مع الجواهري من النجف إلى الرياض

في بيت الجواهري بدمشق
في بيت الجواهري بدمشق
TT

مع الجواهري من النجف إلى الرياض

في بيت الجواهري بدمشق
في بيت الجواهري بدمشق

في صباي الغرّير كنت أذرّع أزقّة محلات النجف الترابية. وهي التي وصفها ابن بطوطة في رحلته إليها سنة 727هـ - 1326م بقوله: «ليس في هذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا آل، إنما يحكم عليهم نقيب أشراف، وأهلها تجّار يسافرون في الأقطار، وهم أهل شجاعةٍ وكرم، ولا يُضام جارهم، صَحِبْتهم في الأسفار فحمدتُ صحبتهم. يجيدون صناعات عديدة، وعلى الخصوص نسيج العباءة (النجفية) بخيوطها الخفيفة، والثقيل الغليظ النسج من الوبر». وقد وصف النجف بأنها من أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً وأتقنها بناءً، ولها أسواق حسنة نظيفة.

كما يذكر مؤرخها جعفر باقر مَحبوبة في كتابه الشهير «ماضي النجف وحاضرها»، أنها كانت ميناءً بريّاً توسط العراق ونجد، منذ العصر العباسي، والمغولي، والصفوي الفارسي، والتركي العثماني حتى العصر الحاضر. فيما يؤكد لوي ماسينيون، المستشرق الفرنسي الذي أقام في العراق ردحاً من الزمن وكتب عنه بحوثاً قيمة، في كتابه «خطط الكوفة» أن النجف بلدة بدوية الطبع عربية الطابع، رغم أنها، وهي الملاصقة للكوفة، قامت على أساس الدراسة الدينية مع رحلة الشيخ الطوسي إليها منذ قرون.

يا ترى، هل نجد في وصف ابن بطوطة هذا، وما كُتب بعده مفتاحاً نحو الدخول إلى فهم شخصية المكان النجفي، بمحلاته الأربعة (المشراق، والبراق، والحويش، والعمارة) المكتظة بمبانيها الطينية القديمة، حيث ترعرع محمد مهدي الجواهري، ونشأ بينها، متميزة بدروسها الدينية واللغوية؟ إذ شدَّتني -إذَّاك- قبب زرقاء لمدافن علماء آل كاشف الغطاء وأصهارهم من آل الجواهري. فجدهم الشيخ محمد حسن، مؤلف سفر «جواهر الكلام» الفقهي، انتسبت الأسرة إلى كتابه! هذا الذي أصبح محل اهتمام القانوني المصري الشهير عبد الرزاق السنهوري، حين جاء بغداد الثلاثينات، في مهمة لتنظيم الأحوال الشخصية في العراق الملكي.

الابن المتمرد

في تلك الدروب الضيقة، كنتُ أتحسس خطوات الجواهري، إذ راقتني حيلته الطفولية، مختبئاً في زير ماء معلمه (جناب عالي) هارباً من عقابه القاسي... وقد أصبح الطفل حبيب والده المُعمَّم، الذي حاول أن يورِّثه دراسة العلوم الحوزوية، رغم معرفته بميول ابنه المبكرة إلى قراءة الشعر ونظمه، وقد فرض عليه حفظ آيات من القرآن الكريم وخطب «نهج البلاغة» و«أمالي» أبي علي القالي و«بيان» الجاحظ وتبيانه وأشعار المتنبي.

هذا الميل الباكر هو الذي جعل الابن الضال المتمرد يرتجف، وهو يحمل إبريق الشاي واستكاناته الصغيرة إلى ضيف والده... السيد محمد سعيد الحبوبي، بطل ثورة العشرين، وقبل ذلك الفقيه المعروف، والشاعر رقيق العبارة بموشحاته الراقصة في شعره الغزلي، التي امتاز بها في ديوانه المطبوع في صيدا سنة 1331هـ.

لقد سقط إبريق الشاي النجفي واستكانته من يدي الجواهري، تهيّباً وانبهاراً بشخصية الشاعر، لكي تتفتق موهبة الشعر لديه جزلةً، متناصَّةً مع روائع شعراء العصر العباسي... معجباً بفروسية أبي الطيب، وموسيقية البحتري، وصور أبي تمام، وتفلسف المعري.

بل إن تمكنه من اللغة العربية والشعر القديم، جعله قادراً على «ابتداع» اشتقاقات لغوية في سيميائيته الشعرية. دائماً ما يستوقف النقاد إعجاب الجواهري بواحدة من بداياته الشعرية في ثورة العشرين العراقية:

لعلَّ الذي ولَّى منَ الدهرِ راجعٌ

فلا عيشَ إن لم تَبقَ إلا المطامعُ

غرورٌ يُمنّينا الحياةَ وصفوُها

سرابٌ وجَنّاتُ الأماني بلاقعُ

كان الجواهري قد قرأ دواوين الفحول من شعراء العرب الأقدمين، واستوعب أسرارها الفنية، تسعفه ذاكرة حفظ قوية عجيبة، لم تفارقه وهو في أرذل العمر. ومع ذلك، لم يخضع لضغط قصائدها الفني، بل قام بتفكيكها وإعادة بنائها في شوارده، وفق إحساسه الذاتي ومواقفه السياسية... هذه التي جعلته يكاد يكون الشاعر العراقي، بل الشاعر العربي، الذي عبّر ببلاغته الشعرية البارعة عن مجمل التفاعلات الاجتماعية والأحداث السياسية، التي عصفت بوطنه، منذ نشأته بداية القرن العشرين إلى منتهاه. وقد عاصر ولادة الدولة الوطنية في العراق، حتى تمزُّقه في العقد الأخير من القرن العشرين.

كنتُ حين أطوف بتلك البيوت الطينية العبقة بزهد ساكنيها، بين محلة العمارة ومحلة المشراق -وقد تكرر وقوفي بها طويلاً سنوات غرارة الصبا ويفاعة الشباب- أتساءل: كيف تسنّى للجواهري كتابة مقدمة ديوانه في طبعاته الأولى المعنونة «على قارعة الطريق»، وقد تميزت بنزعة حداثية مبكرة، متسائلة، متفلسفة... مما جعل الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد عقود يعيد نشرها في مجلة «الكرمل» أوائل الثمانينات بوصفها قصيدة نثر؟!

يقول الجواهري وقد عرَّج عليه صاحبه... وهو في منتصف الطريق إلى حيث يريد: أأنت مسافر مثلي؟ قلت: لا! بل أنا شريد. قال: وأين وجهتك؟ قلت: وجهتي أن أضع مطلع الشمس على جبيني، وأغذّ في السير... قال: أوَلك أم؟ قلت: تركتها على قارعة الطريق، وبيدها كتاب، وإبريق، ومبخرة!

وقتذاك كان قد ترك مدينته النجفية وأهلها، لأنه رفض -كما يقول- أن يرقص فيها مثل مَن لم تهب الطبيعة لأحد مثل حيلتها وصبرها على المجاراة... ليكتشف وهو «على قارعة الطريق» كثيراً من الوقائع والحقائق، ذكر بعضها في مذكراته. هل كان لقراءاته في كتب المعاصرين المترجمة -خاصة- دور في صياغة هذا النص النثري المفصلي في حياة الجواهري وتثوير تجربته الشعرية؟ يقول في حوار مع ابنته خيال، إنه كان في التاسعة عشرة من عمره، حين التقط كتب عصر النهضة عبر كتب شبلي شميل وغيره، مما كان يَرِد على النجف من كتب ومجلات عربية بين العشرينات والثلاثينات الميلادية، وكذلك مترجمات لكتب وروايات نقلت أوروبا من قرونها الوسطى إلى العصر الحديث.

دفعته هذه القراءات إلى الخروج المتمرد من قوقعة النجف وسورها الصلد، بقراءاته الواسعة في الأدب الروسي والفرنسي -خاصة- وقد شد الرحال إليها معجباً بحضارتها ومسحوراً بلغتها، ومفتوناً بجمال مَن تعرَّف عليها. واقفاً عند كتابات الفرنسي الغاضب صاحب المقالة الشهيرة «إني أتهم»، إميل زولا، منبهراً بروايته «الأوباش»، التي تمثل فكرتها وعنوانها في واحدة من قصائده الثائرة:

جهِلنا ما يُراد بنا فقُلنا

نواميسٌ يدبِّرها الخفاءُ

فلما أيقَظَتْنا من سُباتٍ

مكائدُ دبَّرتها الأقوياء

وليس هناكَ شكٌ في حياةٍ

تدوسُ العاجزين ولا مِراء

فكانتْ قوَّةٌ أخرى وداءُ

رَجَونا أن يكونَ به الدواء

المعركة مع ساطع الحصري

من هنا تبدأ تجربة الجواهري الشعرية والسياسية، بانتقاله بعمّته وجبّته أواخر العشرينات إلى بغداد، للتدريس في إحدى مدارسها الثانوية. على أثر ذلك، احتدمت المعركة بينه وبين المفكر القومي السوري ساطع الحصري، الذي شكك في جنسية الجواهري ووطنيته. لخَّصها الشاعر بعد ذلك سنة 1968 في بيتيه الساخرين من قصيدته «إيه بيروت»:

أنا -بيروتُ- قطعةٌ من أديمٍ

عربيٌّ دماً ولحماً وجِلداً

أولدُ الضادَ ضيغماً

ودعيّ «ابن تسعين» يمسخ القاف قرداً

لم يستمر الجواهري في رغيد عمله في تشريفات الملك فيصل الأول، رغم احتضانه له بعد هذه المعركة السجال، بل وقف معه رغم ما استثارته قصائد الجواهري، من خروج على العرف الاجتماعي والنمط الثقافي، خصوصاً في قصيدته «جرّبيني» وكذلك «النزعة أو ليلة من ليالي الشباب»، بعدما أطرح عمّته دون مراعاة لأحد، منصاعاً في معظم شعره لتمرده النفسي وجيشانه الشعري وتقلباته الفكرية.

لقد اشتد في اشتطاطه هذا منذ خرج سنة 1930 إلى عالم الصحافة وصخبها السياسي، مصدّراً الجريدة تلو الجريدة، حتى عام الوثبة ومعاهدة بورتسموث سنة 1948. وقد استوى شعر الجواهري على سوقه الغاضب ومزاجه المتقلب، حيث قُتل أخوه الأصغر جعفر... وما أدراك ما أخوه جعفر، رواء الربيع. في لقائي التلفزيوني معه في دمشق في يوليو (تموز) سنة 1994، سألته: كثير من القصائد التي قالها الجواهري غالباً ما تتردد فيها مفردة (الدم)، فهل لمقتل أخيك جعفر دورٌ في ذلك؟ ولماذا لم تستبدل بمصطلح الدم مصطلحاً آخر يحاول أن يؤسس مفاهيم جديدة في العقل والوجدان العربي؟

أجاب: «والله مثلما تفضَّلت، كأنه الآن شخص يُنبّهني كأنني غير منتبه إلى مسألة جعفر. وأنت في الحقيقة الآن ذكَّرتني، فقبلها لم أفكّر بهذا الموضوع. الآن جعلتني أفكر أنَّ لها دخلاً؛ لأنه في هذه اللحظة شَخَصَتْ القصائد أمامي، قصائدي قبل مقتل جعفر وبعدها. فوجدتُ أنك تجد أنت بالذات بنظرة سريعة على المرحلتين قبل وبعد، الفرق كبيراً. الدم ابتدأ يتكرّر عندي كثيراً وأنا أعترف بذلك. في الواقع أنا لا أحب الدم، إلَّا دم الشهيد؛ لأن دم الشهادة ليس قليل الشأن ولا سهلاً، فأن يستشهد المرء أمر صعب، والدم غالٍ في الواقع».

خل الدم الغالي يسيل

إن المُسيل هو القتيل

هذا أنا أسميه الدم الغالي. وفي الحقيقة هناك دم رخيص مع الأسف. وفي العراق جرى كثير من هذا الدم المرتجل، غير المستهدف، أو المستهدف المنحرف، أي غير المصوَّب، وغير الرامي إلى هدف محدد. فهذا مع الأسف يسمونه الدم الهدر. هذا شيء، والدم الغالي شيء آخر؛ الدم الغالي المصمم الثائر، والمثمر أيضاً؛ لأن هناك دماء رخيصة سالت كثيراً دون أن تُثمر شيئاً.

وحين سألته: وهل أثمر الدم في العراق يا أستاذ؟ أجاب: «مع الأسف وبصراحة لم يُثمر كثيراً، الدم درس، الدم عبرة وعظة. وما نحن فيه اليوم بعد هذا كله وبعد الدماء التي سالت في الواقع، مع الأسف ليست تكافئ النتائج أو المواقف الراهنة، أو قبل الراهنة، أو في كل المراحل التي مرَّ بها التاريخ العراقي. كان الدم في العهد الملكي كثيراً ما يُهدر.

فمعاهدة بورتسموث أُلغيت ببيان رسمي، بموقف شريف لا أشرف منه، حتى من قبل الملكية. أُذيع البيان في الليلة الشهيرة وأُسقطت المعاهدة نزولاً عند آراء قادة الأحزاب وزعماء البلد، ورغبة الشعب اعتُبرت لاغية ببيان رسمي. ونُفاجأ في الصباح بمعركة الجسر وذهب فيها جعفر شهيداً رخيص الدم في الواقع. فهو دم غالٍ من جهة، ومهدور من جهة أخرى. فأنا لم أفهم -مثلاً- لماذا أُلغيت المعاهدة؟ فكان الدم يسيل لشيء آخر، ويُدخّر لمرحلة قادمة ولمطلب جديد، لا لمعاهدة أُسقطت بحد ذاتها وانتهى كل شيء.

فالدم عندي في الواقع مصدره ومنطلقه الحرص على الدم وليس الاستهانة به».

الصِّدام مع عبد الكريم قاسم

مع ترحيب الجواهري بانقلاب عبد الكريم قاسم على الملك فيصل الثاني سنة 1958، إلا أنه لم يستمر مع صديقه القديم الذي تعرَّف عليه في لندن، وذهب به إلى عيادة الأسنان متكفلاً بعلاج ما كان يشكو منه، وذلك حينما كان قاسم ملحقاً عسكرياً هناك. فقد ثار الجواهري على تقييد الزعيم حرية الصحافة، وهو من تمتع بها في إصداراته الصحفية -«الرأي العام» خاصة- التي استمرت في الصدور منذ 1941 حتى 1961، السنة التي غادر فيها العراق، بسبب احتكاكه المباشر مع قاسم، مغترباً في براغ سعيداً بلجوئه السياسي إليها.

في هذه المدينة الجميلة بطبيعتها والمتعددة في مقاهيها المأنوسة، رقَّ طبع الجواهري، بعد صحراوية النجف وطبيعتها الجافة، وأشرقت صوره بكل ما في تشيكوسلوفاكيا من خضرة أرض وجمال صبايا. يقول في قصيدته «بائعة السمك»:

ذاتَ غداةٍ وقد أوجفتْ

بنا شهوةُ الجائعِ الحائرِ

دَلَفنا لِـ«حانوتِ» سمَّاكةٍ

نُزَوَّدُ بالسمكِ «الكابري»

فلاحتْ لنا حلوةُ المُجتلى

تَلَفَّتُ كالرشأ النافر

تَشُدُّ الحِزامَ على بانةٍ

وتفْتَرُّ عن قمرٍ زاهر

ومع ذلك، فإن الحنين إلى العراق وهو في العراق، دائماً ما يشده إليه، بل يكدره اشتياقه إليه، وقد أصبح في منفاه الناعم في براغ، مستذكراً على الدوام ما قاله في «مقصورته» الطويلة عن حنينه الوطني الراسخ، وهي إحدى أبرز مفاخر الجواهري الشعرية. نظمها في أواسط عام 1947، ونشر قطعاً منها في جريدته «الرأي العام».

وقد ذكر شرَّاح الطبعة التي أصدرتها وزارة الثقافة العراقية، من مجموعته الشعرية ذات الأجزاء السبعة سنة 1974: «إن جزءاً كبيراً منها يزيد على مائة بيت قد أطارته الريح وألقته في دجلة في أثناء اشتغال الشاعر بتنقيحها خلال صيف عام 1974، حيث كان يسكن داراً مطلة على النهر».

سلامٌ على هَضَباتِ العراقِ

وشطَّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى

على النَّخْلِ ذي السَّعَفاتِ الطوالِ

على سيّدِ الشَّجَرِ المُقتنى

ودجلةَ إذْ فارَ آذيُّها

كما حُمَّ ذو حَرَدٍ فاغتلى

ودجلةَ زهوِ الصَّبايا الملاحِ

تَخَوَّضُ منها بماءٍ صَرى

تُريكَ العراقيَّ في الحالتينِ

يُسرِفُ في شُحّهِ والنَّدى

في بيت الجواهري بدمشق

الجواهري وكاتب المقال

بعدما انتهت المقابلة التلفزيونية التي استمرت زهاء الساعتين مع الشاعر الكبير الجواهري، دارت حول سيرته الذاتية الصاخبة بأحداث العراق ومواقفه المتقلبة منها. نادى على ابنته «خيال» لكي تقوم بواجب الضيافة... «الرقي» البطيخ الأحمر الذي يذكِّره بطعم السنين الخوالي في العراق، و«الشمام» البطيخ الأصفر الذي يتذوق معه حلاوة الطبيعة الشامية.

قال لي: «كُلْ من هذا الشمام... إنه لذيذ جدّاً، حتى إن أهل دمشق يسمونه أناناس!» قلت: يا أبا فرات... أين الشاي؟ إنني بعد هذه الجولة المثيرة في سرد تاريخك الشخصي المتلاحم بتاريخ العراق الحديث، لا بد لي من رشفات شاي عراقي أصيل (سنجين) أحبّذ دوماً تناوله في «استكانة»!

توقف برهةً ليسألني: «هل لك صلة قربى بالعراق؟ إنني أعرف عائلة مرموقة المكانة تُدعى عائلة القطيفي، منها من دخل عالم الصحافة والسياسة والوزارة». أجبته: توجد صلة صداقة، أما العائلة التي تشير إليها في القطيف، فكأنك تشير إلى أحد أبنائها وهو الدكتور عبدالحسين القطيفي، من أوائل خريجي السوربون في العهد الملكي العراقي، الذي استثمر عبد الكريم قاسم تخصصه في القانون الدولي، فعيّنه وكيلاً فاعلاً لوزارة الخارجية، ليمثل العراق الجمهوري في مفاوضاته مع دولة الكويت بعد استقلالها.

أما الوجه القطيفي الآخر في العراق فهو سلمان الصفواني القطيفي، الذي التحق بحركة الإمام الخالصي لنيل استقلال العراق التام من الهيمنة البريطانية على قراره الوطني. وبعد ذلك عرفه العراقيون صحفيّاً بارزاً، شُهر بمقالاته ذات النغمة العروبية. هذا ما ذكره الأستاذ عبد الرزاق الهلالي، مؤلف كتاب «زكي مبارك في العراق»، مشيراً إلى تلاحي الصفواني الأدبي مع الأديب المصري د. زكي مبارك، في أثناء انتدابه للتدريس في دار المعلمين العالية ببغداد، بين سنوات الثلاثينات والأربعينات، حين كان يساجل الصفواني على صفحات مجلته (اليقظة) البغدادية. هذا وقد أصبح الصفواني فيما بعد وزيراً في حكومة العارفين، وزيراً لشؤون مجلس الوزراء مرتين، مكافأة لعداوته الضَّروس لنظام عبد الكريم قاسم، بعدما هرب منه بداية الستينات إلى خارج العراق، فاختار القاهرة مهاجراً ومستقرّاً.

قال الجواهري: «دعْكَ من هذا الآن... وعليك بأكل البطيخ الأحمر والأصفر، وشرب القهوة المرة. ولنجعل شرب الشاي العراقي تحيةً لهذه السهرة على أن تأتيني من غد... فإنَّ لي معك حديثاً قد يطول».

في ضحى اليوم التالي توجهت إلى دارته، وهي عامرة بالحراس والسيارة المرسيدس الفارهة، وحين أذن لي، استقبلني بحيوية فائقة. كان قد حلق ذقنه! أمسك بيدي ليقودني إلى مجلس صغير اختاره للاختصار بي.

من فوره انطلق يُبدي رغبةً شديدةً في زيارة المملكة، معبِّراً عن أنها تلحّ عليه منذ قابلَ نائب الملك فيصل في زيارته لبغداد في سنوات الثلاثينات الميلادية، ونظم فيه قصيدة نكايةً بالملك فيصل الأول في موجةٍ من تقلباته العارمة. وأردف: «لعلك قرأت قصيدتي في مدحه، حيث طلبت منه نشرها في جريدة (أم القرى). بل إنني أبديت رغبتي في أن يوصل إلى والده الملك العظيم عبد العزيز بن سعود أن أكون ضيفاً عليه في السعودية».

أجبته: يا أبا فرات تلك كانت مناورة سياسية منك. فبقصد تصعيد خلافك مع ملك العراق فيصل الأول، رحت توغر صدره بمديح فيصل السعودية ووالده الملك عبد العزيز.

انفرج وجهه عن ابتسامة ماكرة قائلاً: «هذا صحيح... ولكن مدحي لعبد العزيز كان محض إعجاب شخصي بفروسيته العربية... واليوم وأنتم أيها السعوديون تتمتعون بما قام به الملك عبد العزيز من دولة أصبح يُحسب لها ألف حساب، لماذا لا تساعدني على تلبية رغبة يمتد عمرها إلى أكثر من ستين عاماً بزيارة بلادكم؟ إنني أسمع عن مهرجان الجنادرية».

أجبته: بلادي مفتوحة لزيارة أي مفكر وأديب وشاعر عربي... فما بالك بشاعر شهير، يحمل على ظهره هذا السجل السياسي والثقافي الحافل للعراق في القرن العشرين، منذ ثورة العشرين! إن الجميع سيرحبون بك من القمة إلى القاعدة.

وهنا وجدته يخط بيده المرتجفة إهداءً معبراً على ديوانه كاتباً النص التالي: «إلى أخي وحبيبي الكريم... أهديه إليك، ومعه فرط حبي وحميم إعزازي. المحب المعهود محمد مهدي الجواهري 21 تموز 1994م».

بعد هذا التاريخ بأقل من عام، قام الجواهري بزيارته التاريخية للمملكة، ليشهد فعاليات مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة. وما انتهى أمر الزيارة إلا بغضب الإعلام العراقي عليه، وقد استفزته زيارة الجواهري للمملكة والاحتفاء الرسمي والأهلي به، مما أدى إلى نزع الجنسية العراقية من أكبر رمز يلتقي عنده وعليه العراقيون بمختلف أطيافهم ومشاربهم!

العجيب أنه قبل أن يطلق الإعلام العراقي النار الإعلامية على الجواهري، كنت دائماً ما أسمعه يردد بينه وبين نفسه، عند زيارته معالم الرياض أبياتاً من شعره -وقد كنت مرافقاً له- أما حينما وقف على صحراء نجد، فإنه تذكر على الفور امتدادها الصحراوي إلى الكوفة والنجف، فطفق يتشوق إلى الأماكن القديمة في زمن طفولته وصباه، مخاطباً وطنه:

حييتُ سفحك عن بُعدٍ فحيِّيني

يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتين


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.