هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

ملفات ثقافية في العدد الثالث من مجلة «الإيسيسكو»

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟
TT

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

يتناول العدد الثالث (يوليو / تموز) من مجلة «الإيسيسكو»، موضوعاً مهماً هو علاقة الأدب العربي بأدب «الميتافيرس» و«الفنتازيا»، التي أثير الجدل بشأنها في الفترة الأخيرة، ويجزم المقال بأن أدباء عرباً كباراً، أمثال توفيق الحكيم ويوسف السباعي، كتبوا مبكراً في هذا النوع من الأدب، وتركوا أعمالاً أدبية ومسرحياتٍ تغوص في «الميتافيرس»، حيث يمكن الوقوف في الأدب العربي على كثير من الأعمال التي جرى تصنيفها تحت مسمى الفنتازيا، وإن كنا بمنظور اليوم يمكن أن نتناولها بمدخل العالم الافتراضي / عالم الميتافيرس؛ لأنها بالفعل ترسم عالماً افتراضياً متخيَّلاً تماماً، كما يشير المقال.

ويحتفي العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو»، بافتتاح مكتب الإيسيسكو الإقليمي في مدينة باكو بأذربيجان، «ليشكل منارة معرفية وثقافية وعلمية وتربوية؛ يشع ضياؤها على كل منطقة آسيا الوسطى، وليشكّل حلقةَ وصل للثقافات واللغات والرؤى المشتركة التي تجمع بين دول العالم الإسلامي».

ويضم العدد الجديد حزمة واسعة من المقالات والتحقيقات الثقافية، كما يحتوي على عدد من المواد المتنوعة ذات القيمة العلمية والثقافية العالية، بينها (ملف العدد) حول السيرة الذاتية والأنواع المجاورة، ويضم مقالاً للدكتور محمد الداهي، الأستاذ بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس في الرباط بعنوان (وضع اليوميات في المُدوّنات العربيّة)، ومقالاً للدكتورة نجوى عمامي، الباحثة بمخبر السّرديّات والدّراسات البينيّة في كلية الآداب والفنون والإنسانيّات، كلية منوبة تونس بعنوان (اليوميّات الخاصّة واللّحظات المُخلّدة)، ومقال الأستاذ كمال عبد الرحمن، الباحث والكاتب العراقي بعنوان (قراءة جديدة في السيرة الذاتية)، ومقال الدكتورة جليلة الطريطر، أستاذة التعليم العالي بجامعة تونس والمترجِمة بمعهد تونس للترجمة مديرة مجلة الكراسات التونسية، بعنوان (المدرسة النِّسويّة العالمة في عصر النّهضة العربيّة الحديثة)، في حين استعرضت الكاتبة مديحة مدير، من المملكة العربية السعودية، كتاب (أمواج)؛ وهو كتاب السيرة الذاتية للدكتور الأديب عبد اللّٰه إبراهيم، صاحب موسوعة السرد العربي كنموذج لأدب السيرة.

وضمّ العدد حوارين؛ الأول مع الشاعر والفيلسوف الدكتور حسن طلب، مثّل توثيقاً لحقبة شعرية مهمة وشهادة حية على عدد من الأحداث والمرويات والمواقف التي شكلت جيلاً شعرياً كاملاً، والحوار الثاني مع المترجم والأكاديمي السعودي الدكتور سعد البازعي حول قضايا الثقافة والترجمة والشعر.

العرب وأدب «الميتافيرس»

وضِمن مقالات العدد مقالٌ بعنوان «الميتافيرس وتجليات الأدب» للدكتور محمود الضبع، أستاذ النقد الأدبي وعميد كلية الآداب بجامعة قناة السويس (مصر). يقول، في هذا المقال: «كان الأدب مصدراً مهمّاً من مصادر الإنتاج التكنولوجي من قبل أن يتبلور مفهوم التكنولوجيا نفسه، فقد استطاعت الأفكار الخيالية في الأدب، منذ قديم الزمان، أن تتحول إلى واقع فعلي بمرور الزمن، بدءاً من حُلم الإنسان بالطيران والانتقال اللحظي من مكان إلى مكان، ومروراً بالأدوات الافتراضية التي لم يكن لها وجود سوى في الآداب والفنون، وليس انتهاءً بتصور عوالم كاملة لا تنتمي إلى أرضنا التي نعرفها، وعالمنا الذي نعيش فيه، وإن كانت تُحاكيه، ولكن عبر خلق عالم افتراضي لا وجود له، وكان الاعتماد دائماً على إحداث انتقال زمني بعيد، سواء إلى المستقبل، أم إلى الماضي السحيق».

وفي حين يؤكد المقال أنه يمكن الوقوف في الآداب والفنون العالمية على كثير من الأعمال، التي اعتمدت جميعها على الانطلاق بالخيال نحو عوالم موازية، أو عوالم تخييلية افتراضية تكون للبشر فيها هيئات جديدة، وأدوار جديدة، وإمكانات حركة وانتقال أكثر سرعة وخفة مما هو متحقق في الواقع الفعلي، فإنه يؤكد كذلك أنه «يمكن الوقوف في الأدب العربي على كثير من الأعمال التي جرى تصنيفها تحت مسمى الفنتازيا، وإن كنا بمنظور اليوم يمكن أن نتناولها بمدخل العالم الافتراضي / عالم الميتافيرس؛ لأنها بالفعل ترسم عالماً افتراضياً متخيلاً تماماً».

ويُورد الكاتب نماذج لهذا النوع من الأدب، مستشهداً بتوفيق الحكيم في قصة «في سنة مليون» التي تُصور عالماً افتراضياً لا يعرف أهله الموت، وكذلك أعماله المسرحية، مثل «تقرير قمري»، و«رحلة إلى الغد»، اللتين يسافر فيهما الأبطال إلى الفضاء.

وكذلك يوسف السباعي في روايته «لست وحدك» التي تحكي عن رحلة إلى الفضاء يقوم بها ستة أشخاص في سفينة فضائية تستهدف استكشاف الكواكب الأخرى.

ورواية «السيد من حقل السبانخ» لصبري موسى، التي يصور فيها عالماً مستقبلياً يعيش فيه البشر في كرة بلورية في الفضاء (لأن الأرض فسدت للحياة تماماً)، ويخضع الجميع لهيمنة العلم وأجهزته وتطبيقاته، ويلتزمون خطوات محددة في كل تفاصيل حياتهم، تتكرر كل يوم بشكل آلي.

وفي نهاية المقال يتساءل الكاتب: «هل سيصنع الميتافيرس عالماً أفضل من عالمنا؟ الذي تزايدت مخاطره بين الحروب، والإرهاب، والتصحر، والاختلال المناخي، ونقص الموارد، ونضوب مصادر المياه، والتلوث، والنفايات التكنولوجية، واختلال الأمن، وتفكك الروابط الاجتماعية، وغيرها من معضلات تواجه البشرية... أم أنه سيُخضع الإنسان لهيمنة شركات الإنتاج، ويدفعه نحو المزيد من سيادة ثقافة الاستهلاك، والمزيد من العزلة عن الواقع، والمزيد من المشكلات الجديدة التي لا يمكن التكهن بأبعادها حتى الآن، والتي سيطرحها هذا العالم الخيالي؟».

علاقة الشعر بالفلسفة!

في الحوار مع الشاعر المصري الدكتور حسن طلب، المولود عام 1944 بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج، يؤكد أن «الشعر العربي، الآن، ليس في خير أحواله»؛ لأن «الحالة التي كانت تجمع بين الناقد والنص الشعري الجميل قد تفككت».

ويقول: «أصبح النقد في اتجاه، وما يجري في الواقع في اتجاه آخر. لقد فقَدَ النقد وظيفته، وأصبح القارئ العادي غير قادر على أن يميز الغث من السمين. فالذي كان يستطيع أن يرشد القارئ هو الناقد الجاد».

على مدى أكثر من خمسين عاماً، ظل الشاعر المصري الدكتور حسن طلب يضيء ديوان الشعر العربي بحفرياته في عوالم اللغة والفلسفة والرموز، في فضاء التجريب والحداثة. وتنوع نتاجه الإبداعي بين الشعر والدراسات الفلسفية، وعدد من الإصدارات الأخرى في قضايا الإبداع والمبدعين.

وردّاً على سؤال بشأن علاقة الشعر بالفلسفة، وما الذي يستفيده الشعر من الفلسفة، قال الدكتور طلب: «الفلسفة هي علم الوعي الذي لا يَقنع بالنظر إلى سطح الأشياء، فهو يغوص لكي يعرف حقيقتها، ويبحث عن أعمق ما فيها وأنضر، والشعر أيضاً يفعل ذلك ويستفيد من طابع العمق. ولذلك نجد فيلسوفا مثل (كولن) يُصدّر كتابه بجملة يقول فيها: أقرب العلوم إلى الحالة الشعرية هي أن تقرأ الفلسفة؛ لما فيها من عمق، أما العلوم الأخرى مثل الاجتماع وغيره فهي تعتمد على الإحصاء والاستبيان. لذلك فإن الفلسفة هي أقرب العلوم الإنسانية إلى الشعر. والشعر الخالي من الفلسفة يمكن أن تنساه بسرعة، أما الشعر الذي يأخذنا للأعماق فيفعل ما تفعله فينا الفلسفة، بلغته، بصوره، وبلاغته».

ويضيف: «طه حسين هو أول من نبّهنا إلى أبي العلاء المعري، وهو مَن أشرف على طباعة (سقط الزند) و(اللزوميات) وقدَّمهما لنا، كان يسميه أول وأكبر شاعر فيلسوف في تراثنا. وحين جاء عبد الرحمن عزّام، وترجم محمد إقبال الشاعر الباكستاني، وقدّم الكتاب لطه حسين ليكتب المقدمة، قال له طه حسين: هذا ثاني الشعراء المتفلسفين بعد المعري».

ثم يقول: «كان أوّل ما فعله المعري أنه لم يزُر أحداً على الإطلاق من الأمراء والخلفاء، إنما جلس يفكّر فيما حوله من أحوال البلاد وفي أحواله هو نفسه».

سعد البازعي وترجمة الشعر

في الحوار الثاني من هذا العدد، تحدَّث الناقد السعودي الدكتور سعد البازعي عن المشهد الثقافي والأدبي السعودي، وقراءته للتحولات فيه، قائلاً إنها «تحولات إيجابية في مجملها، غنية بتنوع العطاء وتجدد صوره، لكن المشهد ككل مليء بالغثّ والسمين، ومثل معظم المشاهد أيضاً يطغى الغثّ».

وأضاف: «أحدثت وزارة الثقافة أثراً عميقاً في ذلك المشهد باستحداث هيئات تُعنى بجوانب من الحياة الثقافية كانت مهمَّشة (المسرح والموسيقى مثلاً)، واستطاعت مبادرات كالشريك الأدبي أن تكون علامة فارقة في تاريخ الحياة الأدبية والفكرية، لكن أبعاد ذلك التأثير لن تتضح إلا بعد زمن. وتبقى الترجمة إنجازاً كبيراً لتلك التحولات فأعمال كثيرة تنجز على هذا المستوى من العربية وإليها».

وردّاً على سؤال: ما الذي نتركه وراءنا عندما ننقل نصاً شعرياً إلى لغة أخرى، قال البازعي: «لا شك الشعر بالنسبة لي كان ولا يزال وأظنه سيستمر شغفاً فوق أن يكون تخصصاً أكاديمياً. إننا نترك كثيراً من الشعر حين نترجمه، لكن لِم لا نسأل عما نضيف إلى الشعر أيضاً حين نترجمه، قليلون هم الذين يتساءلون عما تكسب القصيدة حين تترجم، ومن المؤكد أنها تكسب شيئاً جديداً بدخولها في أفق لغة أخرى؛ شريطة أن يكون المترجم متمكناً من اللغتين».

وأضاف: «لقد أضاف مترجمو رباعيات الخيام إلى ما يُنسب للخيام من الرباعيات، مثلما أضاف مترجمو هوميروس والمتنبي ودرويش إلى ما ترجموا لهم. نعم قد يكون الفاقد أكبر، وهو الأقرب، لكن لكي يكون السؤال منصفاً، يجب أن ننصف الترجمة والمترجمين فمن دونهم لم نكن لنعرف شعر العالم. نحتاج فقط لأن نتذكر أن ما نقرؤه في لغتنا ليس نسخة من النص المترجم مطابقة للأصل، مهما بلغت قدرات المترجم، وإنما هو نص مقارب له».

ويكمل البازعي: «ما ننقله من القصيدة هو بعضها أو الكثير منها مضافاً إليه ما تحمله اللغة الجديدة من إيحاءات يستحيل تكرارها؛ لاختلاف اللغات والثقافات والتجارب الإنسانية. أقصد أن القصيدة حين تترجَم فإنها تصير قصيدة جديدة؛ ليس بالكامل طبعاً وإنما بنسبة عالية».

المدرسة النّسويّة

وضِمن (ملف العدد) مقالٌ عن «المدرسة النّسويّة العالمة في عصر النّهضة العربيّة» للدكتورة جليلة الطريطر، الأستاذة بجامعة تونس. وفيه تقول: «انطلقت المعركة النّضاليّة النّسائيّة / النسويّة العربيّة على يد الأديبة المصريّة عائشة تيمور»، وتستعيد الشخصيات النسوية اللاتي تركن أثراً في الحياة الثقافية والسياسية، وتقول: «لقد أعادت قدريّة حسين في مؤلفها (شهيرات النساء في العالم الإسلاميّ) كتابة تاريخ شجرة الدرّ، مُبرزة من هذا المنظور النقدي أهليّتها السياسيّة وحكمتها في إدارة مقاليد حكمها».

وهي ترى أن «سؤال النّهضة كان منذ بدايات القرن التّاسع عشر سؤالاً تنويرياً شمل كلّ مجالات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثّقافيّة، هذا السؤال كان نقدياً بامتياز؛ لأنّه قارن بين زمن مشرقيّ كان متكلّساً ومشدوداً إلى قِيم ماضويّة مهترئة، وزمن أوروبيّ حداثيّ كان يطرح تحدّيات قيميّة ومعرفيّة وتكنولوجيّة غير مسبوقة، إن لم نقُل جارفة! ولأنّ المرأة كانت في المنظومة الاجتماعيّة القروسطيّة العربيّة كائناً غير متمتّع بالتعليم يعيش بالتبعيّة، فهي لم تكن مؤهّلة لاكتساب التميز المعرفي، ومستبعَدة من المرئيّة الاجتماعيّة. لذلك ليس من المنتظر منها أن تكون فاعلة ثقافيّة في مثل ذلك المنعرج الحضاري الحاسم».

وتضيف: «لقد كان الرجل هو المعنيّ الأوّل (طبيعيّاً) واجتماعيّاً بتغيير العالم ورسم مسارات التّحوّل فيه، وكانت المرأة موضوعاً في هذه المسارات. ولم تكن هذه الوضعيّة عرضيّة أو حادثة، بل هي في واقع الأمر وضعيّة نوعيّة مشتركة إنسانيّاً؛ لأنّ المجتمعات الأبويّة مجتمعات مبنيّة جندريّاً، فالأدوار الاجتماعيّة المسندَة للرجل غير المسندَة للمرأة، فضلاً عن كونها تعكس تراتبيّة تفاضليّة ذكوريّة مؤسِّسة لبنية الهيمنة الذكوريّة - طبيعيّاً واجتماعيّاً- ومشرِّعة لها في آن».

السيرة الذاتية

وضِمن (ملف العدد) عن «السيرة الذاتية»، يقدم العدد مقالاً بعنوان «قراءة جديدة في السيرة الذاتية» لكمال عبد الرحمن (ناقد عراقي)، ومقالاً آخر بعنوان «أمواج عبد اللّه إبراهيم نموذج مائز لأدب السيرة الذاتية - قراءة انطباعيّة» لمديحة مدير. وفي هذا المقال نقرأ: «جاءت كتابة السيرة الذاتية عند عبد اللّٰه إبراهيم بصفتها أداة في صون الحياة (...) أرادها أن تكون (مدونة اعتراف، وليس تبريراً) يخرج بها من إطار السيرة المتعارف عليه، ويخترق أسوار ذاته راكباً موجةً تلو أخرى ليعترف بأنه مثلنا - نحن الذين نختبئ خلف أقنعة مهترئة كيلا نقول الحقيقة - شخصيتان متضادتان (أنا الفرد المتخفّي في أفكاري ورغباتي التي ما انفكّت عطشى دون ارتواء، وأنا الجماعي الذي منح كل شيء في حياته لأسرته، وفيما بعد لطلابه، وقرائه)».

الاستشراق

وتضمّن العدد مقالاً بعنوان «أثر الاستشراق في حفظ ونقل الثقافة والتراث العربي»، متناولاً، على نحو خاص، «جهود المستشرقين في المخطوطات والترجمة وكراسي اللغة» للكاتب الإماراتي فهد علي المعمري، وهو باحث في التراث والأدب العربي.

وفي هذا المقال يقول المعمري: «لقد لعب الاستشراق والمستشرقون دوراً في خريطة الثقافة والتراث والأدب العربي بشكل بارز، من خلال جمع واقتناء المخطوطات العربية بشتّى الوسائل المتاحة، ومن ثم تحقيق هذه المخطوطات، ثم التأليف في تاريخ وأدب العرب، من خلال إنشاء كراسي اللغة العربية في معظم الجامعات الأوروبية، ويشمل ذلك جميع اللغات السامية من خلال اللغات الهندية والفارسية والتركية والعربية، لكننا سنقف عند حدود الأدب العربي ولغته عند جماعة الاستشراق والمستشرقين».

يعرّف الكاتب مصطلح الاستشراق بأنه مصطلح يطلَق على دراسة الغرب للشرق، وبالأخص العالمان العربي والإسلامي، ويشمل كل ما كتبه الباحثون الأوربيون، ثم لاحقاً ما كتبه الأميركيون، عبر جوانب متعددة شملت اللغة والدين والتاريخ والطب والفلسفة والجغرافيا.

ويقول إن عصر الاستشراق بدأ في زمن العصور الوسطى، إلّا أنه بلغ ذروته في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، خصوصاً مع توسع الاستعمار الأوربي في البلدان العربية والإسلامية.

أما المستشرقون «فهُم العلماء الغربيون من أوروبا وأميركا الذين اهتموا بدراسة الحضارات الشرقية، وخصوصاً الحضارة العربية والإسلامية، وتعلّموا لغاتها، وحققوا مخطوطاتها، وكتبوا عن تاريخها وثقافاتها، وكان البعض موضوعياً مُنصفاً، والأكثر كان مدلِّساً متحاملاً يغيّر الحقائق، ويزيّف الواقع ليصل إلى مآربه وغاياته».

ويقول: «تعددت دوافع المستشرقين عبر حركة الاستشراق المنظمة، (..) فقد عكفوا على البحث عن كنور العرب والمسلمين عبر ملايين المخطوطات التي أنجزها العرب لتشهد على عراقة الحضارة وسمو العلوم والمعارف التي دوّى صداها في مشارق الأرض ومغاربها».

وعن دور المستشرقين في جمع المخطوطات العربية واقتنائها، قال الكاتب: «قام المستشرقون، منذ القرن الثامن عشر الميلادي، بجمع آلاف المخطوطات العربية من المشرق والمغرب، ثم اقتناء المخطوطات أينما وجدوها في الأسواق وعند العامة والخاصة ومن المكتبات، وأينما وصلت أيديهم لها. ونُقلت، في تهجير منظّم إلى مكتبات أوروبا، مثل مكتبتيْ كمبردج وأكسفورد ببريطانيا، ومكتبة برلين بألمانيا، ومكتبة الفاتيكان بإيطاليا، ومكتبة ليدن بهولندا، والمكتبة الوطنية بباريس، وغيرها من مكتبات أوروبا، ويُعد المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي في طليعة مَن شجعوا جمع المخطوطات ونشرها، كما كان في طليعة المستشرقين كذلك الذين دعوا إلى إنشاء كرسي اللغة العربية في الجامعات الأوروبية».


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل. لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم…

لطفية الدليمي
ثقافة وفنون «رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران

محمد أمير ناشر النعم

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.