هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

ملفات ثقافية في العدد الثالث من مجلة «الإيسيسكو»

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟
TT

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

يتناول العدد الثالث (يوليو / تموز) من مجلة «الإيسيسكو»، موضوعاً مهماً هو علاقة الأدب العربي بأدب «الميتافيرس» و«الفنتازيا»، التي أثير الجدل بشأنها في الفترة الأخيرة، ويجزم المقال بأن أدباء عرباً كباراً، أمثال توفيق الحكيم ويوسف السباعي، كتبوا مبكراً في هذا النوع من الأدب، وتركوا أعمالاً أدبية ومسرحياتٍ تغوص في «الميتافيرس»، حيث يمكن الوقوف في الأدب العربي على كثير من الأعمال التي جرى تصنيفها تحت مسمى الفنتازيا، وإن كنا بمنظور اليوم يمكن أن نتناولها بمدخل العالم الافتراضي / عالم الميتافيرس؛ لأنها بالفعل ترسم عالماً افتراضياً متخيَّلاً تماماً، كما يشير المقال.

ويحتفي العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو»، بافتتاح مكتب الإيسيسكو الإقليمي في مدينة باكو بأذربيجان، «ليشكل منارة معرفية وثقافية وعلمية وتربوية؛ يشع ضياؤها على كل منطقة آسيا الوسطى، وليشكّل حلقةَ وصل للثقافات واللغات والرؤى المشتركة التي تجمع بين دول العالم الإسلامي».

ويضم العدد الجديد حزمة واسعة من المقالات والتحقيقات الثقافية، كما يحتوي على عدد من المواد المتنوعة ذات القيمة العلمية والثقافية العالية، بينها (ملف العدد) حول السيرة الذاتية والأنواع المجاورة، ويضم مقالاً للدكتور محمد الداهي، الأستاذ بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس في الرباط بعنوان (وضع اليوميات في المُدوّنات العربيّة)، ومقالاً للدكتورة نجوى عمامي، الباحثة بمخبر السّرديّات والدّراسات البينيّة في كلية الآداب والفنون والإنسانيّات، كلية منوبة تونس بعنوان (اليوميّات الخاصّة واللّحظات المُخلّدة)، ومقال الأستاذ كمال عبد الرحمن، الباحث والكاتب العراقي بعنوان (قراءة جديدة في السيرة الذاتية)، ومقال الدكتورة جليلة الطريطر، أستاذة التعليم العالي بجامعة تونس والمترجِمة بمعهد تونس للترجمة مديرة مجلة الكراسات التونسية، بعنوان (المدرسة النِّسويّة العالمة في عصر النّهضة العربيّة الحديثة)، في حين استعرضت الكاتبة مديحة مدير، من المملكة العربية السعودية، كتاب (أمواج)؛ وهو كتاب السيرة الذاتية للدكتور الأديب عبد اللّٰه إبراهيم، صاحب موسوعة السرد العربي كنموذج لأدب السيرة.

وضمّ العدد حوارين؛ الأول مع الشاعر والفيلسوف الدكتور حسن طلب، مثّل توثيقاً لحقبة شعرية مهمة وشهادة حية على عدد من الأحداث والمرويات والمواقف التي شكلت جيلاً شعرياً كاملاً، والحوار الثاني مع المترجم والأكاديمي السعودي الدكتور سعد البازعي حول قضايا الثقافة والترجمة والشعر.

العرب وأدب «الميتافيرس»

وضِمن مقالات العدد مقالٌ بعنوان «الميتافيرس وتجليات الأدب» للدكتور محمود الضبع، أستاذ النقد الأدبي وعميد كلية الآداب بجامعة قناة السويس (مصر). يقول، في هذا المقال: «كان الأدب مصدراً مهمّاً من مصادر الإنتاج التكنولوجي من قبل أن يتبلور مفهوم التكنولوجيا نفسه، فقد استطاعت الأفكار الخيالية في الأدب، منذ قديم الزمان، أن تتحول إلى واقع فعلي بمرور الزمن، بدءاً من حُلم الإنسان بالطيران والانتقال اللحظي من مكان إلى مكان، ومروراً بالأدوات الافتراضية التي لم يكن لها وجود سوى في الآداب والفنون، وليس انتهاءً بتصور عوالم كاملة لا تنتمي إلى أرضنا التي نعرفها، وعالمنا الذي نعيش فيه، وإن كانت تُحاكيه، ولكن عبر خلق عالم افتراضي لا وجود له، وكان الاعتماد دائماً على إحداث انتقال زمني بعيد، سواء إلى المستقبل، أم إلى الماضي السحيق».

وفي حين يؤكد المقال أنه يمكن الوقوف في الآداب والفنون العالمية على كثير من الأعمال، التي اعتمدت جميعها على الانطلاق بالخيال نحو عوالم موازية، أو عوالم تخييلية افتراضية تكون للبشر فيها هيئات جديدة، وأدوار جديدة، وإمكانات حركة وانتقال أكثر سرعة وخفة مما هو متحقق في الواقع الفعلي، فإنه يؤكد كذلك أنه «يمكن الوقوف في الأدب العربي على كثير من الأعمال التي جرى تصنيفها تحت مسمى الفنتازيا، وإن كنا بمنظور اليوم يمكن أن نتناولها بمدخل العالم الافتراضي / عالم الميتافيرس؛ لأنها بالفعل ترسم عالماً افتراضياً متخيلاً تماماً».

ويُورد الكاتب نماذج لهذا النوع من الأدب، مستشهداً بتوفيق الحكيم في قصة «في سنة مليون» التي تُصور عالماً افتراضياً لا يعرف أهله الموت، وكذلك أعماله المسرحية، مثل «تقرير قمري»، و«رحلة إلى الغد»، اللتين يسافر فيهما الأبطال إلى الفضاء.

وكذلك يوسف السباعي في روايته «لست وحدك» التي تحكي عن رحلة إلى الفضاء يقوم بها ستة أشخاص في سفينة فضائية تستهدف استكشاف الكواكب الأخرى.

ورواية «السيد من حقل السبانخ» لصبري موسى، التي يصور فيها عالماً مستقبلياً يعيش فيه البشر في كرة بلورية في الفضاء (لأن الأرض فسدت للحياة تماماً)، ويخضع الجميع لهيمنة العلم وأجهزته وتطبيقاته، ويلتزمون خطوات محددة في كل تفاصيل حياتهم، تتكرر كل يوم بشكل آلي.

وفي نهاية المقال يتساءل الكاتب: «هل سيصنع الميتافيرس عالماً أفضل من عالمنا؟ الذي تزايدت مخاطره بين الحروب، والإرهاب، والتصحر، والاختلال المناخي، ونقص الموارد، ونضوب مصادر المياه، والتلوث، والنفايات التكنولوجية، واختلال الأمن، وتفكك الروابط الاجتماعية، وغيرها من معضلات تواجه البشرية... أم أنه سيُخضع الإنسان لهيمنة شركات الإنتاج، ويدفعه نحو المزيد من سيادة ثقافة الاستهلاك، والمزيد من العزلة عن الواقع، والمزيد من المشكلات الجديدة التي لا يمكن التكهن بأبعادها حتى الآن، والتي سيطرحها هذا العالم الخيالي؟».

علاقة الشعر بالفلسفة!

في الحوار مع الشاعر المصري الدكتور حسن طلب، المولود عام 1944 بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج، يؤكد أن «الشعر العربي، الآن، ليس في خير أحواله»؛ لأن «الحالة التي كانت تجمع بين الناقد والنص الشعري الجميل قد تفككت».

ويقول: «أصبح النقد في اتجاه، وما يجري في الواقع في اتجاه آخر. لقد فقَدَ النقد وظيفته، وأصبح القارئ العادي غير قادر على أن يميز الغث من السمين. فالذي كان يستطيع أن يرشد القارئ هو الناقد الجاد».

على مدى أكثر من خمسين عاماً، ظل الشاعر المصري الدكتور حسن طلب يضيء ديوان الشعر العربي بحفرياته في عوالم اللغة والفلسفة والرموز، في فضاء التجريب والحداثة. وتنوع نتاجه الإبداعي بين الشعر والدراسات الفلسفية، وعدد من الإصدارات الأخرى في قضايا الإبداع والمبدعين.

وردّاً على سؤال بشأن علاقة الشعر بالفلسفة، وما الذي يستفيده الشعر من الفلسفة، قال الدكتور طلب: «الفلسفة هي علم الوعي الذي لا يَقنع بالنظر إلى سطح الأشياء، فهو يغوص لكي يعرف حقيقتها، ويبحث عن أعمق ما فيها وأنضر، والشعر أيضاً يفعل ذلك ويستفيد من طابع العمق. ولذلك نجد فيلسوفا مثل (كولن) يُصدّر كتابه بجملة يقول فيها: أقرب العلوم إلى الحالة الشعرية هي أن تقرأ الفلسفة؛ لما فيها من عمق، أما العلوم الأخرى مثل الاجتماع وغيره فهي تعتمد على الإحصاء والاستبيان. لذلك فإن الفلسفة هي أقرب العلوم الإنسانية إلى الشعر. والشعر الخالي من الفلسفة يمكن أن تنساه بسرعة، أما الشعر الذي يأخذنا للأعماق فيفعل ما تفعله فينا الفلسفة، بلغته، بصوره، وبلاغته».

ويضيف: «طه حسين هو أول من نبّهنا إلى أبي العلاء المعري، وهو مَن أشرف على طباعة (سقط الزند) و(اللزوميات) وقدَّمهما لنا، كان يسميه أول وأكبر شاعر فيلسوف في تراثنا. وحين جاء عبد الرحمن عزّام، وترجم محمد إقبال الشاعر الباكستاني، وقدّم الكتاب لطه حسين ليكتب المقدمة، قال له طه حسين: هذا ثاني الشعراء المتفلسفين بعد المعري».

ثم يقول: «كان أوّل ما فعله المعري أنه لم يزُر أحداً على الإطلاق من الأمراء والخلفاء، إنما جلس يفكّر فيما حوله من أحوال البلاد وفي أحواله هو نفسه».

سعد البازعي وترجمة الشعر

في الحوار الثاني من هذا العدد، تحدَّث الناقد السعودي الدكتور سعد البازعي عن المشهد الثقافي والأدبي السعودي، وقراءته للتحولات فيه، قائلاً إنها «تحولات إيجابية في مجملها، غنية بتنوع العطاء وتجدد صوره، لكن المشهد ككل مليء بالغثّ والسمين، ومثل معظم المشاهد أيضاً يطغى الغثّ».

وأضاف: «أحدثت وزارة الثقافة أثراً عميقاً في ذلك المشهد باستحداث هيئات تُعنى بجوانب من الحياة الثقافية كانت مهمَّشة (المسرح والموسيقى مثلاً)، واستطاعت مبادرات كالشريك الأدبي أن تكون علامة فارقة في تاريخ الحياة الأدبية والفكرية، لكن أبعاد ذلك التأثير لن تتضح إلا بعد زمن. وتبقى الترجمة إنجازاً كبيراً لتلك التحولات فأعمال كثيرة تنجز على هذا المستوى من العربية وإليها».

وردّاً على سؤال: ما الذي نتركه وراءنا عندما ننقل نصاً شعرياً إلى لغة أخرى، قال البازعي: «لا شك الشعر بالنسبة لي كان ولا يزال وأظنه سيستمر شغفاً فوق أن يكون تخصصاً أكاديمياً. إننا نترك كثيراً من الشعر حين نترجمه، لكن لِم لا نسأل عما نضيف إلى الشعر أيضاً حين نترجمه، قليلون هم الذين يتساءلون عما تكسب القصيدة حين تترجم، ومن المؤكد أنها تكسب شيئاً جديداً بدخولها في أفق لغة أخرى؛ شريطة أن يكون المترجم متمكناً من اللغتين».

وأضاف: «لقد أضاف مترجمو رباعيات الخيام إلى ما يُنسب للخيام من الرباعيات، مثلما أضاف مترجمو هوميروس والمتنبي ودرويش إلى ما ترجموا لهم. نعم قد يكون الفاقد أكبر، وهو الأقرب، لكن لكي يكون السؤال منصفاً، يجب أن ننصف الترجمة والمترجمين فمن دونهم لم نكن لنعرف شعر العالم. نحتاج فقط لأن نتذكر أن ما نقرؤه في لغتنا ليس نسخة من النص المترجم مطابقة للأصل، مهما بلغت قدرات المترجم، وإنما هو نص مقارب له».

ويكمل البازعي: «ما ننقله من القصيدة هو بعضها أو الكثير منها مضافاً إليه ما تحمله اللغة الجديدة من إيحاءات يستحيل تكرارها؛ لاختلاف اللغات والثقافات والتجارب الإنسانية. أقصد أن القصيدة حين تترجَم فإنها تصير قصيدة جديدة؛ ليس بالكامل طبعاً وإنما بنسبة عالية».

المدرسة النّسويّة

وضِمن (ملف العدد) مقالٌ عن «المدرسة النّسويّة العالمة في عصر النّهضة العربيّة» للدكتورة جليلة الطريطر، الأستاذة بجامعة تونس. وفيه تقول: «انطلقت المعركة النّضاليّة النّسائيّة / النسويّة العربيّة على يد الأديبة المصريّة عائشة تيمور»، وتستعيد الشخصيات النسوية اللاتي تركن أثراً في الحياة الثقافية والسياسية، وتقول: «لقد أعادت قدريّة حسين في مؤلفها (شهيرات النساء في العالم الإسلاميّ) كتابة تاريخ شجرة الدرّ، مُبرزة من هذا المنظور النقدي أهليّتها السياسيّة وحكمتها في إدارة مقاليد حكمها».

وهي ترى أن «سؤال النّهضة كان منذ بدايات القرن التّاسع عشر سؤالاً تنويرياً شمل كلّ مجالات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثّقافيّة، هذا السؤال كان نقدياً بامتياز؛ لأنّه قارن بين زمن مشرقيّ كان متكلّساً ومشدوداً إلى قِيم ماضويّة مهترئة، وزمن أوروبيّ حداثيّ كان يطرح تحدّيات قيميّة ومعرفيّة وتكنولوجيّة غير مسبوقة، إن لم نقُل جارفة! ولأنّ المرأة كانت في المنظومة الاجتماعيّة القروسطيّة العربيّة كائناً غير متمتّع بالتعليم يعيش بالتبعيّة، فهي لم تكن مؤهّلة لاكتساب التميز المعرفي، ومستبعَدة من المرئيّة الاجتماعيّة. لذلك ليس من المنتظر منها أن تكون فاعلة ثقافيّة في مثل ذلك المنعرج الحضاري الحاسم».

وتضيف: «لقد كان الرجل هو المعنيّ الأوّل (طبيعيّاً) واجتماعيّاً بتغيير العالم ورسم مسارات التّحوّل فيه، وكانت المرأة موضوعاً في هذه المسارات. ولم تكن هذه الوضعيّة عرضيّة أو حادثة، بل هي في واقع الأمر وضعيّة نوعيّة مشتركة إنسانيّاً؛ لأنّ المجتمعات الأبويّة مجتمعات مبنيّة جندريّاً، فالأدوار الاجتماعيّة المسندَة للرجل غير المسندَة للمرأة، فضلاً عن كونها تعكس تراتبيّة تفاضليّة ذكوريّة مؤسِّسة لبنية الهيمنة الذكوريّة - طبيعيّاً واجتماعيّاً- ومشرِّعة لها في آن».

السيرة الذاتية

وضِمن (ملف العدد) عن «السيرة الذاتية»، يقدم العدد مقالاً بعنوان «قراءة جديدة في السيرة الذاتية» لكمال عبد الرحمن (ناقد عراقي)، ومقالاً آخر بعنوان «أمواج عبد اللّه إبراهيم نموذج مائز لأدب السيرة الذاتية - قراءة انطباعيّة» لمديحة مدير. وفي هذا المقال نقرأ: «جاءت كتابة السيرة الذاتية عند عبد اللّٰه إبراهيم بصفتها أداة في صون الحياة (...) أرادها أن تكون (مدونة اعتراف، وليس تبريراً) يخرج بها من إطار السيرة المتعارف عليه، ويخترق أسوار ذاته راكباً موجةً تلو أخرى ليعترف بأنه مثلنا - نحن الذين نختبئ خلف أقنعة مهترئة كيلا نقول الحقيقة - شخصيتان متضادتان (أنا الفرد المتخفّي في أفكاري ورغباتي التي ما انفكّت عطشى دون ارتواء، وأنا الجماعي الذي منح كل شيء في حياته لأسرته، وفيما بعد لطلابه، وقرائه)».

الاستشراق

وتضمّن العدد مقالاً بعنوان «أثر الاستشراق في حفظ ونقل الثقافة والتراث العربي»، متناولاً، على نحو خاص، «جهود المستشرقين في المخطوطات والترجمة وكراسي اللغة» للكاتب الإماراتي فهد علي المعمري، وهو باحث في التراث والأدب العربي.

وفي هذا المقال يقول المعمري: «لقد لعب الاستشراق والمستشرقون دوراً في خريطة الثقافة والتراث والأدب العربي بشكل بارز، من خلال جمع واقتناء المخطوطات العربية بشتّى الوسائل المتاحة، ومن ثم تحقيق هذه المخطوطات، ثم التأليف في تاريخ وأدب العرب، من خلال إنشاء كراسي اللغة العربية في معظم الجامعات الأوروبية، ويشمل ذلك جميع اللغات السامية من خلال اللغات الهندية والفارسية والتركية والعربية، لكننا سنقف عند حدود الأدب العربي ولغته عند جماعة الاستشراق والمستشرقين».

يعرّف الكاتب مصطلح الاستشراق بأنه مصطلح يطلَق على دراسة الغرب للشرق، وبالأخص العالمان العربي والإسلامي، ويشمل كل ما كتبه الباحثون الأوربيون، ثم لاحقاً ما كتبه الأميركيون، عبر جوانب متعددة شملت اللغة والدين والتاريخ والطب والفلسفة والجغرافيا.

ويقول إن عصر الاستشراق بدأ في زمن العصور الوسطى، إلّا أنه بلغ ذروته في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، خصوصاً مع توسع الاستعمار الأوربي في البلدان العربية والإسلامية.

أما المستشرقون «فهُم العلماء الغربيون من أوروبا وأميركا الذين اهتموا بدراسة الحضارات الشرقية، وخصوصاً الحضارة العربية والإسلامية، وتعلّموا لغاتها، وحققوا مخطوطاتها، وكتبوا عن تاريخها وثقافاتها، وكان البعض موضوعياً مُنصفاً، والأكثر كان مدلِّساً متحاملاً يغيّر الحقائق، ويزيّف الواقع ليصل إلى مآربه وغاياته».

ويقول: «تعددت دوافع المستشرقين عبر حركة الاستشراق المنظمة، (..) فقد عكفوا على البحث عن كنور العرب والمسلمين عبر ملايين المخطوطات التي أنجزها العرب لتشهد على عراقة الحضارة وسمو العلوم والمعارف التي دوّى صداها في مشارق الأرض ومغاربها».

وعن دور المستشرقين في جمع المخطوطات العربية واقتنائها، قال الكاتب: «قام المستشرقون، منذ القرن الثامن عشر الميلادي، بجمع آلاف المخطوطات العربية من المشرق والمغرب، ثم اقتناء المخطوطات أينما وجدوها في الأسواق وعند العامة والخاصة ومن المكتبات، وأينما وصلت أيديهم لها. ونُقلت، في تهجير منظّم إلى مكتبات أوروبا، مثل مكتبتيْ كمبردج وأكسفورد ببريطانيا، ومكتبة برلين بألمانيا، ومكتبة الفاتيكان بإيطاليا، ومكتبة ليدن بهولندا، والمكتبة الوطنية بباريس، وغيرها من مكتبات أوروبا، ويُعد المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي في طليعة مَن شجعوا جمع المخطوطات ونشرها، كما كان في طليعة المستشرقين كذلك الذين دعوا إلى إنشاء كرسي اللغة العربية في الجامعات الأوروبية».


مقالات ذات صلة

جنون الشعر أو شعر الجنون

ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت»

«الشرق الأوسط» (برلين)
ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.