رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

الكاتبة الليبية جعلت الحرب العالمية الثانية خلفية لروايتها الأخيرة

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل
TT

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

تعيد الكاتبة الليبية المقيمة في هولندا رزان نعيم المغربي تناول العلاقة بين الشرق والغرب من منظور مختلف عبر روايتها اللافتة الصادرة أخيراً «الرسام الإنجليزي»، حيث تقتفى فيها أثر شخصية الرسام جون فردريك بيرل الذي جاء إلى ليبيا وأبدع جدارية شهيرة في مدينة طبرق. ورغم أن العمل يتخذ من الحرب العالمية الثانية بأجوائها الدامية خلفية تاريخية للأحداث فإنها نجحت في نسج خيوط إنسانية متعددة المستويات النفسية والاجتماعية في النص. صدر للمغربي عدد من الأعمال منها «نصوص ضائعة التوقيع»، «الجياد تلتهم البحر»، «في عراء المنفى»، «مشاهد متعددة للحب».

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الكتابية:

* ألم تتخوفي من أن فكرة الرواية التي تغطي مساحة زمنية تمتد لنحو 70 عاماً عبر أجيال وأمكنة متنوعة ما بين ليبيا ومصر وإيطاليا ربما تكون تقليدية بعض الشيء، عكس الكتابة الحداثية التي تميل للتركيز على شخصية أو مكان بعينه؟

- بالطبع، قد يبدو للوهلة الأولى أن رواية تمتد عبر سبعة عقود وأجيال متعاقبة وتتنقل بين أماكن متنوعة تحمل صبغة تقليدية، لكنني أرى أن التصنيف الأدبي، خاصة في إطار ما بعد الحداثة، لا يتعلق بالضرورة بالزمان أو المكان أو حتى عدد الشخصيات. جوهر ما بعد الحداثة يكمن في تفكيك السرديات التقليدية وإعادة تشكيلها بأساليب تفتح آفاقاً جديدة أمام القارئ.

في روايتي، لم يكن الهدف تقديم سردية تاريخية بقدر ما كان محاولة لتقديم تجربة إنسانية متعددة الأبعاد. الشخصيات، رغم تعددها، صُممت بعناية بحيث لا تكون مجرد أدوات لتحريك القصة، بل كيانات مستقلة تحمل رؤاها وهواجسها، وتعكس تناقضات الزمن والمكان. كان كل منها بمثابة قطعة في فسيفساء أوسع، وكل مكان بمثابة مرآة تعكس ظلال الشخصية وتفاعلها مع محيطها.

* يعتبر البعض أن عملك الأحدث «الرسام الإنجليزي» بمثابة رواية عن تعاقب الأجيال، فيما يراها البعض الآخر رواية عن الصراع بين الشرق والغرب... كيف ترين أنت العمل بعين المؤلف؟

- عندما أستعيد النظر إلى العمل بعين المؤلف، أجد أنني لا أميل لحصرها في تصنيف واحد أو تفسير نهائي. الكتابة بالنسبة لي ليست محاولة للإجابة عن الأسئلة بقدر ما هي خلق فضاء واسع يسمح بطرح أسئلة جديدة. لذا، سواء قرأها البعض كرواية عن تعاقب الأجيال أو كعمل يناقش التصادم الحضاري بين الشرق والغرب، أرى فيها انعكاساً لثراء النص وقابليته للتأويل.

في أثناء كتابة الرواية أُبعد نفسي تماماً عن هواجس التصنيف أو كيف سيتم قراءتها. أدخل إلى النص محمّلة ببحث عميق ومعرفة دقيقة، لكن تركيزي ينصب بشكل أساسي على التوازن الفني. يشبه الأمر مراقبة الرسام لفضاء لوحته، محاولاً تحقيق انسجام بين الألوان والخطوط بحيث تعبر عن رؤيته الداخلية.

تعاقب الأجيال كان اختياراً مقصوداً لمنحي مساحة زمنية أتحرك فيها بحرية. هي ليست رواية فقط عن الشرق أو الغرب، ولا عن الأجيال وحدها، بل عن الإرث الذي نحمله جميعاً، والذي يشكل هويتنا سواء أدركنا ذلك أم لا.

* ما الذي أثار حماسك لتقتفي إبداعياً أثر الفنان التشكيلي الإنجليزي جون فرديرك بيرل ورحلته إلى ليبيا وجداريته في مدينة طبرق؟

- ما أثار حماسي هو رغبتي الدائمة في خوض تحديات جديدة، وطرح مواضيع لم أتناولها من قبل. بالنسبة لي، الكتابة عن شخصية فنية بهذا العمق ليست مجرد استكشاف لسيرة أو حدث تاريخي، بل محاولة لتقمص روح الفنان نفسه، للكتابة عنه من الداخل، عن أحلامه وهواجسه ورؤيته للعالم، بعيداً عن الصورة النمطية التي غالباً ما تُقدَّم في الدراما العربية.

ما شدّني أكثر هو فكرة وجود عمل فني بهذه الأهمية، جدارية تمثل امتزاجاً بين التاريخ والفن، ولكنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي حتى بين الليبيين أنفسهم. شعرت بأن تسليط الضوء على هذا الأثر يمثل مسؤولية ثقافية، خاصة في وقت بدأ فيه الليبيون يتطلعون لاكتشاف ما تحتويه بلادهم من كنوز طبيعية وتراثية. ليبيا، بمساحتها الشاسعة وتنوعها الجغرافي، تزخر بمثل هذه الكنوز التي قد لا يتمكن كثيرون من زيارتها أو معرفتها بسبب الظروف والتحديات.

شعرت بأنني أفتح نافذة جديدة للقارئ، ليست فقط لاستكشاف أثر فني، بل للغوص في أعماق الروح الإبداعية التي صنعته. هذا التحدي، وهذه الرغبة في تقديم الفن بروح حقيقية، هما ما ألهماني وحرّكا شغفي لكتابة الرواية.

* شخصية «سدينة»، المرأة الليبية التي عاشت مراحل الصبا والأمومة ثم أصبحت جدة، بدت من لحم ودم... كيف راودتك ملامح شخصيتها؟

- «سدينة» كانت أول شخصية ترتسم ملامحها في ذهني عند البدء في كتابة العمل. كان هناك شيء عميق يجذبني نحو فكرة المرأة الليبية القوية، تلك التي تحمل بين طيات حياتها مراحل الصبا والأمومة والجَدَّة بحكمة وشجاعة نادرتين. كنت دائماً معجبة بنماذج الجدات في مجتمعاتنا، ليس فقط بسبب قوتهنّ في مواجهة المصاعب، ولكن أيضاً بسبب انفتاحهنّ المدهش على التعامل مع ما هو مختلف عنهنّ، سواء في الأفكار أو التجارب.

بالنسبة لي، «سدينة» ليست مجرد شخصية متخيلة، بل تمثل خلاصة حكايات وأصوات نسائية تراكمت في ذاكرتي على مر السنين. إنها تلك الجدة التي تحمل قصصاً من الماضي، لكنها في الوقت ذاته تتعامل مع الحاضر بعقل متفتح وقلب مفعم بالحب والفهم. أحببت أن أكتب شخصية تشبه هذه النماذج الواقعية، التي ربما لم تنل حقها في التوثيق الأدبي بما يكفي.

* هل كانت الإضاءة على الحرب العالمية الثانية في شمال أفريقيا أحد أهداف النص؟

- بالطبع، لكنه لم يكن الهدف الوحيد أو الأبرز. عندما اخترت أن أكتب عن جندي بريطاني شارك في الحرب العالمية الثانية، وجدت في ذلك فرصة لا يمكن تجاهلها لاستحضار حقبة زمنية عانى فيها الشعب الليبي من احتلالات متعاقبة وصراعات دارت رحاها على أرضه، غالباً دون أن يكون له يد في إشعالها.

الحرب العالمية الثانية ليست مجرد خلفية تاريخية في الرواية، بل هي مرآة تعكس معاناة الإنسان الليبي في تلك الحقبة. أردت أن أظهر كيف أن هذه الأرض، التي كانت ساحة للمعارك بين قوى كبرى، تحملت عبء الحروب دون أن يُلتفت إلى الألم الذي عاشه سكانها.

لكنني لم أكتفِ بذلك، بل سعيتُ لأن تكون الحرب خلفية إنسانية أيضاً. أردت أن أستعرض كيف تتقاطع حكايات الأفراد، مثل الجندي الفنان والشخصيات الليبية، مع هذا المشهد الكبير، وكيف تُعيد هذه التقاطعات تعريف الصراعات والتجارب التي يعيشها كل منهم.

* أعمال كثيرة تناولت العلاقة بين الشرق والغرب... ما الذي كان في ذهنك وأنت تعزفين على هذا الوتر في «الرسام الإنجليزي»؟

- صحيح أن العلاقة بين الشرق والغرب تم تناولها في أعمال روائية كثيرة، لكنها غالباً ما كانت تقع في فخ النمطية، حيث جرى تقديمها في إطار آيديولوجي يختزل الآخر ويُصوره ككتلة واحدة باعتباره المستعمر الظالم أو المحتل المنمّق. هنا، لم أسعَ لتجميل هذه العلاقة أو تقديمها بانحياز، بل أردت أن أُعيد تركيب المشهد بعمق إنساني يملأ الفجوات، ويطرح زوايا جديدة لفهم التداخل بين الثقافات بعيداً عن القوالب التقليدية.

كنت واعية تماماً بأن الاحتلال، أياً كان، يحمل في جوهره القبح والاستغلال. ومع ذلك، ما بعد الكولونيالية كمنهج أدبي يتيح لنا النظر إلى ما وراء الشعارات والمظاهر، لاستكشاف الأبعاد الإنسانية الكامنة في مثل هذه العلاقات.

* إلى أي حد ساهمت إقامتك بهولندا في نظرتك لتلك العلاقة المأزومة بين الشرق والغرب؟

- إقامتي في هولندا لم تشكل لي صدمة كما يحدث للبعض عند انتقالهم إلى بيئة جديدة ومختلفة تماماً. كنتُ منفتحة منذ البداية على التعامل مع الآخر، سواء من خلال عملي أو اطلاعي على الأدب والفنون الغربية، لكن العيش في هولندا كان تجربة أعمق وأكثر تفصيلاً. كان عليَّ أن أتعلم عادات جديدة تندرج ضمن تفاصيل الحياة اليومية: تفقد صندوق البريد يومياً، قراءة الفواتير وفهم طرق سدادها بالتقسيط، التعامل مع الإدارات الحكومية عن بُعد من خلال الهاتف أو البريد الإلكتروني.

* هل اكتشفتِ «غرباً» آخر بخلاف الصورة النمطية التي بمخيلتنا؟

- نعم، الكثير من التفاصيل الصغيرة التي عايشتها وتبدو بسيطة كشفت لي عن أن الحياة في الغرب ليست بالضرورة معقدة كما تصوّر لنا أحياناً. في هولندا، لمست أن هناك قيماً اجتماعية حقيقية: التعاون بين الجيران، كسر الجدران بين الأفراد من خلال التودد والمساعدة المتبادلة، والتقدير العميق للقانون واحترام النظام.

لكن الأثر الأكبر كان في المساحة التي وفرتها لي هذه التجربة للتأمل والنمو الداخلي. أدركت أن الأحكام الجاهزة على الآخرين لا طائل منها، وأن تقبُّل الآخر كما هو شرط أساسي للتعايش الحقيقي. في تلك العزلة، بدأت أواجه نفسي بصدق، أبحث في أعماقي عن مواطن القوة والضعف، وأسأل: كيف يمكنني أن أنمو؟ كيف أحقق سعادتي بعيداً عن آراء الآخرين وتوقعاتهم؟

* كيف ترين الأدب الليبي على خارطة الثقافة العربية... ما الذي يميزه، وهل نال ما يستحقه؟

-أعتقد أن الأدب الليبي شهد طفرة ملحوظة في الإنتاج خلال العقد الماضي، حيث ظهرت أصوات جديدة استطاعت أن تبرز بقوة، وتنقل تجارب إنسانية عميقة تعكس واقعاً غنياً بالتناقضات والتحديات. هذا الزخم أتاح للأدب الليبي مساحة أوسع على خارطة الثقافة العربية، وبدأ يلفت الانتباه بفضل ما يقدمه من رؤى جديدة وأساليب سردية مميزة.

لكن رغم هذه الخطوة الإيجابية، لا أعتقد أن الأدب الليبي قد نال بعد ما يستحقه من اهتمام أو تقدير، سواء على مستوى العالم العربي أو خارجه. جزء من هذا يعود إلى غياب الدعم المؤسسي، وضعف الترويج للأدباء الليبيين على الساحة الدولية. هناك كنوز أدبية داخل ليبيا، لكنها تحتاج إلى مزيد من الجهود للتعريف بها وتوثيقها وترويجها.

ما يميّز الأدب الليبي هو تنوعه، فهو يعكس تركيبة المجتمع الليبي ذات الخلفيات الثقافية والجغرافية المتعددة. من الصحراء إلى المدن الساحلية، ومن الهجرة إلى البقاء، استطاع الأدباء الليبيون أن يصوغوا نصوصاً تستحق أن تكون جزءاً من الحوارات الثقافية الكبرى.


مقالات ذات صلة

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

ثقافة وفنون كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت.

نوزاد حسن
ثقافة وفنون بلند الحيدري

هل الذاكرة عقلانية؟

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري)

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».