني لست في المجال السياسي لكنه يصيبني؛ كالطاقة والزراعة وأي مجال آخر. إمكانية الحصول على قروض وهبات أصعب بكثير من قبل».

مع ذلك، المشاريع كثيرة، في مدينة طرابلس مشروع كبير لإعادة بناء بيوت أثرية مهدَّمة. معرض رشيد كرامي المتصدع تجري معالجة بنيانه المتآكل بالتعاون مع الحكومة البرازيلية و«اليونسكو». يأمل سلامة «أن يتفكك هذا الحصار. وهناك أسباب لتفكيكه، لكنّ هذا لا يمنعني من المحاولة مع المنظمات الدولية»

تحولات عالمية

ثمة تحولات كبرى ينال لبنان نصيبه منها. لقد شحّت المساعدات الغربية الخارجية في العالم كله. «حولوا جزءاً من ميزانياتهم إلى حرب أوكرانيا. أغلقت الوكالة الأميركية، وانخفضت المساعدات البريطانية 42 في المائة، والفرنسية 37 في المائة، وهذا يؤثر على المنظمات الدولية. أميركا انسحبت من اليونسكو، وأخذت معها 22 في المائة من ميزانية المنظمة. أما لبنان فبعض الدول تضع شروطاً لمساعدته. وهذه عوائق خاصة، مع مالية صعبة ستستمر لسنوات».

«لذا الشحاذة ضرورية وليست سهلة، لكنني شخص (متشائم متحرك) بمعنى أنني أرى كل العناصر السلبية، ومع ذلك أتحرك، أعمل كأنها غير موجوده لأحصل على مساعدات».

الحيوية الثقافية في لبنان كبيرة، والنشاطات كثيفة، وتدعو إلى التساؤل، مَن يموِّل؟ وكيف؟ كأنه لا يوجد أي تراجع؟

هذا في رأي سلامة يعود إلى أن الإنتاج الثقافي في لبنان لا ينبع من قرار الدولة وإنما من نشاط المجتمع. انهارت الدولة، وبقيت الثقافة. لو كانت الدولة هي التي تدير المشهد لرأينا شيئاً مختلفاً. ويشرح سلامة، إنه لحُسن الحظ، منذ نشأت الدولة اللبنانية الحديثة سنة 1920 بقي الإبداع والإنتاج الثقافيين خارج إطار الدولة. لا تجربة عائلة الرحباني، ولا نجاحات دور النشر ولا السينما ولا المسرح، مرتبطة بالدولة. «عكس معظم الدول المحيطة بنا. كنا سباقين بأخذ هذا التوجه، الذي باتت تلحقنا به الدول الأخرى، أي تحرير الثقافة من ربقة الدولة».

الصناعات الثقافية... تفوُّق غير متوقَّع

هذا كان له تأثير إيجابي كبير على الصناعات الثقافية التي عوملت منذ البدء، كبقية الصناعات، وبقيت بعيدة عن سلطة الدولة. «منذ ثمانين سنة، رأينا أن المجتمع هو المسؤول عن الإيرادات المالية المرتبطة بالإنتاج الثقافي؛ أي يجب كمغنٍّ أن تبيع أغنيتك، وكسينمائي أن تبيع فيلمك، وككاتب أن تسوِّق كتابك، وتجلب جمهوراً كي تسدد تكاليفك. لهذا حين انهارت الدولة سنة 1975 بسبب الحرب الأهلية، بقيت الثقافة حيوية».

وزير الثقافة اللبناني وهو يعلن عن" يوم المتاحف"

الجديد الخطير

«حصل أمر جديد وخطير في وقت واحد خلال الفترة الأخيرة»، يقول سلامة. صارت هناك أسواق خارجية تستقطب المبدع اللبناني. لم تعد تكفيه السوق المحلية، لأنها ضيقة وصغيرة. أصبحت إمكانية الانتقال إلى مكان آخر تراود فكره. و«دول الخليج مثلاً ترحب وتشجع وتعطي تأشيرات فضية وذهبية للمبدعين»؛ لذا نحن أمام حالة جديدة، «كنا نصدّر العقول مثل الأطباء والمهندسين، وصرنا نصدّر المبدعين من كتاب ومغنّين. وهذا أمر خطير؛ أن يصبح لبنان مصدّراً للمثقفين والفنانين أنفسهم بدل تصدير نتاجهم الثقافي. هذا تطور ينبغي التنبه إليه».

الحل، في رأيه، في التعافي الاقتصادي. لهذا هو مهتم بصياغة القوانين المالية والاقتصادية التي تتقدم بها في الحكومة لأنه يعلم تماماً أنه من دون ذلك، فإن الجذب الخارجي للمبدعين سيكون طاغياً.

«هجرة المبدعين تخلق فجوة، وتضعنا أمام فراغ نحتاج إلى جيل كامل لنردمه. نحن بحاجة إلى أمن وتعافٍ وتشجيع سوق محلية ثقافية لا تصدّر المبدعين، ولكن تصدِّر الإبداع، والفرق أساسي بين الاثنين».

رغبةً منه في رسم رؤية ثقافية عامة، سيدعو وزير الثقافة مختلف القطاعات إلى الاجتماع والتشاور مطلع سبتمبر (أيلول). «نبدأ بالفنون التشكيلية؛ الرسم والنحت، وندعو الفنانين أصحاب الغاليريهات، والمبدعين الوسطاء، والنقاد، وبعد 15 يوماً ننتقل إلى السينما، ثم بعدها نجتمع بالعاملين في قطاع المسرح، ثم الكتب؛ نلتقي بالكتاب والناشرين والموزعين والمستوردين والموردين كلهم معاً، لنرى ما التوصيات التي نقدمها، ونصوغ سياسة ثقافية».

«قبل مطلع العام المقبل، أي بعد ثلاثة أشهر من الاجتماعات، خلال الخريف، تصبح لدينا رؤية واضحة للقطاع الثقافي، ستُعرض على مجلس الوزراء».

دراسةٌ نتائجها مفاجئة

طلب الوزير سلامة من وكالة التنمية الفرنسية دراسة تفصيلية حول «الصناعات الثقافية في لبنان» سوف تنجَز قبل عيد الميلاد. لكنَّ النتائج الأولى رغم الأزمة المالية التي نعيشها تشير إلى أن هذا القطاع بمساهمته في الناتج القومي والصادرات وعدد الناس الذين يعملون فيه، يتجاوز قطاع الزراعة وربما حتى قطاع الصناعة. التقديرات الأولية للدراسة تشير إلى أن حصة القطاع الثقافي تتجاوز 15 في المائة من صادرات لبنان. «حين قلت ذلك في مجلس النواب استغربوا كلامي. لكن لن أفاجأ لو كانت النتيجة 20 في المائة من مجمل الواردات». هو قطاع واعد جداً، لأسباب كثيرة، منها أكاديمي. هناك كليات ترميم، تُخرِّج مهارات عالية وخبرات في «الجامعة اللبنانية» في طرابلس، و«الجامعة اليسوعية» التي لديها مختبر ترميم عصري إلى اقصى الحدود، و«جامعة الكسليك» عندها قسم ترميم لوحات وكتب بتقنيات عالية جداً. «الناس لا يعرفون كم الاستثمار مفيد في هذه المجالات» الدول المجاورة لا تستفيد إلى الآن من هذه المهارات، لأنها بالكاد تلبي الطلب اللبناني. يُخبرنا سلامة أنه يُعيد ترميم أكثر من ألفَي لوحة لوزارة الثقافة، في الجامعة اليسوعية «أذهب أتفقدها باستمرار، كأطفالي، تحتاج إلى سنتين أو ثلاثاً. عندنا أيضاً كتب كثيرة بحاجة إلى ترميم. الأمر السعيد أننا في لبنان أصبحت لدينا تجهيزات متقدمة جداً وكفاءات».

البرامج الإلكترونية والأزياء موارد ثقافية

على غرار بريطانيا التي تدرس إسهام الصناعات الثقافية في اقتصادها وتضيف إليها مبلغ ملياري دولار، هو ما يدفعه دارسو اللغة الإنجليزية، بوصفه تصديراً ثقافياً، وكذلك مداخيل التصاميم المعمارية التي ينفّذونها خارج بلادهم... هذا أيضاً تصدير ثقافي. الدراسة اللبنانية تشمل كل الصناعات الثقافية المتعارف عليها، وضمنها التصميم والموضة، وتعليم اللغات الأجنبية، وبالطبع السينما، والكتاب، والبرامج الإلكترونية. «بات لبنان من كبار منتجي البرامج الإلكترونية. لدينا شركات ناشئة لبنانية تبيع منتجاتها بمئات آلاف الدولارات».

لهذا أراد سلامة دراسة جدية، ويعدنا بنتائج بحث تفاجئ الجميع: «لن أستغرب إذا جاءت الأرقام مذهلة، فهي تعبِّر عن حجم وعظمة إسهام الثقافة في اقتصاد البلاد».

الدولة حرَّرت الثقافة منها وتحررت

لم يؤمّم لبنان الثقافة، وتلك كانت منجاته. يروي سلامة: «حين تسلمت الوزارة المرة الأولى، كان ثمة من يطلب مني باستمرار أن أقيم مسرحاً قومياً. لماذا أسعى إلى مسرح قومي؟ أفضّل أن أساعد المسارح، أن افتح دروباً لفرق، هذا عملي، لا أن أقول أي مسرحية تُلعب اليوم، وما المسرحية التي لا نرغب فيها، ليس دوري أن أخنق المسرح». اليوم أكثر من أي وقت مضى، لا يريد سلامة مسرحاً قومياً، «إنما ليتنا نستطيع الحصول على قليل من التمويل لمساعدة الفنانين المسرحيين».

دور وزارة الثقافة الترويج، وتشجيع فتح الأسواق، ورسم رؤية ثقافية. فبعد أن شحَّت الأموال تركز طلب الفنانين من الوزارة على فتح أبواب القنصليات والسفر، وتسهيل دخول الكتاب اللبناني إلى أسواق فيها عراقيل. ثمة صعوبات في التصدير، وفي الحفاظ على الملكية الفكرية، وحمايتهم من التزوير.

كونسرفتوار وطني بمهمات وآفاق جديدة

آفاق جديدة سيفتحها الكونسرفتوار الوطني بعد إنجاز مبناه الجديد بتجهيزاته المتطورة التي أخذها الصينيون على عاتقهم. فقد اكتمل العمل بنسبة 80 في المئة ثم توقف بسبب الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وسيعاد استكماله.

«سيكون صرحاً فنياً موسيقياً كبيراً، ليس فقط كمدرسة وإنما بتجهيزات عالية للتسجيل والصوت، بإمكانات مهمة جداً».

المهمات كثيرة والزخم كبير عند الناس. «لم أفاجأ؛ لأنني لم أبتعد ولم أنقطع. الجيل الجديد همّي أن أتعرف إليه وأعمل معه. الجيل القديم يعرفني وأعرفه. بعضهم أصابهم الهرم، وبعضهم عندهم إنتاج جميل، مثل نضال الأشقر، ورفعت طربية، وعبد الحليم كركلا الذي حلّق في البولشوي في موسكو، مؤخراً. لكن من واجبي الانفتاح على الجيل الجديد، لأن الرؤية موجَّهة إليهم، هم سيرثون الثقافة التي هي جزء من الـ(دي إن إيه) اللبناني. فصل لبنان عن الثقافة انتزاع لروحه».

يدرك سلامة أن «الثقافة لا تشبه التجارة، وإنما تشبه الزراعة؛ تعمل لمن سيأتي بعدك». أسَّس، وهو فخور بذلك، في المرة السابقة، عشرين مكتبة عامة في المناطق. «ثم قلدوهم وصارت لدينا 70 أو 80 مكتبة، بحاجة إلى شغل كثير، لتبقى المكتبات البلدية على مستوى. الوزارة بحاجة إلى مليوني دولار على الأقل. عملت دراسة، وآمل قبل أن أترك أن أكون قد باشرت بتحسين مستواها. لم يعد عدد الكتب هو المهم، وإنما إعطاء الزائر إمكانية الوصول إلى أي متحف، أو أي كتاب في أي مكتبة عامة في العالم. صارت المكتبة خدمات ثقافية أكثر منها مكتبة تقليدية. نحن بحاجة إلى كثير من التمويل، لهذا لن أتوقف عن الشحاذة».

يعتقد سلامة أن الناس فهموا دور الوزارة. في المرة الأولى، واجهتْه صعوبات وهو وزير؛ «كانوا يظنونني بنكاً، عرفوا الآن أن بمقدوري أن أساعدهم بما هو أهم بكثير من المال».


مقالات ذات صلة

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد
ثقافة وفنون بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».