عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

الشاعر العماني يلوذ بالطفولة هرباً من فظاعة الواقع الإنساني

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها
TT

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

عوض اللويهي: بعض الشعراء العرب حازوا شهرة لا يستحقونها

رغم أنه ليس غزير الإنتاج، ولا يتكالب على الأضواء، فإن الشاعر عوض اللويهي نجح في وضع بصمة قوية على خريطة الشِّعر المعاصر في سلطنة عمان.

صدر ديوانه الأول «كائنات الظهيرة» في 2006 ليعلن عن ملامح موهبة مختلفة تتميز بخفوت النبرة، ثم جاءت أعماله اللاحقة «بصيرة وحصى»، و«العتمة تفر من ظلالها»، و«المياه تخون البرك» لتكشف عن اشتباك مرهف مع العالم والطبيعة، مع توظيف بارع لمفردات البيئة المحلية.

هنا... حوار معه حول تجربته وهموم الكتابة، واستحضاره اللافت لمناخات الطفولة في شعره.

* تقول في قصيدتك «حركة أخيرة»: «متى تهدئين أيتها العاصفة؟ / متى تهدئين لأدرك أن الآدميّ في داخلي / قد عادت إليه سكينةُ النبع»... هل قدر الشعراء البحث دون جدوى عن الطمأنينة؟

- يبدو الأمر كذلك، ومن المفارقات أن مَن يتأمل الكتابة الشِّعرية بشكل أكثر عمقاً يجد أنها أتون ملتهب من الأسئلة والجمر والفخاخ. فالشِّعر ليس مبعث طمأنينة وراحة، بل مصهر متواصل. هذا التصور عن الشِّعر نجده بالطبع عند مَن ينظر إليه على أنّه وسيط جمالي لطرح وعي آخر مغاير للعالم الذي يعيش فيه وليس عالماً معطراً ومفروشاً بالورد والحرير.

* في قصيدة أخرى تحمل عنوان «يبرُد الشاي» تقول: «لا تلتحفيني حين يبرُدُ شايُكِ على مقهى الرصيف / أنا الذي لا يجرؤ على العبور إلى داخل مخاوفه / فماذا سأفعل حين تزيحين الزبَدَ عن رُكبةِ البحر؟»... أيهما يبدو مخيفاً أكثر بالنسبة لك: المجهول المتواري داخل الذات أم المجهول المتواري في الطبيعة؟

- المجهول فعلاً طبقات كما وصفته، ليس بالضرورة أن يكون متوارياً فقط، بل إنه مراوغ ومخادع فما يبدو لنا أننا نعرفه الآن أو أننا نستطيع تكوين صورة لمعرفتنا به، يتحول ويتبدل لاحقاً ليصبح وهماً يتفلت سريعاً من بين أصابعنا. هذا الأمر يجبر الشاعر على اليقظة والتبصر والمراجعة المستمرة وعدم الاطمئنان إلى الراحة التي تمنحنا إياها السكينة التي تشتهيها النفس في خضم المسيرة الشِّعرية.

* لماذا يظل الحنين إلى الطفولة بقوة في قصائدك كما في قولك: «صغاراً كنا ونحن نبحث عن نافذة لم تطمثها الشمس / موسعين رئة النار بالعراجين القديمة»، هل هي صرخة احتجاج ضد فظاظة العالم بحثا عن زمن البراءة؟

- يوجد في الطفولة ما لا يوجد في غيرها من المراحل العمرية، في تلك السنوات الأولى لا توجد الحدود ولا القيود وليس هناك تكرار أو رتابة، وكل مرة هناك اكتشاف واندهاش وتفاعل مرِح مع العالم. هذه وغيرها من مميزات الطفولة نفقدها مع تقدمنا في العمر وتدجين فكرنا في أطر وبراويز مختلفة ومتنوعة مما يفقدنا الثراء والتنوع وحرية الحركة والتنقل والعبور الخفيف من الصورة إلى الظل.

الاستئناس بالطفولة في الشِّعر هو استحضار لتلك الروح الحرة التي لم تُقيد، الروح الوثابة التي تستكشف العالم دون أن يكون هناك وعي قبلي يؤطر ويكبح رغبتنا في تأسيس وعي آخر، وخلق عالم موازٍ متخفف من ضغوط العالم الحقيقي.

* يُشكِّل الماء وتجلياته من ينابيع وعيون وأنهار «ثيمة» رئيسية في عالمك الشِّعري... ما السر وراء ذلك؟

- نحن أبناء القرى العمانية يتوزع الماء في تكويننا إلى شقين رئيسيين، هما الفلج والوادي، فالفلج هو الماء الجاري في القنوات، والوادي هو الذي يجري فيها السيل المتكون من مياه الأمطار التي تأتي من رؤوس الجبال. بالطبع هناك آبار في القرى ولكن وجود الأفلاج وجريان الأودية بعد نزول المطر يُشكِّلان مظهرَين من مظاهر الاحتفال والغبطة، والماء في بلد يعاني من قسوة الحرارة.

الفلج هو الأكثر قرباً إلى النفس لكون الفلج هو مصدر الماء على مدار اليوم، فمنه نستحم ونغسل ملابسنا ومنه نسقي الحيوانات، وأيضاً منه يغسَّل الأموات، وهو مصدر لسقي المزروعات. سابقاً لم تكن البيوت القديمة تضم في داخلها حمامات ومسابح بسبب عدم وجود مياه تصل عبر الأنابيب، ولغياب الكهرباء، فالفلج هو المكان الذي يلبي الحاجات اليومية للجميع، لكن للفلج معنى آخر في حياة الطفل القروي فهو المصدر الأول للعلب والمتعة، فالسواقي، والظلال الكثيفة للأشجار، والبساتين المزروعة بالنخيل وغيره من المحاصيل، والدروب الضيقة هي التي صنعت جزءاً كبيراً من ذاكرة الطفولة في وعينا.

* صدر لك في 2018 ديوانان هما «العتمة تفر من ظلالها»، و«حصى وبصيرة» دفعة واحدة، ما جعل كثيرين يتوقعون انطلاقة كبرى منك على مستوى الإنتاج، لكنك منذ ذلك الحين توقفت عن إطلاق إصدارات جديدة... ما سر صمتك طوال 7 سنوات؟

- هناك نصوص كثيرة جداً تراكمت خلال السنوات الماضية سواء السنوات التي سبقت صدور الديوانين أو التي بعدها. والديوان الشِّعري بالنسبة لي ليس أن أكتب مجموعةً من النصوص ثم تُجمع كيفما اتفق وتخرج بين غلافين. ربما حدث هذا في المجموعة الشِّعرية الأولى «كائنات الظهيرة» التي صدرت في 2006، وذلك فقط لكونها الإصدار الأول.

هناك فرق بين الكتابة التي نحتاج إلى ممارستها من حين إلى آخر، وهي أشبه بالتمارين التي تجعلنا على صلة دائمة ومستمرة حتى لا نبتعد عن الممارسة الإبداعية، وهناك كتابة تأتي ثمرةً ونتاجاً نهائياً لمشروع شعري وجمالي متأسس على رؤية فنية وطرح شعري، وهذا النتاج بطبيعة الحال أيضاً يغامر ويتجاوز ما أُنجز سابقاً.

أزعم أنني في «المياه تخون البرك»، و«العتمة تفر من ظلالها»، و«بصيرة وحصى» قد اشتغلت على مشاريع وقراءه وتأمل ومراجعة وتقديم وعي ورؤى فنية جديدة، هذا طبعاً ما أظنه وأعتقد فيما تم في أمر تلك المجموعات.

الخلاصة أنني لا ألهث وراء النشر، ولا يجب أن يكون معيار الحكم على تجربة الشاعر بكم الأعمال التي أنتجها، وإنما بالكيف والقيمة الفنية، كما أن كل ما يكتبه الشاعر لا يجب أن يُنشر بالضرورة.

* لكن التأخر الشديد في النشر والابتعاد عن الساحة الإبداعية لفترة طويلة للغاية يطرح أيضاً علامات استفهام؟

- بعد 2018 كانت هناك فكرة العمل على مشروع شعري جديد، وبدأت بكتابة نصوص تحمل مناخات هذا المشروع. خلال تلك الفترة كان والدي، رحمه الله، تحت تأثير الجلطة التي أُصيب بها في 2015. كان الأمر مزعجاً جداً لي وأنا أرى جسد أبي يذوي يوماً بعد آخر رغم محاولاتنا لعلاجه في عمان وخارجها... كسرني رحيله من الداخل، لم يكن أبي يقرأ ويكتب ولكنني كنت أشعر بالسعادة بوجودنا في العالم نفسه، حالة اليتم التي انتقلتُ إليها أفقدتني لفترة رغبتي واهتمامي بالشِّعر، ولكنني تجاوزتها الآن، وهناك عودة واستئناف لمشروع شعري جديد.

* بشكل عام، ألا يمكن الجمع بين غزارة الإنتاج وجماليات القصيدة في آن واحد؟

- النتاج الشِّعري لأي شاعر لا يمكن بطبيعة الحال أن يُقاس بالكم، قصائد الشاعر هي علامات انتقاله من وعي جمالي إلى آخر وإن كانت تعد بعدد الأصابع. الشِّعر إن لم يحمل روح التجدد والنماء والتطور فلا فائدة للإنسان أن يضيع وقته به. الكتابة الشِّعرية في نظري لا تقتصر على قراءة الشِّعر، بل القراءة الموسوعية وهضمها وتقطير المعرفة المتأتية من ذلك، وصياغة ذلك النتاج بروح مستضيئة بشعلة الشِّعر الخالدة.

* كيف ترى المشهد الشِّعري في سلطنة عمان... وهل أنجز نجاحات مماثلة لما حققته الرواية؟

- التجربة الشِّعرية العمانية الحديثة متعددة ومتنوعة المشارب والمرجعيات الجمالية والشِّعرية، هناك أسماء لها حضور كبير على المستويين العربي والعالمي، بل إنه من غير الممكن اليوم دراسة التجربة الحداثية في الجزيرة العربية مثلاً دون أن نلتفت إلى تجارب شعرية عمانية لها بصمتها، ليس فقط في سلطنة عمان، بل على مستويات أبعد من حدود العالم العربي.

ما يمكن ملاحظته على المشهد الشِّعري العماني هو ظهور أصوات شعرية من الجنسين، ثم لا تلبث أن تختفي، كذلك يلاحظ المتابع وجود الأشكال الفنية (القصيدة الكلاسيكية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر) وهناك تجارب شعرية عمانية تتنقل من قالب إلى آخر أو تكتب في القوالب الثلاثة، وهناك تجارب هجرت القصيدة الكلاسيكية والتفعيلة لتستقر وتستمر في كتابة قصيدة النثر.

أما ظاهرة بروز الرواية، فهي ظاهرة عالمية وليست عربية أو عمانية، ما فعلته الرواية العمانية هو أنها قدَّمت الوجه الأدبي العماني في جانبه السردي مثلما قدمت التجارب الشِّعرية العمانية الحداثية سابقاً الوجه الأدبي والحضاري لعمان.

* ما مواصفات القصيدة التي تستهويك على الساحة العربية حالياً... ومَن شعراؤك المفضلون؟

- أصدقك القول إنني لا أحب أن أضع مواصفات مسبقة، فعلاقتي مع النصوص، أدبية كانت أو غير أدبية، مبنية على التعالق والاشتباك مع النص فهماً واستقصاءً وغوصاً وتماساً مع المكونات العميقة للنص المقروء. قد نجد أن الشهرة قد رفعت على سبيل المثال فلاناً من الشعراء ولكن نصوصه قد لا تعكس أو لا تتوازى مع حجم الزخم المثار حوله، خصوصاً أن بعض الشعراء العرب حازوا شهرةً لا يستحقونها. وفي هذه الحالة عليّ أن أقرأ نصوص هذا الشاعر أو ذاك بصورة فاحصة وحذرة مخافة الانسياق وراء ما يحبه الجمهور.

من الصعب القول إن هذا هو شاعري المفضل على الإطلاق، المعرفة الشِّعرية متغيرة مع تقدم الوعي واستمرار الإلمام والوقوف على تجارب شعرية من مختلف العصور والتجارب والثقافات.

* أخيراً، هل استرد الشِّعر سيفه ودرعه مرة أخرى من توغل الرواية في الثقافة العربية؟

- يُشكِّل الشِّعر القاعدة الصلبة في البنيان الجمالي والفني للوعي البشري. الرواية وسيط آخر من عائلة السرد جاء لينتقم من الشِّعر الذي تربع على عرش الجمال لقرون طويلة. وهذا الصراع بين الأجناس الأدبية ليس بسبب الأجناس ذاتها، ولكن بسبب المزاج البشري والتفضيلات الجمالية التي تتغير من زمن إلى آخر. ومع ذلك الشِّعر فن باقٍ ولا تستغني عنه شعوب وثقافات العالم أجمع حتى تلك التي لا تعرف الكتابة.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.