هل الشعر والفن قابلان للتوريث؟

أبناء الشعراء والإقامة الصعبة في كنف الظلال الشاهقة للعبقرية

إبراهيم اليازجي
إبراهيم اليازجي
TT

هل الشعر والفن قابلان للتوريث؟

إبراهيم اليازجي
إبراهيم اليازجي

لم تأنس أمة من الأمم بالشعر وتطرب له وتقدِّمه على ما سواه من الفنون كما هو حال العرب الأقدمين الذين احتفوا بولادات الشعراء وحوَّلوها إلى أعراس للبهجة والانتشاء باللغة والشعور بالظفر. وقد أكد أبو عثمان الجاحظ في كتابيه «البيان والتبيين» و«الحيوان» أن العرب يتميزون عن سائر الأمم بكونهم مفطورين على الشعر، وبأنه «مقصور عليهم بالبديهة والسليقة». ولعل أكثر ما يؤكد التصاق العرب بهذا الفن منذ القدم، هو اهتمام غالبيتهم العظمى، ليس فقط بقراءة الشعر وسماعه وحفظه، بل بنظمه وتأليفه، وصولاً إلى حمل لقبه الأسمى بأي طريقة أو ثمن.

وإذا كان هاجس الانتساب إلى أندية الشعر المأهولة بكل صنوف «الشياطين»، ما انفك يتحكم بكل عربي منذ الجاهلية حتى يومنا هذا، فإن هذا الهاجس يرتفع منسوبه إلى الحدود القصوى لدى أبناء الشعراء، وبخاصة الكبار منهم، حيث يرى هؤلاء أنهم الطرف الأولى بالجلوس على كرسي الكتابة الشاغر ومتابعة المسيرة السلالية المباركة.

على أن ما تقدم لا يعني بأي حال إنكاراً مطلقاً لمبدأ الوراثة الشعرية، والفنية على نحو عام، خصوصاً أن الباحثين والمتخصصين في علوم الجينات، يؤكدون أن ما يرثه الأبناء عن الآباء والأمهات والأسلاف، لا يقتصر على ملامح الوجوه وبنية الأجساد وطبيعة الأمراض، بل تتسع دائرته لتشمل الطبائع والميول الفطرية والمواهب العلمية والأدبية. لكنَّ غالبية الأبناء يغضُّون النظر عن كون الحقيقة نسبيةً وحمَّالةَ أوجه، فيعمدون إلى إسباغ لقب «الشاعر» على أنفسهم، بمجرد إهالة التراب على ضريح الأب الراحل، ليس لأنهم كانوا عاجزين عن فعل ذلك في ظل حضوره الطاغي فحسب، بل خوفاً من أن يسبقهم إلى إعلان التنصيب أخٌ أو أخت «مُضاربان»، أو منافسٌ آخر متنطح للوراثة.

ومع ذلك فإن من الظلم بمكان الإنكار على الأبناء الموهوبين، حقهم الطبيعي في تحقيق ذواتهم وإنجاز مشروعهم الإبداعي الخاص، لمجرد أنهم وُلدوا لآباء شعراء أو أمهات شاعرات، رغم أن وقائع التاريخ تؤكد ندرة الحالات التي كانت فيها المواهب موزَّعة بالتساوي بين الآباء والأبناء. فحيث تمتع الآباء بموهبة متَّقدة النيران بدا أبناؤهم كأنهم يتغذّون من فتات الجمر السُّلاليّ قبل تحوله إلى رماد. وقد يكون العكس في المقابل هو الصحيح، بحيث لم يكتفِ بعض الأبناء بتلقف جينات آبائهم، بل إنهم أمعنوا في تجاوزهم إلى الحد الذي جعل من قامة المورِّث الإبداعية، شديدة القِصر إزاء قامة الوريث.

واللافت أن النقد العربي القديم لم يُغفل ظاهرة انتقال الشعر بالوراثة من الأب إلى الابن أو الحفيد، لا بل إن ابن سلام الجمحي يتحدث عن بعض الأبناء الذين كانوا ينظمون أشعاراً وينسبونها إلى آبائهم بعد رحيلهم، كما فعل ابن متمم بن نويرة. كما اشتكى الأصمعي من الأمر نفسه حين اعترف بأنه وجد صعوبة بالغة في جمع أشعار الأغلب العجلي، لأن أبناءه ظلوا «يزيدون في شعره حتى أفسدوه». كما تحدث ابن رشيق عن الأسر التي توارثت الشعر أباً عن جد على امتداد أجيال ستة.

والواقع أن الحالة الأكثر رسوخاً في ذاكرة العرب الجمعية هي حالة زهير بن أبي سلمى وابنه كعب، ليس فقط من زاوية الموهبة الشعرية التي ورثها الثاني عن الأول، بل لأن كلاً من الأب والابن استطاع أن يخلد اسمه وشعره عبر الزمن، ودون أن يكون كعب نسخةً مطابقةً من أبيه. صحيح أن بعض النقاد الأقدمين وضعوا زهير في الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية، وأشاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) وبعض الصحابة بمعلّقته الميمية، لما تتضمنه من نبرة حكمية ونزوع أخلاقي، فيما ذهب آخرون إلى تصنيف الابن على أنه واحد من شعراء الطبقة الثانية. لكن الفارق بين الشاعرين لم يكن واسعاً بأي حال. ومع أن كعباً لم يكن نسخة مطابقة من أبيه، بل نحا باتجاه قصيدة أكثر ليونة، وأقل احتفاءً بالمهارة البلاغية والصنيع اللفظي، إلا أن تشبيهه بأبيه من البعض، كان بالنسبة إليه أمراً باعثاً على الاعتزاز. وقد قال في ذلك:

أقول شبيهات بما قال عالماً

بهنَّ ومن يشبهْ أباه فما ظَلَمْ

ورغم أن كعباً لم يكن الوريث الوحيد لموهبة أبيه، بل شاركه في ذلك أخوه بُجير وابنه عقبة وحفيده العوّام، فإن نصيبه من الموهبة كان أكبر بكثير من نصيب الآخرين، الذين لم تغادر قصائدهم خانة النظم الباهت والخيال الشحيح. وما يجدر التوقف عنده أيضاً هو أن زهير الذي اكتشف باكراً موهبة ابنه، حاول أن يُثنيَه عن نظْم الشعر، لا غيرةٍ منه أو الخوف من تجاوزه إياه، بل مخافة أن «يتسفَّل ويأتي بالضعيف الذي يشوّه مجد الأسرة». إلا أنه إزاء إصرار ابنه على النظم لم يجد بُداً من تثقيفه وتهذيب لسانه وتزويد شاعريته بما يلزمها من أسباب الرعاية والنصح والاهتمام، كما كان يخرج به إلى الصحراء فيُسمعه بيتاً أو شطراً من بيت ويطلب إليه أن يكمله، إلى أن نضج واشتد عوده. وهو ما يقودنا إلى الاستنتاج أن الموهبة الموروثة لا تكفي وحدها للبلوغ بصاحبها إلى شاطئ التفرد الإبداعي، بل يجب أن تظل مضفورة بالإرادة والمشقة والكدح المعرفي.

لكنَّ نموذج الشاعر الكبير الذي يلد شاعراً يبزّه في الموهبة والتفرد، كما هو حال زهير وكعب، ظل نادر الحدوث، ولم يكن قابلاً للتعميم، بحيث يكفي أن نلقي نظرة متأنية على تاريخ الشعر العربي كي نتأكد من هذه الفرضية. فالقليلون من المهتمين بالأدب يعرفون أن الابن الأكبر لأبو تمام، كانت لديه مَلَكَة نظم القريض، ولكنه لم يكن يجرؤ في ظل الحضور الطاغي لأبيه على إفشاء الأمر على نحو واسع. حتى إذا رحل الأب انبرى تمّام للحلول مكانه، ممتدحاً والي خراسان عبد الله بن طاهر، الذي اعتاد أبوه مدحه، بقصيدة جاء فيها:

حيّاك رب الناس حيّاكا

إذ بجمال الوجه روّاكا

بغداد من نورك قد أشرقتْ

وأورقَ العود بجدْواكا

ورغم أن ابن طاهر لاحظ ما في شعر تمام من ركاكة، فقد وصله ببعض المال قائلاً له وقد آنس في سلوكه شيئاً من الطرافة: «لئن فاتَكَ شعر أبيك فلم يفُتْك ظُرفه».

وقد تكون تجربتا الشاعرين اللبنانيين ناصيف اليازجي وابنه إبراهيم في العصور المتأخرة، هي الأقرب إلى تجربة سلفيهما زهير وكعب، حيث لم يكتفِ الابن بوراثة الأب على المستوى الشعري، بل عمل جاهداً على رفد موهبته الفطرية بكل أسباب الثقافة والتحصيل المعرفي وإتقان كثير من اللغات، وهو الذي تمكنت قصيدته الشهيرة «تنبَّهوا واستفيقوا أيها العربُ»، من أن تحرك الوجدان العربي بأسره في مطلع عصر النهضة.

على أن مسألة الوراثة الإبداعية أخذت مع رائدة الحداثة نازك الملائكة منحًى مختلفاً عمَّا سبقها. فنازك التي ورثت موهبة الشعر عن أبيها وأمها، لم تقبل الإقامة في كنف النَّظْم الباهت للطرفين، بل ذهبت بعيداً في المغامرة، لا لتنقلب على الأبوّة الشعرية البيولوجية فحسب، بل على أبوّة العمود الخليلي ذي الطابع الذكوري برمته. وحين عبّرت في قصيدة «الكوليرا»، التي تتكرر فيها مفردة الموت بشكل ملحوظ، عن إصرارها على المضيّ في مغامرة التجديد، لم يُثْنِها عن مغامرتها تلك تعليق أبيها، صادق الملائكة، على القصيدة بقوله ساخراً:

لكل جديد بهجةٌ غير أنني

رأيت جديد (الموت) غير جديدِ

وإذا كان لي أن أخلُص إلى القول بأن العبقرية الشعرية والفنية هي، عدا استثناءات قليلة، عاقرٌ لا تنجب، أو غيرُ قادرة على استيلاد عبقرية مماثلة، فليس ذلك افتئاتاً على الحقيقة، بل هو استنتاج تؤيّده عشرات الأدلة والشواهد. ولعل أفضل تأكيد لصحته، هو ما جاء على لسان عبد الله الخوري في رثاء والده الأخطل الصغير، حين خاطب أباه الراحل في حفل تكريمه بالقول:

لم يخلّف شاعرٌ في الأرض شاعرْ

عاقراتٌ في رُبى البحر المنائرْ


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.