«وادي الفراشات»... مخطوطة الحكايات المفارقة

أزهر جرجيس يكتب سيرة أخرى للبلاد التي صارت مقبرة منسية

«وادي الفراشات»... مخطوطة الحكايات المفارقة
TT

«وادي الفراشات»... مخطوطة الحكايات المفارقة

«وادي الفراشات»... مخطوطة الحكايات المفارقة

ثمة انتظام حكائي سردي موضوعاتي تحرص رواية «وادي الفراشات» لأزهر جرجيس («مسكيلياني» - تونس/ «الرافدين» - بغداد 2024) على اقتفاء آثاره شبه الثابتة في روايتين سابقتين لأزهر جرجيس: «النوم في حقل الكرز» 2019، ثم «حجر السعادة» 2022. وقد شكَّلتا مدونة سردية ذات عوالم حكائية وموضوعاتية شبه مكررة. وقد نقول إن التكرار هو سمة تقوم عليها أغلب المدونات، بل إنه من غير الممكن وصف منظومة سردية بالمدونة من دون سمة التكرار. فلا ضير مما هو أساسي. إنما تتخذ النصوص المختلفة اتجاهاتٍ وموضوعاتٍ ضمن الإطار العام للمدونة، سوى أن التكرار يولِّد ضغطاً يُنتج، غالباً، تحوَّلاً أو اختلالاً في العالم السردي. في الروايتين السابقتين، كان لدينا موضوعان كبيران. فقد انشغلت «النوم في حقل الكرز» بسردية أساسية هي «العودة» المتخيلة للبلاد بعد منفى طويل. وكانت سردية الاحتجاج المنفتحة على عوالم السرد التشردي هي الموضوع الأساسي في «حجر السعادة». فهل ثمة موضوع جديد تنهض به رواية «وادي الفراشات»؟

دفتر الأرواح

أسهل طريقة لكتابة رواية ناجحة هي أن تعتمد نظام المخطوطة. نلمس حدود هذه القناعة بأكثر من سبيل في «وادي الفراشات». لنتذكر أنها الطريقة ذاتها التي اعتمدت في إنجاز الروايتين السابقتين، وقد حققتا نجاحاً ملحوظاً «سواء لناحية الانتشار والمقروئية، أو الوصول إلى مرتبة متقدِّمة في جوائز الرواية العربية. فهل هذا تسويغ كافٍ لتكرار المحاولة للمرة الثالثة؟ الحجة المقنعة تفترض أن نظام المخطوطة قد وفَّر الانتظام السردي المطلوب للروايتين. ثمة، إذاً، راوٍ يخبرنا، ابتداءً، أن خاتمة مسبقة تُصاغ أمامنا في مطلع الرواية. فهل الاستشعار أو الإخبار المسبق بالخاتمة هو أمر ذو وظيفة بنائية أساسية في الرواية؟ أغلب الظن أن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بإشكالية أساسية تتصل بنظام المخطوطة ذاته. لنختصر الإجابة ونسأل: لماذا يبدو نظام المخطوطة فاعلاً في كتابة رواية ناجحة؟ أفكر أن المخطوطة تمكِّن الرواية من أمور كثيرة أهمها، ربما، إمكانية إعادة كتابة الحكاية ذاتها بمنطق آخر. وهذه الإمكانية هي الطريق الأجدى لاقتراح تاريخ جديد، يختلف، أو يتعارض، جذرياً مع التاريخ السردي المعتمد. فأي تاريخ تقترحه «وادي الفراشات»؟

تاريخ «الأرواح»، أو تاريخ «الموتى»، هي المهمة الجليلة التي يتركها «الموتى» للأحياء؛ إذ إن كتابة تاريخ خاص للموت هو شأن الأحياء، إنما «الموتى» فعلوا ما بوسعهم وماتوا تاركين للأحياء مهمة كتابة تاريخهم من بعدهم. لكن أي «أرواح» يريد «عزيز جواد»، بطل الحكاية وراويها، أن يكتبها؟ تقترح الرواية لنفسها نوعاً جديداً من الأرواح، وهي أرواح «الفراشات» غير المسماة، أو ممن لم يُمنحوا حتى فرصة أن تكون لديهم أسماء بعينها. فيكون بعض مهمة المؤرخ أن يسمي الأجساد اللقيطة الملقاة على الأرصفة أو في حاويات القمامة، قبل أن يدفنهم في منخفض، أو سفح التل، خارج العاصمة، وسيسمي المقبرة المقترحة «وادي الفراشات». والمفروض، أو مثلما تقترح الرواية ذاتها، ابتداءً، من عنوانها، أن جمع الفراشات الميتة من الشوارع هو الموضوع البديل عن الموضوعات الكبيرة شأن سردية الحياة في بلاد الديكتاتور، أو أن تتعلَّق الرواية بموضوعة الاحتجاج. فهل تريد «وادي الفراشات» أن تعيد السرد إلى إيقاعه الهادئ العبيد، إلى حد ما، عن صخب السرديات الكبيرة؟

جمهورية الخوف

الصدفة العمياء، ربما، تقود «عزيز جواد» لاكتشاف سردية «وادي الفراشات»؛ عندما يوصل بسيارة التاكسي العجوز المتبرع بالتقاط الأجساد اللينة ويتولى دفنها في الوادي المنخفض قرب مدينة «ديالى». هذه الصدفة تشبه إلى حد بعيد صدفة دخول البوليس لمكتبة الخال «جبران» وعثورهم على كتاب «جمهورية الخوف» فيجري سجنه بتهمة الكتاب الممنوع المعارض لسردية الديكتاتور. لكن الكتاب يصل إلى «جواد» عن طريق صديق الأمس، الـ«متدين»، حالياً، المنقلب على تاريخ تشرده وضياعه؛ فكيف لمنقلب أن يعتمد السرديات الليبرالية المعارضة؛ وهو الأقرب لسردياته الدينية ذات الأصل المعروف «فلسفتنا مثلاً»؟ لكن الانتظام المفترض في «وادي الفراشات» يعيد تفسير فقدان المسوغات الكافية لسردية الصدفة ذاتها؛ فحياة «جواد» هي سلسلة مصادفات؛ مصادفة الحياة جوار أب فاقد لمقدرة الكلام والتعبير عن الذات وتحول هذه المصادفة، من ثمَّ، لقدر لا سبيل للخلاص منه بمواصلة حياة ناقصة تحت سلطة الأخ الكبير. فهل انتهت المصادفات؟ حياة «عزيز جواد» سلسلة مصادفة آخرها تعثره، بالصدفة، على سردية «وادي الفراشات»؛ فالمصادفة هي المسوّغ، يا للمفارقة، للحب الجامع بينه و«تمارا»، الشابة المنحدرة من عائلة غنية، ثم الزواج منها. وهي المفسِّرة لفصله من عمله الوظيفي الحكومي. لا قصة متماسكة سوى المصادفة ذاتها. حتى اللحظة المؤدية إلى القصة الرئيسة، قصة الفراشات، وهي خطف «سامر» من مجهولين من باب منزلهم لا تفسير متماسك لها سوى أنها تمهِّد لقصة الفراشات وواديها. كأن الرواية تقول لنا ضمناً إن الحياة في بلاد الديكتاتور، ثم في حياة ضحاياه، تفتقر إلى جدارة التسويغ. ولا بأس، فهذا ذاته هو شأن سرد ما بعد الحداثة؛ فهو سرد بلا مسوغات وتفسيرات أساسية، سرد مخطوطة تتولى الرواية الجديدة إعادة كتابتها بمنظور ومنطق مختلف.

وادي الفراشات... الجدل الخفيّ

لِنَعُدْ إلى أصل القصة، بالضبط إلى السؤال الرئيس: ما موضوع الرواية؛ بل ما موضوع المخطوطة المقترحة؟ ثمة مساران مختلفان، ظاهرياً، وهما المتحكمان في عالم رواية «وادي الفراشات». المسار الأول تمثِّله قصة «عزيز جواد»، وقد وجدنا أنها حياة مؤجلة تغذِّيها صدف مختلفة. هذا المسار يشغل المساحة الكتابية الكبرى من حجم النص؛ إذ يؤلف ثلاثة فصول من خمسة فصول هي الحجم الكتابي الكلي لنص الرواية. وبلغة الأرقام فإن قصة عزيز جواد تشغل مائة وواحداً وخمسين صفحة، فضلاً عمَّا تشغله في الفصلين المتبقيين. وتشغل مخطوطة «دفتر الأرواح»، وهي الأصل في المخطوطة غير المنتهية أو المكتملة، شأن مدونة الليالي الشهيرة؛ فهي ألف ليلة وليلة، ومخطوطة الأرواح لا تنتهي، ويتولى «آخرون» كتابتها، أو إضافة الفصول إليها. ولا نترك هذه الموضوعة من دون حفر إضافي يعطي المخطوطة أهمية مضافة؛ فالعجوز يترك المخطوطة خلفه في سيارة «جواد» ويذهب لحاله، بعد أن دفن فراشة جديدة هناك في «وادي الفراشات»، ويجري إيهامنا بأن العجوز قد ترك «المصحف»، ونكتشف مع «جواد» أن المصحف ليس سوى نسخة العجوز من «دفتر الأرواح». هذا الإيهام ذو وظيفة مفيدة تعطي قيمة جديدة للمخطوطة؛ فالتسوية الأولية، غير المقصودة حتماً بين «المصحف»، وهو هنا كتاب «القرآن»، ودفتر الأرواح لا يلبث أن يكشف عن معنى ودلالة غير معلنة لتوصيف «المصحف»؛ فالأصل اللغوي للمصحف كما يقول ابن منظور هو أن المصحف: «وإنَّما سُمِّي المصحفُ مصحفاً؛ لأنه أُصْحِفَ، أي جُعل جامعاً للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّفتَّين». وهو معنى يتجاوز الدلالة الاصطلاحية للكتاب، ويظل فاعلاً عند معنى الصحف المجموعة بين دفتي كتاب، وهو المقصود هنا بصيغة الكتاب غير النهائي أو غير المكتمل مما ينسجم مع دلالة «المخطوطة» غير المكتملة. لكنَّ هذه الصلات الحقيقية أو المتوهَّمة لا تلغي المفارقة الأساسية مما لا تخفيه الرواية؛ فالقصة الأساسية هي قصة «عزيز جواد» وليست حكاية أو مخطوطة «دفتر الأرواح». هذا ما تدَّعيه الأرقام ويعززه الحجم الكتابي الفعلي للمسارين في الرواية. فهل تؤيد الدلالات الأولى لعنوان الرواية «وادي الفراشات» الافتراض المتقدِّم؟

تفتتح الرواية عالمها بزيارة أخيرة من الخال «جبران» لابن أخته «عزيز جواد» في محبسه. وفي الزيارة تَرِد الإشارة الأولى لحكاية «دفتر الأرواح»؛ إذ يسلِّم الخال «المخطوطة» ويذهب إلى قبره المنتظر. ثم يجري تغييب المخطوطة وأثرها حتى يتعثر «عزيز جواد» بالشيخ العجوز، دافن جثث الأطفال في وادي الفراشات. فهل يُفيد هذا الأمر أن السرد يأخذ بالتصدع جراء تنازع موضوعين أو قصتين لا تصل إحداهما بالأخرى على عالم الرواية؟ هل نذهب، نحن القراء، مع ظاهر النص بحجومه وانحيازاته أم نفترض أن وادي الفراشات هو الدلالة الكلية للقصص كلها؟ فهو، بهذا التوجيه، أقرب ما يكون إلى الدلالة الكلية لما يُصطلح عليه بجامع النص؟ ربما؛ فالتصدع وتنازع القصص والموضوعات، هما شأن قصص ما بعد حطام الديكتاتوريات، وهما مآل المخطوطات غير المكتملة أيضاً. وأياً ما كان تأويل التنازع المفترَض في «وادي الفراشات» فإن الرواية تكافح لأن تنجو بجلدها بألا تنحاز إلى أيٍّ من المصادفات الصانعة لعالمها. وتحاول، بقدر ما تستطيع، ألا تتورط بأي تأويل ذي انحياز معلن، ولكن هيهات؛ فهي «وداي الفراشات»، وهي قصة «عزيز جواد»، وهي كذلك «دفتر الأرواح»!

* ناقد عراقي


مقالات ذات صلة

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل
ثقافة وفنون جانب من المعرض

حضور نوعي ومبادرات رائدة

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق.

فيء ناصر (لندن)

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.