الشعوب الأصلية في زمن الذكاء الاصطناعي... من يروي الحكاية؟

في يومها الدولي ما زالت مهمشة وخارج المعادلة

معسكر لاكوتا للذكاء الاصطناعي علم شباناً من السكان الأصليين كيف يصنعون أدوات ذكاء اصطناعي بلغتهم ولثقافتهم
معسكر لاكوتا للذكاء الاصطناعي علم شباناً من السكان الأصليين كيف يصنعون أدوات ذكاء اصطناعي بلغتهم ولثقافتهم
TT

الشعوب الأصلية في زمن الذكاء الاصطناعي... من يروي الحكاية؟

معسكر لاكوتا للذكاء الاصطناعي علم شباناً من السكان الأصليين كيف يصنعون أدوات ذكاء اصطناعي بلغتهم ولثقافتهم
معسكر لاكوتا للذكاء الاصطناعي علم شباناً من السكان الأصليين كيف يصنعون أدوات ذكاء اصطناعي بلغتهم ولثقافتهم

في الزمن الذي تسارعت فيه الخوارزميات، وفي اللحظة التي أصبحت فيها اللغة الاصطناعية أكثر حضوراً من اللغات التي وُلدت من رحم المطر والنار والأغنية، تنهض معضلة لا يمكن تهميشها: أين تقف الشعوب الأصلية، التي صادف أمس يومها العالمي، من ثورة الذكاء الاصطناعي؟ هل هي على هامش الشيفرة؟ أو في صميم المعادلة الأخلاقية؟

لسنا أمام جدل تقني بحت، بل أمام مفترق تاريخي يعيد طرح سؤال: من يملك حق الوجود في الفضاء الرقمي؟ ومن يحفظ للثقافات الهشة حقَّها في الهمس وسط هدير المعالجات الفائقة؟

تُبنى نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى – من تلك التي تُنتج النصوص إلى تلك التي تحلل الصور وتُصمم المدن – على بيانات مستخلصة من مصادر تنتمي في غالبها إلى ثقافات غربية مهيمنة، وتُنتج سردياتها الخاصة عن الآخر. وبهذا، تصبح الشعوب الأصلية، بثقافاتها الشفوية ورمزياتها المقدسة، خارج المعادلة.

وليس التهميش هنا ترفاً بلاغياً، بل واقع خطير. فالنماذج التي لم تُدرَّب على فهم هذه الثقافات، غالباً ما تسقط في فخ التحيز، فتُعيد إنتاج صور نمطية، أو تسطو على الرموز والأساطير وتعيد قولبتها دون إذن أو فهم. وهذا ما يُعرف اصطلاحاً بـ«الاستعمار الرقمي»، حيث يُنتزع التراث لا بالقوة، بل بالشيفرة.

وفي سياق ذلك، تعدّ حماية التراث اللامادي من التهديدات الرقمية أولوية، فهناك حالات عديدة من سرقة التراث الثقافي أو تشويهه، حيث يُستنسخ التراث الروحي والثقافي للشعوب ويُستخدم في سياقات لا تعبر عن هويتها، ما يعمق من أوجه التهميش والإقصاء.

لذا؛ فحماية بيانات الشعوب الأصلية وضمان حقوقها الرقمية يتطلبان جهوداً قانونية وأخلاقية عالمية، بحيث تُنظم عملية جمع، واستخدام، وتداول البيانات الثقافية بشكل يحترم الحقوق والصدقية.

وفي مفارقة موجعة، بدأت بعض شركات التقنية ببناء مراكز بيانات ضخمة في أراضٍ تنتمي تاريخياً للشعوب الأصلية. الأراضي التي كانت تُقدَّس لرمزيتها أو لكونها مسرحاً للطقوس، تُسفلت الآن لتُزرع بخوادم تأكل الكهرباء والماء وتنبض بلغة لا يفهمها أبناؤها، الأرض لم تعد تُغتصب فقط... بل تُخزَّن أسباب قتلها.

من المعروف أن مراكز البيانات هذه تُبنى في بيئات هشة بيئياً، دون استشارات مجتمعية، ودون تعويض عادل، وغالباً باسم «التنمية». ولكن: أي تنمية هذه التي تُقصي الإنسان وتستهلك ذاكرة الأرض؟ إن تداخل التطور التكنولوجي مع التحديات البيئية يعكس الحاجة إلى نموذج تنموي مستدام يعترف بحق الشعوب في حماية بيئاتها وقيمها الروحية، بدل أن يُختزل في استهلاك مفرط للموارد.

رغم هذا الظل الثقيل، لا تخلو الصورة من بارقة أمل. ففي ولايات السهول العظمى في أميركا، اجتمع شبان من قبيلة لاكوتا، لا ليرقصوا رقصة المطر كما كانت الصحافة الاستعمارية تصوّرهم، بل ليرقصوا بالأكواد. معسكر Lakota AI Code Camp، درّب شباناً من السكان الأصليين على البرمجة، وعلّمهم كيف يصنعون أدوات ذكاء اصطناعي بلغتهم، ولثقافتهم.

أما في نيوزيلندا، فقد طوّرت منظمة Te Hiku Media نموذجاً للتعرف الصوتي بلغة الماوري الأصلية، بلغ دقته أكثر من 90 في المائة. وتم جمع البيانات الصوتية بموافقة حرة ومستنيرة من الناطقين الأصليين، الذين احتفظوا بالسيادة على البيانات داخل مجتمعاتهم، في نموذج مثالي لما يُعرف بـ«السيادة الرقمية الأصلية».

في مفارقة موجعة، بدأت بعض شركات التقنية ببناء مراكز بيانات ضخمة في أراضٍ تنتمي تاريخياً للشعوب الأصلية

وتمثل هذه المبادرات خطوات مهمة نحو تمكين الشعوب الأصلية، إذ توفر أدوات تكنولوجية تحمي هويتها وتتيح لها التعبير عن ذاتها بلغتها الخاصة، بدل أن تبقى على هامش التقدم الرقمي.

وفي سياق ذلك، بدأ بعض الباحثين والمنظمات يعتمدون على مفهوم «السيادة الرقمية»، الذي يتيح للشعوب ليس فقط المشاركة في تطوير التقنيات، بل أن تظل مصدراً للمعرفة، وتحتفظ بسيادتها على بياناتها ومواردها الرقمية. فمشاريع مثل مبادرة Abundant Intelligences في كندا وأستراليا تسعى لدمج مفاهيم الشعوب الأصلية حول الزمن، والجماعة، والبيئة، في تصميم النماذج الخوارزمية، لتكون أكثر تنوعاً وشمولاً، وتعكس تجاربهم وخصوصياتهم.

هذه الخطوات، وإن كانت محدودة حتى الآن، تمثل نواة لمستقبل يمكن أن تُعيد فيه الشعوب الأصلية تعريف علاقاتها بالذكاء الاصطناعي، وتحويله من أداة استغلال إلى وسيلة حماية وتوثيق لتراثها.

إن الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة تهديداً؛ إنما هو مرآة لمن يُمسك بمقود التطوير. حين يشارك أبناء الأرض في برمجة التقنية، فإنهم لا يُجددون أدواتهم فقط، بل يُجددون تعريفهم لذاتهم، ويستعيدون الحق في «الحديث بلغتهم... حتى مع الآلة».

لكن، إذا استمر الذكاء الاصطناعي في استنساخ الأنظمة القديمة للإقصاء، فإنه سيتحوّل من ثورة إلى استعمار ناعم، ومن أداة إلى سلاح. أما إذا أُعطيَت الشعوب الأصلية حقوقها في البيانات، وفي تقرير مصيرها الرقمي، فإننا نقف أمام فرصة نادرة، لخلق شبكة عالمية تحفظ التراث، وتُعيد وصل ما قطعه التاريخ من تمزيق.

وفي النهاية، نحن لا نبحث فقط عن ذكاء اصطناعي «ذكي»، بل عن ذكاء أخلاقي، يعترِف بأن المعرفة لا تبدأ في وادي السيليكون فقط، بل قد يلهمها نَفَسُ الشامان، أو أنشودة حُفرت على صخرة.وحين تنجح الشعوب الأصلية في كتابة الشيفرة بلغتها، فذلك ليس مجرد «مواكبة»، بل فعل مقاومة، وفعل كتابة جديدة للتاريخ، توقظ فيه ذاكرة الأرض، وتصنع مستقبلاً يُحفظ فيه الحق في الوجود، والتعبير، والهوية.


مقالات ذات صلة

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

الذات في الديوان قلقة تبحث عن نفسها ولا تجدها كاملة... فثمة شعور دائم بالاغتراب ليس فقط عن العالمrn بل عن الداخل أيضاً

علي سعدون
ثقافة وفنون «الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.