المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟

أبرز مظاهر التهميش عدم وضع أسماء المترجمين على الأغلفة

المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟
TT

المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟

المترجم... شريك في الإبداع أم ظلّ مغيّب؟

لماذا تتكرّر ظاهرة تغييب أسماء المترجمين عن أغلفة الكتب وصفحاتها الداخلية، وهل يعكس هذا تجاهلاً لدور المترجم في إعادة صياغة النصوص؟ كيف تؤثّر هذه الممارسات على مصداقيّة النصوص المترجمة وعلى فرصها في الوصول إلى دوائر الأضواء الأدبية والمنافسة في الجوائز العالمية المرموقة؟ وهل يمكن لأدب مترجم أن يُحافظ على خصوصيته إذا عُومل كنصّ تقنيّ أو منتج صناعيّ، بعيداً عن حساسيّة الترجمة الأدبيّة وجماليّاتها؟ كيف يمكن لبعض التصرّفات الراهنة في العالم العربيّ أن تواكب التحدّيات الثقافية وتضمن أن يكون للمترجمين مكانة اعتبارية تعزّز من دورهم في المشهد الأدبيّ؟

من البديهيّ القول إنّه لا يمكن تجاهل الدور المحوريّ الذي يلعبه المترجمون في وصل الثقافات وجسر الفجوات بين الأمم عبر ترجماتهم، وإنّهم، كفاعلين ثقافيّين، يعملون في منطقة توازن دقيقة بين الحفاظ على أمانة النصّ الأصليّ وجماليّات اللغة الهدف، والحفاظ على روح النصّ وضرورات السياق الثقافيّ. ومع ذلك، تراهم يظلّون في كثير من الأحيان في الهامش، مغيّبين، سواء من خلال تهميش اسمهم أو التعامل مع جهودهم كعمل تقنيّ خالٍ من الإبداع، أو كأنّ دورهم ينتهي بمجرّد حصولهم على أجورهم الماليّة.

ومعلوم أنّ الترجمة عمل إبداعيّ يتطلّب حساسية أدبية وفنّية عالية، والمترجم في هذا الإطار ليس ظلاً للنصّ الأصليّ، بل هو شريك، و«صاحب» النصوص في اللغة المترجَمة بصيغة ما، يُسهم في تطويرها وإغناء معانيها، كما أكّد أمبرتو إيكو في كتابه عن الترجمة: «أن نقول الشيء نفسه تقريباً»؛ حيث أشار إلى أنّ الترجمة هي عملية «قول الشيء نفسه ولكن بطريقة مختلفة».

أحد أبرز مظاهر التهميش تتجلّى في عدم وضع أسماء المترجمين على أغلفة الكتب، كما هو الحال في بعض دور النشر العربية، التي تكتفي بذكر اسم المترجم داخل الصفحات. هذا الأسلوب ينزع عن المترجم حقّه في الظهور في المقدّمة، ويضيّع على القارئ فرصة اكتشاف اسمه من الغلاف؛ لأنّه يتعامل مع رؤى المترجم واجتهاده، ما يجعل حضوره الاعتباريّ ضرورياً لضمان مصداقيّة النصّ. وفي حالة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية واللغات الأخرى، نشير هنا إلى حالة جائزة «كتارا للرواية العربية»؛ حيث يتمّ تغييب أسماء المترجمين عن الأعمال المترجمة إلى الإنجليزية أو الفرنسية، سواء على الأغلفة أو حتى داخل الصفحات، وهذه الطريقة تقدّم النصوص والروايات الفائزة بـ«كتارا» وكأنها صادرة باللغة الإنجليزية أو الفرنسيّة من دون أيّ وسيط، متجاهلةً الدور المركزيّ للمترجم في تشكيل النصّ، ما يُعتبر طمساً لجهدٍ إبداعيّ أساسيّ، وحرماناً للنصّ المترجم من حقوق البحث عن الظهور في اللغات الجديدة في المجال الذي يقدّم فيه.

الجائزة التي يفترض بها الاحتفاء بالرواية العربية الحديثة قد تعود بمفعولٍ عكسيّ في حالة ترجمة الأعمال المتوّجة بها، فتقدّم نصوصاً غفلاً من اسم المترجم لقارئ مهتمّ بأدقّ التفاصيل، يختار بعناية ما يقرأ ولماذا يقرأ.

وفي هذا السياق تبرز قضية أخرى لا تقلّ أهمّية وهي الاعتماد على شركات الترجمة بدلاً من المترجمين المستقلّين أو ذوي الخبرة الأدبية. هذه الممارسة - وإن أمكن تبريرها في مجالات محدّدة - تؤثّر على جوهر النصوص ذاتها، ممّا يؤدّي إلى فقدانها لفرادتها وجمالياتها وخصوصيتها التي تُعتبر جزءاً رئيساً من روح النصّ الأصليّ. والاستعانة بشركات ترجمة، من دون وضع أسماء المترجمين وإعلان هويّاتهم، يعني أنّ النصّ الإبداعيّ يُعامَل كمنتج قياسيّ، وليس كعمل إبداعيّ مميّز. في هذه الحالة، تُصبح الترجمة أشبه بخطّ إنتاج صناعيّ؛ حيث تُفقد النصوص خصوصيّتها بسبب التعامل معها كموادّ قابلة للنقل من دون مراعاة تفاصيلها الفريدة. هذا الفقدان للخصوصية يُحدث خللاً في تلقّي النصوص المترجمة؛ لأنّ القارئ في اللغة الهدف يتلقّى نسخة منقوصة من النصّ الأصليّ، تفقد روحها وشغفها الذي أراد المؤلّف، والمترجم المعلن عن اسمه وهويّته نقله في حال تثبيته.

ولا يخفى أنّه في عالم الأدب والترجمة، هناك جوائز أدبية كبرى تُدرك أهمّية دور المترجم كشريك إبداعيّ إلى جانب الكاتب، منها جائزة «مان بوكر الدولية البريطانية»، على سبيل المثال، تُعدّ نموذجاً رائداً في تكريم المترجمين. إذ تُمنح الجائزة مناصفةً بين المؤلّف والمترجم، ما يعكس إيماناً راسخاً بأنّ العمل الأدبيّ المترجم هو نتيجة لجهدٍ إبداعيّ مشترَك. هذه الخطوة بالإضافة إلى أنّها تكريم رمزي ومادّيّ، هي إقرار بأهمية المترجم في إبراز النصوص وتحقيقها لأقصى درجات التأثير والجمالية في اللغات الجديدة.

حين يُنشر عمل أدبيّ دون ذكر اسم المترجم، فإنه يُلحق الضرر بالنصّ نفسه، حيث يحرمه من فرص المشاركة في الجوائز الأدبية العالمية المرموقة المخصّصة للأعمال المترجمة. مثل هذه الجوائز، كجائزة BTBA (Best Translated Book Award) الأميركية، تعطي قيمة كبيرة للترجمة والمترجمين وتعتبرهم جزءاً أساسياً من الإبداع الأدبيّ. وعدم ذكر اسم المترجم يجعل النصّ مجهول الهويّة من الناحية الاعتبارية، وبالتالي يُستبعد من المنافسة في هذه الجوائز التي تُعزّز مكانة النصوص المترجمة وتضعها في دائرة الضوء العالميّ.

قسم من دور النشر يعتمد على شركات الترجمة بدلاً من المترجمين المستقلّين أو ذوي الخبرة الأدبية

ومع ظهور أدوات وتطبيقات الترجمة الآلية وتطوّر الذكاء الاصطناعيّ - وهذه أدوات مفيدة وتساعد في الترجمة - قد يتبدّى أنّ الجانب البشريّ في الترجمة مهدّد بالتهميش، لكنّ النصوص الأدبية، بما تحمله من حساسية وجماليات، لا يمكن أن تُترجم بطريقة آلية خالية من الإبداع، والمخرج النهائيّ هو الإنسان الذي يضيف بُعداً ثقافيّاً وفنّياً يعجز الذكاء الاصطناعي عن تحقيقه، ما يجعل دوره حيويّاً في الحفاظ على روح النصوص وجماليّاتها.

يُعدّ ذكر اسم المترجم على غلاف الكتاب إعلان مسؤولية أدبيّة وثقافية؛ لأنّ وجوده يعني أنّ هناك شخصاً يتحمّل مسؤولية جودة الترجمة، ويُطمئن القارئ إلى أنّ النصّ قد خضع لمعالجة جادّة تعكس قيمته. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ غياب الاسم قد يؤدّي إلى تقويض القيمة المعنوية للنصّ المترجم نفسه. لذا من المهمّ أن يصبح ذكر اسم المترجم معياراً للأعمال المترجمة؛ لأنّه يعكس الاعتراف بالدور الثقافيّ والإبداعيّ المستحقّ، ومن المهمّ تعزيز حضور المترجم إعلامياً وثقافياً حين الاحتفاء بالكتب التي ترجمها؛ لأنّ ذلك ضرورة لإرساء قيم العدالة الثقافية وتعزيز مكانة الأدب العربيّ المترجم في الساحة العالمية.

* كاتب كردي سوري.


مقالات ذات صلة

الجيل الضائع في باريس

ثقافة وفنون فيتزجيرالد وزوجته

الجيل الضائع في باريس

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة.

شاكر نوري
ثقافة وفنون اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب،

جمعة بوكليب
ثقافة وفنون الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».