رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

الكاتبة الليبية جعلت الحرب العالمية الثانية خلفية لروايتها الأخيرة

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل
TT

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

تعيد الكاتبة الليبية المقيمة في هولندا رزان نعيم المغربي تناول العلاقة بين الشرق والغرب من منظور مختلف عبر روايتها اللافتة الصادرة أخيراً «الرسام الإنجليزي»، حيث تقتفى فيها أثر شخصية الرسام جون فردريك بيرل الذي جاء إلى ليبيا وأبدع جدارية شهيرة في مدينة طبرق. ورغم أن العمل يتخذ من الحرب العالمية الثانية بأجوائها الدامية خلفية تاريخية للأحداث فإنها نجحت في نسج خيوط إنسانية متعددة المستويات النفسية والاجتماعية في النص. صدر للمغربي عدد من الأعمال منها «نصوص ضائعة التوقيع»، «الجياد تلتهم البحر»، «في عراء المنفى»، «مشاهد متعددة للحب».

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الكتابية:

* ألم تتخوفي من أن فكرة الرواية التي تغطي مساحة زمنية تمتد لنحو 70 عاماً عبر أجيال وأمكنة متنوعة ما بين ليبيا ومصر وإيطاليا ربما تكون تقليدية بعض الشيء، عكس الكتابة الحداثية التي تميل للتركيز على شخصية أو مكان بعينه؟

- بالطبع، قد يبدو للوهلة الأولى أن رواية تمتد عبر سبعة عقود وأجيال متعاقبة وتتنقل بين أماكن متنوعة تحمل صبغة تقليدية، لكنني أرى أن التصنيف الأدبي، خاصة في إطار ما بعد الحداثة، لا يتعلق بالضرورة بالزمان أو المكان أو حتى عدد الشخصيات. جوهر ما بعد الحداثة يكمن في تفكيك السرديات التقليدية وإعادة تشكيلها بأساليب تفتح آفاقاً جديدة أمام القارئ.

في روايتي، لم يكن الهدف تقديم سردية تاريخية بقدر ما كان محاولة لتقديم تجربة إنسانية متعددة الأبعاد. الشخصيات، رغم تعددها، صُممت بعناية بحيث لا تكون مجرد أدوات لتحريك القصة، بل كيانات مستقلة تحمل رؤاها وهواجسها، وتعكس تناقضات الزمن والمكان. كان كل منها بمثابة قطعة في فسيفساء أوسع، وكل مكان بمثابة مرآة تعكس ظلال الشخصية وتفاعلها مع محيطها.

* يعتبر البعض أن عملك الأحدث «الرسام الإنجليزي» بمثابة رواية عن تعاقب الأجيال، فيما يراها البعض الآخر رواية عن الصراع بين الشرق والغرب... كيف ترين أنت العمل بعين المؤلف؟

- عندما أستعيد النظر إلى العمل بعين المؤلف، أجد أنني لا أميل لحصرها في تصنيف واحد أو تفسير نهائي. الكتابة بالنسبة لي ليست محاولة للإجابة عن الأسئلة بقدر ما هي خلق فضاء واسع يسمح بطرح أسئلة جديدة. لذا، سواء قرأها البعض كرواية عن تعاقب الأجيال أو كعمل يناقش التصادم الحضاري بين الشرق والغرب، أرى فيها انعكاساً لثراء النص وقابليته للتأويل.

في أثناء كتابة الرواية أُبعد نفسي تماماً عن هواجس التصنيف أو كيف سيتم قراءتها. أدخل إلى النص محمّلة ببحث عميق ومعرفة دقيقة، لكن تركيزي ينصب بشكل أساسي على التوازن الفني. يشبه الأمر مراقبة الرسام لفضاء لوحته، محاولاً تحقيق انسجام بين الألوان والخطوط بحيث تعبر عن رؤيته الداخلية.

تعاقب الأجيال كان اختياراً مقصوداً لمنحي مساحة زمنية أتحرك فيها بحرية. هي ليست رواية فقط عن الشرق أو الغرب، ولا عن الأجيال وحدها، بل عن الإرث الذي نحمله جميعاً، والذي يشكل هويتنا سواء أدركنا ذلك أم لا.

* ما الذي أثار حماسك لتقتفي إبداعياً أثر الفنان التشكيلي الإنجليزي جون فرديرك بيرل ورحلته إلى ليبيا وجداريته في مدينة طبرق؟

- ما أثار حماسي هو رغبتي الدائمة في خوض تحديات جديدة، وطرح مواضيع لم أتناولها من قبل. بالنسبة لي، الكتابة عن شخصية فنية بهذا العمق ليست مجرد استكشاف لسيرة أو حدث تاريخي، بل محاولة لتقمص روح الفنان نفسه، للكتابة عنه من الداخل، عن أحلامه وهواجسه ورؤيته للعالم، بعيداً عن الصورة النمطية التي غالباً ما تُقدَّم في الدراما العربية.

ما شدّني أكثر هو فكرة وجود عمل فني بهذه الأهمية، جدارية تمثل امتزاجاً بين التاريخ والفن، ولكنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي حتى بين الليبيين أنفسهم. شعرت بأن تسليط الضوء على هذا الأثر يمثل مسؤولية ثقافية، خاصة في وقت بدأ فيه الليبيون يتطلعون لاكتشاف ما تحتويه بلادهم من كنوز طبيعية وتراثية. ليبيا، بمساحتها الشاسعة وتنوعها الجغرافي، تزخر بمثل هذه الكنوز التي قد لا يتمكن كثيرون من زيارتها أو معرفتها بسبب الظروف والتحديات.

شعرت بأنني أفتح نافذة جديدة للقارئ، ليست فقط لاستكشاف أثر فني، بل للغوص في أعماق الروح الإبداعية التي صنعته. هذا التحدي، وهذه الرغبة في تقديم الفن بروح حقيقية، هما ما ألهماني وحرّكا شغفي لكتابة الرواية.

* شخصية «سدينة»، المرأة الليبية التي عاشت مراحل الصبا والأمومة ثم أصبحت جدة، بدت من لحم ودم... كيف راودتك ملامح شخصيتها؟

- «سدينة» كانت أول شخصية ترتسم ملامحها في ذهني عند البدء في كتابة العمل. كان هناك شيء عميق يجذبني نحو فكرة المرأة الليبية القوية، تلك التي تحمل بين طيات حياتها مراحل الصبا والأمومة والجَدَّة بحكمة وشجاعة نادرتين. كنت دائماً معجبة بنماذج الجدات في مجتمعاتنا، ليس فقط بسبب قوتهنّ في مواجهة المصاعب، ولكن أيضاً بسبب انفتاحهنّ المدهش على التعامل مع ما هو مختلف عنهنّ، سواء في الأفكار أو التجارب.

بالنسبة لي، «سدينة» ليست مجرد شخصية متخيلة، بل تمثل خلاصة حكايات وأصوات نسائية تراكمت في ذاكرتي على مر السنين. إنها تلك الجدة التي تحمل قصصاً من الماضي، لكنها في الوقت ذاته تتعامل مع الحاضر بعقل متفتح وقلب مفعم بالحب والفهم. أحببت أن أكتب شخصية تشبه هذه النماذج الواقعية، التي ربما لم تنل حقها في التوثيق الأدبي بما يكفي.

* هل كانت الإضاءة على الحرب العالمية الثانية في شمال أفريقيا أحد أهداف النص؟

- بالطبع، لكنه لم يكن الهدف الوحيد أو الأبرز. عندما اخترت أن أكتب عن جندي بريطاني شارك في الحرب العالمية الثانية، وجدت في ذلك فرصة لا يمكن تجاهلها لاستحضار حقبة زمنية عانى فيها الشعب الليبي من احتلالات متعاقبة وصراعات دارت رحاها على أرضه، غالباً دون أن يكون له يد في إشعالها.

الحرب العالمية الثانية ليست مجرد خلفية تاريخية في الرواية، بل هي مرآة تعكس معاناة الإنسان الليبي في تلك الحقبة. أردت أن أظهر كيف أن هذه الأرض، التي كانت ساحة للمعارك بين قوى كبرى، تحملت عبء الحروب دون أن يُلتفت إلى الألم الذي عاشه سكانها.

لكنني لم أكتفِ بذلك، بل سعيتُ لأن تكون الحرب خلفية إنسانية أيضاً. أردت أن أستعرض كيف تتقاطع حكايات الأفراد، مثل الجندي الفنان والشخصيات الليبية، مع هذا المشهد الكبير، وكيف تُعيد هذه التقاطعات تعريف الصراعات والتجارب التي يعيشها كل منهم.

* أعمال كثيرة تناولت العلاقة بين الشرق والغرب... ما الذي كان في ذهنك وأنت تعزفين على هذا الوتر في «الرسام الإنجليزي»؟

- صحيح أن العلاقة بين الشرق والغرب تم تناولها في أعمال روائية كثيرة، لكنها غالباً ما كانت تقع في فخ النمطية، حيث جرى تقديمها في إطار آيديولوجي يختزل الآخر ويُصوره ككتلة واحدة باعتباره المستعمر الظالم أو المحتل المنمّق. هنا، لم أسعَ لتجميل هذه العلاقة أو تقديمها بانحياز، بل أردت أن أُعيد تركيب المشهد بعمق إنساني يملأ الفجوات، ويطرح زوايا جديدة لفهم التداخل بين الثقافات بعيداً عن القوالب التقليدية.

كنت واعية تماماً بأن الاحتلال، أياً كان، يحمل في جوهره القبح والاستغلال. ومع ذلك، ما بعد الكولونيالية كمنهج أدبي يتيح لنا النظر إلى ما وراء الشعارات والمظاهر، لاستكشاف الأبعاد الإنسانية الكامنة في مثل هذه العلاقات.

* إلى أي حد ساهمت إقامتك بهولندا في نظرتك لتلك العلاقة المأزومة بين الشرق والغرب؟

- إقامتي في هولندا لم تشكل لي صدمة كما يحدث للبعض عند انتقالهم إلى بيئة جديدة ومختلفة تماماً. كنتُ منفتحة منذ البداية على التعامل مع الآخر، سواء من خلال عملي أو اطلاعي على الأدب والفنون الغربية، لكن العيش في هولندا كان تجربة أعمق وأكثر تفصيلاً. كان عليَّ أن أتعلم عادات جديدة تندرج ضمن تفاصيل الحياة اليومية: تفقد صندوق البريد يومياً، قراءة الفواتير وفهم طرق سدادها بالتقسيط، التعامل مع الإدارات الحكومية عن بُعد من خلال الهاتف أو البريد الإلكتروني.

* هل اكتشفتِ «غرباً» آخر بخلاف الصورة النمطية التي بمخيلتنا؟

- نعم، الكثير من التفاصيل الصغيرة التي عايشتها وتبدو بسيطة كشفت لي عن أن الحياة في الغرب ليست بالضرورة معقدة كما تصوّر لنا أحياناً. في هولندا، لمست أن هناك قيماً اجتماعية حقيقية: التعاون بين الجيران، كسر الجدران بين الأفراد من خلال التودد والمساعدة المتبادلة، والتقدير العميق للقانون واحترام النظام.

لكن الأثر الأكبر كان في المساحة التي وفرتها لي هذه التجربة للتأمل والنمو الداخلي. أدركت أن الأحكام الجاهزة على الآخرين لا طائل منها، وأن تقبُّل الآخر كما هو شرط أساسي للتعايش الحقيقي. في تلك العزلة، بدأت أواجه نفسي بصدق، أبحث في أعماقي عن مواطن القوة والضعف، وأسأل: كيف يمكنني أن أنمو؟ كيف أحقق سعادتي بعيداً عن آراء الآخرين وتوقعاتهم؟

* كيف ترين الأدب الليبي على خارطة الثقافة العربية... ما الذي يميزه، وهل نال ما يستحقه؟

-أعتقد أن الأدب الليبي شهد طفرة ملحوظة في الإنتاج خلال العقد الماضي، حيث ظهرت أصوات جديدة استطاعت أن تبرز بقوة، وتنقل تجارب إنسانية عميقة تعكس واقعاً غنياً بالتناقضات والتحديات. هذا الزخم أتاح للأدب الليبي مساحة أوسع على خارطة الثقافة العربية، وبدأ يلفت الانتباه بفضل ما يقدمه من رؤى جديدة وأساليب سردية مميزة.

لكن رغم هذه الخطوة الإيجابية، لا أعتقد أن الأدب الليبي قد نال بعد ما يستحقه من اهتمام أو تقدير، سواء على مستوى العالم العربي أو خارجه. جزء من هذا يعود إلى غياب الدعم المؤسسي، وضعف الترويج للأدباء الليبيين على الساحة الدولية. هناك كنوز أدبية داخل ليبيا، لكنها تحتاج إلى مزيد من الجهود للتعريف بها وتوثيقها وترويجها.

ما يميّز الأدب الليبي هو تنوعه، فهو يعكس تركيبة المجتمع الليبي ذات الخلفيات الثقافية والجغرافية المتعددة. من الصحراء إلى المدن الساحلية، ومن الهجرة إلى البقاء، استطاع الأدباء الليبيون أن يصوغوا نصوصاً تستحق أن تكون جزءاً من الحوارات الثقافية الكبرى.


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»