غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

قال إن فصل اللبناني عن الثقافة انتزاع لروحه

غسان سلامة
غسان سلامة
TT

غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

غسان سلامة
غسان سلامة

بعد ربع قرن من توليه وزارة الثقافة اللبنانية، يعود غسان سلامة إلى الموقع نفسه، وقد نضجت التجربة، وتبدلت الأحوال، وجاءت أجيال جديدة، لكنَّ إصراره على أنها واحدة من أهم الوزارات في لبنان لم يتبدل. يخبرنا بأنه سيفاجئ الجميع بدراسة تبيِّن أن القطاع الثقافي في لبنان نصيبه من الناتج المحلي أكبر من الزراعة، وربما الصناعة أيضاً. عن هذا يتحدث غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط» وعن رؤيته للمستقبل وخططه ومشاريعه الطموحة.

يصف وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة نفسه بأنه «أكبر مالك عقاري»، لأن مهمته الدفاع عن مدن وقلاع وأسواق ومبانٍ أثرية في كل لبنان، ويحميها من التعديات.

«نصف شغل وزير الثقافة هو الدفاع عن هذه الممتلكات، والحفاظ عليها. عندي قضايا كثيرة أمام المحاكم، ومتابعات يومية مع الدرك». قضايا تتعلق بسرقات أثرية أو تعديات بالبناء على آثار، أو تشويهها. هذا الجزء من عمله يعده «ثميناً جداً» و«سيادياً» ويعطيه أهمية فائقة. «أوقفنا تعديات في أماكن كثيرة. ونعمل بجدٍّ على تطوير اتفاقات مع (اللوفر) وإيطاليا للمساعدة في البحث عن آثار جديدة».

الإنتاج الثقافي وشُحّ التمويل

الجزء الثاني من عمل الوزير -يخبرنا سلامة- له علاقة بالإنتاج الثقافي. هذا جانب يعاني من ضعف بسبب عدم وجود تمويل. «دورنا أن نسهّل، وأن نفتح أسواقاً جديدة أمام الكتاب وصنّاع الأفلام وغيرهم».

مقارنةً بزمن الوفرة الذي كان خلاله سلامة وزيراً للثقافة قبل 25 سنة، لم يعد من إمكانات؛ «مالية الدولة ستكون صعبة لثلاث أو خمس سنوات مقبلة. بالتالي لم يعد دور الوزارة كمستثمر، وإنما كمساعد ومشجع أكثر من أي شيء آخر».

تقع على عاتق الوزير عملية صياغة الثقافة العامة للبلد، وموضوع الذاكرة. الأسبوع الماضي كان الاهتمام منصبَّاً على الوقوف إلى جانب السيدة فيروز، والإسهام في تنظيم مأتم ابنها زياد الرحباني وتكريمه. في الأسبوع نفسه كانت «ليلة المتاحف»، حيث جاء أكثر من 30 ألف شخص. «فوجئت حين رأيت الآلاف المؤلَّفة تنزل إلى الشارع، لم أصدِّق عيني، خصوصاً أنه لا حافلات تكفي لنقل كل هؤلاء الذين لم نتصور مشاركتهم، ولم نستعدّ لها. شجَّعهم الانتقال المجاني ووجود أدلَّاء».

وزارة تربط الناس بتاريخهم

دور الوزارة بالنسبة إلى سلامة هو الحفاظ على التراث وربط الناس بتاريخهم؛ «لذلك حين حلّت ذكرى انفجار المرفأ يوم 4 أغسطس (آب)، وطلب أهالي الضحايا وضع صوامع المرفأ المدمَّرة على لائحة الجرد العام وإلغاء القرار السابق بهدمها تجاوب سلامة معهم:

«إذا كان عائلات الضحايا يعدرون الصوامع شاهداً صامتاً على الفجيعة التي ضربتهم، فلا يجوز حرمانهم منها على الأقل حتى صدور القرار الظني».

مهمة ثالثة يتحدث عنها ويأخذها على عاتق وزارته، هي الترويج للإبداع الثقافي اللبناني الذي يعاني من ضعف، وتشجيعه بشتى السبل.

حين نسأل سلامة: لماذا يعد نفسه «شحّاذ الحكومة»؟ يقول إنه في فترة توزيره السابقة أتى بمبالغ كبيرة. «أما الآن فوضع المالية، اضعف بكثير والشحاذة أصعب». مع ذلك تمكَّن من الحصول على هبة مليون دولار لرقمنة المكتبة الوطنية، وهبة أخرى لترميم قصر بيت الدين، وغيرها لتطوير التياترو الكبير.

«المشكلة هي في الحصار المالي المضروب على لبنان، رغم أنني لست في المجال السياسي لكنه يصيبني؛ كالطاقة والزراعة وأي مجال آخر. إمكانية الحصول على قروض وهبات أصعب بكثير من قبل».

مع ذلك، المشاريع كثيرة، في مدينة طرابلس مشروع كبير لإعادة بناء بيوت أثرية مهدَّمة. معرض رشيد كرامي المتصدع تجري معالجة بنيانه المتآكل بالتعاون مع الحكومة البرازيلية و«اليونسكو». يأمل سلامة «أن يتفكك هذا الحصار. وهناك أسباب لتفكيكه، لكنّ هذا لا يمنعني من المحاولة مع المنظمات الدولية»

تحولات عالمية

ثمة تحولات كبرى ينال لبنان نصيبه منها. لقد شحّت المساعدات الغربية الخارجية في العالم كله. «حولوا جزءاً من ميزانياتهم إلى حرب أوكرانيا. أغلقت الوكالة الأميركية، وانخفضت المساعدات البريطانية 42 في المائة، والفرنسية 37 في المائة، وهذا يؤثر على المنظمات الدولية. أميركا انسحبت من اليونسكو، وأخذت معها 22 في المائة من ميزانية المنظمة. أما لبنان فبعض الدول تضع شروطاً لمساعدته. وهذه عوائق خاصة، مع مالية صعبة ستستمر لسنوات».

«لذا الشحاذة ضرورية وليست سهلة، لكنني شخص (متشائم متحرك) بمعنى أنني أرى كل العناصر السلبية، ومع ذلك أتحرك، أعمل كأنها غير موجوده لأحصل على مساعدات».

الحيوية الثقافية في لبنان كبيرة، والنشاطات كثيفة، وتدعو إلى التساؤل، مَن يموِّل؟ وكيف؟ كأنه لا يوجد أي تراجع؟

هذا في رأي سلامة يعود إلى أن الإنتاج الثقافي في لبنان لا ينبع من قرار الدولة وإنما من نشاط المجتمع. انهارت الدولة، وبقيت الثقافة. لو كانت الدولة هي التي تدير المشهد لرأينا شيئاً مختلفاً. ويشرح سلامة، إنه لحُسن الحظ، منذ نشأت الدولة اللبنانية الحديثة سنة 1920 بقي الإبداع والإنتاج الثقافيين خارج إطار الدولة. لا تجربة عائلة الرحباني، ولا نجاحات دور النشر ولا السينما ولا المسرح، مرتبطة بالدولة. «عكس معظم الدول المحيطة بنا. كنا سباقين بأخذ هذا التوجه، الذي باتت تلحقنا به الدول الأخرى، أي تحرير الثقافة من ربقة الدولة».

الصناعات الثقافية... تفوُّق غير متوقَّع

هذا كان له تأثير إيجابي كبير على الصناعات الثقافية التي عوملت منذ البدء، كبقية الصناعات، وبقيت بعيدة عن سلطة الدولة. «منذ ثمانين سنة، رأينا أن المجتمع هو المسؤول عن الإيرادات المالية المرتبطة بالإنتاج الثقافي؛ أي يجب كمغنٍّ أن تبيع أغنيتك، وكسينمائي أن تبيع فيلمك، وككاتب أن تسوِّق كتابك، وتجلب جمهوراً كي تسدد تكاليفك. لهذا حين انهارت الدولة سنة 1975 بسبب الحرب الأهلية، بقيت الثقافة حيوية».

وزير الثقافة اللبناني وهو يعلن عن" يوم المتاحف"

الجديد الخطير

«حصل أمر جديد وخطير في وقت واحد خلال الفترة الأخيرة»، يقول سلامة. صارت هناك أسواق خارجية تستقطب المبدع اللبناني. لم تعد تكفيه السوق المحلية، لأنها ضيقة وصغيرة. أصبحت إمكانية الانتقال إلى مكان آخر تراود فكره. و«دول الخليج مثلاً ترحب وتشجع وتعطي تأشيرات فضية وذهبية للمبدعين»؛ لذا نحن أمام حالة جديدة، «كنا نصدّر العقول مثل الأطباء والمهندسين، وصرنا نصدّر المبدعين من كتاب ومغنّين. وهذا أمر خطير؛ أن يصبح لبنان مصدّراً للمثقفين والفنانين أنفسهم بدل تصدير نتاجهم الثقافي. هذا تطور ينبغي التنبه إليه».

الحل، في رأيه، في التعافي الاقتصادي. لهذا هو مهتم بصياغة القوانين المالية والاقتصادية التي تتقدم بها في الحكومة لأنه يعلم تماماً أنه من دون ذلك، فإن الجذب الخارجي للمبدعين سيكون طاغياً.

«هجرة المبدعين تخلق فجوة، وتضعنا أمام فراغ نحتاج إلى جيل كامل لنردمه. نحن بحاجة إلى أمن وتعافٍ وتشجيع سوق محلية ثقافية لا تصدّر المبدعين، ولكن تصدِّر الإبداع، والفرق أساسي بين الاثنين».

رغبةً منه في رسم رؤية ثقافية عامة، سيدعو وزير الثقافة مختلف القطاعات إلى الاجتماع والتشاور مطلع سبتمبر (أيلول). «نبدأ بالفنون التشكيلية؛ الرسم والنحت، وندعو الفنانين أصحاب الغاليريهات، والمبدعين الوسطاء، والنقاد، وبعد 15 يوماً ننتقل إلى السينما، ثم بعدها نجتمع بالعاملين في قطاع المسرح، ثم الكتب؛ نلتقي بالكتاب والناشرين والموزعين والمستوردين والموردين كلهم معاً، لنرى ما التوصيات التي نقدمها، ونصوغ سياسة ثقافية».

«قبل مطلع العام المقبل، أي بعد ثلاثة أشهر من الاجتماعات، خلال الخريف، تصبح لدينا رؤية واضحة للقطاع الثقافي، ستُعرض على مجلس الوزراء».

دراسةٌ نتائجها مفاجئة

طلب الوزير سلامة من وكالة التنمية الفرنسية دراسة تفصيلية حول «الصناعات الثقافية في لبنان» سوف تنجَز قبل عيد الميلاد. لكنَّ النتائج الأولى رغم الأزمة المالية التي نعيشها تشير إلى أن هذا القطاع بمساهمته في الناتج القومي والصادرات وعدد الناس الذين يعملون فيه، يتجاوز قطاع الزراعة وربما حتى قطاع الصناعة. التقديرات الأولية للدراسة تشير إلى أن حصة القطاع الثقافي تتجاوز 15 في المائة من صادرات لبنان. «حين قلت ذلك في مجلس النواب استغربوا كلامي. لكن لن أفاجأ لو كانت النتيجة 20 في المائة من مجمل الواردات». هو قطاع واعد جداً، لأسباب كثيرة، منها أكاديمي. هناك كليات ترميم، تُخرِّج مهارات عالية وخبرات في «الجامعة اللبنانية» في طرابلس، و«الجامعة اليسوعية» التي لديها مختبر ترميم عصري إلى اقصى الحدود، و«جامعة الكسليك» عندها قسم ترميم لوحات وكتب بتقنيات عالية جداً. «الناس لا يعرفون كم الاستثمار مفيد في هذه المجالات» الدول المجاورة لا تستفيد إلى الآن من هذه المهارات، لأنها بالكاد تلبي الطلب اللبناني. يُخبرنا سلامة أنه يُعيد ترميم أكثر من ألفَي لوحة لوزارة الثقافة، في الجامعة اليسوعية «أذهب أتفقدها باستمرار، كأطفالي، تحتاج إلى سنتين أو ثلاثاً. عندنا أيضاً كتب كثيرة بحاجة إلى ترميم. الأمر السعيد أننا في لبنان أصبحت لدينا تجهيزات متقدمة جداً وكفاءات».

البرامج الإلكترونية والأزياء موارد ثقافية

على غرار بريطانيا التي تدرس إسهام الصناعات الثقافية في اقتصادها وتضيف إليها مبلغ ملياري دولار، هو ما يدفعه دارسو اللغة الإنجليزية، بوصفه تصديراً ثقافياً، وكذلك مداخيل التصاميم المعمارية التي ينفّذونها خارج بلادهم... هذا أيضاً تصدير ثقافي. الدراسة اللبنانية تشمل كل الصناعات الثقافية المتعارف عليها، وضمنها التصميم والموضة، وتعليم اللغات الأجنبية، وبالطبع السينما، والكتاب، والبرامج الإلكترونية. «بات لبنان من كبار منتجي البرامج الإلكترونية. لدينا شركات ناشئة لبنانية تبيع منتجاتها بمئات آلاف الدولارات».

لهذا أراد سلامة دراسة جدية، ويعدنا بنتائج بحث تفاجئ الجميع: «لن أستغرب إذا جاءت الأرقام مذهلة، فهي تعبِّر عن حجم وعظمة إسهام الثقافة في اقتصاد البلاد».

الدولة حرَّرت الثقافة منها وتحررت

لم يؤمّم لبنان الثقافة، وتلك كانت منجاته. يروي سلامة: «حين تسلمت الوزارة المرة الأولى، كان ثمة من يطلب مني باستمرار أن أقيم مسرحاً قومياً. لماذا أسعى إلى مسرح قومي؟ أفضّل أن أساعد المسارح، أن افتح دروباً لفرق، هذا عملي، لا أن أقول أي مسرحية تُلعب اليوم، وما المسرحية التي لا نرغب فيها، ليس دوري أن أخنق المسرح». اليوم أكثر من أي وقت مضى، لا يريد سلامة مسرحاً قومياً، «إنما ليتنا نستطيع الحصول على قليل من التمويل لمساعدة الفنانين المسرحيين».

دور وزارة الثقافة الترويج، وتشجيع فتح الأسواق، ورسم رؤية ثقافية. فبعد أن شحَّت الأموال تركز طلب الفنانين من الوزارة على فتح أبواب القنصليات والسفر، وتسهيل دخول الكتاب اللبناني إلى أسواق فيها عراقيل. ثمة صعوبات في التصدير، وفي الحفاظ على الملكية الفكرية، وحمايتهم من التزوير.

كونسرفتوار وطني بمهمات وآفاق جديدة

آفاق جديدة سيفتحها الكونسرفتوار الوطني بعد إنجاز مبناه الجديد بتجهيزاته المتطورة التي أخذها الصينيون على عاتقهم. فقد اكتمل العمل بنسبة 80 في المئة ثم توقف بسبب الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وسيعاد استكماله.

«سيكون صرحاً فنياً موسيقياً كبيراً، ليس فقط كمدرسة وإنما بتجهيزات عالية للتسجيل والصوت، بإمكانات مهمة جداً».

المهمات كثيرة والزخم كبير عند الناس. «لم أفاجأ؛ لأنني لم أبتعد ولم أنقطع. الجيل الجديد همّي أن أتعرف إليه وأعمل معه. الجيل القديم يعرفني وأعرفه. بعضهم أصابهم الهرم، وبعضهم عندهم إنتاج جميل، مثل نضال الأشقر، ورفعت طربية، وعبد الحليم كركلا الذي حلّق في البولشوي في موسكو، مؤخراً. لكن من واجبي الانفتاح على الجيل الجديد، لأن الرؤية موجَّهة إليهم، هم سيرثون الثقافة التي هي جزء من الـ(دي إن إيه) اللبناني. فصل لبنان عن الثقافة انتزاع لروحه».

يدرك سلامة أن «الثقافة لا تشبه التجارة، وإنما تشبه الزراعة؛ تعمل لمن سيأتي بعدك». أسَّس، وهو فخور بذلك، في المرة السابقة، عشرين مكتبة عامة في المناطق. «ثم قلدوهم وصارت لدينا 70 أو 80 مكتبة، بحاجة إلى شغل كثير، لتبقى المكتبات البلدية على مستوى. الوزارة بحاجة إلى مليوني دولار على الأقل. عملت دراسة، وآمل قبل أن أترك أن أكون قد باشرت بتحسين مستواها. لم يعد عدد الكتب هو المهم، وإنما إعطاء الزائر إمكانية الوصول إلى أي متحف، أو أي كتاب في أي مكتبة عامة في العالم. صارت المكتبة خدمات ثقافية أكثر منها مكتبة تقليدية. نحن بحاجة إلى كثير من التمويل، لهذا لن أتوقف عن الشحاذة».

يعتقد سلامة أن الناس فهموا دور الوزارة. في المرة الأولى، واجهتْه صعوبات وهو وزير؛ «كانوا يظنونني بنكاً، عرفوا الآن أن بمقدوري أن أساعدهم بما هو أهم بكثير من المال».


مقالات ذات صلة

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

كتب فريد الزاهي

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي

مارلين كنعان
كتب حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
ثقافة وفنون «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية

ندى حطيط
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».