ألفا فعالية ثقافية وأدبية يشهدها «أبوظبي الدولي للكتاب» 2025

«ثقافة الكاريبي» ضيف شرف... واحتفاء بـ«ابن سينا» وكتاب «ألف ليلة وليلة»

يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)
يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)
TT

ألفا فعالية ثقافية وأدبية يشهدها «أبوظبي الدولي للكتاب» 2025

يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)
يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)

تحت شعار «مجتمع المعرفة... معرفة المجتمع»، انطلقت السبت، فعاليات الدورة الـ34 من «معرض أبوظبي الدولي للكتاب»، أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي، وتستمر الفعاليات حتى 5 مايو (أيار) 2025، ويُنظِّم المعرض «مركز أبوظبي للغة العربية»، التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي.

مشاركون وفعاليات

وقال سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لـ«مركز أبوظبي للغة العربية» ومدير «معرض أبوظبي الدولي للكتاب»: «إن المعرض هذا العام يعكس تنوعاً استثنائياً؛ إذ يضم أكثر من ألفَي فعالية متنوعة، إلى جانب البرامج والأنشطة التي تقدمها المؤسسات والجهات المشارِكة»، مشيراً إلى أن الدورة الـ34 تشهد مشارَكة أكثر من 1400 عارض من 96 دولة، مع انضمام أكثر من 20 دولة جديدة.

وتحتفي الدورة الحالية من المعرض بالعالِم الموسوعي ابن سينا، شخصيةً محوريةً، تزامناً مع مرور ألف عام على إصدار كتابه «القانون في الطب»، الذي يُعَدُّ أحد أبرز الإسهامات العلمية العربية التي أثَّرت في تطوُّر الطب عالمياً. كما يحتفي المعرض بكتاب «ألف ليلة وليلة» بوصفه «كتاب العالم»، تقديراً لتأثيره العابر للثقافات والأزمان، وقدرته على إلهام الأدباء والفنانين حول العالم.

وأكد الطنيجي أن «المعرض يولي اهتماماً خاصاً بالناشر الإماراتي عبر تسليط الضوء على تجربته في مجال صناعة النشر، إلى جانب تعزيز البرامج المشتركة للنشر والترجمة بين الناشرين العرب والعالميين»، موضحاً أن هذه المبادرات توفِّر فرصًة حقيقيةً للناشر الإماراتي لعرض محتواه وطموحاته، وتسهم في إبراز تقدم صناعة النشر في دولة الإمارات وتوسيع آفاق التعاون مع الناشرين العالميين.

وقال: «إن المعرض يوفر أيضاً مساحةً كبيرةً للكتاب الإلكتروني والتقني؛ ما يتيح للجمهور الاطلاع على أحدث تطورات تقنيات صناعة النشر العالمية»، مشيراً إلى «ركن الفنون» الذي يعدُّ من الأركان المميزة، ويعرض تجارب إبداعية في مجال صناعة الكتاب.

وأردف أن «مجلس الشعر» يُقدِّم هذا العام تجربةً متميزةً تشمل الشعر الشعبي والفصيح، بالإضافة إلى الدراسات والتجارب الأدبية التي تسلِّط الضوء على الحركة الشعرية المحلية والعربية.

تحل ثقافة دول الكاريبي ضيف شرف على الدورة الـ34 لـ«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» (معرض أبوظبي الدولي للكتاب)

ثقافة الكاريبي

وتحلُّ «ثقافة الكاريبي» (ضيف شرف) على دورة هذا العام، مما يؤدي إلى تعزيز الشراكات الثقافية العالمية، وتقديم تجارب معرفية غنية تُسهم في تعميق التبادل المعرفي بين الشعوب.

ويسلط المعرض الضوء على «ثقافة الكاريبي»، التي تمثل فسيفساء ثقافية تجمع بين التأثيرات الأفريقية، والأوروبية، والآسيوية، لتُشكِّل هويةً أدبيةً وإنسانيةً فريدةً من الشعر والموسيقى إلى الرواية والفكر. ويفتح المعرض نافذةً على عوالم الكاريبي الملهمة، ويتيح فرصةً للتقاطع الثقافي، واكتشاف صوت أدبي ممتدّ من الجزر إلى العالم.

وقال الدكتور علي بن تميم، رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية»: «تمتلك دول الكاريبي واحدة من أكثر الثقافات تنوعاً في العالم؛ إذ تَشكَّلت عبر قرون من التفاعل بين باقة مختلفة من الروافد، ما جعلها حالةً ثقافيةً متفرّدةً وذات خصوصية لافتة نسعد أن تكون حاضرةً في معرض أبوظبي الدولي للكتاب».

وأضاف: «تتميز الثقافة الكاريبية بقدرتها على التكيُّف والابتكار؛ إذ حافظت على خصوصيتها على الرغم من التأثيرات الخارجية، ونجحت في تقديم تراثها بقوالب حديثة وعالمية؛ ما ضمن استمرارها وحضورها، وقد امتازت إسهاماتها الأدبية بعناوين عريضة تتماس مع أبرز القضايا الإنسانية، وتُشكِّل استضافتها في المعرض فرصةً مواتيةً لفتح آفاق التعاون في مجال الصناعات الإبداعية، ومد جسور التواصل بين اللغة العربية والثقافات المختلفة، بما يعكس قيم التواصل مع الآخر، والتآخي بين الشعوب».

ومن الفعاليات التي تحتفي بضيف الشرف، جلسة ضمن البرنامج الثقافي تستضيف الكاتب الجامايكي كوامي ماك فيرسون، يتناول فيها الأدب الكاريبي، وأهم ملامحه، وتأثيره على الأدب العالمي، بينما خَصَّص برنامج «مجلس ليالي الشعر» جلسةً لقراءة مختارات من قصائد أهم شعراء الكاريبي، إلى جانب فعاليات تسلط الضوء على أدب المنطقة وفنونها وموسيقاها بمشارَكة أدباء ومؤلفين وناشرين وسفراء من دول الكاريبي لإثراء الحوار، كما ستتم الإضاءة على المطبخ الكاريبي الغني بالنكهات الأفريقية والهندية والأوروبية.

تشارك السعودية في «معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2025» بجناح تشرف عليه هيئة الأدب والنشر والترجمة (الشرق الأوسط)

الجناح السعودي

وتشارِك السعودية في «معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2025»، بجناح تشرف عليه هيئة الأدب والنشر والترجمة، بمشارَكة عدد من الجهات، تضم دارة الملك عبد العزيز، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة، وجامعة الأميرة نورة، ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، إضافة إلى جمعية النشر.

كما يضم الجناح السعودي «كرسي اليونيسكو لترجمة الثقافات»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

آفاق صناعة النشر

ويركز البرنامج المهني في المعرض على دعم العاملين في قطاع النشر وصناعة المحتوى، من خلال ورش عمل متخصصة وجلسات نقاشية تجمع خبراء ومهنيين لمشارَكة رؤاهم حول أحدث الاتجاهات في النشر، والتوزيع، والتسويق الإبداعي.

ويتضمَّن البرنامج باقةً متنوعةً من الأنشطة التدريبية، منها: ورش الكتابة، والترجمة، والبودكاست، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والنشر الرقمي، وتسويق الكتب، وصناعة السيناريو، إلى جانب ورش تعليمية تطبيقية تمنح المشاركين أدوات احترافية قابلة للتطبيق الفوري في أعمالهم. كما يتضمَّن جلسات حوارية تفاعلية مع خبراء صناعة النشر والمحتوى من مختلف دول العالم، ولقاءات مهنية لتبادل حقوق نشر، تهدف إلى دعم حركة الترجمة، والتبادل المعرفي عبر الحدود.

ويتفرَّد البرنامج في هذه الدورة من المعرض بفعاليات نوعية تُعقَد للمرة الأولى في المنطقة، أبرزها: «مؤتمر رقمنة الإبداع»، الذي يناقش دور التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل المحتوى الثقافي. إلى جانب ندوات مهنية متخصصة، منها: «عصر الوكيل الأدبي»، و«سلطة الناشر»، و«النشر العربي والذكاء الاصطناعي».

يضم البرنامج المهني جلسات نقاشية تجمع خبراء ومهنيين تتناول أحدث الاتجاهات في النشر والتوزيع والتسويق الإبداعي (معرض أبوظبي الدولي للكتاب)

الوكيل الأدبي

وضمن أولى الجلسات المهنية التي شهدها المعرض أُقيمت جلسة بعنوان: «عصر الوكيل الأدبي»، شارك فيها كلٌ من: سارة الحكمي وكيلة أدبية من السعودية، والكاتب الإماراتي مانع المعيني، مؤسس ووكيل أدبي لـ«وكالة كتاتيب» الأدبية، وباسم الخشن، رئيس ووكيل أدبي لـ«وكالة بيرز فاكتور»، بينما أدارت الجلسة الوكيلة الأدبية رولا البنّا.

واستهلت الحكمي المحاضرة بالتعريف بمسيرتها التي انطلقت في عام 2024 ضمن وكالة تختص بأدب الخيال، وبيع وشراء حقوق ترجمة الكتب، وقالت: «ليس سهلاً أن تكون وكيلاً أدبياً، إذ تواجهك تحديات عدة، منها التعامل مع المؤلف المبتدئ الذي لديه طموحات كبيرة، في حين يكون الأمر أكثر واقعية مع الكاتب المحترف».

من جهته، أوضح المعيني، بعض التحديات، ومن بينها أن «أصحاب بعض دور النشر يرون أن الوكيل الأدبي يأخذ دورهم ويحد علاقتهم مع الكاتب، إلى جانب تحدٍ آخر يرتبط بالعوائد المالية من النشر، التي قد لا تتناسب مع توقعات المؤلفين العالية».

وقال الخشن إن التحديات التي تواجه الوكيل الأدبي تتجلى في أن «الناشر العربي تعوَّد على أن يبقى على صلة مع الكاتب، وعند ظهور الوكيل الأدبي تتوتر العلاقة ويشوبها الحذر في تعامل الناشر، ما يتطلب جهداً كبيراً لتوضيح دور الوكيل الأدبي».

مجلس ليالي الشعر

ويحتفي برنامج «مجلس ليالي الشعر»، بجماليات القصائد، ومنجزات مبدعيها، بمشارَكة أكثر من 60 شاعراً وباحثاً وإعلامياً، يلتقون الجمهور في 30 فعالية تتنوّع ما بين أمسيات شعرية، وجلسات حوارية تتطرَّق إلى فنون التراث الشعبي الأصيل، وعلاقة الشعر بالهوية الوطنية والمجتمع.

ومن ضمن البرنامج الشعري تُقام أمسية «يداً بيد»، التي يشارِك فيها الدكتور عبد الله بلحيف النعيمي، رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، ويديرها سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لـ«مركز أبوظبي للغة العربية»، يقدِّم خلالها الضيف مجموعةً من قصائده التي نسجت مفرداتها وصورها الشعرية من جمال اللغة والمشاعر والرؤى؛ فبالإضافة إلى مسيرة النعيمي المهنية، فإنه يُعرَف بشغفه بالأدب والشعر، ولديه مؤلفات أدبية عدة.

وخصص البرنامج، أمسيتين لأربعة شعراء حائزين لقب مسابقة «شاعر المليون»، وهم: عبيد اليليلي، وضاري البوقان، ومساعد بن طعساس الحارثي، ومحمد آل مدواي، يديرهما الإعلامي رافد الحارثي. كما يستضيف البرنامج أمسيةً لشاعرَين حائزَين لقب مسابقة «أمير الشعراء»، هما: عائشة السيفي، وعبد الرحمن الحميري، وتدير الأمسية الشاعرة لمياء الصقيل.

كما يقدِّم البرنامج نماذج من جماليات الشعر الكاريبي من خلال جلسةً يتحدَّث فيها الشاعر عادل خزام، كما تستضيف إحدى الجلسات أكاديميين من الهند، إلى جانب جلسات تتناول قضايا أدبية وثقافية وتراثية، من بينها: «الأغنية الوطنية»، و«نبض الشعر في ذاكرة الأمة»، و«أعلام الشعر الشعبي في الإمارات»، و«الموسوعة العلمية للشعر النبطي».

يشارك في برنامج «مجلس ليالي الشعر» أكثر من 60 شاعراً وباحثاً وإعلامياً في 30 فعالية تتنوّع ما بين أمسيات شعرية وجلسات حوارية (الشرق الأوسط)

بودكاست من أبوظبي

وتواصل النسخة الثالثة من برنامج «بودكاست من أبوظبي»، إحدى مبادرات «مركز أبوظبي للغة العربية»، تقديم الفعاليات الثقافية التي تُقام في المعرض ضمن برنامجه الثقافي، عبر استضافة أكثر من 50 متحدثاً من رواد المدونات الصوتية في العالم، ليقدموا نحو 50 عنواناً متنوعاً يعكس إبداعهم وتفردهم.

يسهم «بودكاست من أبوظبي» في تعزيز ثقافة الحوار، ونشر المعرفة بطريقة مبتكرة وملهمة؛ إذ يستضيف في المعرض، نخبةً من أشهر صُنَّاع المدونات الصوتية في العالم ممن يزيد إجمالي متابعي منصاتهم على 16 مليون شخص، مفسحاً المجال في الوقت نفسه للأصوات الجديدة عبر استضافة 21 صانع محتوى صوتي يشاركون في البرنامج للمرة الأولى.

ويستضيف المعرض هذا العام، المدونتين الصوتيَّتين «مايكس» من السعودية، و«البودكاسترز» من مصر، بالإضافة إلى كل من منصة «إدراك»، وبودكاست «ساندويتش ورقي»، ومنصة «سماوة»، وبودكاست «مجلس الشباب العربي»، وغيرها من المدونات الصوتية، لتُشكِّل توليفةً غنيةً تناقش مختلف نواحي الحياة.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.