فنون كويتية متنوعة في افتتاح مهرجان «القرين الثقافي»

استعراض على إيقاع «الدزة»... وأغنيات لعبد الله الرويشد بصوت «الكورال»

تضمن حفل افتتاح مهرجان «القرين الثقافي» عرضاً موسيقياً بعنوان «من الكويت» جمع بين الفن الكويتي والفن العربي المعاصر بقيادة المايسترو الكويتي الدكتور أيوب خضر (كونا)
تضمن حفل افتتاح مهرجان «القرين الثقافي» عرضاً موسيقياً بعنوان «من الكويت» جمع بين الفن الكويتي والفن العربي المعاصر بقيادة المايسترو الكويتي الدكتور أيوب خضر (كونا)
TT

فنون كويتية متنوعة في افتتاح مهرجان «القرين الثقافي»

تضمن حفل افتتاح مهرجان «القرين الثقافي» عرضاً موسيقياً بعنوان «من الكويت» جمع بين الفن الكويتي والفن العربي المعاصر بقيادة المايسترو الكويتي الدكتور أيوب خضر (كونا)
تضمن حفل افتتاح مهرجان «القرين الثقافي» عرضاً موسيقياً بعنوان «من الكويت» جمع بين الفن الكويتي والفن العربي المعاصر بقيادة المايسترو الكويتي الدكتور أيوب خضر (كونا)

انطلقت في الكويت، مساء الاثنين، فعاليات مهرجان «القرين الثقافي» في دورته الـ30، تحت شعار «ثلاثون عاماً من الريادة والعطاء»، التي تستمر حتى 12 فبراير (شباط) الحالي، بتنظيم من «المجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب»، كما يأتي المهرجان هذا العام متزامناً مع الاحتفال باختيار الكويت «عاصمة للثقافة العربية 2025».

واختار المهرجان الأكاديمي والمثقف والناقد السعودي الدكتور عبد اللّه الغذامي، ليكون شخصية العام الحالي من المهرجان.

وزير الإعلام والثقافة ووزير الدولة لشؤون الشباب عبد الرحمن المطيري افتتح مهرجان «القرين الثقافي» ممثلاً رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد عبد الله الأحمد الصباح (كونا)

وافتتح ممثل رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد عبد الله الأحمد الصباح، وزير الإعلام والثقافة ووزير الدولة لشؤون الشباب، عبد الرحمن المطيري، مساء الاثنين، مهرجان «القرين الثقافي»، الذي أقيم على خشبة مسرح الدراما بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي.

وقال المطيري: «إن انطلاق مهرجان (القرين الثقافي) لهذا العام يتزامن مع احتفالاتنا الوطنية ويواكب بدء أنشطة (الكويت عاصمة للثقافة والإعلام العربي 2025)، مما يعكس الدور الريادي لدولة الكويت في دعم الثقافة العربية وتطوير مساراتها، انطلاقاً من إيمانها الراسخ بأن الثقافة والفنون هي الدعامة الأساسية لبناء المجتمع ونهضته».

وأكد أن دولة الكويت دعمت المبادرات الثقافية وأطلقت مؤسسات رائدة ومشاريع فكرية وإبداعية عززت من مكانتها على المستويين العربي والدولي، وأن هذا الدور الريادي تجلت في إصدارات متميزة مثل مجلة «العربي» و«عالم المعرفة» و«عالم الفكر» و«الثقافة العالمية» و«المسرح العالمي» و«إبداعات عالمية»، إلى جانب الصحافة الكويتية التي كانت ولا تزال منبراً للفكر والإبداع.

شهد حفل مهرجان «القرين الثقافي» أوبريت بعنوان «بالخير يللي مشيتوا» (كونا)

فنون من الكويت

وتضمن الحفل عرضاً موسيقياً بعنوان «من الكويت» جمع بين الفن الكويتي والفن العربي المعاصر، بقيادة المايسترو الكويتي الدكتور أيوب خضر بمصاحبة 50 عازفاً من أبرز الموسيقيين في الكويت والوطن العربي وبمشاركة الفنانين الكويتيين جاسم بن ثاني وعبد العزيز المسباح وعبد الله مبارك.

كما شهد الحفل أوبريت مصغراً عبارة عن أغنية وطنية بعنوان «بالخير يللي مشيتوا» للفنانة سناء الخراز بإيقاع «الدزة» بمصاحبة مجموعة من الفتيات الصغار أدت الرقصة الخاصة بهذا الفن، كما تم خلال الحفل تقديم فن «الطنبورة» بالطريقة الأصلية القديمة ومجموعة من أغنيات الفنان عبد الله الرويشد بصوت «الكورال».

باقة ثقافية

وفي تصريح لها، قالت عائشة المحمود، الأمين العام المساعد لقطاع الثقافة بالمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب، فإن المهرجان سيقدّم باقة متميزة من الفعاليات التي تتناسب مع ما تحتاج إليه الساحة الثقافية من حراك يتناسب مع العصر الراهن.

وحسب المحمود، فإن مهرجان «القرين الثقافي» يهدف إلى تعزيز الحركة الثقافية في الكويت والمنطقة، مع تسليط الضوء على الإبداع المحلي والعالمي في مجالات الفن الموسيقى، والمسرح، والأدب. كما يعكس المهرجان اهتمام الكويت بالحفاظ على التراث الوطني ومواكبة التحديات الثقافية المستقبلية.

وبيّنت عائشة المحمود أن الندوة الرئيسية لمهرجان «القرين الثقافي» تحمل هذا العام عنوان «جدلية النقد والنص الإبداعي»، وتتواصل جلساتها على مدار 3 أيام، وسيشهد المهرجان بين فعالياته أمسيات شعرية، وعروضاً مسرحية وفنية، ومعارض للفنون التشكيلية، وأنشطة تسلط الضوء على تاريخ وتراث وآثار الكويت، والجهود الجارية لاكتشاف مزيد من الآثار.

وأقيم حفل افتتاح المهرجان بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، فيما يستضيف مجمع «الأفنيوز» معرض صور من ماضي الكويت، ومعرضاً آخر حول إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، كما تستضيف كلية الآداب بجامعة الكويت معرض «القرين... ثلاثون عاماً من الريادة والعطاء».

وضمن فعاليات المهرجان، يستضيف متحف الكويت الوطني ملتقى ثقافياً بعنوان «ثلاثون عاماً من الإبداع... الثقافة في مواجهة تحديات المستقبل»، ومحاضرة بعنوان «التأثير الجيولوجي الأثري لمنطقة الصبية»، كما تستضيف جمعية الخريجين الكويتيين المعرض السنوي لمجلة «العربي»، الذي يحمل هذا العام عنوان «حنين... صور من نهضة الكويت»، ويستضيف بيت السدو «منصة أثر للحلي... للاستلهام الإبداعي من التراث اللامادي».

ويكرم المهرجان الراحل عبد العزيز سعود البابطين باعتباره رائداً من رواد النهضة الثقافية في الكويت، بفعالية تقام في مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي. وستقام «بانوراما» مهرجان القرين الثقافي في مكتبة الكويت الوطنية.

وأوضحت عائشة المحمود أن المهرجان، خلال أيامه، سيحتوي على فعاليات فنية، منها: أمسية موسيقية بعنوان «سامريات كويتية» لخلف العدواني، في مركز اليرموك الثقافي، و«غناوي كويتية» على مسرح عبد العزيز حسين الثقافي، وأمسية موسيقية للسفارة الكندية في مركز اليرموك الثقافي، بينما سيقام معرض القرين التشكيلي الشامل في متحف الفن الحديث، وسيقام معرض الشباب التشكيلي في قاعة معجب الدوسري بمركز عبد العزيز حسين الثقافي في مشرف، إلى جانب زيارة ميدانية لـ«منطقة الصبية»، بالإضافة إلى ملتقى ثقافي بعنوان «عالم المعرفة... منصة التنوير واستدامة الإبداع» وسيستضيفه فندق «سانت ريجيس».

اختار مهرجان «القرين الثقافي» الأكاديمي والناقد السعودي الدكتور عبد اللّه الغذامي شخصية العام الحالي للمهرجان (كونا)

الغذامي شخصية العام

أما حفل تكريم شخصية المهرجان، وهو المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي، فيقام بفندق «سانت ريجيس» في التاسع من الشهر الحالي، تعقبه جلسة حوارية تديرها ألطاف المطيري.

وقالت الأمين العام المساعد لقطاع الثقافة بالمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب إن احتفاء مهرجان (القرين الثقافي) بالدكتور عبد الله الغذامي جاء لكونه «شخصية علمية نقدية تنويرية عربية مرموقة»... وإن الغذامي «حمل مهمة التنوير النقدي منذ منتصف الثمانينات الميلادية من القرن العشرين مستهلاً إياها بكتابه (الخطيئة والتكفير)، حيث يواصل منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، طروحاته العلمية والنقدية والفلسفية التي أحدثت نقلة نوعية في الخطاب النقدي العربي، وأسهمت أبحاثه في نقل وتوطين مناهج النقد الأدبي الحديث ترجمة وتطبيقاً، وفتحت مجالات رحبة في قيادة الطرح النقدي العربي الأكاديمي».

وسيختتم المهرجان فعالياته بعرض مسرحية «أنتم مدعوون إلى حفلة»، للمخرج هاني الهزاع، وهو العرض الفائز بجائزة مهرجان الكويت المسرحي الـ24، في مسرح «الدسمة».



أسامة منزلجي... كان مهموماً باكتشاف ما يُغني ثقافتنا!

أسامة منزلجي
أسامة منزلجي
TT

أسامة منزلجي... كان مهموماً باكتشاف ما يُغني ثقافتنا!

أسامة منزلجي
أسامة منزلجي

تشاء الصدف أن تبدأ علاقتنا في منتصف تسعينيات القرن الماضي، برد فعلٍ لم أُسامح نفسي عليه كلما مرت ذكراه في خاطري. ورغم اعتذاراتي التي لم تتوقف حتى آخر اتصال بيننا، ظل يوحي كما لو أنه لا يعرف سبب الاعتذار، مُضمراً هو الآخر أسفاً على تسرّعٍ في التباسٍ عابر.

وهكذا بدأت رحلة تعاون لم تنقطع على مدى أكثر من عقدين من الزمن. كان أسامة منزلجي* لا يفارق مكتبه في غرفته المسوّرة بالصمت والعزلة الإبداعية، حيث العوالم الافتراضية بأبطالها وحكاياتها وأحداثها تُغني عزلته وتبهره بقيمها الجمالية، وترتقي به إلى حيث يتجاوز الواقع التافه والمتداعي واللامجدي.

لم يكن بحاجة إلى السفر أو المغامرة، لأن الكتب التي ترجمها كانت جواز سفره إلى حيوات لم يعشها أبداً، لكنها عاشت فيه.

كانت الترجمة بالنسبة له أكثر من مجرد عمل، بل كانت وسيلته السرية للتمرد، وطريقه الوحيد لملامسة الحافة الخطرة التي لم يقترب منها في واقعه اليومي.

من «الإغواء الأخير»، أول منجز نشره مع «المدى»، تابعت حيويته ونشاطه وثراء معرفته وتفاصيل ما يعيد خلقه وهو يترجم عيون الأدب العالمي، وفقاً لرؤية صادمة ومحاكاة لما كان يتوق إليه من حياة يتطلع إليها، قد تكون نقيضاً لواقعه المعيش. وحتى آخر عمل خطته يداه، كانت كل ترجمة يخوضها نوعاً من العيش البديل. لم يكن مجرد ناقل للأدب، بل كان كائناً يعيش داخل النصوص، يتماهى مع شخصياتها، ويعيد خلقها بلغته، مانحاً إياها بُعده الخاص. كانت كل كلمة يخطها طريقاً إلى الحياة التي لم يعشها، وكل جملةٍ مغامرةً لم يختبرها إلا عبر الصفحات. وبهذا الشغف العشقي، تكاملت أدوات أسامة منزلجي، وقد كان من بين أغلب مترجمي «المدى» هو من ينتقي الأعمال التي يتولى ترجمتها، واختياراته كلها تعكس سويته وتنبض بحساسيته ورهافة مشاعره الكامنة، بينما تثير الكثير من الأعمال المنتقاة المنشورة تساؤلاً لافتاً: لماذا كانت أبرز تلك الأعمال نقيض حياته الشخصية؟ فأُسامة العصامي، المفتون بالاكتفاء ربما على كل صعيد، المنعزل عن صخب الحياة وضجيجها، المتصوف «المترهبن» رغم اعتراضه على التوصيف، مستعيضاً عنه بالقول «أسلوب حياة محسوب بدقة» كما يذكر صديقه الكاتب والمترجم زياد عبد الله، يجد شغفه في اختيار أعمال تضج بكل ما هو ضد وصادم، كل ما هو منشغل بالمتع والملذات ومتجاوز لكل تحريم. لماذا اختار عملي هنري ميللر «ثلاثية الصلب الوردي» و«مدار السرطان» التي حاولت صديقته الوفية أناييس نن نشرها في الولايات المتحدة ولم تجد إلى ذلك سبيلاً، فطُبعت في باريس عام 1934، ولتتفنن بعدئذٍ في تهريب نسخ منها إلى الولايات المتحدة، بينما لم يجد عزرا باوند وهو يقرض الرواية سوى القول: «هاكم كتاب قذر يستحق القراءة!»، ولم يجاهر ت. إس. إليوت بإعجابه الشديد بها، مكتفياً بتوجيه رسالة إلى ميللر يثني عليها.

لم يكن اختياره عملي هنري ميللر «مدار السرطان» و«ثلاثية الصلب الوردي» اعتباطياً، بل كان انعكاساً لرغبة دفينة في استكشاف النقيض المطلق لحياته. كان أسامة العصامي، المنعزل، المتقشف، الذي يقضي أيامه في صمت مدروس، ينتقي أعمالاً تضج بالحياة الصاخبة، المغامرة، الجنس، التمرد، وكأنه يعيد تشكيل عالم لم يُكتب له أن يكون جزءاً منه. كان يعيش حياة المؤلفين الذين ترجمهم دون أن يغادر غرفته، يرافقهم في تيههم بين القارات، يتنقل معهم بين فنادق رخيصة وكهوف مظلمة، يشرب معهم في حانات باريس، ويشقى معهم في فقرهم المدقع.

لم يكن أسامة بحاجة إلى السفر أو المغامرة، لأن الكتب التي ترجمها كانت جواز سفره إلى حيوات لم يعشها أبداً

لماذا كان هذا الانجذاب إلى حياة لم يعشها؟ هل كان يحاول موازنة عزلته؟ أم كان يرى في الترجمة نوعاً من «الحياة البديلة» التي اختبرها دون أن يدفع ثمنها؟ مهما كان الجواب، فقد كان أسامة مترجماً لا يُشبه غيره. لم يكن مجرد ناقل للنصوص، بل كان صانعها الجديد، يبث فيها روحه، يذيب شخصيته في شخصياتها، حتى تكاد تلمح صوته بين الأسطر.

لم يكن من أولئك الذين يتباهون بأعمالهم، ولا من أولئك الذين يلهثون خلف الأضواء. كان مترجماً يعيش في الظل، تماماً كما كان يعيش في الحياة. اختار أن يترجم أدب المغامرة دون أن يغامر، أدب التهتك دون أن ينغمس فيه، أدب الفوضى وهو في عز انضباطه.

رحل أسامة في غمضة عين، مستريحاً وهو نائم إلى حيث النوم الأبدي. وكأن كل تلك الحيوات التي عاشها بين الكلمات قد استنزفت طاقته على الحياة. لكنه ترك خلفه إرثاً من الترجمة لم يكن مجرد نقل للمعنى، بل كان استنساخاً لروح النص، ومرآةً تعكس روحه هو، تلك الروح التي ظلَّت تبحث عن حيواتٍ لم تكن لها، حتى صارت جزءاً منها. لقد عوض نمط حياته الهادئ بترجمة المغامرين والمتمردين والمتهتكين وكأن الترجمة كانت طريقه الوحيد لخوض الحياة التي لم يعشها. نوع من الاغتراب العكسي، حيث لم يكن بحاجة إلى السفر الجسدي لأنه سافر عبر النصوص، وعاش حيوات بديلة من خلال الكلمات التي كان ينقلها.

* المترجم السوري الذي رحل في السابع من هذا الشهر، مخلفاً وراءه أكثر من ستين كتاباً مترجماً من أمهات الأدب العالمي.