قراءات المثقفين المصريين في عام 2024

تصدَّرها الشعر والرواية والبحث عن «التاريخ المنسي» (2 ــ 3)

قراءات المثقفين المصريين في عام 2024
TT

قراءات المثقفين المصريين في عام 2024

قراءات المثقفين المصريين في عام 2024

مرَّت الثقافة العربية بعام قاسٍ وكابوسي، تسارعت فيه وتيرة التحولات بشكل دراماتيكي مباغت، على شتى الصعد، وبلغت ذروتها في حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على غزة وطالت لبنان، ولا تزال مشاهدها الدامية تراكم الخراب والدمار على أرض الواقع... في غبار هذا الكابوس تستطلع «الشرق الأوسط» أهم قراءات المثقفين والمبدعين العرب خلال 2024.

في مصر تراوحت قراءات المثقفين والأدباء ما بين الرواية والشعر؛ خصوصاً الشعر الأميركي بآفاقه الكثيرة التي لا تزال في حاجة إلى مزيد من الاكتشاف، كما شملت القراءات الجوانب المنسية والمهمشة من التاريخ، فضلاً عن كتب السيرة الذاتية وعلاقتها بالفلسفة، وكذلك الكتب التي تتناول الأدوار المتعددة للنخبة المثقفة وأقنعتها التي تراوح دائماً ما بين الخفاء والتجلي.

أحمد الخميسي: مكتبة متنقلة لبيع الأرض والسماء

في البداية، يشير الكاتب أحمد الخميسي إلى تنوع قراءاته ما بين اللغة والأدب والسياسة، ففي عالم الأدب استمتع برواية «المكتبة المتنقلة» للروائي الأميركي كريستوفر مورلي الذي توفي عام 1958، وفيها نقرأ بروح الفكاهة العذبة حكاية «ميفلين» العجوز الذي عشق الكتب وأُغرم بتقديمها للآخرين فراح يجوب القرى بعربة خشبية محملة بمكتبة كاملة يجذب الناس إلى متعة القراءة. يقول الكاتب على لسان ميفلين: «إننا عندما نبيع كتاباً لرجل فنحن نبيعه حياة جديدة بأكملها، الحب، والصداقة، والفكاهة... السماء والأرض بأكملهما موجودان في الكتاب».

ويشير الخميسي كذلك إلى كتاب «اختلاق إسرائيل» للكاتب البريطاني كيث وايتلام الذي يفنّد فيه الكثير من المعلومات التاريخية التي تربط الماضي بالحاضر فيما يتعلق بالأسس التي قامت عليها دولة إسرائيل، مؤكداً أنه «إذا نظرنا من منظور أطول زمناً، فإن تاريـخ إسرائيل الـقـديم يبدو مثل لحظة قصيرة في التاريخ الفلسطيني الطويل».

وتبقى في ذاكرة الخميسي كتاب يصفه بـ«ممتع» يحمل عنوان «أين ذهب المثقفون؟» للأكاديمي المجري فرانك فوريدي المختص في علم الاجتماع، وفيه يعالج برشاقة ويسر قضية عزوف الناس عن القراءة في عصرنا حتى في بلدان مثل أميركا وفرنسا وبريطانيا، مركّزاً من خلاله على موضوع اختفاء المثقفين. ويقول المؤلف إن من أسباب ذلك حصر دور التعليم والثقافة في حدود الأدوات التي تخدم أغراضاً عملية لا أكثر؛ مما أدى إلى التسطيح الثقافي، وإلى ما أطلق عليه الأكاديمي المجري «تهميش الشغف الفكري»، فلم يعد للمثقف دور في مجتمعاتنا المعاصرة. ويضرب مثالاً على ذلك من فرنسا قائلاً: «إن المثقفين الفرنسيين الآن، مقارنة بسارتر، يبدون مجرد تكنوقراطيين هزيلين». ويطرح كتابه بقوة سؤالاً أساسياً: أين اختفى المثقفون بالفعل؟ ولماذا؟

سارة حواس: «شاعرة في الأندلس» تبحث عن هوية فلسطينية

وتركزت قراءات المترجمة والأكاديمية الدكتور سارة حامد حواس على الشعر الأميركي الحديث، لا سيما أرشيبالد ماكليش، وتيد كوزر، وتشارلز رايت، ودابليو إس مروين، وكونراد أيكن، وچيمس رايت ويوسف كومنياكا، وغيرهم ممن كتبت عنهم في كتاب جديد سوف يصدر لي قريباً بعنوان «ولاؤهم للروح: عشرون شاعراً أميركيا حازوا حائزة بوليتزر» بالتزامن معرض القاهرة الدولي للكتاب.

وفي النصف الثاني من العام، شملت قراءات حواس الكثير من الروايات التي توقفت عندها بشغف، مثل رواية «صاحب الظل الطويل» لچون ويبستر وهي من ترجمة بثينة الإبراهيم والصادرة عن «منشورات تكوين» ورواية «النباتية» لهان كانغ التي حازت جائزة نوبل في الآداب لعام 2024، ورواية «رحلات في غرفة الكتابة» لبول أوستر الصادرة عن دار «التنوير». أما عن الكتب التي تتناول موضوع الكتابة بصفة عامة، فأحببت كتاب «كيف كانوا يكتبون» الصادر عن دار «المكتبة العلمية»، وهو كتاب ألَّفه مجموعة من الكتَّاب لم يذكرهم الكتاب، وقام بترجمته عادل العامل، ويتناول تجارب الكتَّاب في كتاباتهم من شكسبير إلى هوراكامي، وهو عمل ثري وملهم وأرشحه لأي كاتب مهتم بتجارب الآخرين.

أما عن الكتاب الذي توقفت عنده كثيراً لسارة حواس وخلق حالة لا تُنسى من الجمال والبهاء، فهو «شاعرة في الأندلس» للشاعرة الأميركية - الفلسطينية ناتالي حنظل، ترجمة الشاعر السوري الدكتور عابد إسماعيل وصادر عن دار «التكوين» وهو كتاب يمزج الشرق بالغرب، والحب بالفقد، والضياع باستكشاف الذات، والبحث عن الهوية التي ضاعت في سبر أحداث تحدّها جغرافيات مختلفة، حيث جاءت الشاعرة من فلسطين إلى نيويورك، ثم تذهب إلى الأندلس، التي أقامت فيها نحو عام.

وتضيف حواس: «هو من أكثر الدواوين التي أثَّرت فيَّ ومست قلبي؛ شعور بالاغتراب ممزوج بالألم والحب، شعور بالقوة والانتصار برغم الفقد والتيه، مشاعر إنسانية حقيقية كتبتها ناتالي حنظل كما لو كانت تكتب نوتة موسيقية».

خالد عزب: التاريخ المنسي لأهل الجنوب

ويتوقف المؤرخ والباحث في الدراسات الأثرية الدكتور خالد عزب عند كتاب مثير يكشف جوانب مهملة في البحث التاريخي في مصر ألَّفه الباحث النابغة أمير الصراف يحمل عنوان «منقريوس بن إبراهيم... وزير ومباشر همام الهواري أمير صعيد مصر»، وصدر عن دار «المرايا» بالقاهرة. ويتساءل الدكتور محمد أبو الفضل بدران في مقدمة الكتاب: «هل يطوي التاريخ صفحات عمداً ويُظهر أخرى؟ لماذا يغفل التأريخ صانعي الأحداث الفعليين وأدوارهم المؤثرة، ويمضي في تمجيد المنتصر وينسي المهزومين؟».

يتابع عزب: يسلط الكتاب الضوء على التاريخ المنسي لصعيد مصر وإقليم الجنوب من خلال أحد أهم أفراد رجال الإدارة القبطية في صعيد مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو منقريوس بن إبراهيم المكنى في بعض وثائق وحجج المحاكم الشرعية، بـ«بولس منقريوس» وكان وزير الأمير همام بن يوسف بن محمد وذراعه اليمنى في الإدارة. ويذكر المؤلف أن التحاق منقريوس بإدارة همام، زعيم قبيلة هوارة، تزامن مع تولد فكرة الدولة المستقلة في صعيد مصر، والموازية للسلطة المركزية في القاهرة، ذات الجناحين المتمثلين في الوالي العثماني وشيخ البلد الذي كان منصبه في حوزة المماليك.

حسين محمود: مشاهد سيرة ذاتية من ذاكرة مثقوبة

ومن أبرز ما قرأه الدكتور حسين محمود، أستاذ الأدب الإيطالي، عبر 2024 كتاب لمارتا نوسباوم بعنوان «ليس للربح»، ترجمة فاطمة الشملان، لافتاً إلى أنه يناقش أهمية الدراسات الإنسانية للديمقراطيات. قرأت أيضاً كتاب «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟» لإيتالو كالفينو، ترجمة دلال نصر الله، وفيه يقدم الكاتب الإيطالي الأشهر رؤيته حول ضرورة إعادة قراءة أمهات الكتب في مرحلة النضج، وإعادة اكتشافها من جديد وهناك كذلك، كتاب «العلم الجديد» لجان باتيستا فيكو، ترجمة أحمد الصمعي، في فلسفة التاريخ، والذي يقسم فيه التاريخ إلى ثلاث مراحل، مرحلة الأرباب، ثم مرحلة الأبطال، وأخيراً مرحلة البشر.

ويتوقف الدكتور محمود عند كتابين لأحمد جمال الدين موسى، هما «شطحات منسية» وهي مجموعة قصصية، و«مشاهد تنبض من ذاكرة مثقوبة» وهي سيرته الذاتية، مشيراً إلى أن موسى أديب نبغ في سن متأخرة في فن الرواية، وهو غزير الإنتاج رغم هذا، فقد قضى معظم حياته في عمله الأكاديمي والوزاري، ولم يتفرغ للأدب إلا بعد تقاعده الذي وفَّر له الوقت والاسترخاء الكافي لكي يستعيد هوايته في الكتابة ويصدر العمل تلو الآخر.

ويشير الدكتور محمود إلى أن بعض إنتاج هذا المؤلف ليس وليد اللحظة، وإنما يعود إلى فترات مبكرة من حياته، خصوصاً المجموعة القصصية «شطحات منسية» التي جمع فيها نصوصاً كتبها في شبابه، رغم أنها تتميز بتحقيق الشروط الفنية لفن القصة القصيرة من حيث التقاط الحدث وتكثيفه والتعبير عنه بلغة سهلة التوصيل والتواصل. وتأتي السيرة الذاتية لأحمد جمال الدين موسى عبر مشاهد تتوالى من ذاكرة مثقوبة لكي يقدم لنا فيها نموذجاً حديثاً لأدب السيرة الذاتية في تنوع أحداثها وتقسيمها إلى موضوعات، تنقسم داخلياً بترتيبها الزمني، في تدفق جيد الإيقاع وسلس لغوياً، لكنه ليس تدفقاً حراً، بقدر ما هو تحت سيطرة المؤلف، المنضبط في بنيته السردية انضباطاً هندسياً.

مروة نبيل: الغموض الساحر في علم البيولوجي

وتوضح الشاعرة مروة نبيل أنه مثلما تحمل القراءات الجديدة فائدة، فإن إعادة القراءة تمنح المزيد من التأمل والتفكير واستشراف رؤى وآفاق متنوعة للكتابة. من هنا استرجعت هذا العام ديوان «المثنوي» لـجلال الدين الرومي، وأزعم أنه من الكُتب التي لا تمنح ما فيها في قراءة أولى أو ثانية، ولا تُؤخَذ إلا بقوة ما، فهو كتاب متعدد الطبقات، ومفتوح على نوافذ شتى للقراءة والتأويل، وهو ما يمنحه حيوية وامتداداً في الزمان والمكان. وشغفاً بالأدب اليوناني وبكازانتزاكيس، كان «تقرير إلى جريكو» تَتمة لقراءة مجمُوعتِه المُترجَمة.

وتعتبر مروة أن كتاب «الخاطرات - سيرة ذاتية فلسفية» للدكتور سعيد توفيق جاء مثل مكافأة بالنسبة إليها، فالكتاب في الواقع مصفوفة فائقة الأبعاد من حيث الأساليب والموضوعات. كما كانت قراءة كتاب «المفكرون الأساسيون - من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية» لسايمون تُورمي إنجازاً مهماً بالنسبة لي، لا يكمُن في الموضوع فقط؛ بل في تصدير المُترجم أيضاً، والتعرُّف من جديد إلى الدكتور محمد عناني، والتساؤل بإعجاب شديد عن حقيقة العمر العقلي لهذا المُترجم الفَذ الذي أثرى المكتبة العربية بزاد أدبي متنوع له مذاقه الخاص.

توجَّه نظر مروة نبيل إلى أعمال «هان كانج» في الرُّبع الأخير من العام... قرأت «النباتية»، وهي رواية جيدة في سياق الأدب الكوري الراهن، لكن بالنسبة للكتابة عن الصدمات التاريخية، والكشف عن هشاشة الحياة البشرية؛ تحفظ الشاعرة مروة نبيل للروائيين الشرق أوسطيين قدرهم، وترى أنهم يمتلكون القدرة على كتابة أكثر تجريداً لما يدور حولهم، حيث نضجت التجربة الإنسانية في الشرق الأوسط إلى حد التعايش مع الصدمات والعنف.

وتضيف الشاعرة المصرية: «منحتني قراءة (الكتاب الأبيض) للمؤلفة نفسها تكهُّناً باختلاف بين فضاءي الشعر والرواية، وأنه سيظل اختلافاً جوهريّاً، مهما امتدت العلاقات بينهما، فالشاعر والروائيّ لا يتشابهان إلا في القدرة على كتابة العبارات المؤثرة، لكنهما يختلفان في كل شيء بعد ذلك».

وتتابع: «أما الفوز الأكبر في قراءات هذا العام فكان كتاب (البحث عن الوعي - مقاربة بيولوجية عصبية) لكريستوف كوتش، ترجمة د. عبد المقصود عبد الكريم، ذلك الكتاب الذي أظهر لي غموضاً ساحراً في علم البيولوجيا، وإمكانية لاستمرار بصيص من التأمل الروحي في هذا العالم».

هبة عبد العليم: كتابات تداوي جراح الحروب والديكتاتورية

من جهتها، تشير الكاتبة الروائية الشابة هبة عبد العليم إلى أنها أعادت قراءة الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ ضمن مشروع إحدى دور النشر لإعادة نشر أعماله، حيث تعقد عبد العليم ندوة شهرية تستضيف فيها أحد الكتاب المتميزين لمناقشة أحد أعمال محفوظ في لقاء مفتوح للجمهور، تتخلله نقاشات غالباً ما تكون شيقة، شديدة الموضوعية.، حتى يخيل لي أحياناً أننا بصد اكتشاف نجيب محفوظ من جديد.

كما قرأت كذلك للمرة الأولى ثلاثة أعمال للكاتب البريطاني من أصل ليبي هشام مطر. بدأت برواية «اختفاء»، ثم «شهر في سيينا» والتي تعدّ جزءاً من سيرته الذاتية ويحكي فيها وقائع شهر سافر فيه لبلدة سيينا الإيطالية لمشاهدة لوحاتها الفنية التي تنتمي إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها، وذلك بعد أن أنهى كتابه السيري «العودة» الذي قرأته هبة باللغة الإنجليزية وترجمت بعض فصوله لشدة حماسها له.

وترى هبة عبد العليم أن كتابة مطر تتميز عموماً بصدق وأمانة لافتين للنظر، لا سيما على مستوى رصد تداعيات مأساة فترة حكم معمر القذافي الديكتاتوري لليبيا التي استمرت على مدار نحو أربعين عاماً، ومحاولة اللجوء للفن لمداواة آثار الجروح النفسية والتعافي منها.

كما استوقفها أيضاً رواية «لا شيء أسود بالكامل» لعزة طويل، والتي ترصد فيها آثار الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي بلبنان، كذلك أثر الثورة السورية الذي امتد إلى العمق اللبناني.

وتوقفت كذلك أمام بعض التجارب السردية المختلفة ككتاب «تلات ستات» والذي يرصد فيه الصحفيان محمد العريان وعمر سعيد سيرة ثلاث سيدات من العاملات في الجنس التجاري، وأيضاً كتاب «كرنفال القاهرة» للشاعر علاء خالد الذي يرصد فيه الملامح الشخصية لخريطة الوسط الأدبي بقاهرة التسعينات.

محمد البرمي: أسرار «الثورة الثقافية» روائياً

وتركزت قراءات القاص المصري محمد البرمي على رواية «الزمن المفقود» للكاتب الصيني وانغ شياوبو، بترجمة عن الصينية مباشرة للمترجم والباحث أحمد السعيد، ويرى أنها رواية تنتمي إلى الأعمال الإبداعية القصيرة؛ إذ تقع في 150 صفحة من القطع المتوسط وتتسم بالإيقاع السريع والأسلوب الساخر لشخصيات عدة تنتمي إلى البسطاء والطبقة المتوسطة في المجتمع الصيني في حقبتَي الستينات والسبعينات إبان ما عُرف آنذاك باسم «الثورة الثقافية».

محمد البرمي

وشملت قائمة البرمي في قراءات العام كذلك روايات «لا شيء نحسد العالم عليه» وهي عن الحياة في كوريا الشمالية للكاتبة باربرا ديميك والتي جاءت بمثابة وثيقة إبداعية تنقل بدقة وذكاء واقع دولة لا زلنا لا نعرف عنها الكثير، وقام بترجمتها الدكتور محمد نجيب. وأيضاً رواية «الشعب الدموي» لبول أوستر، حيث يسرد فيها بذكاء إبداعي لافت كيف تغلغل السلاح في البيوت الأميركية.


مقالات ذات صلة

مصر والمغرب لفتح صفحة جديدة من العلاقات في أول اجتماع لـ«لجنة التنسيق»

شمال افريقيا جانب من اجتماع الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة بين مصر والمغرب في القاهرة الاثنين (مجلس الوزراء المصري)

مصر والمغرب لفتح صفحة جديدة من العلاقات في أول اجتماع لـ«لجنة التنسيق»

دشنت مصر مع المغرب مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، بانعقاد الجولة الأولى لـ«لجنة التنسيق والمتابعة» المشتركة في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يبحث السياسة النقدية مع رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي (الرئاسة)

مصر لتدبير «مستويات آمنة» من النقد الأجنبي مع تصاعد الاضطرابات الإقليمية

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الاثنين على ضرورة مُواصلة العمل نحو تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مُستلزمات الإنتاج وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع 

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الاقتصاد متاجر في وسط القاهرة أغلقت أبوابها مبكراً امتثالاً لقرار حكومي بإغلاق المحال لترشيد الاستهلاك (أ.ف.ب)

مصر تختبر نظام «العمل أونلاين» مع التفكير في توسيعه

تختبر مصر نظام «العمل أونلاين» مع بدء تطبيقه يوم الأحد أسبوعياً وسط حديث عن تفكير في توسيعه ومطالب بـ«آليات رقابية» لتجنب أي تأثير سلبي.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
الاقتصاد زيادة أسعار فاتورة الكهرباء ستؤدي إلى رفع تكلفة تشغيل المحال في مصر (محافظة الجيزة)

رفع أسعار الكهرباء يفاقم أزمة الغلاء في مصر

دخلت زيادات الكهرباء الجديدة حيز التنفيذ، الأحد، بعد أقل من شهر على تطبيق زيادات في أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة.

أحمد عدلي (القاهرة)
الاقتصاد محطة غاز مصرية في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

تساؤلات عن قدرات إنتاج الغاز المصري في ظل أعباء الحرب الإيرانية

تتواصل أعباء الحرب الإيرانية على دول المنطقة وأوروبا، لا سيما مع قدرات إنتاج الغاز المتراجعة عالمياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة