غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

قال إن فصل اللبناني عن الثقافة انتزاع لروحه

غسان سلامة
غسان سلامة
TT

غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

غسان سلامة
غسان سلامة

بعد ربع قرن من توليه وزارة الثقافة اللبنانية، يعود غسان سلامة إلى الموقع نفسه، وقد نضجت التجربة، وتبدلت الأحوال، وجاءت أجيال جديدة، لكنَّ إصراره على أنها واحدة من أهم الوزارات في لبنان لم يتبدل. يخبرنا بأنه سيفاجئ الجميع بدراسة تبيِّن أن القطاع الثقافي في لبنان نصيبه من الناتج المحلي أكبر من الزراعة، وربما الصناعة أيضاً. عن هذا يتحدث غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط» وعن رؤيته للمستقبل وخططه ومشاريعه الطموحة.

يصف وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة نفسه بأنه «أكبر مالك عقاري»، لأن مهمته الدفاع عن مدن وقلاع وأسواق ومبانٍ أثرية في كل لبنان، ويحميها من التعديات.

«نصف شغل وزير الثقافة هو الدفاع عن هذه الممتلكات، والحفاظ عليها. عندي قضايا كثيرة أمام المحاكم، ومتابعات يومية مع الدرك». قضايا تتعلق بسرقات أثرية أو تعديات بالبناء على آثار، أو تشويهها. هذا الجزء من عمله يعده «ثميناً جداً» و«سيادياً» ويعطيه أهمية فائقة. «أوقفنا تعديات في أماكن كثيرة. ونعمل بجدٍّ على تطوير اتفاقات مع (اللوفر) وإيطاليا للمساعدة في البحث عن آثار جديدة».

الإنتاج الثقافي وشُحّ التمويل

الجزء الثاني من عمل الوزير -يخبرنا سلامة- له علاقة بالإنتاج الثقافي. هذا جانب يعاني من ضعف بسبب عدم وجود تمويل. «دورنا أن نسهّل، وأن نفتح أسواقاً جديدة أمام الكتاب وصنّاع الأفلام وغيرهم».

مقارنةً بزمن الوفرة الذي كان خلاله سلامة وزيراً للثقافة قبل 25 سنة، لم يعد من إمكانات؛ «مالية الدولة ستكون صعبة لثلاث أو خمس سنوات مقبلة. بالتالي لم يعد دور الوزارة كمستثمر، وإنما كمساعد ومشجع أكثر من أي شيء آخر».

تقع على عاتق الوزير عملية صياغة الثقافة العامة للبلد، وموضوع الذاكرة. الأسبوع الماضي كان الاهتمام منصبَّاً على الوقوف إلى جانب السيدة فيروز، والإسهام في تنظيم مأتم ابنها زياد الرحباني وتكريمه. في الأسبوع نفسه كانت «ليلة المتاحف»، حيث جاء أكثر من 30 ألف شخص. «فوجئت حين رأيت الآلاف المؤلَّفة تنزل إلى الشارع، لم أصدِّق عيني، خصوصاً أنه لا حافلات تكفي لنقل كل هؤلاء الذين لم نتصور مشاركتهم، ولم نستعدّ لها. شجَّعهم الانتقال المجاني ووجود أدلَّاء».

وزارة تربط الناس بتاريخهم

دور الوزارة بالنسبة إلى سلامة هو الحفاظ على التراث وربط الناس بتاريخهم؛ «لذلك حين حلّت ذكرى انفجار المرفأ يوم 4 أغسطس (آب)، وطلب أهالي الضحايا وضع صوامع المرفأ المدمَّرة على لائحة الجرد العام وإلغاء القرار السابق بهدمها تجاوب سلامة معهم:

«إذا كان عائلات الضحايا يعدرون الصوامع شاهداً صامتاً على الفجيعة التي ضربتهم، فلا يجوز حرمانهم منها على الأقل حتى صدور القرار الظني».

مهمة ثالثة يتحدث عنها ويأخذها على عاتق وزارته، هي الترويج للإبداع الثقافي اللبناني الذي يعاني من ضعف، وتشجيعه بشتى السبل.

حين نسأل سلامة: لماذا يعد نفسه «شحّاذ الحكومة»؟ يقول إنه في فترة توزيره السابقة أتى بمبالغ كبيرة. «أما الآن فوضع المالية، اضعف بكثير والشحاذة أصعب». مع ذلك تمكَّن من الحصول على هبة مليون دولار لرقمنة المكتبة الوطنية، وهبة أخرى لترميم قصر بيت الدين، وغيرها لتطوير التياترو الكبير.

«المشكلة هي في الحصار المالي المضروب على لبنان، رغم أنني لست في المجال السياسي لكنه يصيبني؛ كالطاقة والزراعة وأي مجال آخر. إمكانية الحصول على قروض وهبات أصعب بكثير من قبل».

مع ذلك، المشاريع كثيرة، في مدينة طرابلس مشروع كبير لإعادة بناء بيوت أثرية مهدَّمة. معرض رشيد كرامي المتصدع تجري معالجة بنيانه المتآكل بالتعاون مع الحكومة البرازيلية و«اليونسكو». يأمل سلامة «أن يتفكك هذا الحصار. وهناك أسباب لتفكيكه، لكنّ هذا لا يمنعني من المحاولة مع المنظمات الدولية»

تحولات عالمية

ثمة تحولات كبرى ينال لبنان نصيبه منها. لقد شحّت المساعدات الغربية الخارجية في العالم كله. «حولوا جزءاً من ميزانياتهم إلى حرب أوكرانيا. أغلقت الوكالة الأميركية، وانخفضت المساعدات البريطانية 42 في المائة، والفرنسية 37 في المائة، وهذا يؤثر على المنظمات الدولية. أميركا انسحبت من اليونسكو، وأخذت معها 22 في المائة من ميزانية المنظمة. أما لبنان فبعض الدول تضع شروطاً لمساعدته. وهذه عوائق خاصة، مع مالية صعبة ستستمر لسنوات».

«لذا الشحاذة ضرورية وليست سهلة، لكنني شخص (متشائم متحرك) بمعنى أنني أرى كل العناصر السلبية، ومع ذلك أتحرك، أعمل كأنها غير موجوده لأحصل على مساعدات».

الحيوية الثقافية في لبنان كبيرة، والنشاطات كثيفة، وتدعو إلى التساؤل، مَن يموِّل؟ وكيف؟ كأنه لا يوجد أي تراجع؟

هذا في رأي سلامة يعود إلى أن الإنتاج الثقافي في لبنان لا ينبع من قرار الدولة وإنما من نشاط المجتمع. انهارت الدولة، وبقيت الثقافة. لو كانت الدولة هي التي تدير المشهد لرأينا شيئاً مختلفاً. ويشرح سلامة، إنه لحُسن الحظ، منذ نشأت الدولة اللبنانية الحديثة سنة 1920 بقي الإبداع والإنتاج الثقافيين خارج إطار الدولة. لا تجربة عائلة الرحباني، ولا نجاحات دور النشر ولا السينما ولا المسرح، مرتبطة بالدولة. «عكس معظم الدول المحيطة بنا. كنا سباقين بأخذ هذا التوجه، الذي باتت تلحقنا به الدول الأخرى، أي تحرير الثقافة من ربقة الدولة».

الصناعات الثقافية... تفوُّق غير متوقَّع

هذا كان له تأثير إيجابي كبير على الصناعات الثقافية التي عوملت منذ البدء، كبقية الصناعات، وبقيت بعيدة عن سلطة الدولة. «منذ ثمانين سنة، رأينا أن المجتمع هو المسؤول عن الإيرادات المالية المرتبطة بالإنتاج الثقافي؛ أي يجب كمغنٍّ أن تبيع أغنيتك، وكسينمائي أن تبيع فيلمك، وككاتب أن تسوِّق كتابك، وتجلب جمهوراً كي تسدد تكاليفك. لهذا حين انهارت الدولة سنة 1975 بسبب الحرب الأهلية، بقيت الثقافة حيوية».

وزير الثقافة اللبناني وهو يعلن عن" يوم المتاحف"

الجديد الخطير

«حصل أمر جديد وخطير في وقت واحد خلال الفترة الأخيرة»، يقول سلامة. صارت هناك أسواق خارجية تستقطب المبدع اللبناني. لم تعد تكفيه السوق المحلية، لأنها ضيقة وصغيرة. أصبحت إمكانية الانتقال إلى مكان آخر تراود فكره. و«دول الخليج مثلاً ترحب وتشجع وتعطي تأشيرات فضية وذهبية للمبدعين»؛ لذا نحن أمام حالة جديدة، «كنا نصدّر العقول مثل الأطباء والمهندسين، وصرنا نصدّر المبدعين من كتاب ومغنّين. وهذا أمر خطير؛ أن يصبح لبنان مصدّراً للمثقفين والفنانين أنفسهم بدل تصدير نتاجهم الثقافي. هذا تطور ينبغي التنبه إليه».

الحل، في رأيه، في التعافي الاقتصادي. لهذا هو مهتم بصياغة القوانين المالية والاقتصادية التي تتقدم بها في الحكومة لأنه يعلم تماماً أنه من دون ذلك، فإن الجذب الخارجي للمبدعين سيكون طاغياً.

«هجرة المبدعين تخلق فجوة، وتضعنا أمام فراغ نحتاج إلى جيل كامل لنردمه. نحن بحاجة إلى أمن وتعافٍ وتشجيع سوق محلية ثقافية لا تصدّر المبدعين، ولكن تصدِّر الإبداع، والفرق أساسي بين الاثنين».

رغبةً منه في رسم رؤية ثقافية عامة، سيدعو وزير الثقافة مختلف القطاعات إلى الاجتماع والتشاور مطلع سبتمبر (أيلول). «نبدأ بالفنون التشكيلية؛ الرسم والنحت، وندعو الفنانين أصحاب الغاليريهات، والمبدعين الوسطاء، والنقاد، وبعد 15 يوماً ننتقل إلى السينما، ثم بعدها نجتمع بالعاملين في قطاع المسرح، ثم الكتب؛ نلتقي بالكتاب والناشرين والموزعين والمستوردين والموردين كلهم معاً، لنرى ما التوصيات التي نقدمها، ونصوغ سياسة ثقافية».

«قبل مطلع العام المقبل، أي بعد ثلاثة أشهر من الاجتماعات، خلال الخريف، تصبح لدينا رؤية واضحة للقطاع الثقافي، ستُعرض على مجلس الوزراء».

دراسةٌ نتائجها مفاجئة

طلب الوزير سلامة من وكالة التنمية الفرنسية دراسة تفصيلية حول «الصناعات الثقافية في لبنان» سوف تنجَز قبل عيد الميلاد. لكنَّ النتائج الأولى رغم الأزمة المالية التي نعيشها تشير إلى أن هذا القطاع بمساهمته في الناتج القومي والصادرات وعدد الناس الذين يعملون فيه، يتجاوز قطاع الزراعة وربما حتى قطاع الصناعة. التقديرات الأولية للدراسة تشير إلى أن حصة القطاع الثقافي تتجاوز 15 في المائة من صادرات لبنان. «حين قلت ذلك في مجلس النواب استغربوا كلامي. لكن لن أفاجأ لو كانت النتيجة 20 في المائة من مجمل الواردات». هو قطاع واعد جداً، لأسباب كثيرة، منها أكاديمي. هناك كليات ترميم، تُخرِّج مهارات عالية وخبرات في «الجامعة اللبنانية» في طرابلس، و«الجامعة اليسوعية» التي لديها مختبر ترميم عصري إلى اقصى الحدود، و«جامعة الكسليك» عندها قسم ترميم لوحات وكتب بتقنيات عالية جداً. «الناس لا يعرفون كم الاستثمار مفيد في هذه المجالات» الدول المجاورة لا تستفيد إلى الآن من هذه المهارات، لأنها بالكاد تلبي الطلب اللبناني. يُخبرنا سلامة أنه يُعيد ترميم أكثر من ألفَي لوحة لوزارة الثقافة، في الجامعة اليسوعية «أذهب أتفقدها باستمرار، كأطفالي، تحتاج إلى سنتين أو ثلاثاً. عندنا أيضاً كتب كثيرة بحاجة إلى ترميم. الأمر السعيد أننا في لبنان أصبحت لدينا تجهيزات متقدمة جداً وكفاءات».

البرامج الإلكترونية والأزياء موارد ثقافية

على غرار بريطانيا التي تدرس إسهام الصناعات الثقافية في اقتصادها وتضيف إليها مبلغ ملياري دولار، هو ما يدفعه دارسو اللغة الإنجليزية، بوصفه تصديراً ثقافياً، وكذلك مداخيل التصاميم المعمارية التي ينفّذونها خارج بلادهم... هذا أيضاً تصدير ثقافي. الدراسة اللبنانية تشمل كل الصناعات الثقافية المتعارف عليها، وضمنها التصميم والموضة، وتعليم اللغات الأجنبية، وبالطبع السينما، والكتاب، والبرامج الإلكترونية. «بات لبنان من كبار منتجي البرامج الإلكترونية. لدينا شركات ناشئة لبنانية تبيع منتجاتها بمئات آلاف الدولارات».

لهذا أراد سلامة دراسة جدية، ويعدنا بنتائج بحث تفاجئ الجميع: «لن أستغرب إذا جاءت الأرقام مذهلة، فهي تعبِّر عن حجم وعظمة إسهام الثقافة في اقتصاد البلاد».

الدولة حرَّرت الثقافة منها وتحررت

لم يؤمّم لبنان الثقافة، وتلك كانت منجاته. يروي سلامة: «حين تسلمت الوزارة المرة الأولى، كان ثمة من يطلب مني باستمرار أن أقيم مسرحاً قومياً. لماذا أسعى إلى مسرح قومي؟ أفضّل أن أساعد المسارح، أن افتح دروباً لفرق، هذا عملي، لا أن أقول أي مسرحية تُلعب اليوم، وما المسرحية التي لا نرغب فيها، ليس دوري أن أخنق المسرح». اليوم أكثر من أي وقت مضى، لا يريد سلامة مسرحاً قومياً، «إنما ليتنا نستطيع الحصول على قليل من التمويل لمساعدة الفنانين المسرحيين».

دور وزارة الثقافة الترويج، وتشجيع فتح الأسواق، ورسم رؤية ثقافية. فبعد أن شحَّت الأموال تركز طلب الفنانين من الوزارة على فتح أبواب القنصليات والسفر، وتسهيل دخول الكتاب اللبناني إلى أسواق فيها عراقيل. ثمة صعوبات في التصدير، وفي الحفاظ على الملكية الفكرية، وحمايتهم من التزوير.

كونسرفتوار وطني بمهمات وآفاق جديدة

آفاق جديدة سيفتحها الكونسرفتوار الوطني بعد إنجاز مبناه الجديد بتجهيزاته المتطورة التي أخذها الصينيون على عاتقهم. فقد اكتمل العمل بنسبة 80 في المئة ثم توقف بسبب الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وسيعاد استكماله.

«سيكون صرحاً فنياً موسيقياً كبيراً، ليس فقط كمدرسة وإنما بتجهيزات عالية للتسجيل والصوت، بإمكانات مهمة جداً».

المهمات كثيرة والزخم كبير عند الناس. «لم أفاجأ؛ لأنني لم أبتعد ولم أنقطع. الجيل الجديد همّي أن أتعرف إليه وأعمل معه. الجيل القديم يعرفني وأعرفه. بعضهم أصابهم الهرم، وبعضهم عندهم إنتاج جميل، مثل نضال الأشقر، ورفعت طربية، وعبد الحليم كركلا الذي حلّق في البولشوي في موسكو، مؤخراً. لكن من واجبي الانفتاح على الجيل الجديد، لأن الرؤية موجَّهة إليهم، هم سيرثون الثقافة التي هي جزء من الـ(دي إن إيه) اللبناني. فصل لبنان عن الثقافة انتزاع لروحه».

يدرك سلامة أن «الثقافة لا تشبه التجارة، وإنما تشبه الزراعة؛ تعمل لمن سيأتي بعدك». أسَّس، وهو فخور بذلك، في المرة السابقة، عشرين مكتبة عامة في المناطق. «ثم قلدوهم وصارت لدينا 70 أو 80 مكتبة، بحاجة إلى شغل كثير، لتبقى المكتبات البلدية على مستوى. الوزارة بحاجة إلى مليوني دولار على الأقل. عملت دراسة، وآمل قبل أن أترك أن أكون قد باشرت بتحسين مستواها. لم يعد عدد الكتب هو المهم، وإنما إعطاء الزائر إمكانية الوصول إلى أي متحف، أو أي كتاب في أي مكتبة عامة في العالم. صارت المكتبة خدمات ثقافية أكثر منها مكتبة تقليدية. نحن بحاجة إلى كثير من التمويل، لهذا لن أتوقف عن الشحاذة».

يعتقد سلامة أن الناس فهموا دور الوزارة. في المرة الأولى، واجهتْه صعوبات وهو وزير؛ «كانوا يظنونني بنكاً، عرفوا الآن أن بمقدوري أن أساعدهم بما هو أهم بكثير من المال».


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.