قصص تلعب على وتر الموسيقى

الكاتب المصري مجدي القشاوي في «شروط الوردة»

قصص تلعب على وتر الموسيقى
TT

قصص تلعب على وتر الموسيقى

قصص تلعب على وتر الموسيقى

في مجموعته القصصية «شروط الوردة»، الصادرة عن دار «العين» للنشر بالقاهرة، يضع الكاتب المصري مجدي القشاوي أثقال الحياة في مُعادلات شِعرية تتكئ على التأمل والحسّ الإنساني، تبدأ من العنوان نفسه الذي يستند إلى رمز جمالي شفيف؛ فالوردة، رغم دلالتها الحُرّة، تبدو هنا محكومة بشروط - شروط الحياة نفسها - وهي المفارقة التي تنفتح عليها قصص المجموعة؛ إذ تُجاهد الحياة للإنبات، وسط الثغرات التي تُربك مسارها نحو الاكتمال.

ما بين «الخضوع» كاستراتيجية للبقاء، والتروّي في اختبار العالم، يُعدّد القشاوي أدوات اتصال أبطاله بالعالم؛ فيمنح «الطبيعة الأم» - التي تمثّل الوردة أحد تجلياتها - سطوتها المغيَّبة في عالم مكتظ بالفوضى البشرية. يتجلّى ذلك بدءاً من رسم مشاهد بصرية في افتتاحيات القصص، كما في قصة «وتر مصاب» حيث «سحابة وحيدة، تقف بعيداً ولا تُواجه»، وصولاً إلى منح الطبيعة مرونة لغوية تتجاوز لغة البشر في كثافتها وشفافيتها؛ فتظهر «الشمس» في فضاء المجموعة وكأنها ألف شمس، تُتولّد بشروقها الحكايات، وتلوح كمنتهى وخلاصة وجودية، وليست ابنة مشهد زمني متكرر: «لما تقدم به العمر، واجتاز مساحات، وشاهد الشمس تُشرق وتغيب على زراعات وصحارٍ، أدرك أن الحكايات لا تصل إلى نهاياتها»، لكنها مع ذلك تفرض هيمنة على الحكاية لتظهر كعنصر سردي راسخ، وسط جنون الطرق: «السيارات المُسرعة تدوس بعجلتيها الأماميتين على أشعّة الشمس السائلة»، أو تعيد تشكيل الزمن: «رأيت الشمس على بشرته تُجاهد لإعادة اللون الذي بهت»، هكذا تتعدد استخدامات الشمس في أكثر من قصة، لتصبح علامة متحوّلة، تجمع بين الزمن والذاكرة والبصيرة.

يمنح القشاوي للضعف في المجموعة طاقة مُغايرة؛ إذ يضعه داخل سياقات تأملية تُراهن على قوة المُخيلة، وحُب الحياة؛ فبطل إحدى القصص الغارق في مسؤولياته العائلية يعبر الطريق للمستشفى بخفّة، ويشعر للحظة أنه «راقص»؛ يرسم بعينيه على الأسفلت أوتاراً، يلّف وكأنه في دائرة مُتسعة، فيلحق به كلبان يصاحبان خطواته الراقصة، فنبدو وكأننا أمام عرض مسرحي مُصغّر تكتنفه المفارقة؛ إذ يفتتح البطل بهذا المشهد فصلاً طويلاً من البؤس الذي سيلقاه داخل المستشفى، بما يضيء على أحد ملامح أبطال المجموعة الذين يستقبلون الأقدار بطواعية، ورضا من اختار أن يرى الحياة من نوافذها الصغيرة.

أماكن سحرية

الحياة «الممكنة» أحد اختيارات أبطال المجموعة، مُتسلحين بطاقات هائلة من الخيال؛ فبطل قصة «إنبات كثيف» يواجه الانتظار الطويل بأن يرسم شجرة ويجلس إلى ظلها، وبطل قصة «الشجر المُغنّي» يقرر بعد أن بلغ سن المعاش أن يزرع أمام بيته أربعاً من أشجار «السرح» التي طالما حاوطته خلال سنوات خدمته في منطقة سانت كاترين بسيناء، فيقرر أن يقوم بنقل أشجار ضخمة منها في موكب إلى قريته الصغيرة، ليظلّ لسنوات حتى رحيله يستمع لغنائها الساحر، ويشاركه أهل القرية النوم على وقع وشيشها الساحر، فتبدو الطبيعة هنا امتداداً للذات المنزوعة من أماكنها الأليفة، وللزمن الممسوس بالوحدة.

كما يبدو الزمن الذي يُقاربه رُواة القصص كأنه مبعوث من آخره؛ إنه زمن الحكمة المتروكة على حواف الحكايات، أشبه بأصداء وصايا قديمة تُستعاد في لحظات الانكسار؛ ففي قصة «ينسحبون من العيون» يستسلم البطل لمنطق الأحلام وتأويلاتها. إنه يؤمن بحكايات الجدات، ويتعثر وهو باتجاه البحر في صديق مُتخيّل يلقّنه الوصايا: «سِر نحو مساحات لا تميّز فيها صوتاً من صوت ولا سعالاً من سعال ولا تنهيدة من تنهيدة، ولو خرج الأمر عن سيطرتك سُدّ بيديك أذنيك - تحديداً - عن بكاء الأطفال. اسلك طرقاً مختلفة لمشاويرك، ولا تدع الفرصة لذات الوجوه أن تقابلك على سلالم سكنك وصباحاتك... حاذر من الاندماج مع بطل أحببته في فيلم... قُم في المنتصف واصنع أصابع البطاطس... لا تُربّ كلباً جميلاً ولا قطة رقيقة، مرّر أصابعك على شعرها بالشارع، وامنحها من طعامك... لا تحفظ نداءات الباعة الذين يمرون أسفل شباكك... لا تزرع أزهاراً ولا نباتات عطرية... الطائر جميل جداً في سمائه، وأنت جميل جداً في أرضك».

بهذا المنطق تبدو النجاة في التخلي، والتحرر من التعلّق بالبشر والحجر، عندها فقط «سيقل عدد من ينسحبون من عينيك»، كما يقول الصديق المُتخيّل الذي لا يلبث أن ينسحب هو من الحكاية، ليترك صاحبه في اشتياق لظهوره من جديد بحكمه الهامسة التي تُبدد لديه غيوم الوعي، وعتمة دواخله.

«غُصن ووردة»

يستثمر الكاتب طاقات الفنون البصرية والموسيقية لخلق مقاربات مع العالم النفسي لأبطاله؛ ففي قصة «غُصن ووردة» يصف البطل فتاة بأنها ترتدي الأسود، وعيناها سوداوان، و«وجهها مضيء بضوء رمبرانتي، اقتات المرض كل عتمة وجهها وروحها، وترك نوراً رائقاً»، ليخلق آصرة بين السرد القصصي والخبرة الجمالية المستندة لتقنية التلوين في أعمال الفنان الهولندي الأشهر رمبرانت التي يغلب عليها توظيف النور من قلب لوحاته لخلق تأثيرات درامية بالضوء.

وفي القصة نفسها يمضي في لعبة التداخل بين الفنون؛ فحين يتورط البطل في الإعجاب بالفتاة، تباغته موسيقى لسيد درويش من أغنية «أنا عشقت»، عندها «يرى الموسيقى، ويميّز لها عدة ألوان»، في الوقت نفسه تنفكّ الحواس عن حدودها، لتدخل الكلمة، واللحن، واللون، في شبكة إدراكية واحدة، تمنح التجربة نبضاً شِعرياً.

هذه الكثافة الحسيّة تتسلل أيضاً إلى اللغة التي تكتسب شحنة عاطفية ملموسة؛ فبطل إحدى القصص يصف رواية يقرأها بأنها «مثل رائحة ثمرة في غابة»، وفي قصة أخرى تصبح الكلمات نفسها كيانات حائرة، مفقودة في بحر، تحتاج إلى صبر طويل حتى تُفرز حمولتها الشعورية، وكأنها صيد نادر: «يصطاد الحكايات واحدة واحدة، مفضلاً الطازجة منها، الزمن سمكة طازجة، رائحته ولونه يكفيانها».

هكذا لا يُقدّم القشاوي الحكاية كحكاية فقط، بل كعالمٍ حسيّ ملموس، يتداخل فيه الزمن بالطعم والرائحة، وتتجاور اللغة مع الضوء، والموسيقى مع ظلال الأشجار.


مقالات ذات صلة

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي
ثقافة وفنون الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة…

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون «البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع.

ندى حطيط

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت إدارة الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) هيئة البحرين للثقافة والفنون في المنامة، عن قائمتها القصيرة في الدورة التاسعة عشرة. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


رحيل ثريا قابل شاعرة «الأوزان الباكية»

ثريا قابل (1940 - 2026)
ثريا قابل (1940 - 2026)
TT

رحيل ثريا قابل شاعرة «الأوزان الباكية»

ثريا قابل (1940 - 2026)
ثريا قابل (1940 - 2026)

فقدت الساحة الثقافية السعودية، الأربعاء، الشاعرة والكاتبة والإعلامية ثريا قابل، التي كانت أحد أهمّ رواد الحركة الأدبية النسائية في المملكة، وكانت أول شاعرة سعودية تصدر ديواناً مطبوعاً باسمها حمل عنوان «الأوزان الباكية»، وصدر في عام 1963، حيث احتفى به الأديب السعودي الراحل محمد حسن عواد، وأسبغ على الشاعرة صفات من بينها «خنساء القرن العشرين».

وأحدث ديوانها «الأوزان الباكية» جدلاً واسعاً في وقته، ليس فقط بسبب حمله اسماً نسائياً صريحاً، ولكن لأن الشاعر محمد حسن عواد بالغ في وصفه، ومدح شاعريتها حداً جعله يقارب بين موهبة ثريا قابل وأمير الشعراء أحمد شوقي.

اشتهرت ثريا قابل بشعرها الشعبي، والغنائي على وجه الخصوص، وغنى كلماتها عمالقة الفن السعودي أمثال: فوزي محسون، وطلال مداح، ومحمد عبده، وعبادي الجوهر، كما غنت لها الفنانة عتاب «جاني الأسمر جاني» والتي لقيت شهرة وصدى واسعاً.

ولدت ثريا قابل في عام 1940، في «حارة المظلوم» في قلب جدة القديمة، وفي سنّ مبكرة فقدت والدها، فتولت عمتها (عديلة قابل) تربيتها ورعايتها، وأكملت تعليمها حتى تحصلت على شهادة الكلية الأهلية من بيروت.

وفور تخرجها في الكلية، عملت في الصحافة المحلية، كصحيفة «عكاظ» و«الرياض»، وكتبت في العديد من الزوايا في الصحف المحلية واللبنانية، مثل: «البلاد» السعودية، و«الأنوار» اللبنانية، كما أصبحت رئيسة تحرير لمجلة «زينة» لمدة عام.

وفي حديث لها مع «الشرق الأوسط» 31 أغسطس (آب) 2020 قالت ثريا قابل إن الدافع الأول لدخولها معترك الصحافة هو «الدفاع عن حقوق المرأة السعودية، وإيصال مطالبها»، موضحة أن كل الممانعات التي واجهتها كانت من أشخاص خارج المناصب الرسمية، وكانوا يلقبونها بألقاب غير جيدة إلى درجة الطعن في شخصها.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «بدأتُ الكتابة مع إشرافي على تحرير الصفحة النسائية في جريدة (البلاد) تحت عنوان (النصف الحلو) بطلب من رئيس تحريرها حسن قزاز، ثم انتقلت إلى صحيفة (عكاظ)، وكتبت مقالات في صحف (قريش) المكية، و(الأنوار) اللبنانية في حقبة الستينات، وغيرها، وقمت بتحرير زاوية أطلقت عليها اسم (حواء كما يريدها آدم)، ومن ثم تأسيس مجلة (زينة) وقيامي برئاسة تحريرها».

كما شكَّلت ثريا قابل ثنائياً مع المطرب الراحل فوزي محسون، وتقول لـ«الشرق الأوسط» عن هذه التجربة: «فوزي محسون، واحد من أهم الفنانين في تاريخ السعودية الفني، وقد ترك إرثاً فنياً كبيراً»، وتضيف أنهما أنتجا كثيراً من الأغنيات التي أضافت للفن، منها: «عهد الهوى»، و«من بعد مزح ولعب» و«لا لا وربي»، التي غناها محمد عبده، و«جاني الأسمر» لعتاب.


القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي
TT

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي

منذ مطلع يناير (كانون الثاني) 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة. الفكرة بسيطة في ظاهرها، قراءة الرواية على امتداد عام كامل، فصل تقريباً في اليوم، لكنها عميقة في دلالتها. ليست تحدياً ثقافياً ولا نشاطاً ترفيهياً، بل إعلان عن نفور من استهلاك النصوص بدل معاشرتها. على منصات مثل «Good reads» ظهر هذا التلاقي بوضوح؛ قرّاء من أعمار وخلفيات مختلفة، لا يجمعهم ذوق أدبي واحد ولا مشروع نقدي، بل إحساس مشترك بأن روايةً بهذا الحجم لا ينبغي اقتحامها، وسلقها كسلق البيض.

اللافت في هذا النشاط الاجتماعي أنه لا يقوم على فكرة الإنجاز. لا أحد يتباهى بأنه أنهى الرواية، ولا أحد يُحاسَب إن تأخر. القراءة هنا لا تُقاس بعدد الصفحات بل بمدى الحضور. النقاشات التي ترافقها ليست تحليلات أكاديمية ولا محاولات لفهم ما أراد تولستوي أن يقول، بل تسجيل صادق لما تفعله الشخصيات والأحداث بالقارئ. الملل يُذكر كما تُذكر الدهشة، والارتباك لا يُخفى، بل يُعترف به بوصفه جزءاً من التجربة. بهذا المعنى تتحول القراءة إلى فعل إنساني مشترك، لا إلى استعراض ثقافي. النص لا يُستهلك، بل يُحمَل مع الآخرين، وهذا وحده يمنحه حياة جديدة.

القراءة البطيئة تعيد الاعتبار لفكرة الزمان في علاقتنا بالكتب. القارئ لا ينعزل ساعات طويلة ليغرق في الرواية، بل يقرأ جزءاً صغيراً ويعود إلى حياته، ثم يعود في اليوم التالي، كأن الرواية تدخل في النسيج اليومي، لا باعتبارها حدثاً استثنائياً بل بوصفها رفيقاً. هذا الامتداد الزماني يخلق علاقة مختلفة بالنص، علاقة أقل انفعالاً وأكثر رسوخاً. الشخصيات لا تُنسى بسرعة، لأنها ستعيش مع القارئ سنةً كاملةً، تتغير صورته عنها كما تتغير صورة الناس في الحياة الواقعية. هنا تتجلى قيمة هذا النشاط الاجتماعي، ليس لأنه أعاد قراءة عمل كلاسيكي، بل لأنه أعاد تعريف معنى القراءة نفسها في زمن فقد الصبر على العمق.

لكن هذا التجمع لا يمكن فهمه بمعزل عن راهنية «الحرب والسلام». الرواية تعود اليوم لأنها تمسّ جرحاً لم يلتئم. تولستوي لا يكتب عن حرب بعينها، بل عن بنية الحرب بوصفها حالةً إنسانيةً تتكرر بأشكال مختلفة. ما يفعله في الرواية هو نزع الهالة عن الحرب، وعن خطابها، وعن أبطالها. لا نجد عنده تمجيداً للمعارك ولا احتفاءً بالانتصارات، بل ثمة تفكيك صبور للوهم الذي يجعل البشر يعتقدون أن العنف يمكن أن يكون عقلانياً أو ضرورياً أو نبيلاً.

في عالمنا المعاصر، حيث تُقدَّم الحروب مرة أخرى بوصفها حتميات، وحيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية، تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى. هو يصرّ على أن التاريخ لا يُدار من أعلى، ولا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل يتشكل من ملايين التفاصيل الصغيرة، من قرارات فردية، من خوف، من تردد، من سوء فهم. هذا التفكيك لوهم السيطرة هو ما يجعل قراءة الرواية مؤلمة، لأنها تحرمنا من العزاء السهل الذي توفره السرديات الكبرى.

من اللافت للنظر أن هذه الراهنية لم تبقَ حبيسة المجال الأدبي أو الأخلاقي، بل امتدت حتى إلى التفكير الاستراتيجي نفسه. ففي كتاب «القيادة العليا»، وهو من المراجع الأساسية في الاستراتيجيا الحديثة، يناقش إليوت كوهين، تولستوي، ضمن نقاشه لفكرة القيادة في زمن الحرب، جنباً إلى جنب مع شخصيات مثل ونستون تشرشل وأبراهام لنكولن. إدراج تولستوي هنا ليس مجاملة أدبية، بل اعتراف بأن نقده لأساطير الحرب ما زال حاضراً في صميم التفكير المعاصر. وبهذا تغدو «الحرب والسلام» نصاً فكرياً يتحدى التصورات الكلاسيكية عن السلطة والقرار والمسؤولية، لا رواية أخلاقية فحسب.

في عالمنا المعاصر حيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى

أما السلام، فلا يقدّمه تولستوي بوصفه حالة مستقرة يمكن الوصول إليها بقرار سياسي أو نهاية معركة. السلام عنده هش، داخلي، ومشروط بإعادة بناء العلاقة مع الذات ومع الآخرين. الشخصيات التي تنجو من الحرب لا تعود كما كانت، بل تحمل أثرها في داخلها، وتظل تبحث عن معنى لحياتها بعد أن انكشفت لها هشاشة كل المبررات. بهذا المعنى تصبح الرواية عن ما بعد الحرب بقدر ما هي عن الحرب نفسها، عن الفراغ الأخلاقي الذي يتركه العنف، وعن صعوبة العيش بعد سقوط الأوهام.

من هنا نفهم لماذا وجدت القراءة البطيئة صداها الآن. ليست مجرد مصادفة زمنية، بل تعبير عن حاجة جماعية إلى نص لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يسمح بالتفكير الطويل. القارئ الذي يشارك في هذا التجمع لا يبحث عن موقف سياسي ولا عن رسالة أخلاقية مباشرة، بل عن مساحة يتعلّم فيها كيف يحتمل التعقيد، وكيف يعيش السؤال دون استعجال الخاتمة. هذا ما يمنح النشاط الاجتماعي قيمةً فلسفيةً، لأنه يدرّب على الصبر، وعلى الإصغاء، وعلى قبول أن الفهم لا يأتي دفعة واحدة.

في هذا التلاقي بين تجمع القرّاء وراهنية تولستوي، تستعيد الرواية دورها الأعمق. ليست وثيقة من الماضي ولا نصاً يُعاد تدويره، بل تجربة تُعاش في الحاضر. القراءة البطيئة ليست طريقة لقراءة رواية طويلة فحسب، بل موقف من العالم، ومن الزمان، ومن الوهم القائل إن كل شيء يمكن اختصاره. وربما في هذا البطء، وفي هذا الاجتماع الصامت حول كتاب واحد، يكمن شكل هادئ من المقاومة، مقاومة لسطحية العصر، ودفاع عن حق الإنسان في أن يفكّر بعمق، ومع الآخرين، في عالم لا يكفّ عن دفعه إلى الاستهلاك والنسيان السريع.

* كاتب سعودي