ألفا فعالية ثقافية وأدبية يشهدها «أبوظبي الدولي للكتاب» 2025

«ثقافة الكاريبي» ضيف شرف... واحتفاء بـ«ابن سينا» وكتاب «ألف ليلة وليلة»

يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)
يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)
TT

ألفا فعالية ثقافية وأدبية يشهدها «أبوظبي الدولي للكتاب» 2025

يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)
يعدّ «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي (وام)

تحت شعار «مجتمع المعرفة... معرفة المجتمع»، انطلقت السبت، فعاليات الدورة الـ34 من «معرض أبوظبي الدولي للكتاب»، أحد أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم العربي، وتستمر الفعاليات حتى 5 مايو (أيار) 2025، ويُنظِّم المعرض «مركز أبوظبي للغة العربية»، التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي.

مشاركون وفعاليات

وقال سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لـ«مركز أبوظبي للغة العربية» ومدير «معرض أبوظبي الدولي للكتاب»: «إن المعرض هذا العام يعكس تنوعاً استثنائياً؛ إذ يضم أكثر من ألفَي فعالية متنوعة، إلى جانب البرامج والأنشطة التي تقدمها المؤسسات والجهات المشارِكة»، مشيراً إلى أن الدورة الـ34 تشهد مشارَكة أكثر من 1400 عارض من 96 دولة، مع انضمام أكثر من 20 دولة جديدة.

وتحتفي الدورة الحالية من المعرض بالعالِم الموسوعي ابن سينا، شخصيةً محوريةً، تزامناً مع مرور ألف عام على إصدار كتابه «القانون في الطب»، الذي يُعَدُّ أحد أبرز الإسهامات العلمية العربية التي أثَّرت في تطوُّر الطب عالمياً. كما يحتفي المعرض بكتاب «ألف ليلة وليلة» بوصفه «كتاب العالم»، تقديراً لتأثيره العابر للثقافات والأزمان، وقدرته على إلهام الأدباء والفنانين حول العالم.

وأكد الطنيجي أن «المعرض يولي اهتماماً خاصاً بالناشر الإماراتي عبر تسليط الضوء على تجربته في مجال صناعة النشر، إلى جانب تعزيز البرامج المشتركة للنشر والترجمة بين الناشرين العرب والعالميين»، موضحاً أن هذه المبادرات توفِّر فرصًة حقيقيةً للناشر الإماراتي لعرض محتواه وطموحاته، وتسهم في إبراز تقدم صناعة النشر في دولة الإمارات وتوسيع آفاق التعاون مع الناشرين العالميين.

وقال: «إن المعرض يوفر أيضاً مساحةً كبيرةً للكتاب الإلكتروني والتقني؛ ما يتيح للجمهور الاطلاع على أحدث تطورات تقنيات صناعة النشر العالمية»، مشيراً إلى «ركن الفنون» الذي يعدُّ من الأركان المميزة، ويعرض تجارب إبداعية في مجال صناعة الكتاب.

وأردف أن «مجلس الشعر» يُقدِّم هذا العام تجربةً متميزةً تشمل الشعر الشعبي والفصيح، بالإضافة إلى الدراسات والتجارب الأدبية التي تسلِّط الضوء على الحركة الشعرية المحلية والعربية.

تحل ثقافة دول الكاريبي ضيف شرف على الدورة الـ34 لـ«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» (معرض أبوظبي الدولي للكتاب)

ثقافة الكاريبي

وتحلُّ «ثقافة الكاريبي» (ضيف شرف) على دورة هذا العام، مما يؤدي إلى تعزيز الشراكات الثقافية العالمية، وتقديم تجارب معرفية غنية تُسهم في تعميق التبادل المعرفي بين الشعوب.

ويسلط المعرض الضوء على «ثقافة الكاريبي»، التي تمثل فسيفساء ثقافية تجمع بين التأثيرات الأفريقية، والأوروبية، والآسيوية، لتُشكِّل هويةً أدبيةً وإنسانيةً فريدةً من الشعر والموسيقى إلى الرواية والفكر. ويفتح المعرض نافذةً على عوالم الكاريبي الملهمة، ويتيح فرصةً للتقاطع الثقافي، واكتشاف صوت أدبي ممتدّ من الجزر إلى العالم.

وقال الدكتور علي بن تميم، رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية»: «تمتلك دول الكاريبي واحدة من أكثر الثقافات تنوعاً في العالم؛ إذ تَشكَّلت عبر قرون من التفاعل بين باقة مختلفة من الروافد، ما جعلها حالةً ثقافيةً متفرّدةً وذات خصوصية لافتة نسعد أن تكون حاضرةً في معرض أبوظبي الدولي للكتاب».

وأضاف: «تتميز الثقافة الكاريبية بقدرتها على التكيُّف والابتكار؛ إذ حافظت على خصوصيتها على الرغم من التأثيرات الخارجية، ونجحت في تقديم تراثها بقوالب حديثة وعالمية؛ ما ضمن استمرارها وحضورها، وقد امتازت إسهاماتها الأدبية بعناوين عريضة تتماس مع أبرز القضايا الإنسانية، وتُشكِّل استضافتها في المعرض فرصةً مواتيةً لفتح آفاق التعاون في مجال الصناعات الإبداعية، ومد جسور التواصل بين اللغة العربية والثقافات المختلفة، بما يعكس قيم التواصل مع الآخر، والتآخي بين الشعوب».

ومن الفعاليات التي تحتفي بضيف الشرف، جلسة ضمن البرنامج الثقافي تستضيف الكاتب الجامايكي كوامي ماك فيرسون، يتناول فيها الأدب الكاريبي، وأهم ملامحه، وتأثيره على الأدب العالمي، بينما خَصَّص برنامج «مجلس ليالي الشعر» جلسةً لقراءة مختارات من قصائد أهم شعراء الكاريبي، إلى جانب فعاليات تسلط الضوء على أدب المنطقة وفنونها وموسيقاها بمشارَكة أدباء ومؤلفين وناشرين وسفراء من دول الكاريبي لإثراء الحوار، كما ستتم الإضاءة على المطبخ الكاريبي الغني بالنكهات الأفريقية والهندية والأوروبية.

تشارك السعودية في «معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2025» بجناح تشرف عليه هيئة الأدب والنشر والترجمة (الشرق الأوسط)

الجناح السعودي

وتشارِك السعودية في «معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2025»، بجناح تشرف عليه هيئة الأدب والنشر والترجمة، بمشارَكة عدد من الجهات، تضم دارة الملك عبد العزيز، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة، وجامعة الأميرة نورة، ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، إضافة إلى جمعية النشر.

كما يضم الجناح السعودي «كرسي اليونيسكو لترجمة الثقافات»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

آفاق صناعة النشر

ويركز البرنامج المهني في المعرض على دعم العاملين في قطاع النشر وصناعة المحتوى، من خلال ورش عمل متخصصة وجلسات نقاشية تجمع خبراء ومهنيين لمشارَكة رؤاهم حول أحدث الاتجاهات في النشر، والتوزيع، والتسويق الإبداعي.

ويتضمَّن البرنامج باقةً متنوعةً من الأنشطة التدريبية، منها: ورش الكتابة، والترجمة، والبودكاست، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والنشر الرقمي، وتسويق الكتب، وصناعة السيناريو، إلى جانب ورش تعليمية تطبيقية تمنح المشاركين أدوات احترافية قابلة للتطبيق الفوري في أعمالهم. كما يتضمَّن جلسات حوارية تفاعلية مع خبراء صناعة النشر والمحتوى من مختلف دول العالم، ولقاءات مهنية لتبادل حقوق نشر، تهدف إلى دعم حركة الترجمة، والتبادل المعرفي عبر الحدود.

ويتفرَّد البرنامج في هذه الدورة من المعرض بفعاليات نوعية تُعقَد للمرة الأولى في المنطقة، أبرزها: «مؤتمر رقمنة الإبداع»، الذي يناقش دور التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل المحتوى الثقافي. إلى جانب ندوات مهنية متخصصة، منها: «عصر الوكيل الأدبي»، و«سلطة الناشر»، و«النشر العربي والذكاء الاصطناعي».

يضم البرنامج المهني جلسات نقاشية تجمع خبراء ومهنيين تتناول أحدث الاتجاهات في النشر والتوزيع والتسويق الإبداعي (معرض أبوظبي الدولي للكتاب)

الوكيل الأدبي

وضمن أولى الجلسات المهنية التي شهدها المعرض أُقيمت جلسة بعنوان: «عصر الوكيل الأدبي»، شارك فيها كلٌ من: سارة الحكمي وكيلة أدبية من السعودية، والكاتب الإماراتي مانع المعيني، مؤسس ووكيل أدبي لـ«وكالة كتاتيب» الأدبية، وباسم الخشن، رئيس ووكيل أدبي لـ«وكالة بيرز فاكتور»، بينما أدارت الجلسة الوكيلة الأدبية رولا البنّا.

واستهلت الحكمي المحاضرة بالتعريف بمسيرتها التي انطلقت في عام 2024 ضمن وكالة تختص بأدب الخيال، وبيع وشراء حقوق ترجمة الكتب، وقالت: «ليس سهلاً أن تكون وكيلاً أدبياً، إذ تواجهك تحديات عدة، منها التعامل مع المؤلف المبتدئ الذي لديه طموحات كبيرة، في حين يكون الأمر أكثر واقعية مع الكاتب المحترف».

من جهته، أوضح المعيني، بعض التحديات، ومن بينها أن «أصحاب بعض دور النشر يرون أن الوكيل الأدبي يأخذ دورهم ويحد علاقتهم مع الكاتب، إلى جانب تحدٍ آخر يرتبط بالعوائد المالية من النشر، التي قد لا تتناسب مع توقعات المؤلفين العالية».

وقال الخشن إن التحديات التي تواجه الوكيل الأدبي تتجلى في أن «الناشر العربي تعوَّد على أن يبقى على صلة مع الكاتب، وعند ظهور الوكيل الأدبي تتوتر العلاقة ويشوبها الحذر في تعامل الناشر، ما يتطلب جهداً كبيراً لتوضيح دور الوكيل الأدبي».

مجلس ليالي الشعر

ويحتفي برنامج «مجلس ليالي الشعر»، بجماليات القصائد، ومنجزات مبدعيها، بمشارَكة أكثر من 60 شاعراً وباحثاً وإعلامياً، يلتقون الجمهور في 30 فعالية تتنوّع ما بين أمسيات شعرية، وجلسات حوارية تتطرَّق إلى فنون التراث الشعبي الأصيل، وعلاقة الشعر بالهوية الوطنية والمجتمع.

ومن ضمن البرنامج الشعري تُقام أمسية «يداً بيد»، التي يشارِك فيها الدكتور عبد الله بلحيف النعيمي، رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، ويديرها سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لـ«مركز أبوظبي للغة العربية»، يقدِّم خلالها الضيف مجموعةً من قصائده التي نسجت مفرداتها وصورها الشعرية من جمال اللغة والمشاعر والرؤى؛ فبالإضافة إلى مسيرة النعيمي المهنية، فإنه يُعرَف بشغفه بالأدب والشعر، ولديه مؤلفات أدبية عدة.

وخصص البرنامج، أمسيتين لأربعة شعراء حائزين لقب مسابقة «شاعر المليون»، وهم: عبيد اليليلي، وضاري البوقان، ومساعد بن طعساس الحارثي، ومحمد آل مدواي، يديرهما الإعلامي رافد الحارثي. كما يستضيف البرنامج أمسيةً لشاعرَين حائزَين لقب مسابقة «أمير الشعراء»، هما: عائشة السيفي، وعبد الرحمن الحميري، وتدير الأمسية الشاعرة لمياء الصقيل.

كما يقدِّم البرنامج نماذج من جماليات الشعر الكاريبي من خلال جلسةً يتحدَّث فيها الشاعر عادل خزام، كما تستضيف إحدى الجلسات أكاديميين من الهند، إلى جانب جلسات تتناول قضايا أدبية وثقافية وتراثية، من بينها: «الأغنية الوطنية»، و«نبض الشعر في ذاكرة الأمة»، و«أعلام الشعر الشعبي في الإمارات»، و«الموسوعة العلمية للشعر النبطي».

يشارك في برنامج «مجلس ليالي الشعر» أكثر من 60 شاعراً وباحثاً وإعلامياً في 30 فعالية تتنوّع ما بين أمسيات شعرية وجلسات حوارية (الشرق الأوسط)

بودكاست من أبوظبي

وتواصل النسخة الثالثة من برنامج «بودكاست من أبوظبي»، إحدى مبادرات «مركز أبوظبي للغة العربية»، تقديم الفعاليات الثقافية التي تُقام في المعرض ضمن برنامجه الثقافي، عبر استضافة أكثر من 50 متحدثاً من رواد المدونات الصوتية في العالم، ليقدموا نحو 50 عنواناً متنوعاً يعكس إبداعهم وتفردهم.

يسهم «بودكاست من أبوظبي» في تعزيز ثقافة الحوار، ونشر المعرفة بطريقة مبتكرة وملهمة؛ إذ يستضيف في المعرض، نخبةً من أشهر صُنَّاع المدونات الصوتية في العالم ممن يزيد إجمالي متابعي منصاتهم على 16 مليون شخص، مفسحاً المجال في الوقت نفسه للأصوات الجديدة عبر استضافة 21 صانع محتوى صوتي يشاركون في البرنامج للمرة الأولى.

ويستضيف المعرض هذا العام، المدونتين الصوتيَّتين «مايكس» من السعودية، و«البودكاسترز» من مصر، بالإضافة إلى كل من منصة «إدراك»، وبودكاست «ساندويتش ورقي»، ومنصة «سماوة»، وبودكاست «مجلس الشباب العربي»، وغيرها من المدونات الصوتية، لتُشكِّل توليفةً غنيةً تناقش مختلف نواحي الحياة.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي