بيرسيفال إيفيريت يقلب رواية مارك توين

«هَكلْبِري فِنْ» اتهمت باحتوائها على آراء مسيئة ومُشوِّهة للسود

بيرسيفال إيفيريت
بيرسيفال إيفيريت
TT

بيرسيفال إيفيريت يقلب رواية مارك توين

بيرسيفال إيفيريت
بيرسيفال إيفيريت

بيرسيفال إيفيريت لم يقلبْ مارك توين رأساً على عقب، كما يدَّعِي العنوان، الذي لعبت دوراً في صياغته الرغبة في أن يكون لافتاً وجاذباً، على أمل أن يغري بقراءة المقالة. أنّى وكيف لإيفيريت قلب توين دون مساعدة من آلة زمن تنقله تخييلياً، كما في الروايات والأفلام، إلى زمان ومكان كان فيهما توين على قيد الحياة. ومع ذلك، إذا كان بالإمكان وصف ما فعله إيفيريت قلباً، وهو «قلب» مجازي، فإن القلب تعرضت له رواية توين «مغامرات هَكلْبِري فِنْ»، 1885/1884، وهذا ما يفعله إيفيريت في روايته الجديدة «جيمس»، 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر 2024، وفازت بجائزة الكتاب الوطني الأميركية للقص، 2024. ومن المنتظر أن تشق طريقها إلى صالات السينما بعد شراء «يونيفرسال» لحقوق ملكيتها الفكرية لترجمتها للشاشة، وسيكون المخرج ستيفن سبيلبرغ المنتج التنفيذي للفيلم، كما رُشِّح تايكا وايتيتي لإخراجه.

بول موسى يصدم جامعة شيكاغو

مبالغة أخرى صغيرة في العنوان الداخلي أعلاه، لأن بول موسى لم يصدم جامعة شيكاغو كلها؛ فالصدمة، حسب عالم السرد وين بوث، كانت صغيرة ومحصورة بين جدران قسم العلوم الإنسانية.

يستهل بوث مقدمة كتابه «The Company We Keep, 1980»، بأنه في يوم من ستينات القرن الماضي، تفاجأت هيئة تدريس العلوم الإنسانية في الجامعة، أثناء مناقشتهم الخطة الدراسية للطلاب الجدد، باحتجاج زميلهم الأسود بول موسى، أستاذ الفن المساعد، على تدريس رواية مارك توين، وبتصريحه أنه لا يستطيع الاستمرار في تدريسها، موضحاً أن طريقة تصوير توين للعبد «جيم - Jim» مسيئة وتثير غضبه لدرجة أنه يعجز عن إقناع ما وصفهم بالأطفال البيض الليبراليين بأسباب غضبه. ويضيف أنه ليس من الصواب تعريض الطلاب، السود والبيض، لما تستند إليه من آراء مسيئة ومُشوِّهة للسود. ويختم بيانه بـ: «هذا الكتاب مادة تعليم سيئة، وحقيقة إنه مكتوب بذكاء يجعله أكثر إزعاجاً لي» (ص 3).

«انصدام» هيئة التدريس من موقف موسى يثير الاستغراب؛ لأن زميلهم ليس أول شخص يعترض على تدريس «هَكلْبِري فِنْ»، ويعبر عن رفض تدريسها، وعن استيائه منها، فالاحتجاج على تدريسها في أوساط السود يعود إلى 1957، العام الذي بدأت فيه المعركة، حسب غريغ كانفيلد، حول المواقف العنصرية التي تعبر عنها الرواية، عندما أدانت الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (NAACP) الكتاب لإهانته للسود، ضمنياً، باستخدام كلمة «زنجي - nigger». تأتي تلك الإدانة بعد ثلاث سنوات من صدور قرار المحكمة العليا إلغاء الفصل في التعليم والمدارس بين البيض والسود في 1954. يقول جيمس ليونارد وتوماس تيني في مقدمتهما للكتاب «هجاء أم مراوغة... وجهات نظر سوداء حول هَكلْبِري فِن»، 1992: «من المحتم أن يشعر الأطفال السود في الفصل مع البيض بعدم الارتياح للكلمة والكتاب الذي تظهر فيه كثيراً، وأن يرغب الآباء السود في حماية أطفالهم مما تمثله الكلمة». ويصف التربوي جون والاس الرواية بأنها أبشع مثال مكتوب على القمامة العنصرية.

رغم ذلك لم يكن الأميركان السود جبهة موحدة ضد تدريس الرواية، فكان بينهم أشد المتحمسين للدفاع عنها. وعلى الجانب الآخر، عارض عدد من البيض تدريسها. وتدريجياً، بدأ يزداد تساقط الرواية من أيدي المدرسين والمدرسات من البيض والملونين، إلى أن بلغ الأمر حد تهديد عدد كبير من المدارس الثانوية بإلغائها من خططهم الدراسية بسبب تلك الكلمة، ما دفع دار «نيوساوث بوكس» إلى أن تصدر، في عام 2012، طبعة خالية من «الكلمة-ز/N-word»، التي تتكرر 219 مرة فيها، واستبدالها بكلمة «عبد». ويوضح د. أَلَنْ غريبين محرر النسخة المتخصص في أدب مارك توين في المقدمة أن الاستياء من الطبعة الأصلية بدأ ينتشر حتى بين طلبة الجامعات والكليات.

إيفيريت يضع جيم في المركز

إزاء هذه الخلفية من الجدل على مدى عقود، يعيد إيفيريت كتابة رائعة توين، يزيح الطفل الأبيض هَكلْبِري فِنْ من مركزها، ويحل جيم محله، كما يضع اسمه «جيمس» عنواناً على الغلاف، من دون أدنى إشارة إلى مارك توين و«بطل» روايته، التي وصفها ت. س. إليوت بأنها رائعة أدبية، وعدّها إرنست هيمنغوي بلغةٍ لا تخلو من المبالغة أصلَ الأدب الأميركي الحديث: «كل الأدب الأميركي الحديث ينحدر من كتاب واحد لمارك توين يسمى (هَكلْبِري فِنْ)...».

إن مقولة هيمنغوي تنطبق على رواية إيفيريت، أكثر من انطباقها على أي رواية أخرى؛ فـ«جيمس» خرجت بالفعل من رواية توين، ولكن خرجت لتعيد كتابتها، ولتناقضها، وتقلبها رأساً على عقب. وفي نفس الوقت، تمتد جذور انتمائها إلى روايات أخرى صدرت قبل وبعد «مغامرات هكلبِري فِن» مثل «شاميلا»،1741، للروائي الإنجليزي هنري فيلدينغ، و«فو/ Foe - 1986»، للروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتسي؛ لكن «جيمس» إلى رواية كوتسي أقرب، وعلاقتها بها أقوى. فبينما «شاميلا» محاكاة «باروديا - parody» تستهدف بالتهكم رواية صامويل ريتشاردسون «باميلا»، 1740، فإن روايتي إيفيريت وكوتسي نموذجان لما تسميه ليندا هتشيون الـ«باروديا» الحديثة، أو الباروديا الما بعد حداثية.

باروديا من دون سخرية

تخلو الباروديا الحديثة، حسب «هتشيون»، من السخرية، مؤسسةً بذلك اختلافها الأولي عن الباروديا التقليدية التي تهدف إلى السخرية من النص المحاكى والتقليل من شأنه. وتذكر في مقالتها «باروديا بدون سخرية»،1978: «... لا يبدو أن الاستخدام الحديث للباروديا يهدف إلى السخرية أو التدمير. الباروديا تعني وجود مسافة بين النصّ الخلفية المحاكى والنصّ الجديد، مسافة عادة ما تشير إليها المفارقة» (202). وتضيف أن الباروديا الحديثة تستحضر الأصل الإيتمولوجي للكلمة، التي لا يوجد في جذرها الإغريقي ما يوحي بالحاجة إلى إحداث أثر هزلي أو ساخر، كما هو الحال في الجذر «burla» للكلمة «burlesque». وتُنظِّر في كتابها «نظرية الباروديا» أن الباروديا تعارضٌ وتناقضٌ بين نصين، محاكاة يميزها القلب المُفارق، صياغة أخرى، تكرار مع مسافة نقدية، تظهر الاختلاف لا التشابه.

الإزاحة وتجريد «هَكْ» من امتيازاته

«فو - Foe» إعادة تخيل، وإعادة حكي لرواية «روبنسون كروزو»، فيها ينتزع كوتسي «روبنسون كروزو» من مركز الحكاية، ويضع في مكانه سوزان بارتون. وبالمثل يفعل إيفيريت في روايته، فجيمس، وليس هَكلْبِري، هو المبئر والسارد بضمير المتكلم، الذي يتشكل برؤيته عالم الحكاية بشخصياته وأحداثه وكل تفاصيله. إن منح هذه الامتيازات لـ«جيمس»، وتجريد «هكلبِري» منها، يمثل القاعدة التي يبني عليها إيفيريت قلبَ ومعارضةَ روايته لرواية توين.

«جيمس» الرواية إعادة حكي لرواية توين، يسترد فيها إيفيريت لجيمس إنسانيته، وينتشل شخصيته من التسطيح وأحادية البعد، ليقدمه شخصية دائرية متعددة الأبعاد. لا يحتاج القارئ إلى التوغل في النص حتى يلمس ويرى آثار ودلالات هذا القلب، فمن الفقرة السردية الاستهلالية يبدو العالم والأشياء مختلفَين من منظور جيمس. يقول في الجملتين الأخيرتين من الفقرة نفسها: «الانتظار جزء كبير من حياة العبد، الانتظار والانتظار ليتنظر المزيد، انتظار المطالب، انتظار الطعام، انتظار نهاية الأيام، انتظار المكافأة المسيحية العادلة والمستحقة في نهاية ذلك كله» (9). ويقول في الفقرة التالية: «أولئك الصبيان الأبيضان، هَكْ وتوم، راقباني. كانا دائماً يلعبان نوعاً من لعبة التظاهر حيث أنا إما شرير أو فريسة، ولكني بالتأكيد لعبتهما... من المفيد دائماً إعطاء البيض ما يريدون، لذلك، خطوت في الفناء، وصرخت في جوف الليل» (9).

المثير أن لعبة الصبيين بسيطة، بينما هو المتظاهر الأول والأكبر في عالم الحكاية، والتظاهر والتخفي وراء الأقنعة لعبته المفضلة، يتفانى في تعليمها للعبيد الآخرين. التظاهر والتقنع أسلوب حياة بالنسبة له، آلية لحماية الذات، ومن متطلبات العلاقة بين الأسياد والمستعبدين. يتظاهر بالجهل وهو ليس كذلك، وبالأمية وهو يقرأ ويكتب. فعندما تسأله سيدته الآنسة واتسون ذات مرة عمّا إذا كان قد دخل مكتبة القاضي تاتشر، يجيبها بالنفي، ويتساءل متظاهراً بالجهل: «تقصدين تلك الغرفة المليئة بالكتب؟ ويضحك متسائلاً: «ما الذي سأفعل بكتاب؟» (12)، فتضحك الآنسة أيضاً. لكنه سيروي لاحقاً عن تسلله المتكرر إلى مكتبة القاضي تاتشر للقراءة، وعن هلوساته وأحلامه التي تدخله في مناظرات مع فولتير وجون لوك. أما الكتابة فثمرتها هذه الرواية.

خلال الرواية، يظهر جيمس ذكياً، وبارعاً في التظاهر والانتقال في حديثه من الإنجليزية «الرسمية» إلى لهجة العبيد عندما يلمح شخصاً أبيض. كما يُعَلِّم الآخرين الطريقة الصحيحة للكلام الخطأ لأن البيض يشعرون بالاطمئنان عندما تتطابق سلوكيات وتصرفات السود مع صورهم النمطية في أذهانهم (البيض). وهو أكثر من ذلك: الرجل المحب والمخلص لأسرته التي يهرب من أجل أن يعود ولديه ما يشتري به حريتهم. وقد تحقق ذلك.

أبدع إيفيريت باروديا، نصاً معارضاً لنص توين، لكنه أبقى «الكلمة-ز/الكلمة-N»؛ لأنه لا يمكن خطفها من أفواه أناس عاشوا في القرن التاسع عشر، مثلما حدث في النسخة المنقحة من رواية توين.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.