محمد عيسى المؤدب: «سؤال الهوية» هاجس مركزي في رواياتي

الأديب التونسي تعلم بلاغة التدوين من أهازيج والدته

 محمد عيسى المؤدب
محمد عيسى المؤدب
TT

محمد عيسى المؤدب: «سؤال الهوية» هاجس مركزي في رواياتي

 محمد عيسى المؤدب
محمد عيسى المؤدب

لا تبرح الرواية الأحدث للكاتب التونسي محمد عيسى المؤدب «الجندي المجهول» ولعه بالغوص في مناطق مجهولة من التاريخ بحثاً عن معان تتعلق الوطن والتسامح الإنساني.

وعبر رواياته الخمس السابقة «في المعتقل»، «جهاد ناعم»، «حمّام الذهب»، «حذاء إسباني»، «بلاص دِيسكا»، ينشغل المؤدب بقضية الهوية بعدّها مسألة وجودية تخص حاضر ومستقبل الأوطان، و«ليست ترفاً آيديولوجيا يمارسه بعض المثقفين في أوقات فراغهم؟

هنا حوار معه:

> رغم تنوّع حكايات الشخصيات في روايتك الأخيرة «الجندي المجهول» لكنها تلتقي في سمة واحدة عنوانها العريض الألم والفقد والوحدة في مواجهة مناخات قاسية إنسانيّاً... ألم تتخوّف من زيادة جرعة الحسّ المأساوي في النص؟

- في الحقيقة أتجنّب في رواياتي ما أعدّه «نكداً»، واستدعائي ذوات مُختلفة أو مُتنوّعة نفسياً وثقافيّاً يندرجُ في إطار تنوّع طرق مقاومة الألم بأشكاله المُختلفة. وما تُعالجه الرّواية هو التّناسق أو ما اُسمّيه التّعايش بين مقاومة ذوات شعبيّة مهمّشة ومقاومة بلد، هو تونس. هذا البلد ظلّ يتصدّى للحركات الاستعماريّة منذ القرن السّادس عشر ميلاديّاً: الإسبان، العثمانيّين، الفرنسيّين، والمتطرّفين، فكيف لا تنتصرُ هذه الذّوات في نهاية الأمر؟

من سيقرأ الرّواية فسيعرفُ أنّ حضور الحسّ المأساوي موظّف في سياق البناء العام، أو ما تتطلّبه الحبكة الفنيّة، فالحريّة ليست معطى جاهزاً، وإنّما هي تُفتكّ من فم العبوديّة، وكذلك السّعادة، لا يُمكن أن نتلذّذ بالسّعادة إلّا بعد رحلة مُقاومة للألم.

> تحوّل قبر الجندي المجهول في العمل إلى بطل يُطلّ من شرفة التّاريخ عبر تجارب وأجيال ومشاعر... ما المعنى الذي أردت توصيله من خلال ذلك القبر الذي حار البعض في تأويل رمزيته؟

- تطرحُ الرّواية سؤالاً مركزيّاً: من الجنديّ المجهول الذي تتحدّث عنه الرّواية، الذي يقبعُ قبره في قلب أحد أنهج المدينة العتيقة، ويتبارك به التجّار والسكّان، كما رفضوا إزالته رغم جهلهم بمن يكون؟ شخصيّاً حيّرني هذا القبر عندما كنتُ أمرُّ بسوق «السكّاجين» بتونس العاصمة، لم أعثر على مُدوّنة تاريخيّة تُعرّف به، وتُزيل الغموض حوله. كلّ ما صادفني مجرّد حكايات شفويّة مُتنوّعة لا تُقدّم معلومة أو شخصاً محدّداً، هي أقرب للخرافة وللأسطورة، وفي الرّواية تحوّل إلى بطلٍ فعلاً يُحرّك الأحداث عبر تجارب أجيال على امتداد مئات السّنين.

شخصيّاً أعجبني ما قاله الإعلامي والرّوائي التونسي ماهر عبد الرّحمن عن الجندي المجهول بعد أن قرأ الرّواية: «إنّه الجنديّ الرّمز رغم اختلاف الرّوايات حوله. فمع مسارد السّرد، نكتشف كلّ مرّة شخصيّة جديدة. وفي الأخير، نفهم أنّ ذاك الجندي المجهول، وبغضّ النّظر عمّن يكون حقيقة، ليس سوى ذاك المواطن التّونسيّ الذي يظلّ مجهولاً، لكنّه هو الذي كان ينتقم دائماً للشّرف التّونسي، والتّراب التّونسي من المستعمرين».

> تتّخذ بعض الشخصيّات من الحكي والتّدوين وسيلة لمواجهة الحزن... إلى أي حدّ ترى في الأمر استراتيجيّة ناجعة، وهل تفعل الأمر نفسه في حياتك مؤلّفاً؟

- في ذاكرتي صورة أمّي رحمها الله تُدير الرّحى التّقليديّة لطحن الحبوب وهي تُردّدُ بعض المواويل والأهازيج الشّعبيّة، كنتُ أُتابعها بشغفٍ وأحفظ الكثير ممّا كانت تُردّده، ثمّ عرفتُ أنّها كانت تتخفّفُ من تعبها وأحزانها بذاك الغناء الشّعبي الذي وظّفتُه في العديد من قصصي القصيرة. أنا نفسي وجدتُ مع الكتب، ثمّ مع الكتابة شرفةً، أو شرفاتٍ، لمواجهة الأحزان وتعكّرات الحياة.

لا أدري ماذا كنت سأفعل خارج عالم الكتب، أو خارج عوالم الخيال، أو الحيوات البديلة التي تُسعفنا بالكثير من الحلول. تُقدّم لنا الكثير من الشّخصيّات أيضاً جرعات سعادة حقيقيّة، وفعلاً أعيش هذا مع شخصيّاتٍ من داخل رواياتي، مع نساء، أو مع أبطال خاضوا تجارب ومغامرات، مثل شخصيّة الضّابط الإسباني مانويل قريقوري في روايتي «حذاء إسباني»، فقد هرب من ديكتاتوريّة فرانكو ومن أهوال الحرب الأهليّة الإسبانيّة عام 1939، واستطاع هذا البحّار أن ينتصر على الخوف والموت بالفنّ والكتب وقصائد غارسيا لوركا وكذلك بالحبّ.

> يبدو التاريخ التونسي حاضراً بقوّة في أعمالك ويلقي بظلاله، بشكلٍ أو بآخر، على الحاضر...

- فى رواياتي الستّ اشتغلتُ على مواضيع شائكة وخطيرة، تاريخيّاً وجغرافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً. كتبتُ عن آفات عميقة مُتغوّلة تمزّق نسيج الهويّة التونسيّة لتُكرّس الجهل والتخلّف والعنف والكراهية. هناك كراهية غريبة لمفاهيم الدّولة والمواطنة والحريّة والمرأة وجنوح إلى تعميم التطرّف والعنف. نحن أمام خطر حقيقي، خطر تدمير الهُويّة والمصير، لذلك فإنّ التاريخ حاضر بقوة في أعمالي.

> إلى أيّ حدّ تأثّرت أدبيّاً بنشأتك في بلدة «صاحب الجبل» القريبة من «الهوارية» التي حظيت بأهميّة لافتة في عهد الإمبراطوريّة الرومانيّة، كما أنّها لا تبعد كثيراً عن جزيرة صقليّة الإيطاليّة وتتمتّع بخصوصيّة نادرة من حيث الطبيعة؟

- بالفعل تتمتع المنطقة بخصوصيّة نادرة، فبالإضافة إلى المغاور البونيقيّة وصخورها التي نُقلت عبر البحر لتشييد مدينة قرطاج، هناك البحر والجبل والغابة، هذا الثّلاثي يشكّل ملحمة طبيعيّة نادرة في شمال الوطن القبلي التّونسي. وكنت قد وثّقت الكثير من مواطن السّحر والجمال والأسرار تلك في روايتي «جهاد ناعم» التي صدرت عام 2017... والواقع أنّني تأثّرتُ أدبيّاً أكثر بمدينة «قليبية» القريبة من الهوارية، فهي مدينة ساحرة وعظيمة بتاريخها وثقافتها وطيبة أهلها المتنوّعين، ولعلّي خلّدتُ كلّ ذلك في رواية «حذاء إسباني» التي صدرت عام 2021.

> جاءت بدايتك الواعدة في التّسعينات عبر مجموعتين قصصيّتين هما «عرس النّار» و«أية امرأة أكون؟»، لكنّك توقّفت فجأة عن النّشر لمدة 14سنة... ما السبب؟

- أنا مدين للرّوسيّيْن مكسيم غوركي وأنطوان تشيخوف، فقد قادتني الصّدفة إلى أعمالهما العظيمة بمكتبة كتب قديمة بـ«نهج زرقون» بتونس العاصمة، وانطلاقاً من ذلك شغفتُ بالقصّة القصيرة، وزاد هذا الشّغف أيّام دراستي عند أستاذي الجليل توفيق بكّار بكليّة الآداب، فقد كان يدرّسنا قصص علي الدّوعاجي الذي أعدّه أبا القصّة القصيرة في تونس. وبالفعلِ نشرتُ مجموعتين قصصيّتين، وكانت رغبتي في أن أُواصل الكتابة في هذا الفنّ، لكنّ مُحاولة «تدجين» مجموعتي القصصيّة الثّالثة وعنوانها «هِيلينا» نفّرني من الكتابة والنّشر، وكان من المفروض أن تُنشر عام 2000، لكنّها لم تُنشر. فكيف أكتبُ وأنشرُ في ظروف نفسيّة وسياسيّة خانقة؟

> هل دفعك كل هذا إلى اللّجوء للرّواية فيما بعد؟

- في الواقع لم تكن القصّة القصيرة في تجربتي مجرّد محطّة عبور، الأمر مُرتبطٌ أساساً بتغيّر القناعاتِ وتطوّرها في ظلّ مُتغيّرات العالم، ومُرتبطٌ بمشروع الكتابةِ أيضاً، أعتقدُ أنّ القضايا المُتفجّرة بعد ثورة 14 يناير(كانون الثاني) 2011 في تونس، وبعد ذلك في الكثير من البلدان العربيّة، لا يُمكن أن تستوعبها القصّة القصيرة، لذلك كانت الرّواية ملاذي.

> بعد توالي أعمالك الروائيّة تباعاً وسط احتفاء نقديّ وإعلاميّ... برأيك، ما الهاجس الذي كان المحرّك الأوّل لديك في إنتاج كلّ تلك الأعمال؟

- لعلّ الهاجس الأكبر هو المشروع في حدّ ذاته، وأعني مشروع الكتابة الرّوائيّة الذي طرحتُ من خلاله سؤال الهوية التّالي: من أنا ومن نحن بعد الثّورات العربيّة؟ لقد سعى «المشروع الإخواني» في تونس ومصر وغيرهما من البلدان العربيّة إلى طمس معالم الهويّة وتكريس ثقافة بديلة تقوم على العنف والتطرّف ومحو الشّخصيّة. صدمني الواقع التّونسي والعربي بعد تلك الثّورات وكان لا بدّ من تفجير الأسئلة الحارقة في الكتابة الرّوائيّة.

> تمارس أيضاً النّقد الأدبي إلى جوار الكتابة الرّوائية... ألا تخشى من أن تؤثّر تلك الممارسة سلباً على إبداعك الأدبي؟

- انشغلتُ بالنّقد الأدبي طوال سنوات، وكانت قناعتي ألّا أُطيل في تعايشي معه، لذلك اكتفيتُ بإصدار كتابٍ واحدٍ عنوانه «نصوص منسيّة في الأدب التّونسي الحديث». وبالفعل، علينا أن نختار، بين مُطاردة تطوّر الأطروحات النّقديّة، والكتابة الرّوائيّة، واخترتُ الكتابة بتعميق أسئلتها داخل مشروع روائي يقوم أساساً على فكرة الهوية.

> كيف ترى تجلّيات فن الرّواية على السّاحة التّونسية حاليّاً، بما له وما عليه، وهل نال برأيك الأدب التّونسي المعاصر ما يستحقّه من تقدير واحتفاء... أو أنّه «ضحيّة» ابتعاده الجغرافي عمّا يُسمّى «مراكز الثّقافة المشرقيّة التّقليدية» مثل القاهرة وبيروت؟

- الرّواية التّونسيّة شهدتْ انفجاراً كبيراً بعد ثورة 14 يناير 2011، لم تُسقط الثّورة نظاماً سياسيّاً فقط وإنّما أسقطتْ كذلك «تابوهات» كثيرة ظلّت جدراناً سميكة أمّام الإبداع والفنّ بشكل عام. في الحقيقة، لا أُومن بمفهومِ «الضحيّة» في الأدب، الأدب الجيّد والمُكتمل والرّاقي يصل إلى الجميع. طُرحتْ هذه المسألة في القديم، مع بداية القرن العشرين، لكنّنا اليوم إزاء ثورة اتصالات تُلغي كلّ الحدود والمسافات، والرّواية التّونسيّة خرجت من ضيقها، وصارت تُنشر بدور نشر معروفة، بالقاهرة وبيروت.


مقالات ذات صلة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

ثقافة وفنون «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك،

جنيفر سلاي
ثقافة وفنون خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

مجسّمات كلاسيكية أموية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».