صافي ناز كاظم تمزج السيرة الذاتية بالنقد

مقالات «مشاغبة» في دروب الأدب والصحافة والحياة

صافي ناز كاظم تمزج السيرة الذاتية بالنقد
TT

صافي ناز كاظم تمزج السيرة الذاتية بالنقد

صافي ناز كاظم تمزج السيرة الذاتية بالنقد

تتميز نصوص الكاتبة المصرية صافي ناز كاظم بمذاق خاص من الحيوية والصدق والحرارة ينبع من مزجها الدائم بين السيرة الذاتية والرؤى النقدية في سبيكة واحدة قادرة على وضع مؤلفاتها في مساحة خاصة.

وتعد الطبعة الجديدة من كتابها «رؤى وذات» الصادر عن «دار الشروق» بالقاهرة تجسيداً لهذه الفكرة، إذ يحتوى على 40 فصلاً تقدم خلاصة رؤاها في الصحافة والفن والكتابة والنقد والثقافة عبر نصف قرن، مع حكايات من تجاربها على المستوى الإنساني كصحفية وناقدة وكاتبة.

تتعدد وجوه صافي ناز في الكتاب، فهي تارةً محرِّرة صحفية معروفة بمقالاتها المشاغبة التي تأخذ القارئ في جولة داخل أروقة ومكاتب المؤسسات الصحفية والقائمين عليها، بما لهم وما عليهم، راويةً تجاربها الكاشفة مع الرؤساء والزملاء. وتارةً أخرى هي ناقدة أدبية تُبحر في عالم كبار الأدباء والكتاب والمفكرين والفنانين ممن شكَّلوا الثقافة المصرية والعربية المعاصرة. وتارةً ثالثة هي الكاتبة المصرية الصاخبة، خفيفة الظل، التي تصطحب قارئها في جولة عبر أحياء مدينة القاهرة الحية.

تروى كاظم طرفاً من علاقتها بنظيرتها الكاتبة لطيفة الزيات، صاحبة الروايات الرائدة في تاريخ الأدب المصري، مشيرةً إلى أنها التقتها في قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة، حيث كانت الأخيرة قد حصلت على درجة الدكتوراه في الترجمة وتزوجت من الناقد والأكاديمي الدكتور رشاد رشدي، وكانت تسكن بالقرب من الجامعة أمام حديقة الحيوان بالجيزة. وتشير إلى أنها كانت كلما رأتها تسير في شارع الجامعة متوجهةً إلى بيتها تركض لتلحق بها حيث كان يجمعهما نفس طريق العودة إلى المنزل، لكنها كانت مع لطفها متحفظة حريصة على مسافة بينهما لا تُغري «صافي» بصداقة.

كانت رواية الزيات الشهيرة «الباب المفتوح» قد صدرت عام تخرج صافي 1959 فقرأتها وكانت قد ترسخت في عملها بدار «أخبار اليوم» بمجلة «الجيل». أعجبتها الرواية فاتصلت بصاحبتها هاتفياً وقالت لها: «أريد أن أرسل لكِ باقة ورد»، وذهبت لإجراء مقابلة معها.

وتتذكر من هذه المقابلة تهليل وسعادة الدكتور رشدي لنجاح زوجته، حيث بدا يومها فخوراً بها جداً وكانت شقتهما ساطعة النور، مرتَّبة ترتيباً ملائماً لزوجين مثقفين كاتبين تسود بينهما روح النِّدِّية الواضحة التي ترى الاتفاق والاختلاف حقاً مكفولاً للطرفين. كانت ترتسم على وجه لطيفة الزيات، كما تذكر الكاتبة، ثقة المتأكد من مكانته العزيزة لدى الآخر، مكانة عزيزة على المستوى العاطفي والإنساني والعقلي، لذلك دُهشت صافي عندما أخبرها الناقد د. عبد العزيز حمودة وهو يزورها في شقتها بنيويورك عام 1965 بوقوع الطلاق بين الثنائي المثقف السعيد.

كان حمودة لا يزال يُعدّ الدكتوراه في جامعة قريبة، ويأتي إلى مدينة نيويورك زائراً ليتابع العروض المسرحية من حين لآخر، ونقل خبر الطلاق كأنه صاعقة ألمَّت بأستاذه قائلاً لصافي: «خطاب د. رشدي الذي أرسله إليَّ يقطر ألماً وهو يقول: تصوَّر لطيفة تركتني!».

عندما عادت صافي من أمريكا عام 1966 كان معها جزء من رواية تكتبها عنوانها «طريق إلى منزلي» وطلبت من د. لطيفة أن تُبدي رأيها فيما كتبته. قابلتها في مقهى «الشرفة العلوية» بفندق «النيل» بجاردن سيتي وكانت تجلس مع شقيقتها وزوج شقيقتها وأطفالهما منى وعلي. كان صباحاً شتوياً ليوم جمعة وكان وجهها مشرقاً متمتعاً بالشمس ومزاجها رائقاً ودوداً. رحَّبت بصافي ترحيباً مخالفاً لتحفظها السابق معها وقالت: «تبقي مجرمة لو لم تكملي هذا العمل النابض الجميل»، ولكنها لم تكمل الرواية أبداً، وما زالت تحتفظ بها، وكلما راجعتها تَثقُل على صدرها فتطويها وتعيدها إلى الرف.

وتروي صافى ناز كاظم كيف تعرضت في مطلع يناير (كانون الثاني) 1967 لتجربة زواج تبطنت وتلفعت بـ«خديعة» تصل إلى مرتبة «الجريمة المدبرة»، ولم تكن وهي في خضمِّها مدركةً حقيقتها التي رأتها بعد ذلك بوضوح. كانت في البداية حريصة على سرِّية المشكلة، ولكنها أرادت مشاركةً أمينةً لمشكلتها، فلم تجد أمامها سوى الاتصال لتحديد موعد مع د. لطيفة الزيات، وذهبت إليها في مسكنها الذي اتخذته بين أشقائها ووالدتها في حي «المهندسين».

كان الوقت مساءً والطريق جديداً وغامضاً في تلك الناحية. صعدت إليها في غرفة استقبال خارجية وقالت لها: «أنا مثلك برج أسد وستفهمين أن صراحتنا وصدقنا هما السبب في سهولة خداعنا، إذ نتصور أن كل ما نسمعه هو كذلك صراحة وصدق، وأزمتي الآن هي...».

حكت لها كل شيء، فلم تندهش الزيات، وإن تعاطفت وقالت ما معناه باختصار إن الطلاق قد يكون من الأشياء المُرَّة والمؤلمة ولكنه في أحيان كثيرة يكون «الخلاص من الدمار الأكثر خطورة من المرارة والألم». قالت لها: «هل تعرفين يا دكتورة أن عبد العزيز حمودة قال في أمريكا كذا وكذا. ابتسمت في تهكم وأشاحت بيدها ثم قالت: ولو أن أزمتي كانت نقيض أزمتك!».

وتتذكر المؤلفة بدايات ثورة 1952، مشيرةً إلى أنها كانت هي وجيلها على مشارف الخامسة عشرة من أعمارهم، صبايا وصبياناً غذَّتهم الدراسة الوطنية في المدارس العربية المرعيّة جيداً بوزارة المعارف العمومية على «الجلاء بالدماء» و«فلسطين لبِّيك نحن الفدا» ومحفوظات خطب مصطفى كامل وسعد زغلول وتضحيات الزعيم محمد فريد... ينظرون غير آسفين إلى رحيل «ملك فاسد»، حسبما قيل، لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره، وفرحين بظهور «فتية آمنوا بربهم» أكبرهم في الرابعة والثلاثين أمسكوا بزمام البلد.

وتذكر أن طه حسين والعقاد وأبو حديد كانت أعمارهم آنذاك تناهز الستين أو أكبر قليلاَ، باستثناء أحمد لطفي السيد الذي كان قد بلغ الثمانين وأعطوه لقب «أستاذ الجيل». وهناك أيضاً فتحي رضوان وأحمد حسين ونجيب محفوظ الذين كانوا في الحادية والأربعين، وعلي ومصطفى أمين في الثامنة والثلاثين، ومحمد حسنين هيكل ومحمد عودة قد بلغا الثلاثين، ومعهما حشد من الشباب في العشرينات، ومنهم أحمد بهاء الدين ويوسف إدريس وفتحي غانم ولطفي الخولي وصلاح جاهين وصلاح عبد الصبور ووديع فلسطين.

تروي صافي ناز أنه في تلك الفترة كان فتحي غانم يرأس الصفحة الأدبية بمجلة «آخر ساعة» تحت عنوان «أدب وقلة أدب» وكانت ثمة مناوشات بينه وبين د. رشاد رشدي لا تستوعبها، لكنها اهتمت بقراءة ما كان يكتبه غانم، وبدا في بعض حلقاته كأنه في «مناجاة فكرية» يتبادل آراء في الأدب مع سيدة تسكن بعيداً على أنها شخصية حقيقية لم يُفصح عن اسمها ليلفَّها بالغموض. تقول له ويقول لها. كانت السيدة في تلك المحاورات ناقدة عتيدة شديدة البأس، لا تكفُّ عن الاستهزاء والتوبيخ، وبدا فتحي غانم أمامها كأنه مغتبط بالتعنيف، مستكين للتوجيهات، ينظر إليها مبتهلاً أن تُرشده سبيل الصواب. ولم يكن هذا ينسجم مع «الاستعلاء» الذي كان يُبديه في ممرات ومكاتب مجلة «آخر ساعة».

صافي ناز كاظم من مواليد الإسكندرية في 17 أغسطس (آب) 1927، حصلت على ليسانس الآداب، قسم الصحافة، من جامعة القاهرة 1959، وعلى ماجستير في النقد المسرحي من جامعة نيويورك 1966. اشتهرت في بداية حياتها العملية بأنها أجرأ مَن قامت بمغامرات صحفية خلال مسيرتها الزاخرة الممتدة لأكثر من خمسة عقود. عملت في كبرى الصحف والمؤسسات الصحفية مثل «أخبار اليوم» و«دار الهلال» وغيرهما. وحالياً تمارس الكتابة الحرة. لها كثير من المؤلفات في الأدب والنقد المسرحي مثل «من ملف مسرح الستينيات» و«تلابيب الكتابة» و«صنعة لطافة» و«تاكسي الكلام».


مقالات ذات صلة

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى... وإسرائيل تحتل المركز الثاني 

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى... وإسرائيل تحتل المركز الثاني 

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.


«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً
TT

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي أسرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامية، ولا مفاجآت روائية مبهرة. وهذا تماماً ما أرادت أن ترسمه الرواية. فليس ضرورياً أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كي تستحق قصتك أن تروى، يكفي أن تكون فلسطينياً وتحت الاحتلال، كي تصبح حكايتك مختلفة، مركّبة، حزينة، ومليئة بالتحديات. ذلك ما راهنت عليه صاحبة «تفصيل ثانوي» الرواية التي صدرت عام 2017 ولاقت ترحيباً واسعاً، كما أثارت ضجيجاً بعد أن ألغي تكريم كاتبتها بجائزة «لابيراتور» الألمانية، في أعقاب اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» وسط اتهامات للعمل بمعاداة السامية، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية في لندن عام 2021. الرواية فيها عودة إلى جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتكبها جنود إسرائيليون، ثم جاءت باحثة بعد عقود لتنبش في الأرشيف وتكشف فداحة ما حدث.

صاحبة «تفصيل ثانوي»

وكما في روايتها «تفصيل ثانوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عدنية شبلي هذه المرة إلى حياة طالبة فلسطينية وشقيقها وأمهما. تبدأ الرواية والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وسؤال وإبراز أوراق واستجواب، وخوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك.

من بداية الرواية التي تقع في 168 صفحة، تحضر الطبيعة، الأرض، المطر المتساقط، الذي يجعل جنبات الطريق موحلة، بينما تظهر الحقول، والسهول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الشتاء، برد خارج السيارة، وأنفاس الشقيقين تتحول رذاذاً على الزجاج، في حين الشقيق يحاول إخفاء الحطّة التي وضعها على الرفّ الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هكذا تحضر المكونات الأساسية للرواية، البيئة الفلسطينية الطبيعية، حضور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقاً أمام شقيقته الطالبة التي تحاول إخفاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزاً للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الذين يعترضون سبيله ظناً منهم أنه إسرائيلي، فإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة.

اللجوء للحقول والطيور

هكذا تنساب الحكاية، بحيث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيتونها المعمر الذي يُقتلَع ويعاد زرعه في أحياء إسرائيلية أو في حدائق عامة، ومن الثمر الذي يموت ويفنى على الشجر ولا يترك للمزارعين حق بلوغه أو قطافه. كذلك من العشب الذي ينمو عالياً بين جذوع الأشجار، بسبب الإهمال القسري، ولا يترك متسعاً للأوراق كي تتنفس. إنه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بالآفات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت.

تحتفي شبلي في روايتها بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مقطع مخصص لشجرة اللوز، براعمها، تبدل أحوالها مع تتابع الفصول، اخضرار ثمرها. هناك عودة متكررة إلى أشجار الزيتون للدلالة على ثبات الفلسطينيين وصمودهم. في الرواية نعيش توالي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشكل التربة، بتشققاتها، ووحولها، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل على دمج الطبيعة الفلسطينية في النص بهذه الكثافة، كأنما القصد منه إشعارك باندغام حياة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وسيقان عباد الشمس الواهنة، وشتلات الفول الفوضوية. تكاد المسافة بين الناس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان.

ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

وجوه بلا أسماء

هذه الطبيعة المغتصبة هي الحضن الذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عانى مرارة الأسر، حتى انكسر وشاخ وجهه وأسدل لحيته كي يخفي علامات القهر. نتابع الأم الصامدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بابنها وابنتها، وكأنها هي الركن الأكثر صلابة والوتد الذي بفضله يرتفع سقف الخيمة.

وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسماً لأي منهم، إغراقاً في تمويه المشهد، كي يبقى ملتفاً بما يشبه غلالة، أو كأنك ترى الأحداث من خلف غشاء شفاف. فحضور الحرباء في الرواية، وكذلك لجوء الطالبة إلى تمويه لكنتها العبرية التي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء الملتبس للفلسطيني المقيم على أرضه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب.

سجن اللغة والثأر

اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات التي يتعرض لها العربي وهو يتحدث العبرية. فهو حين يشدد الراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صوت، بل فخّ يجلب المتاعب، ويكشف الهوية، ويحيل إلى الأصل. لذلك؛ تجد الطالبة مخرجها في الجامعة بأن تحاول تبني اللكنة الأميركية، لتختفي خلفها، وتواري حقيقة انتمائها.

ليست مصادفة أن تختار الطالبة علم الاجتماع مجالاً لدراستها الجامعية، فبالرواية رصد دقيق لأصغر التفاصيل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والتفاتة الشقيق، ومتابعة زخّات المطر، ومطاردة حركة العصافير.

كأنما مسار القصّ يحيل إلى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفراده ومحو لغته، باضطهاد متكلميها، من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطيورها كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة.

هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نصٍ متأنٍ يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حيث لا عجلة، ولا لهاث خلف الأحداث. نتابع حياة، تسير الهوينا، وشخصيات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفزّ لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القصّ أو تمنحه حرارته.

الأسلوب البارد نفسه الذي اعتدناه مع عدنية شبلي، ويروق للبعض، لكنه قد يصيب بالملل أو الرغبة في القفز عن الصفحات، للوصول إلى صدام ما أو حدث يكسر الرتابة، لكن حتى أسر الشقيق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب.

وفي الجزء الأخير، حين يدخل على خط الأحداث الصحافي الأميركي القادم إلى البلاد لإجراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفقاً شعورياً لم يقع عليه بعد، أو حيوية تدخل إلى حياة الطالبة، بسبب وجود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات.

إنها إذن، رواية الخط المستقيم، رغم وجود فرص لرفع حرارة اللغة، أو إزالة البرود عن التعابير، قد تكون خياراً واعياً عند عدنية شبلي، كأنها تلتزم بمواجهة نار الاحتلال بالماء، أو صعقات العنف الممارس على أفراد مجتمعها/شخصيات روايتها، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع توالي الأيام والفصول بتأمل خارجي، مع استخدام لازمة «تتوالى الأيام، وتزداد الأوضاع سوءاً». كأنما الراوي في «تمويه» هو مجرد قصاصٍ محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يدور في ذهنها، وكيف ترى إلى ما حولها، كل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح.


رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال
TT

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد. و«اللّاروب» هي تحريف بالدارجة المغربية لكلمة «إلا ربع» وتعني لا شيء على ما يرام. فهي إذن إشارة لشيءٍ غير مكتمل، شيءٍ مَعيب... حيث الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز أو السكون أو الاضطراب.

على هذا المنوال تلعب الرواية الواقعة في 320 صفحة، وتعبر عن قلب الثقافة المغربية محتوًى ولغةً، وتخلط الجد بالهزل، الماضي بالمستقبل، والواقع بالخيال في سرد شيق وعذب. ويدرك الكاتب أنه يُشرِّح وضعاً محتقِناً، يحتاج إلى المراوغة ما بين الوضوح والتخفي أحياناً؛ لذلك يلجأ إلى استخدام السورياليّة برهافة شديدة، لينفذ من خلالها إلى قضايا معقّدةٍ ومسكوتٍ عنها أو مطمورة، مازجاً بين التفكير والهزل، في سياق حديثه عن مكانٍ، حيث يكتشف مرتادوه جوانب مجهولة من أنفسهم، يفاجأون بها وهم يستعيدون الحكي، ويترنّمون بالشعر، ويستدعون الغناء.

تدور أحداث الرواية في المغرب قبل استقلاله؛ إذ يحكي السارد قصة بنيس، الذي يعمل واشياً لدى سلطات الاستعمار الفرنسي. ويُكلف مراقبة «كباريه سنترا»، وهو أحد الملاهي الترفيهية التي تتمتع بحضور خاص، حيث يجتمع على طاولاته مثقفون وفنانون يمثلون تيارات فكرية ودينية وسياسية مختلفة، لكن يتفقون على فكرة واحدة: معارضتهم للاستعمار الفرنسي في بلادهم. لكنّ، ما يبدأ كعملية مراقبة في البدء، يتحول لاحقاً، في هذا الفضاء الزاخر بالشعر والأحاديث السياسية والغناء والطرب وبنقاشات الفلسفة وبالسخرية والتندّر، رحلة في الزمن يتنقل فيها البطل بين الماضي والمستقبل، والواقع والخيال، والحلم والذاكرة. هكذا، يجد نفسه فجأة في الدار البيضاء في زمنٍ لاحق، وفي جغرافيا جديدة، يبدأ في استكشافها، واستيعاب تضاريسها. وهكذا أيضاً، يصادف زوجته وقد أصبحت عجوزاً، بعد أن قالوا له إنها ماتت، بعد أن انتقلت إلى إسرائيل، وتزوجت من بولندي، أنجبت منه طفلاً وطفلة.

يذكر أن المؤلف حسن أوريد، كاتب وروائي مغربي حصل في عام 2015 على جائزة «بوشكين» للآداب عن مجمل رصيده الأدبي، ومن ضمنه: «رَواء مكّة»، «رباط المتنبي»، «ربيع قرطبة»، «الموريسكي»، «سيرة حمار». كما حقّقت كتبه الفكرية انتشاراً واسعاً، ومن ضمنها «عالم بلا معالم» و«أفول الغرب»، و«إغراء الشعبوية في العالم العربي» و« فخّ الهويّات» الصادران عن داري «نوفل» و«الفاضل».

من أجواء الرواية نقرأ: «رفع بنيس رأسه نحو الساعة المعلّقة. كان عقربها الكبير متوقّفاً على الرقم 9. اللاّروب. إلاّ رُبعا. لم تعد تقويماً زمنيّاً، بل حالة. نظر بنيس إلى يوميّات بوعيّاد. حكمة اليوم: في التأنّي السلامة وفي العجلة الندامة. من غير تاريخ. ماذا تفيد العجلة في زمنٍ متوقّف، ولا التأنّي في وضعٍ بلا علامات ولا معايير. المفاهيم زئبقيّةٌ في زمنٍ متوقّف، أو في وضعٍ تتداخل فيه الأزمنة».