آنيتان من مقبرة سار الأثرية في البحرين

أسلوب واحد في النقش الناتئ وحلّتان تصويريّتان مختلفتان

آنيتان من الحجر الصابوني المعروف بالكلوريت  مصدرهما مقبرة سار الأثرية في البحرين
آنيتان من الحجر الصابوني المعروف بالكلوريت مصدرهما مقبرة سار الأثرية في البحرين
TT
20

آنيتان من مقبرة سار الأثرية في البحرين

آنيتان من الحجر الصابوني المعروف بالكلوريت  مصدرهما مقبرة سار الأثرية في البحرين
آنيتان من الحجر الصابوني المعروف بالكلوريت مصدرهما مقبرة سار الأثرية في البحرين

خرجت من مقبرة سار الأثرية في البحرين مجموعة كبيرة من الأواني، منها وعاءان من الحجر الصابوني المعروف بالكلوريت، يتميّزان بنقوشهما التصويريّة المتقنة. عُثر على هذين الوعاءين ضمن أثاث جنائزي يعود إلى الحقبة التي عُرفت فيها الجزيرة باسم تايلوس، غير أنهما يعودان في الواقع إلى زمن سابق، شكّلت فيه هذه الجزيرة قطباً أساسياً من إقليم اشتهر باسم دلمون، ممّا يوحي بأن مالكيهما الأصليين عمدوا إلى توارثهما من جيل إلى آخر، على مدى قرون من الزمن.

تتشابه القطعتان من حيث التكوين، وتتبعان أسلوباً واحداً في النقش الناتئ، يتجلّى في حلّتين تصويريّتين مختلفتين. القطعة الأكبر حجماً يبلغ ارتفاعها 7.7 سنتيمتر، وقطرها 12.2 سنتيمتر، وتُعرف بـ«وعاء الكوخ»، وهي مزينة بنقش يمتد على كل مساحتها الخارجية. يتكون هذا النقش من مساحتين متقابلتين، تحمل كل منهما شبكة من الزخارف متنوعة الأشكال. تشكّل المساحة الأولى الإطار الأعلى للوعاء، وتحتلّ ثلث مساحته الخارجية، وتتألف من سلسلة مثلثات متساوية الأضلاع، تستقر وسط شبكة من الكتل الدائرية المتراصة. تمتد المساحة الثانية تحت هذا الإطار التجريدي، وتتكون من عناصر تشكيلية تنصهر في تأليف واحد. يبدو هذا التأليف تجريدياً في الظاهر، غير أنه يحمل ما يُشبه الباب في وسطه، ويمثّل هذا الباب مدخلاً لمسكن على شكل كوخ من القصب.

يتألّف هذا الباب من واجهة مستطيلة تحدّها من كل جهة ثلاث مساحات عمودية متوازية. تعلو هذه الواجهة ثلاثة أقواس تستقر في المساحة الممتدة بين الأعمدة، وتشكّل معها إطاراً مزخرفاً لهذا الباب. في المقابل، تعلو هذه الأقواس مساحة نصف دائرية، تكسوها شبكة أخرى من الكتل الدائرية المتراصة. تتوسّط هذا المدخل مساحتان جداريتان تتكون كل منهما من ستة مكعبات تشكل معاً شبكة زخرفية، تحدّها في القسم الأسفل مساحة أفقية مزينة كذلك بكتل دائرية، تنعقد في ثلاثة صفوف تتبع النسق ننفسه. تكسو ثلاثة من هذه المكعبات سلسلة من الأعمدة المجرّدة المتراصة كأعواد القصب، وتكسو الثلاثة الأخرى سلسلة من الشبكات المكونة من الدوائر الناتئة المعقودة. في الخلاصة، تشكّل هذه الشبكات الزخرفية المتجانسة واجهة لكوخ من قصب، يتوسّطها باب عريض على شكل مقرنص يتميّز بطابع خاص.

تحمل القطعة الثانية زينة تصويرية مغايرة تماماً، تمتدّ على مساحة دائرية يبلغ ارتفاعها 5.5 سنتيمتر، وقطرها 8 سنتيمترات. تبدو هذه الزينة نباتية بشكل صرف، وقوامها نخلة تتكرّر صورتها الواحدة على هذه المساحة الدائرية. تشكّل هذه النخلة عنصراً تشكيلياً ثابتاً تتجلّى سماته في تصوير مكوّناتها المتمثّلة بالجذع والتاج والرطب. يأخذ الجذع شكل عمود في الوسط، تكسوه شبكة من المربعات المتوازية والمتساوية في الحجم تمثّل القشرة الخشبية. يعلو هذا الساق تاج تمتد سعفه الضخمة من الجهتين، وتبلغ أسفله. يتضاءل حجم الجذع أمام هذه السعف، ويبدو أشبه بقصبة رفيعة تنبت منها سلسلة من الأغصان الكبيرة تشكّل طبقتين متوازيتين.

تأخذ الطبقة العليا شكل مثلث تكسوه سلسلة من الأغصان الممتدة عمودياً، وتأخذ الطبقة السفلى شكل كتلة مقوسة تكسوها سلسلة من الأغصان المنحنية في اتجاه الأرض. وبين هاتين الطبقتين، يخرج من كل جهة غصن صغير منحنٍ نحو الأسفل، حاوياً كتلة بيضاوية تكسوها شبكة من المكعبات المرصوصة. ويمثل هذا الغصن على ما يبدو الشمراخ الذي يحمل الرطب.

تعود الآنيتان إلى حقبة تمتدّ من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الثاني للميلاد

عُثر على هذين الوعاءين ضمن أثاث جنائزي يعود إلى حقبة تمتدّ من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الثاني للميلاد، وهي الحقبة التي عُرفت بها البحرين باسم تايلوس. ويُجمع أهل الاختصاص على القول إن هاتين القطعتين تعودان حكماً إلى مرحلة أقدم بكثير، برزت فيها الجزيرة حاضنة أساسية من إقليم تجاري عُرف باسم دلمون في مصادر بلاد ما بين النهرين، وهما من نتاج نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد، ممّا يوحي بأن مالكيهما الأصليين قاموا بتوارثهما على مدى أجيال، إلى أن أودعتا في قبر، تكريماً لصاحب هذا القبر.

في الواقع، تتبنّى هاتان القطعتان أسلوباً جامعاً انتشر في نواحٍ متباعدة جغرافياً، واختلفت الآراء في تحديد مصدره. ظهر هذا الأسلوب «متعدد الثقافات» في نواحٍ عدة من بلاد الرافدين. وازدهر بشكل واسع في جنوب شرقي إيران، بين مقاطعتي بلوشستان وكرمان، كما تشهد مجموعة هائلة من أواني الكلوريت خرجت من مقاطعة جيروفت. راجت هذه المدرسة كذلك في ساحل الخليج، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع خرجت من جزيرة تاروت التابعة لمحافظة القطيف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ومجموعة أخرى موازية خرجت من جزيرة فيلكا التابعة لمحافظة عاصمة الكويت. وأغلب هذه القطع وصل على شكل كسور جزئية.تقابل هاتين المجموعتين مجموعة أخرى مصدرها مقبرة منطقة سار البحرينية التي تقع في المحافظة الشمالية وتبعد نحو 10 كيلومترات غرب العاصمة المنامة، وأهمها هذان الوعاءان اللذان وصلا بشكل كامل.


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
ثقافة وفنون العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية.

حيدر المحسن
ثقافة وفنون الذاكرة مرتع للكتابة

الذاكرة مرتع للكتابة

فاز كتاب «يغتسل النثر في نهره» بجائزة «أبو القاسم الشابي» في تونس في دورتها الثلاثين 2024، الديوان الشعري الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع (الأردن).

رشيد أزروال

استعادة الهوية الممحوة

استعادة الهوية الممحوة
TT
20

استعادة الهوية الممحوة

استعادة الهوية الممحوة

رواية «العائد من غفوته» للروائي جاسم عاصي، الصادرة عام 2024، رواية موجعة ومحتشدة بالمعاناة والفواجع الشخصية لبطلها سعيد الناصري، الذي تحول بطلاً تراجيدياً حقيقياً. وعلى امتداد أكثر من أربعين عاماً يلاحق الروائي سيرة بطله المؤلمة، كاشفاً عن الكثير من دخائل الشخصية الإنسانية، حتى لتكاد الرواية أن تتحول رواية سيكولوجية، ربما أساساً لأنها تدور حول شخصية مصابة بداء فقدان الذاكرة والشيزوفرينيا، نلتقيها مصادفة في مستشفى الرشاد للأمراض العقلية، حيث يضطلع أحد الأطباء، وهو الدكتور صفاء بمهمة علاجه الشاقة، ومساعدته تدريجياً على استعادة ذاكرته وشخصيته. والرواية بقدر ما هي ملاحقة لاستعادة الوعي المغيّب قسراً بسبب التعذيب السياسي، فهي أيضاً وبالقدر ذاته، رواية عن استعادة الهوية الممحوة.

والرواية تعتمد على بنية حداثية، وسرد بوليفوني تعددي تنهض به عدد من الشخصيات، في مقدمتها السارد الرئيسي الدكتور صفاء، الذي تكفل علاج هذا المريض، وكان يفكر بوصفه أديباً أيضاً في أن يصنع من قصة مريضه رواية يكتبها في المستقبل.

السرد يبدأ عبر ضمير المتكلم (أنا) والراوي هو الدكتور صفاء الذي يلاحق بشغف تجربة خروج مريضه التدريجي من غيبوبته التي استمرت أكثر من أربعين عاماً، عندما تعرَّض إلى التعذيب عام 1961، وأودع بعدها مستشفى الرشاد للأمراض النفسية، ولم يخرج منه إلا بمساعدة معالجة الدكتور صفاء بعد عام 2003، حيث نسمع هدير همرات الاحتلال الأميركي في الشوارع. ونتيجة للجهود الكبيرة التي بذلها الطبيب المعالج، بدأ المريض يستعيد جزءاً من ذاكرته ووعيه ويعود من غفوته، في إشارة واضحة إلى عنوان الرواية «العائد من غفوته»، والذي يحمل بدوره إشارة إلى أفق توقع محدد هو عودة المريض من غفوته واستعادة ذاكرته. لكن الروائي لم يشأ أن يختتم روايته بهذه العودة فقط، بل عمد إلى خلق انتكاسة جديدة لاحقة في مسار حالة المريض النفسية في نهاية الرواية، جعلت منه بطلاً تراجيدياً، أو ضحية من ضحايا الاضطهاد السياسي في العراق.

يستهل الروائي روايته ببداية مثيرة ومشوقة بوصول إشعار للدكتور صفاء سارد الرواية الرئيسي، من دائرة البريد، لاستلام طرد بريدي:

«استلمت إشعاراً من دائرة البريد يدعوني من خلاله الحضور إلى الدائرة المركزية لاستلام طرد وصلني من شخص بدا مجهولاً لديّ لحظتها». (ص 5)

والروائي بهذا الاستهلال، إنما يقفز إلى نهاية الرواية تقريباً عندما ودع مريضه الذي قرر العودة إلى مدينته (ن) لمعرفة مصير والدته وأصدقائه ومعارفه في المدينة، وهي عملية قد تساعده على استكمال علاجه وعودة ذاكرته. ولم يستلم الطبيب المعالج الدكتور صفاء الطرد إلا في نهاية القسم الأول من الرواية (ص 125) لنكتشف أن هذا الطرد هو المتن الذي كتبه سعيد الناصري عن تفاصيل رحلته إلى مدينته (ن)، حيث يشغل هذا المتن القسم الثاني من الرواية، ويتحول هذا المتن إلى مخطوطة مرويّة من قِبل سعيد الناصري نفسه؛ ما يؤكد الجوهر الميتاسردي للرواية. وبذا يمكن أن نقول إن الرواية هي ثمرة صوتين سرديين أساسيين، هما صوت الدكتور صفاء الاستهلالي، وصوت سعيد الناصري في مخطوطته التي أرسلها إلى الدكتور صفاء. والرواية بهذا ذات بنية سردية مبأرة؛ لأن السرد فيها يتم من خلال وعي مبأر لساردين مشاركين في الحدث الروائي.

وتتصاعد الأحداث الروائية في نهاية الرواية بطريقة دراماتيكية مثيرة وفاجعة، حيث يفجع سعيد الناصري بوفاة أمه بين يديه، فيصاب بحالة جديدة من الهستيريا، حيث يحمل جسد والدته ويركض به في العراء، متجهاً إلى مقبرة (سيد خضير أبو حياية)، ويعمد بشكل شخصي إلى حفر قبر لوالدته ودفنها بيديه، رافضاً أي مساعدة مدت له في حينها. ويبلغ سعيد الناصري الدكتور صفاء بأن ضريح (السيد خضير) سيكون آخر المحطات له، ويرجوه أن يكتب بدلاً عنه. (ص 250)

وعندما تصل الدكتور صفاء رسالة سعيد الناصري هذه يصاب بالهلع، ويقرر أن يفعل شيئاً والسفر إلى مدينة (ن) لإنقاذه مما هو فيه:

«سوف يضيع سعيد لأعجّل في إنقاذه». (ص 251)، لكنه اكتشف ملاحظة على الظرف الذي وصله من شخص اطلق على نفسه كنية (فاعل خير) يخبره بأنهم قد وجدوا قرب ضريح (السيد خضير أبو الحياية) رجلاً يتكئ على جدار الضريح، وحين حاولوا إيقاظه سقط مثل خشبة، حيث قاموا بدفنه قرب ضريح أمه. كان لهذا الحدث وقع الصاعقة على الدكتور صفاء، فكتب لصديقه الدكتور عبد السلام هذه الرسالة التي يختتم بها الروائي سرده الروائي:

«خذها، فقد كتب سعيد الناصري نهاية حياته بيده، بل كتب روايته، ولا حاجة إلى إعادة صياغة ما كتب، فقد كان كاتباً حاذقاً». (ص 253)

وهذه الإشارة تنطوي على أن الراوي الحقيقي للسرد هو سعيد الناصري الذي كتب روايته بنفسه كما يشير النص، وبشكل خاص من خلال المخطوطة التي كتبها، ودوّن فيها وقائع زيارته إلى مدينته، والتي وصلت لاحقاً إلى الدكتور صفاء بشكل طرد بريدي.

ويمكن أن نلاحظ تفاوتاً بارزاً بين القسم الأول الذي يرويه الدكتور صفاء، والقسم الثاني الذي يمثل المتن الذي يرويه المريض عن زيارته إلى مدينته.

فالقسم الأول، الذي يسرده الدكتور صفاء، يتصف بالانضباط وسيادة العقلية التحليلية ذات الطابع السيكولوجي لشخصية المريض، من خلال متابعة ملفه الشخصي في المستشفى وملاحقة سلوكه وعلاقاته بالآخرين وبالأطباء. ولذا فقد احتشد هذا القسم بتحليلات وبيانات نفسية وطبية قلما نجد مثيلاً لها، ربما الا فيما كتبه القاص الراحل خضير ميري عن تجربته الشخصية، بوصفه مريضاً في المصح النفسي، وما دوَّنه القاص إسماعيل سكران في روايته «جثث بلا أسماء» عما كان يدور في مستشفى الأمراض العقلية في الشماعية من جرائم يرتكبها نظام صدام حسين الدكتاتوري بحق المعارضين السياسيين الذين كان يدفع بهم إلى المصح عمداً؛ لتدمير قواهم العقلية، وقتلهم تدريجياً في ردهة مخصصة لذلك سميت بــ«القاووش الأحمر». ونجد الدكتور صفاء، في مستهل الرواية، وهو في طريقه إلى جناح الكندي في المستشفى، منشغلاً بمرأى أحد المرضى النفسيين، الذي سيتابع حالته المرضية لاحقاً:

«كان أهم ما لفت نظري قامة الرجل الساكنة تحت شجرة اليوكالبتوز التي تبعد قليلاً عن نافذة الغرفة في الجناح الذي أعمل فيه». (ص 12) وقد استهوت الدكتور صفاء شخصية هذا المريض، وقرر مع نفسه أن يكتب، بوصف أدبي أيضاً، رواية عن حالته الصحية وتاريخه وسبب أزمته النفسية.

وكان أول اكتشاف مهم للدكتور صفاء عن مريضه معرفة اسمه ومدينته عندما سلمته الممرضة ملف هذا النزيل:

«جلست وراء المنضدة، حدّقت بالغلاف الخارجي للملف، حيث كتب عليه المريض سعيد الناصري... فتح الملف بتاريخ 18/10/1970» (ص 52)

وازداد اهتمام الدكتور صفاء بالمريض سعيد الناصري الذي سيساعده في مشروعه الروائي المرتقب. (ص 36)، وكان يشعر بأن سعيد الناصري سيكشف له عن أمور مثيرة:

«إنه جزء من تاريخ مضمر ومسكوت عنه». (ص45)

ويكتشف الدكتور صفاء أن هذا المريض مناضل سياسي، وأنه تعرَّض إلى التعذيب وفقدان الذاكرة، وبالتالي دخوله في هذه الغيبوبة الطويلة التي استمرت لمدة أربعين عاماً. وانتبه الدكتور صفاء إلى أن تاريخ اعتقاله يعود إلى عام 1961، وهو تاريخ مثير، كما سنلاحظ ذلك لاحقاً.

أما القسم الثاني من الرواية الذي يحمل عنوان «القادم من غفوته». (ص 129)

فيشكل المتن الذي كتبه المريض سعيد الناصري عن زيارته لمدينته (ن)، والذي أرسله لاحقاً بشكل طرد بريدي. ويتسم هذا القسم بأسلوب وصفي يقدمه مشاهد لمدينة يراها لأول مرة في حياته. فالراوي سعيد الناصري؛ بسبب فقدانه للذاكرة ينظر إلى تفاصيل زيارته ومعالم مدينته وكأنه غريب يراها لأول مرة.

ومن الواضح أن مثل هذا التكنيك في السرد ينتمي إلى ما أسماه الناقد الشكلاني الروسي شكلوفسكي بنزع المألوفية Defamiliarization، وذلك في دراسته الموسومة «الفن بوصفه تكنيكاً» المنشورة عام 1917. ويذهب شكلوفسكي إلى أن وظيفة الفن هي جعل الأشياء تبدو «غير مألوفة» Unfamiliar؛ لأن عملية التلقي هذه تمنح الأشياء جدةً وحضوراً وبراءة، ويرتبط هذا المفهوم بمفهوم التغريب estrangement، وقد وفّق بعض الروائيين في استثمار منظور الطفل البريء، وهو يصطدم بمجموعة من المرئيات والوقائع التي يبدأ بوصفها بحيادية تامة، مؤكداً على طابعها الحسي والمرئي. كما عمد روائيون آخرون، ومنهم الروائي جاسم عاصي في روايته هذه «العائد من غفوته» لاستثمار خاصية فقدان الذاكرة أو عطبها، لوصف الأشياء والأماكن وكأنها تكتشف للمرة الأولى. ويمكن أن نعدّ أدب الرحلات مثالاً جيداً لمثل هذا السرد؛ لأن السائح يصف أماكن ومشاهد وأحداثاً يراها لأول مرة.

لقد كان الروائي جاسم عاصي موفقاً إلى حدٍ كبير في استثمار خاصية «نزع المألوفية» هذه، التي شخَّصها شكلوفسكي في طريقة تلقي بطله سعيد الناصري للمرئيات والأماكن والأشخاص والوقائع التي اصطدم بها أثناء زيارته لمدينته (ن). فقد كان يبدو مشدوهاً وهو يتساءل مع نفسه فيما إذا كان ما يراه جزءاً من مدينته التي عرفها جيداً؛ لأنها كانت قد نزعت مألوفيتها التي تعوّد عليها سابقاً، وبدت له مغايرة تماماً، وكأنها تخلق لأول مرة، لتدخل شاشة وعيه المتشظية.

فالمرئيات تبدو له وكأنها تولد لأول مرة. وزاوية الرؤية هذه تساعد في تقديم وصفٍ بريء محايد إلى حدٍ كبير:

«واصلت السير، غير أني شعرت بالتعب جراء العودة من بدء استقامة الجسر حتى منتصفه؛ بحثاً عن دالة أو شاهد أعرفه... وتولدت لدي قناعة على شكل سؤال مفاده هل أنا فعلاً في مدينتي». (ص 132)

لقد كان سعيد الناصري يسير في مدينته التي عاش فيها، لكنه كان يشعر بأن كل شيء كان ضبابياً، وبلا ملامح يعرفها من قبل. وبهذه الطريقة يقوم سعيد الناصري برحلة مضنية لإعادة اكتشاف وتشكيل مدينة ضائعة.

وهذا الفصل بالذات يركز بشكل خاص على إعادة اكتشاف المكان الأليف، مكان الطفولة، حسب باشلار، في رحلة بحث مضنية مليئة بالمكابدات والإحباطات المريرة.

وفنياً، يمكن أن تعدّ هذه الرواية بوليفونية، متعددة الأصوات؛ بسبب تعدد الأصوات السردية فيها، كما أنها أيضاً يمكن النظر إليها بوصفها رواية ميتاسردية، حيث ينمو هاجس كتابة الرواية لدى الدكتور صفاء، ويساعده في ذلك مريضه سعيد الناصري، الذي اختتم مدوّنته التي أرسلها له، بدعوته لمباشرة الكتابة؛ لأنه شخصياً غير مؤهل لذلك؛ لذا ترك للدكتور صفاء مهمة كتابة الرواية:

«ربما نفدت قدرتي على الكتابة.. هذا ما سوف يربكه أثناء تحرير أحداث روايته، مستعيناً بما يقع بين يديه من وثيقة حياتي الحالية». (ص 246)

كما نجد الدكتور صفاء مصدوماً هو الآخر بالنهاية التراجيدية الموجعة لمريضه سعيد الناصري فيدفع بالأوراق لصديقه الدكتور عبد السلام:

«خذها، فقد كتب سعيد الناصري نهاية حياته بيده، بل كتب رواية ولا حاجة إلى إعادة صياغتها». ص 253)

كما تتخذ الرواية مبنى سردياً دائرياً، من خلال محورية السرد الروائي للدكتور صفاء الذي استهل السرد الروائي، كما اختتم به هذا السرد أيضاً.

رواية «العائد من غفوته» عمل روائي متميز ومُتقَن فنياً، وكل الأحداث والوقائع مبأرة من خلال وعي شخصياتها، حتى يبدو المؤلف غائباً، والأحداث الروائية هي التي تقدم نفسها للقارئ دونما وسيط.

يبقى السؤال الإشكالي يتعلق بتأطير التأريخ السياسي لحالة المريض التي بدأت عام 1961 وليس بعد عام 1963 والتي شهدت أبشع صنوف التعذيب والقتل للمعارضين، على أيدي جلادي «البعث» آنذاك، والتي لم نجد لها أية إدانة مباشرة على امتداد الرواية، بينما خصص مقاطع مهمة لإدانة ما تعرض له الشعب العراقي من اضطهاد وقتل في مختلف المراحل ومنها فترة الاحتلال الأميركي.

ومن الغريب أن الروائي قدم توصيفاً لما تعرَّض له بطله عام 1961 من تعذيب، في الوقت الذي كان فيه شعار الحكم آنذاك مقولة «عفا الله عما سلف».

إن تأطير أي تجربة روائية زمنياً ليس بالأمر الاعتباطي ويخضع لحسابات خاصة يدركها المؤلف ويرغب في أن ينقلها إلى المتلقي بشكل رسائل خاصة، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن سر هذا الاختيار، ويجعلنا نتحفظ عليه.