يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

الكاتب العماني يرى أن القصة العربية لا تحظى بالقراءات النقدية الكافية

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب
TT

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

يعشق الكاتب العماني يحيى سلام المنذري القصة القصيرة وعلى مدى 30 عاماً ظل مخلصاً لها، لا يحيد عنها أو يتخذها نقطة انطلاق لكتابة الرواية، مخالفاً بذلك القاعدة الشهيرة: «السارد يبدأ قاصاً وينتهي روائياً». في ظلال هذه المحبة وبحس شاعري مفتوح على فضاءات التجريب والحداثة صدرت مجموعته القصصية الأولى «نافذتان لذلك البحر» عام 1993 ثم توالى إنتاجه ليضعه في مكانة بارزة على خارطة الأدب العربي. من أبرز أعماله «رماد اللوحة»، «الطيور الزجاجية»، «بيت وحيد في الصحراء».

هنا حوار معه حول أعماله وتمسكه بفن القصة القصيرة وهموم الكتابة.

* في مجموعتك القصصية الأخيرة «وقت قصير للهلع»، تبرز السخرية سمةً أساسية، إلى أي حد كنت واعياً بذلك وكيف ترى دور السخرية عموماً في الأدب؟

- يبدو أن السخرية حضرت بشكل غير مخطط له، وتوغلت في سياق الأحداث لأن الحكاية وقعت في حياتنا وحياة البشر، تعوم في بحر من التناقضات والغموض والأسئلة، والكاتب وهو يسرد الحكاية يمكن أن ينقد ويحلل المجتمع والواقع بطريقة ساخرة ضمن سياق السرد. وهذا يعتمد على أسلوبه في طرح سرده الحكائي، فهناك كتّاب معروفون بأسلوبهم الإبداعي الساخر مثل عزيز نيسين ونقده اللاذع غير المباشر للواقع، وطرحه لكوميديا سوداء، ربما تضحك القارئ وتبكيه في الوقت نفسه. ولا ننسى تحليل ونقد الشاعر محمد الماغوط للواقع والحياة عبر إبداعه الشعري والسردي، وكذلك جورج أورويل في معظم أعماله الشهيرة مثل روايته «مزرعة الحيوانات»، فالسخرية أسلوب له لغته وعمقه في تحليل وفضح حقائق الواقع، والمبدع يتخذه كأداة ومعالجة أدبية.

* تحضر في هذا العمل وبقوة قضية العمالة الآسيوية في المجتمعات الخليجية من منظور إنساني رهيف، ما سر هذا الحضور وكيف ترى تناول الأدب العربي عموماً لتلك القضية؟

- حضور العمالة الآسيوية لأول مرة وبشكل لافت كان في مجموعتي القصصية «بيت وحيد في الصحراء» وخصصت لها فصلاً كاملاً بعنوان «زارعو غابة الإسمنت»، بسبب وجودهم في حياتنا، حيث نتعامل معهم بشكل شبه يومي، ونتعرف عليهم وعلى حكاياتهم ونتحاور معهم.

والقصص التي أكتبها تعبر عن واقعي وبيئتي، فمن الطبيعي أن يكونوا أبطالاً في بعض هذه القصص، فهم في بلد غير بلادهم، ويتعاملون مع ثقافة مختلفة عن ثقافتهم، لكنهم انصهروا بيننا، ومن هنا يأتي الفن ليعبر عن قضاياهم التي تتمثل في الغربة والحنين والكفاح من أجل الحصول على الرزق، والتكيف مع واقع جديد، وما يعانونه من صراع نفسي وقلق، وكل ذلك من وجهة نظري كسارد ومراقب نتيجة تعاملي معهم ومشاهدتي لهم.

والكثير من الأعمال السردية العربية ومن ضمنها الخليجية تناولت مواضيع الوافدين من كل الجنسيات وليس تحديداً العمالة الآسيوية، فالفكرة الأساسية في الطرح الإبداعي هنا رؤية الكاتب مع المغترب، المقيم في بلد ما، المهاجر، وقد يأتي الطرح من تجربة الكاتب الذاتية إذا كتب عن تجربة غربته في بلد ما.

* يطل الهلع عبر ثنايا الكتاب كهاجس يطارد البشر ويجعلهم يرمق بعضهم بعضاً بتوجس وخوف، كيف استلهمت الفكرة؟ وهل تحرص على أن تحمل كل مجموعة قصصية خيطاً درامياً ونفسياً يربط بين نصوصها؟

- المجموعة احتوت على 3 قصص، كان الرابط بينها قلق وخوف أبطالها، كتبتها متفرقة، وفي فترات زمنية مختلفة، ويمكن أن أقول بأنني لم أخطط لذلك، ربما كان الهاجس موجوداً دون دراية مني، فأجواء وأسلوب القصة الأولى تختلف عن الثانية والثالثة، برغم أن بطلها يلفه الخوف والقلق والوسواس.

كثير من القراء والنقاد قدموا قراءات جميلة في هذا الجانب، وتناولوها من زوايا مختلفة، فكانت قراءات ثرية، وكنت سعيداً ومتفاجئاً بأن المتلقي لديه قراءاته الذكية للنصوص وبشكل مغاير ومختلف، وهذا يزيدني علماً ومعرفة وحباً للقصة القصيرة، بل يدفعني لمزيد من الكتابات القصصية. أما عن ملاحظة الربط بين النصوص فأتذكر أيضاً أن في مجموعاتي السابقة كان يوجد خيط ورابط بين القصص، وتارة تكون عبر فصول في كتاب واحد، ولكل فصل رابط، فمثلاً في مجموعة «بيت وحيد في الصحراء» احتوت على جزأين؛ الأول يغلب عليه أجواء الطفولة والمراهقة، بينما الثاني كانت نصوصه عن العمالة الآسيوية.

* ما سر حضور الصورة البصرية عبر تقنيات السينما أو التشكيل اللوني في إنتاجك الأدبي بشكل عام؟

- ربما هذا بسبب تداخل الفنون، والاستفادة بعضها من بعض، إلى جانب أنني أميل إلى الكتابة التجريبية، ففي كل عمل أطمح إلى تجريب أسلوب يختلف عن الذي سبقه، وحتى من ناحية الأفكار والموضوعات. طبعاً هذا لا يمنع من وجود تكرار الأساليب في المجموعات السابقة، ولكن بقدر الإمكان أحاول طرح الجديد، وتأثير التقنية السينمائية أو الفن التشكيلي واضح في بعض النصوص التي كتبتها، فهناك قصص تعتمد على مقاطع أو مشاهد سينمائية وكأن القارئ يشاهد فيلماً قصيراً، وهكذا بالنسبة إلى الرسم، من خلال وصف لوحات وأبطال قصص يرسمون ويتأملون المشاهد والألوان، ولا ننسى أيضاً الشعر والمسرح فلهما التأثير نفسه.

* كيف أمكنك أن توازن في أعمالك بين «حضور الحكاية» على مستوى المضمون، وبين «طموحات الحداثة والتجريب» على مستوى الشكل؟

- برغم احتفائي باللغة الشعرية في إصداري الأول عام 1993 فإنني لم أغيّب الحكاية، والقصة القصيرة هي الحكاية، ولا بد من وجود حدث وحبكة وتشويق، وهذه عناصر أساسية لهذا الفن الأدبي الرشيق، إلى جانب اللغة وتماسكها وسلاستها وشعريتها. وكما ذكرت سابقاً أن لديّ هاجس التجريب وطرح الجديد في كل إصدار، وهذا يحتاج إلى نوع من المغامرة أولاً، وثانياً الانتباه إلى العناصر التي ذكرتها أعلاه، وكيفية صياغة نص تجريبي لا يطمرها، بل يجعلها موجودة وحتى وإن كانت مثل خيط رفيع، فالهدف أيضاً ألا يكون النص سهلاً ومباشراً، بل يهدف إلى مشاركة القارئ وجعله يفكر ويتأمل، بل يتفاجأ أحياناً.

* عناوين مجموعاتك القصصية لافتة للغاية ومشوبة بحس شاعري، هل لديك فلسفة ما في اختيار ذلك؟

- مرحلة اختيار عنوان الكتاب صعبة، أحاول بقدر الإمكان أن يعبر العنوان عن روح النصوص، وأحرص على ألا يكون أحد سبقني في طرحه، أحاول أن يكون فريداً وجديداً، وأتجنب الكلمة الواحدة لعنوان الكتاب. وعدا مجموعتي الأخيرة «وقت قصير للهلع» فكل مجموعاتي حملت عنوان إحدى قصص المجموعة، فكان أسهل من خلق عنوان جديد. في المجموعة الأخيرة اقترحت على نفسي عناوين كثيرة، ومرت بمراحل فرز، وأخذت رأي بعض أصدقائي الكتاب، حتى وصلت إلى ارتياح تام عن العنوان الذي حملته.

* عبر رحلة تمتد لأكثر من 30 عاماً، يبدو أنك خالفت مقولة «إن السارد يبدأ قاصاً وينتهي روائياً»، ما سر إخلاصك لفن القصة القصيرة؟

- كتابة الرواية لم تقتصر على كتاب القصة القصيرة، وإنما شملت المفكر والشاعر والمسرحي والأكاديمي والصحافي والرسّام، فهناك ظاهرة تسمى كتابة الرواية، حتى الذين لا يمتلكون موهبة الكتابة والسرد أو لا يمتلكون موهبة في فنون أخرى كتبوا الرواية كيفما اتفق.

وكتابة الرواية تظل جاذبة لمن يريد المغامرة في كتابتها ومن حق الجميع ذلك؛ لأن فيها مساحة واسعة للبوح والتحدث وربما الثرثرة، لكنني آثرت ألا أقترب من كتابتها، على الأقل حتى الآن. بالنسبة لي فإن كتابة القصة القصيرة تجلب لي السعادة والراحة النفسية، وهي مساحة للبوح والتجريب والمغامرة، التصقت بهذا الفن والتصق بي، لم أتجرأ بعد لفتح باب الاغتراب والابتعاد عن القصة القصيرة والدخول في عالم الرواية، ولكن في الوقت نفسه أقول بأنه لا يمنع في يوم ما البدء في مغامرة كتابة رواية. فأنا لا أكتب من أجل جائزة أو مسابقة، إنما أكتب القصة القصيرة بهدف حبي لهذا الفن واستمتاعي بكتابته. من وجهة نظري، التخطيط للجوائز يكسر عملية الإبداع، فالعمل الإبداعي الذي يستحق هو الذي يلتفت إليه القراء ويهتمون به، وهذه هي الجائزة التي يريدها المبدع.

* ألا تشعر أحياناً بحاجتك الشديدة للبوح والجلوس على كرسي الاعتراف، وهو ما توفره الرواية كجنس أدبي؟

- حتى الآن استطرادي وبوحي في الكتابة السردية في حدود القصة القصيرة، حتى وإن طالت أحداثها، ومشروع كتابة الرواية هو بمثابة عالم آخر حتى الآن ما يزال بعيداً عني. وأشكال البوح كما نعرف تتمثل في جميع أنواع الأدب والفنون، ولا تقتصر على الرواية.

* كيف ترى واقع القصة القصيرة الراهن على مستوى منطقة الخليج العربي؟

- لا يزال هذا الفن الجميل مستمراً ونابضاً بالمبدعين، والدليل على ذلك كتاب القصة القصيرة المستمرون في الكتابة، ومن ضمنهم الذين اتجهوا إلى كتابة الرواية وعادوا إلى كتابة القصة القصيرة. كما أن هناك إصدارات سنوية لكتاب جدد، ويمكن متابعتها عبر المجلات والملاحق الثقافية، إضافة لمواقع التواصل الاجتماعي. ولكن هناك نقص كبير في عدد المؤتمرات والجلسات النقدية التي تتناول القصة القصيرة والاحتفاء بها وبكتابها، بخاصة فيما يتعلق بالقراءات النقدية.

*أخيراً، هل تنظر خلفك في غضب أم في رضا، حين تقوم بتقييم تفاعل النقاد والإعلام مع مجمل تجربتك؟

- أنا سعيد بتفاعل القراء والكتاب والنقاد مع مجمل إصداراتي، فمجموعتي الأخيرة «وقت قصير للهلع» استطاعت جذب شريحة واسعة من القراء والمبدعين والنقاد، وكُتب فيها العديد من القراءات، التي بلا شك كانت مفيدةً جداً بالنسبة لي، كذا إصداراتي السابقة. وبالنسبة للإعلام، فأنا أشكر وسائل الإعلام المحلية التي احتفت بإصداراتي، عبر الحوارات الصحافية والتلفزيونية والإذاعية وخاصة التابعة لوزارة الإعلام كجريدة «عمان» ومجلة «نزوى» وقناة «عمان» التلفزيونية والإذاعة العمانية، إضافة إلى مكتبة «قراء المعرفة» والجمعية العمانية للكتاب والأدباء و«النادي الثقافي» وجهات أخرى ثقافية وإعلامية. أيضاً تحويل كتابي القصصي «الطيور الزجاجية» إلى كتاب صوتي من قبل قناة «عين» التابعة لوزارة الإعلام العمانية، فلهم كل الشكر والتقدير.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».