يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

الكاتب العماني يرى أن القصة العربية لا تحظى بالقراءات النقدية الكافية

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب
TT

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

يعشق الكاتب العماني يحيى سلام المنذري القصة القصيرة وعلى مدى 30 عاماً ظل مخلصاً لها، لا يحيد عنها أو يتخذها نقطة انطلاق لكتابة الرواية، مخالفاً بذلك القاعدة الشهيرة: «السارد يبدأ قاصاً وينتهي روائياً». في ظلال هذه المحبة وبحس شاعري مفتوح على فضاءات التجريب والحداثة صدرت مجموعته القصصية الأولى «نافذتان لذلك البحر» عام 1993 ثم توالى إنتاجه ليضعه في مكانة بارزة على خارطة الأدب العربي. من أبرز أعماله «رماد اللوحة»، «الطيور الزجاجية»، «بيت وحيد في الصحراء».

هنا حوار معه حول أعماله وتمسكه بفن القصة القصيرة وهموم الكتابة.

* في مجموعتك القصصية الأخيرة «وقت قصير للهلع»، تبرز السخرية سمةً أساسية، إلى أي حد كنت واعياً بذلك وكيف ترى دور السخرية عموماً في الأدب؟

- يبدو أن السخرية حضرت بشكل غير مخطط له، وتوغلت في سياق الأحداث لأن الحكاية وقعت في حياتنا وحياة البشر، تعوم في بحر من التناقضات والغموض والأسئلة، والكاتب وهو يسرد الحكاية يمكن أن ينقد ويحلل المجتمع والواقع بطريقة ساخرة ضمن سياق السرد. وهذا يعتمد على أسلوبه في طرح سرده الحكائي، فهناك كتّاب معروفون بأسلوبهم الإبداعي الساخر مثل عزيز نيسين ونقده اللاذع غير المباشر للواقع، وطرحه لكوميديا سوداء، ربما تضحك القارئ وتبكيه في الوقت نفسه. ولا ننسى تحليل ونقد الشاعر محمد الماغوط للواقع والحياة عبر إبداعه الشعري والسردي، وكذلك جورج أورويل في معظم أعماله الشهيرة مثل روايته «مزرعة الحيوانات»، فالسخرية أسلوب له لغته وعمقه في تحليل وفضح حقائق الواقع، والمبدع يتخذه كأداة ومعالجة أدبية.

* تحضر في هذا العمل وبقوة قضية العمالة الآسيوية في المجتمعات الخليجية من منظور إنساني رهيف، ما سر هذا الحضور وكيف ترى تناول الأدب العربي عموماً لتلك القضية؟

- حضور العمالة الآسيوية لأول مرة وبشكل لافت كان في مجموعتي القصصية «بيت وحيد في الصحراء» وخصصت لها فصلاً كاملاً بعنوان «زارعو غابة الإسمنت»، بسبب وجودهم في حياتنا، حيث نتعامل معهم بشكل شبه يومي، ونتعرف عليهم وعلى حكاياتهم ونتحاور معهم.

والقصص التي أكتبها تعبر عن واقعي وبيئتي، فمن الطبيعي أن يكونوا أبطالاً في بعض هذه القصص، فهم في بلد غير بلادهم، ويتعاملون مع ثقافة مختلفة عن ثقافتهم، لكنهم انصهروا بيننا، ومن هنا يأتي الفن ليعبر عن قضاياهم التي تتمثل في الغربة والحنين والكفاح من أجل الحصول على الرزق، والتكيف مع واقع جديد، وما يعانونه من صراع نفسي وقلق، وكل ذلك من وجهة نظري كسارد ومراقب نتيجة تعاملي معهم ومشاهدتي لهم.

والكثير من الأعمال السردية العربية ومن ضمنها الخليجية تناولت مواضيع الوافدين من كل الجنسيات وليس تحديداً العمالة الآسيوية، فالفكرة الأساسية في الطرح الإبداعي هنا رؤية الكاتب مع المغترب، المقيم في بلد ما، المهاجر، وقد يأتي الطرح من تجربة الكاتب الذاتية إذا كتب عن تجربة غربته في بلد ما.

* يطل الهلع عبر ثنايا الكتاب كهاجس يطارد البشر ويجعلهم يرمق بعضهم بعضاً بتوجس وخوف، كيف استلهمت الفكرة؟ وهل تحرص على أن تحمل كل مجموعة قصصية خيطاً درامياً ونفسياً يربط بين نصوصها؟

- المجموعة احتوت على 3 قصص، كان الرابط بينها قلق وخوف أبطالها، كتبتها متفرقة، وفي فترات زمنية مختلفة، ويمكن أن أقول بأنني لم أخطط لذلك، ربما كان الهاجس موجوداً دون دراية مني، فأجواء وأسلوب القصة الأولى تختلف عن الثانية والثالثة، برغم أن بطلها يلفه الخوف والقلق والوسواس.

كثير من القراء والنقاد قدموا قراءات جميلة في هذا الجانب، وتناولوها من زوايا مختلفة، فكانت قراءات ثرية، وكنت سعيداً ومتفاجئاً بأن المتلقي لديه قراءاته الذكية للنصوص وبشكل مغاير ومختلف، وهذا يزيدني علماً ومعرفة وحباً للقصة القصيرة، بل يدفعني لمزيد من الكتابات القصصية. أما عن ملاحظة الربط بين النصوص فأتذكر أيضاً أن في مجموعاتي السابقة كان يوجد خيط ورابط بين القصص، وتارة تكون عبر فصول في كتاب واحد، ولكل فصل رابط، فمثلاً في مجموعة «بيت وحيد في الصحراء» احتوت على جزأين؛ الأول يغلب عليه أجواء الطفولة والمراهقة، بينما الثاني كانت نصوصه عن العمالة الآسيوية.

* ما سر حضور الصورة البصرية عبر تقنيات السينما أو التشكيل اللوني في إنتاجك الأدبي بشكل عام؟

- ربما هذا بسبب تداخل الفنون، والاستفادة بعضها من بعض، إلى جانب أنني أميل إلى الكتابة التجريبية، ففي كل عمل أطمح إلى تجريب أسلوب يختلف عن الذي سبقه، وحتى من ناحية الأفكار والموضوعات. طبعاً هذا لا يمنع من وجود تكرار الأساليب في المجموعات السابقة، ولكن بقدر الإمكان أحاول طرح الجديد، وتأثير التقنية السينمائية أو الفن التشكيلي واضح في بعض النصوص التي كتبتها، فهناك قصص تعتمد على مقاطع أو مشاهد سينمائية وكأن القارئ يشاهد فيلماً قصيراً، وهكذا بالنسبة إلى الرسم، من خلال وصف لوحات وأبطال قصص يرسمون ويتأملون المشاهد والألوان، ولا ننسى أيضاً الشعر والمسرح فلهما التأثير نفسه.

* كيف أمكنك أن توازن في أعمالك بين «حضور الحكاية» على مستوى المضمون، وبين «طموحات الحداثة والتجريب» على مستوى الشكل؟

- برغم احتفائي باللغة الشعرية في إصداري الأول عام 1993 فإنني لم أغيّب الحكاية، والقصة القصيرة هي الحكاية، ولا بد من وجود حدث وحبكة وتشويق، وهذه عناصر أساسية لهذا الفن الأدبي الرشيق، إلى جانب اللغة وتماسكها وسلاستها وشعريتها. وكما ذكرت سابقاً أن لديّ هاجس التجريب وطرح الجديد في كل إصدار، وهذا يحتاج إلى نوع من المغامرة أولاً، وثانياً الانتباه إلى العناصر التي ذكرتها أعلاه، وكيفية صياغة نص تجريبي لا يطمرها، بل يجعلها موجودة وحتى وإن كانت مثل خيط رفيع، فالهدف أيضاً ألا يكون النص سهلاً ومباشراً، بل يهدف إلى مشاركة القارئ وجعله يفكر ويتأمل، بل يتفاجأ أحياناً.

* عناوين مجموعاتك القصصية لافتة للغاية ومشوبة بحس شاعري، هل لديك فلسفة ما في اختيار ذلك؟

- مرحلة اختيار عنوان الكتاب صعبة، أحاول بقدر الإمكان أن يعبر العنوان عن روح النصوص، وأحرص على ألا يكون أحد سبقني في طرحه، أحاول أن يكون فريداً وجديداً، وأتجنب الكلمة الواحدة لعنوان الكتاب. وعدا مجموعتي الأخيرة «وقت قصير للهلع» فكل مجموعاتي حملت عنوان إحدى قصص المجموعة، فكان أسهل من خلق عنوان جديد. في المجموعة الأخيرة اقترحت على نفسي عناوين كثيرة، ومرت بمراحل فرز، وأخذت رأي بعض أصدقائي الكتاب، حتى وصلت إلى ارتياح تام عن العنوان الذي حملته.

* عبر رحلة تمتد لأكثر من 30 عاماً، يبدو أنك خالفت مقولة «إن السارد يبدأ قاصاً وينتهي روائياً»، ما سر إخلاصك لفن القصة القصيرة؟

- كتابة الرواية لم تقتصر على كتاب القصة القصيرة، وإنما شملت المفكر والشاعر والمسرحي والأكاديمي والصحافي والرسّام، فهناك ظاهرة تسمى كتابة الرواية، حتى الذين لا يمتلكون موهبة الكتابة والسرد أو لا يمتلكون موهبة في فنون أخرى كتبوا الرواية كيفما اتفق.

وكتابة الرواية تظل جاذبة لمن يريد المغامرة في كتابتها ومن حق الجميع ذلك؛ لأن فيها مساحة واسعة للبوح والتحدث وربما الثرثرة، لكنني آثرت ألا أقترب من كتابتها، على الأقل حتى الآن. بالنسبة لي فإن كتابة القصة القصيرة تجلب لي السعادة والراحة النفسية، وهي مساحة للبوح والتجريب والمغامرة، التصقت بهذا الفن والتصق بي، لم أتجرأ بعد لفتح باب الاغتراب والابتعاد عن القصة القصيرة والدخول في عالم الرواية، ولكن في الوقت نفسه أقول بأنه لا يمنع في يوم ما البدء في مغامرة كتابة رواية. فأنا لا أكتب من أجل جائزة أو مسابقة، إنما أكتب القصة القصيرة بهدف حبي لهذا الفن واستمتاعي بكتابته. من وجهة نظري، التخطيط للجوائز يكسر عملية الإبداع، فالعمل الإبداعي الذي يستحق هو الذي يلتفت إليه القراء ويهتمون به، وهذه هي الجائزة التي يريدها المبدع.

* ألا تشعر أحياناً بحاجتك الشديدة للبوح والجلوس على كرسي الاعتراف، وهو ما توفره الرواية كجنس أدبي؟

- حتى الآن استطرادي وبوحي في الكتابة السردية في حدود القصة القصيرة، حتى وإن طالت أحداثها، ومشروع كتابة الرواية هو بمثابة عالم آخر حتى الآن ما يزال بعيداً عني. وأشكال البوح كما نعرف تتمثل في جميع أنواع الأدب والفنون، ولا تقتصر على الرواية.

* كيف ترى واقع القصة القصيرة الراهن على مستوى منطقة الخليج العربي؟

- لا يزال هذا الفن الجميل مستمراً ونابضاً بالمبدعين، والدليل على ذلك كتاب القصة القصيرة المستمرون في الكتابة، ومن ضمنهم الذين اتجهوا إلى كتابة الرواية وعادوا إلى كتابة القصة القصيرة. كما أن هناك إصدارات سنوية لكتاب جدد، ويمكن متابعتها عبر المجلات والملاحق الثقافية، إضافة لمواقع التواصل الاجتماعي. ولكن هناك نقص كبير في عدد المؤتمرات والجلسات النقدية التي تتناول القصة القصيرة والاحتفاء بها وبكتابها، بخاصة فيما يتعلق بالقراءات النقدية.

*أخيراً، هل تنظر خلفك في غضب أم في رضا، حين تقوم بتقييم تفاعل النقاد والإعلام مع مجمل تجربتك؟

- أنا سعيد بتفاعل القراء والكتاب والنقاد مع مجمل إصداراتي، فمجموعتي الأخيرة «وقت قصير للهلع» استطاعت جذب شريحة واسعة من القراء والمبدعين والنقاد، وكُتب فيها العديد من القراءات، التي بلا شك كانت مفيدةً جداً بالنسبة لي، كذا إصداراتي السابقة. وبالنسبة للإعلام، فأنا أشكر وسائل الإعلام المحلية التي احتفت بإصداراتي، عبر الحوارات الصحافية والتلفزيونية والإذاعية وخاصة التابعة لوزارة الإعلام كجريدة «عمان» ومجلة «نزوى» وقناة «عمان» التلفزيونية والإذاعة العمانية، إضافة إلى مكتبة «قراء المعرفة» والجمعية العمانية للكتاب والأدباء و«النادي الثقافي» وجهات أخرى ثقافية وإعلامية. أيضاً تحويل كتابي القصصي «الطيور الزجاجية» إلى كتاب صوتي من قبل قناة «عين» التابعة لوزارة الإعلام العمانية، فلهم كل الشكر والتقدير.



ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام
TT

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

تصف ماري رامسدن الرسم بأنه «التفكير باليد». ذلك تعريف ينأى بالرسم بعيداً عن خيال اليد الذي هو التعبير الأنسب الذي يلخص خبرة يد الرسام الخفية التي هي الصيغة المثالية لما تسلل إلى اليد من ركام تاريخ الممارسة الفنية. تعرف اليد طريقها على سطح اللوحة من غير أن تستعين بالعين. ذلك ما يجسد خيالها. أما «التفكير باليد» فإنه محاكاة لعلاقة غير متوقعة بين الرسم والعقل، فبدلاً من استخدام الرسم لتمثيل العالم، تعاملت رامسدن مع فعل الرسم وسيلة يتدبر من خلالها العقل ذاته.

مهدت الفنانة لمعرضها الشخصي السابع «شعور ما يحدث» الذي تحتضنه قاعة بيلار كورياس (بالقرب من أوكسفورد سيركوس) حتى منصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمراسلات متلاحقة عبر البريد الإلكتروني بينها وبين برايان سويم الذي يُدرّس علم الكونيات التطوري في معهد كاليفورنيا للدراسات التكاملية في سان فرانسيسكو.

في ذلك الحوار سلطا الضوء على تساؤلات جوهرية حول طبيعة الوعي، وهي تساؤلات تشكل ركيزة أساسية في الممارسة الفنية لرامسدن. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن عنوان المعرض مستوحى من كتاب لعالم الأعصاب أنطونيو داماسيو يستكشف فيه الكاتب كيف ينشأ الوعي من التفاعل المستمر بين الجسد والعقل مما يحوّل الإحساس إلى شعور بالذات. فهل يتسع التجريد لمحاولة استكشاف الوعي فعلاً؟

لا تروي رامسدن في لوحاتها شيئاً من سيرتها الذاتية، بل تسعى لترجمة حالات الانتباه المتجذرة في الجسد عبر الحدس والاستجابة. وفي وقت باتت فيه الصور تُولَّد بشكل متزايد بمعزل عن التجربة البشرية وهي واحدة من سمات عصرنا، تُبرز ممارسة رامسدن الفعل المادي للصناعة الفنية؛ إذ تظل عملية الإبداع والقرارات الجوهرية المتخذة ظاهرة للعيان، مما يتيح نافذةً لتأمل ما يظل فريداً وإنسانياً في فن الرسم. ذلك من وجهة نظري ما يمكن أن يعكر صفو المشاهدة.

الانتماء إلى عالم الأشياء

على الرغم من أن مرسم رامسدن يقع في منطقة ريفية بشمال يوركشاير، تحيط به الوديان والأنهار والأراضي المفتوحة غير أن ذلك لم ينعكس بطريقة إيجابية على أسلوبها التجريدي. لا توحي أعمالها بأي إحالة إلى المشهد الطبيعي على الرغم من أن هناك إشارات من بعض النقاد المنحازين إلى تجربتها تقود إلى فكرة قد لا تكون مؤكدة؛ ذلك لأن أولئك النقاد يؤكدون أن استكشاف الوعي يساعد في فهم الطبيعة المتكررة لذاكرة الأشكال التي تنطبع في العقل ثم تعاود الظهور على سطح اللوحة. أما ماري رامسدن فهي من جهتها لا تعول كثيراً على تلك الآراء. ما تعنى به الفنانة هو ذلك الحوار المستمر والمرن الذي تقيمه مع سطح اللوحة المستقل، مستكشفةً ماديته وتاريخه وعلاقاته المعقدة بين التشخيص والتجريد ومواقع الانضباط والتمرد فيه.

وانطلاقاً من رؤى بصرية، تجمع بين ما هو راسخ الجذور وما هو معاصر للغاية (بما في ذلك الرؤى التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة)، وتتسم طريقتها في وضع طبقات من العلامات والأصباغ وما تحمله من رواسب دفينة للزمان والمكان بطابع «أركيولوجي» (أثري) يوحي بعمليات الكشف والتنقيب. وبفضل تلاعبها الجريء بالملمس والسطح والحجم تفرض لوحات رامسدن حضورها المادي الملموس وتأبى أن تُختزل في مجرد «صورة»، بل إنها مثلنا تنتمي إلى عالم الأشياء المادية. ذلك العالم المفعم بالكثافة والعمق.

تصنع الفنانة المولودة في يوركشاير عام 1984 عالما مجاوراً للواقع، وهي في الوقت نفسه تخطط لضم ذلك العالم باعتباره خزانة أشياء أنتجتها مخيلة انفتحت على حقيقة أن في إمكان الرسم أن يستغني عن العودة إلى الطبيعة، ويكتفي بعناصر تكوينه إلى العالم المجاور. تلك فكرة ليست جديدة. سبقها إليها كاندنسكي ودي كوننغ وسي تومبلي. تدرك ماري رامسدن أنها تعمل في منطقة كان كبار التجريديين قد عملوا فيها وهو ما دفعها إلى اختراع مصطلح «التجريد الإيمائي» لتضيفه إلى سلسلة المصطلحات التي ارتبطت تاريخياً بالتجريد كالتجريد الهندسي والتجريدي التعبيري.

لوحات تتجاوز اللغة الجاهزة

كان هناك حديث عن تعبيرية عفوية. وهو حديث مثّل المعرض السابق للفنانة الذي حمل عنوان «مسار الرغبة»، وأقيم عام 2024 في القاعة نفسها من خلاله محطةً فارقة في ترسيخ مكانتها رسامة ذات شخصية متميزة؛ إذ كشف عن أسلوبٍ بدا للوهلة الأولى وكأنه يضعها ضمن تقاليد «التجريد الإيمائي»، وهو أسلوب في الرسم تُشكّل فيه عملية وضع الطلاء سواء عبر التنقيط أو السكب أو الرش الحركي أو من خلال ضربات الفرشاة الكاسحة الموضوعَ الرئيس للعمل الفني.

الفرق بين فنان وآخر ممن يمارسون ذلك الأسلوب التجريدي يكمن في طريقة بناء اللوحة، وهو ما يمنح الفنانة أو الفنان طابعاً متفرداً. فبمجرد فهم آلية إنجازها، يتضح جلياً أن رامسدن تقدم نهجاً يختلف تماماً عما يطرحه فنانون آخرون يشتغلون على هذا النمط الفني.

«شعور ما يحدث» عبارة تحث المتلقي على المشاركة التفاعلية. هذه لوحات تتجاوز اللغة الجاهزة فهي تحضر بطريقة مرتجلة تمثلها لحظة التفكير عن طريق اليد أو ما تسميه الرسامة «التفكير عبر الإحساس». ذلك يعني أن ما يسبق فعل الرسم يوازي ما يقع بعده حين المشاهدة. لا يحتاج الأمر إلى بيان نظري أو ما يُسمى بالمقاربة النقدية من أجل استيعاب ما قد تفعله هذه اللوحات. لا يكفي التأمل المحايد والبارد لفهم جوهر الرؤية الفنية. ما تبثه أعمال رامسدن في روح المتلقي إنما يكمن في ذلك التوتر الذي عاشته وهي تسعى إلى الانسكاب على سطح أبيض بقوة انفعال ارتجالي. وهو ما يذكر بتجربة الأميركي جاكسون بولوك (1912 - 1956) على الرغم من اختلاف النتائج البصرية.

تجربة النظر إلى رسوم رامسدن كما عشتها هي نوع من النزهة الممتعة والمسلية والصعبة في الوقت نفسه بين تجارب فنانين سبقوها إلى خلق لغة بصرية لا تستند أشكالها إلى مشاهد واقعية يمكن العودة إليها بيسر. الغموض هو سر الشعور بما يحدث.

البحث عن لغة بصرية

ما بين «نرى لكي نرسم» و«نرسم لكي نرى» مسافة كبيرة. رامدسون ترسم لكي ترى ما رسمته. يهمها في الأساس أن تكون رسامة أكثر من أن تكون شاهدة. لا تنتمي لوحاتها إلى عالم بصري لا تثق به. يمكن النظر إلى رؤيتها الفنية في إطار التعايش بين أساليب الرسم المختلفة الذي يندرج ضمن سياق «ما بعد المفاهيمية»؛ ففي حقبة السبعينات أرست الحركة المفاهيمية مبدأ أن الوصول إلى العمل الفني يمكن أن يتم من خلال الفكرة أو من خلال مظهره البصري المتحرر من أي التزام مسبق.

لكن المدهش في هذا المعرض أن الفنانة على الرغم من أنها استرسلت نظرياً في الحديث عن حواراتها الفلسفية حول الوعي والتفاعل بين الجسد والعقل والشعور بالذات، فإنها أنجزت أعمالاً يُمكن أن تُرى بطريقة جمالية مستقلة. يمكن للمرء حين يرى أعمالها أن يقول: «هذه فنانة تتعامل مع عناصر الرسم من الداخل بشعور عال من المسؤولية التي تصدر عن خبرة عالية بالأشكال التي لا يمكن رؤيتها إلا عن طريق الرسم فهي أشكال لا نراها في الواقع».

في كل ما تقوم به رامسدن أنها تبحث عن لغتها البصرية. تزعم أن يدها كانت تفكر، غير أن تلك اليد كانت تعمل مفتونة بالمواد التي تستعملها من أجل الوصول إلى شكل يكون مريحاً على المستوى البصري. وهو ما يعني أننا عدنا إلى القاعدة الذهبية القديمة «الجمال هو ما يُريح بصرياً».

من جهتها، ترفض الفنانة أي قراءة للعمل تتجاوز الشكل ذاته؛ إذ يبدو فنها بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يجمع ببراعة ودقة بين مساحات لونية ناعمة وأشكال ضخمة تمتزج بسلاسة مع لمسات فرشاة تعبيرية وحادة ومباغتة. ومع ذلك وخلف السطح الأملس والحواف الحادة التي تُصنع بضربات فرشاة عريضة وتُعزز باستخدام القماش والورق، يمكن للمشاهد أن يلمس شعوراً بالحركة وطاقةً جامحةً تكمن بين طبقات الطلاء.

تحوّل الفنانة لوحتها التي يضربها الطلاء بقوة في أثناء التعامل مع السطح إلى ساحة معركة لقوى متضادة، قوى تضيف وتحذف، تُظهر وتُخفي، تهب وتأخذ، حيث تدير هذه العناصر وتتحكم فيها من الأعلى حتى تصل إلى حالة من التوازن، ينتهي معها الصراع.

«التفكير باليد» محاكاة لعلاقة غير متوقعة بين الرسم والعقل


«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل
TT

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

صدر العدد رقم 120 من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل والمسرح والتراث.

وفي تفاصيل العدد، كتب د. أكرم قنبس عن الأديب إبراهيم عبد القادر المازني من رواد الثقافة العربية ومؤسسي مدرسة الديوان، وتوقف خلف أحمد أبو زيد عند ريادة ومكانة دنيس جونسون ديفز في ترجمة الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية، أما د. أميمة أحمد فكتبت عن مدينة سطيف، التي يزينها عبق التاريخ وسحر «عين الفوارة»، وجال نور سليمان أحمد في ربوع مدينة إهناسيا، حيث روح الريف وملامح المدينة.

أمّا في باب «أدب وأدباء»، فشارك إسماعيل عبدة بمداخلة حول مكانة نجيب محفوظ في الرواية والسينما، وقدم مالك صقور قراءة في رواية «الشيخ الأبيض» لسلطان القاسمي، حيث الحقيقة تبحث عن وثيقة، وتناول صالح لبريني أحد أعمدة القصيدة المغربية المعاصرة، وهو محمد السرغيني، الذي جمع بين الإبداع الشعري والنقد الأكاديمي، واستعرض محمد الأرناؤوط مسيرة إسماعيل أبو البندورة الذي حمل لقب السفير الثقافي وأغنى المكتبة العربية بالأدب البوسني، وبحثت وفاق سلمان في رواية «أن تعشق الحياة» لعلوية صبح (تجربة استثنائية وشغف البقاء)، وتابع محمد يوسف أبولوز فعاليات ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي ومتوالية العطاء والاحتفاء بالمبدعين العرب.

ومن المقالات الأخرى، كتب أحمد فرحات عن صاحب مجلة «الآداب» الروائي سهيل إدريس بمناسبة مرور قرن وعام واحد على ميلاده، وألقى د. مجد حيدر الضوء على «عراف الأدغال والعبقرية» الأكثر اكتمالاً، (روديارد كيبلينغ) أول بريطاني يفوز بجائزة نوبل للآداب، وتناولت نسرين أنطونيوس رواية «الدقلة في عراجينها» للبشير خريف الذي يصور علاقة الإنسان بالأرض والهوية، وحاور هشام أزكيض الدكتورة خديجة السعيدي التي يتجاور في كتاباتها الشعر والسرد والنقد، ورصدت رؤى جوني التحولات النفسية لأبطال الكاتب ربيع جابر، الذي يجمع بين متعة الخيال والقيمة التاريخية، وتوقف جمال الشرقي عند المقاهي الثقافية في بغداد التي تحولت إلى مجالس للأدب والفن.

كذلك كتبت روز مخلوف عن ألفة الإدلبي التي أضاءت الجوهر الإنساني لأبطال قصصها، فيما حاور ساسي جبيل أحد رواد القصة القصيرة في تونس هو صالح الدمس الذي رأى أن الحياة روايات وقصص، وبيّن د. أحمد عيطة كيف جمعت الرواية العربية بين المتعة والمعرفة والخيال والواقع، وقرأ زياد الريس رواية «الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي الذي انشغل بالإنسان في قوته وضعفه، والتقى حسن م. يوسف الصحبي بن منصور الذي دعا إلى كتابة تاريخ أكثر إنصافاً، وأخيراً تناول د. عبداتي بوشعاب رواية «الدم الأزرق» لنجلاء الشامسي التي تصور الشتات وجدلية المكان.

من جهة ثانية، تضمّن العدد مجموعة من المقالات وهي: حوار الجمال والهوية (ذكاء ماردلي)، الحضارة والثقافة العربية (د. سعيد عبيدي)، انتصار البطل في الرواية العربية الحديثة (عمرو العنتبلي)، سحر الرواية.. رؤى ومتغيرات (رشيد الخديري)، صنع الله إبراهيم بين الرواية والواقع (اعتدال عثمان)، القصة القصيرة.. مقاربة نقدية في المنهج والتلقي (د. عبدالعزيز بودين)، أحمد الشايب ونقاد الأدب (مصطفى عبدالله)، العوالم السردية في نصوص باسم سليمان (انتصار عباس)، وغيرها.

وقد أفرد العدد مساحة لمجموعة من القصص القصيرة والترجمات، لمجموعة من الأدباء والمبدعين العرب.


70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.