«موعدنا في شهر آب»... شيخوخة الكاتب وفحولة المكتوب

تأملات حول ماركيز وروايته الأخيرة

ماركيز
ماركيز
TT

«موعدنا في شهر آب»... شيخوخة الكاتب وفحولة المكتوب

ماركيز
ماركيز

«موعدنا في شهر آب» الهدية التي أرسل بها ماركيز من العالم الآخر إلى قرائه بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله، تثير كثيرا من الأسئلة، بداية من النص ذاته وكاتبه وطبيعة تعاقده مع القارئ، وانتهاء بأسئلة عامة أخرى حول صناعة النشر والتحرير وحدود حرية التصرف في نص بعد رحيل كاتبه، خصوصاً أن نشر النوفيلا القصيرة قد أُتبع بإعلان نجلي ماركيز عن مسلسل تنتجه منصة «نتفليكس» عن «مائة عام من العزلة» أشهر روايات ماركيز التي رفض رفضاً قاطعاً نقلها إلى السينما في حياته. السؤال حول أخلاقية التصرف في أعمال الكاتب الراحل سبق تناوله ولا يمكن الوصول إلى كلمة فصل بشأنه؛ فتراث المبدع الراحل ملك لورثته بحكم القانون، يحلون محله لمدة خمسين عاماً في التصرف به قبل أن يصبح مشاعاً إنسانيّاً. وقد أجاد ابنا ماركيز الدفاع عن قراريهما بخصوص الروايتين.

تبدو مقدمة الرواية الجديدة التي وقعها رودريغو وغونثالو ماركيز بارتشا، عذبة ومراوغة، إلى حد يجعلنا نتوهم أن كاتبها هو ماركيز ذاته؛ حيث تتجلى فيها سمات أسلوبه، الذي يستند إلى حكمة اللايقين (المبدأ الذي نظَّر له كونديرا، دون أن يتجلى في كتاباته بقدر ما يتجلى في أسلوب الساحر الكولومبي).

بداية هناك الأسف على ذاكرة الأب، وأنقل هنا وكل الاقتباسات التالية عن نص الترجمة العربية التي أنجزها وضاح محمود، «كان فقدان الذاكرة الذي عاناه والدنا في السنوات الأخيرة من حياته أمراً غاية في الصعوبة علينا جميعاً، مثلما يمكن لأي امرئ أن يتصور ذلك بسهولة». وينقلان عنه: «إن الذاكرة مادتي الأولية وعدة عملي في الوقت عينه، ومن دونها لا وجود لأي شيء».

ويقرر الولدان أن الرواية كتبت في مسار يتأرجح بين نزوع ماركيز إلى الكمال وخيانة قدراته الذهنية له، ويشيران إلى طبيعة العمل الصعب للمحرر على النسخ الكثيرة من الرواية، ويتركان الحديث عن ذلك للمحرر كريستوبال بيرا في ملاحظاته المنشورة تذييلاً للطبعة ذاتها، لاعتقادهما بأنه سيفعل ذلك «بطريقة أفضل بكثير مما يمكن أن نفعل نحن الاثنين معاً، ففي تلك الأثناء لم نكن نعلم شيئاً عن الكتاب باستثناء حكم غابو عليه: هذا الكتاب لا نفع منه ولا بد من تمزيقه». بهذه الملاحظة يهيئان القارئ للمفارقة، فهما لم يمزقا النص، بل قررا نشره بعد أن نظرا في أمر العمل فوجدا أنه يزخر بمزايا كثيرة يمكن الاستمتاع بها، ثم يقرران تحوطاً «في حقيقة الأمر لا يبدو النص مصقولاً كما هو حال أعماله العظيمة الأخرى؛ ففيه بعض العثرات والتناقضات الصغيرة، إنما ليس فيه شيء يمنع القارئ من التمتع بأبرز ما في أعمال غابو من سمات مميزة». هو التلاعب الماركيزي ذاته والقدرة على تقديم مرافعة مقنعة، وبعد ذلك يستبقان القارئ العدو، فيقولان عن نفسيهما ما يمكن أن يقوله، ويؤكدان أنهما «قررا، بفعل يقارب أفعال الخيانة، أن ينشرا النص، مراهنين على مسرة القراء قبل أي اعتبار آخر، فإن هم احتفوا بالكتاب وسروا به، فعسى أن يغفر لنا غابو فعلتنا، ويعفو عنا».

لكن تذييل المحرر كريستوبال بيرا لا يوحي أبداً بأن ثمة معضلات كبرى واجهته في اعتماد نسخة الرواية. يحكي المحرر بداية عن تعارفه مع ماركيز مصادفة بسبب غياب محرره الأصلي كلاوديو لوبيث لامدريد، إذ هاتفته الوكيلة كارمن بالثلس في أغسطس (آب) من عام 2001 تطلب منه العمل مع ماركيز على نشر مذكراته «عشت لأروي». وقد عمل بيرا مع ماركيز على أجزاء من المذكرات عن بعد 200. ثم تأخر استئناف العلاقة بينهما إلى عام 2008. وفي بناء ماركيزي من الاستباقات والإرجاءات التشويقية، يطلعنا المحرر على سيرة طويلة وعلنية لـ«موعدنا في شهر آب» مع كاتبها لا تجعل منها لقية أو مفاجأة أدبية بالمعنى الذي يكون عند اكتشاف نص مجهول تماماً بعد رحيل صاحبه.

يغطي المحرر وقت غيابه عن ماركيز بشهادة سكرتيرة ماركيز مونيكا ألونسو، التي تقرر أنه انتهى من تسليم الملازم النهائية من المذكرات في يونيو (حزيران) من عام 2002، وبدا خاوياً بلا مشروع، لكنها عثرت أثناء تفقدها الأدراج على مخطوطتين، أولاهما تحمل عنوان «هي» والثانية «موعدنا في شهر آب» ومنذ أغسطس 2002 وحتى يوليو (تموز) 2003 انكب ماركيز على العمل في «هي» التي تغير عنوانها عند نشرها في 2004 إلى «ذكريات غانياتي الحزينات». أما «موعدنا في شهر آب» فقد نشر منها فصلاً عام 2003، مما يعد إعلاناً بأنه بدأ المضي قدماً في مشروعه الثاني. لكن الخبر الأول عن هذه الرواية كان أقدم من ذلك، وتحديداً يعود إلى عام 1999 حيث فاجأ ماركيز الحضور في مؤتمر أدبي عن الخيال في الرواية اللاتينية بقراءة فصل من هذه الرواية بدلاً من أن يلقي كلمة، وبعد ذلك نشرت الصحافة خبراً مفاده أن العمل الجديد عبارة عن خمس قصص بطلتها واحدة هي آنا مجدلينا باخ.

يثني المحرر على انضباط مونيكا ألونسو التي لازمت ماركيز فترة كتابته الرواية، من بدايتها عام 1999 إلى عام 2004 حين أنجز النسخة الخامسة من التعديلات وكتب على مخطوطتها: «موافقة نهائية مؤكدة. تفاصيل حولها في الفصل الثاني. انتباه، قد يكون الفصل الأخير هو فصل الختام، هل هو الأفضل؟». حسم ماركيز واضح في بداية العبارة. وأما ما جاء بعد ذلك؛ فيمكن فهمه في إطار الوساوس التي تلاحق الكاتب حتى أمام بروفات الطباعة.

يقرر كريستوبال بيرا أن ماركيز كف عن العمل على الرواية بعد تلك النسخة الخامسة، وأرسل نموذجاً عنها إلى وكيلته كارمن بالثلس في برشلونة. عند هذا الحد كان من الممكن للرواية أن تنشر في حياته دون الدخول في معضلات نشر ما بعد الوفاة، لكن كريستوبال لا يحكي شيئاً عما حدث بين ماركيز والوكيلة. هل عاد وطلب منها التريث أم نصحته هي بذلك؟ لكنه يورد عبارة على لسان ماركيز قالها لسكرتيرته: «أحياناً يجب ترك الكتب كي ترتاح»، وإذا لم تكن العبارة تبريراً لقرار بتعليق النص، فهي مقولة عادية جداً، يعرفها جميع المبدعين ويعملون بها.

يخبرنا المحرر أن الكاتب دخل بعد ذلك في الاستعداد لمناسبة عزيزة، وهي الاحتفال بالذكرى الأربعين لصدور «مائة عام من العزلة» عام 2007 ثم العمل على جمع مقالات كتاب «لم آت لألقي خطبة»، فهل كان الانشغال بالحدثين سبب التأجيل؟ يصل بنا المحرر إلى أن الوكيلة طلبت منه صيف 2010 أن يحث ماركيز على إنهاء «موعدنا في شهر آب» ولم يكن قد عثر على ختام لها حتى ذلك التاريخ، لكنه عثر على إلهام النهاية بعد ذلك، «قرأ عليَّ الفقرة الأخيرة التي يختم بها القصة ختاماً مدهشاً».

رغم كل هذا التأهيل للقارئ بأن العمل انتهى على النحو الأمثل على يد صاحبه، يعود المحرر ليقول إن ذاكرة ماركيز بدأت تخونه، فلا تتيح له أن يوفق بين عناصر نسخته النهائية كلها، ولا أن يثبت التصحيحات التي أجراها عليها. لدينا في حكاية المحرر الكثير من الفجوات مثل فجوات الخفاء التي يتركها الروائيون عمداً. هل تشبث ماركيز بروايته ورفض نشرها بعد كتابة الخاتمة لمجرد أن يملأ أيامه ويقنع نفسه بأنه لم يزل في حالة كتابة، أم أن ظروفاً حالت دون النشر؟

لا يجيب المحرر عن هذا السؤال أيضاً، ويعود فيقرر أن السكرتيرة كانت قد أبقت على الكومبيوتر نسخة رقمية «لا تزال تتعايش بين ثناياها مقاطع من خيارات أو مشاهد أخرى كان الكاتب قد أولاها عنايته سابقاً»، وأنه عمل على تحرير الرواية اعتماداً على الوثيقتين معاً، أي النسخة الورقية الخامسة والنسخة الإلكترونية، مقرراً بأن عمله كان مثل عمل مرمم اللوحات، «إن عمل المحرر ليس تغيير نص الكتاب إنما على جعله أكثر تماسكاً، انطلاقاً مما هو مكتوب على الورق».

إذا كان الكاتب قد اعتمد نسخته الخامسة، فلماذا العودة إلى نسخة إلكترونية سابقة؟

تبقى كل الأسئلة معلقة، والمهم أن الرواية صدرت في النهاية بكيفية تجعلنا نفترض أن تضخيم عمل المحرر في المقدمة والتذييل عمل من أعمال الدعاية المصاحبة للنشر، لأننا بصدد نص يتمتع بالمهارة الماركيزية المعتادة.

البطلة امرأة في منتصف العمر تذهب في السادس عشر من «آب» كل سنة لتضع باقة زنبق على قبر أمها في جزيرة فقيرة، وتمضي ليلتها في فندق، حيث تعثر على عشيق العام في لقاء المرة الواحدة. وفي نهاية الرواية تجد آنا مجدلينا ضائعة بين تجارب حب عابرة لا تجلب سعادة وعدم الاستقرار في الزواج؛ فتقرر في الرحلة الأخيرة استخراج عظام أمها لتأخذها معها وتكف عن الذهاب للجزيرة، الأمر الذي يذكرنا بكيس عظام والدي ريبيكا (ابنة المؤسس بالتبني في «مائة عام من العزلة») وقد أخبرتها عرافة بأنها لن تعرف السعادة ما دامت عظام أبويها لم تدفن، وبدورها تنقل الخبر إلى جوزيه أركاديو بيونديا فيتذكر كيس العظام الذي حُمل مع الصغيرة، ويبحث عنه فيدله البنَّاء بأنه وضعه في جدار البيت، فيستخرجه ويتدبر له قبراً بلا شاهد. وكأن الاستقرار على سطح أرض يستلزم توطين عظام الأسلاف في باطنها.

الرواية الجديدة أكثر شبهاً بتوأمتها «ذكرى غانياتي الحزينات» بداية من رفقة مخطوطيهما، ما يؤكد أنهما كانتا آخر ما كتب ماركيز، وكلتاهما من أقل أعماله ألقاً، وتثبتان معاً أنه رحل وفي نفسه شيء من «الجميلات النائمات» لياسوناري كاواباتا. لكن تتبعه لخطى كاواباتا في «موعدنا في شهر آب» يبدو أكثر رهافة من نموذج الغانيات، فقد جعل البطولة للمرأة هنا وليس للرجل، واستغنى عن حبة المنوم، وإن ظل النوم حاجزاً يحول دون التعارف.

وتبدو في هذه النوفيلا القصيرة مهارات ماركيز كلها، التي جعلته واحداً من السحرة الذين يجبرون القارئ على التخلي عن الممانعة ومنحهم تواطؤه غير المشروط إكراماً لمهارتهم.

البناء محكم؛ فالشخصية الرئيسية آنا مجدلينا مرسومة جيداً، وكذلك بناء شخصيات زوجها وابنتها وابنها ورجالها المجهولين، الجميع يتمتعون بالجودة ذاتها في حدود مساحاتهم بالنص. والمكان محدود بالبيت والعبَّارة والمقبرة وفنادق الجزيرة، ومع ذلك تدبر ماركيز في كل مرة بداية ونهاية مختلفة لكل فصل أو قصة من قصص الكتاب.

يقول ولدا ماركيز إن الرواية كتبت في مسار يتأرجح بين نزوع ماركيز إلى الكمال وخيانة قدراته الذهنية له

بناء اللغة هو ذاته المعتاد لدى ماركيز، من حيث الإغراق في البهارات، والميل إلى الحماسة كاستخدام المطلقات في وصف لوثات الحب التي تغير حياة المحب إلى الأبد، «لن تعود أبداً مثلما كانت من قبل» أو تجعل العاشق يشعر بأنه يعرف الآخر «منذ الأزل». وهناك دائماً الرغبات الجامحة، والالتهام المتبادل في نزال الحب. وتمتد حماسة الأسلوب الماركيزي حتى تشمل حفاري القبور، «استخرج الحارس التابوت بمعونة حفار قبور استُقدم للمناسبة مقابل أجر، ثم رفعا عنه الغطاء بلا رأفة». كما تنتقل المشاعر من الشخصية إلى الأشياء حولها، وكأنها تردد ما بداخلها، «ولما دخلت المنزل، توجهت إلى فيلومينا وسألتها مذعورة عن الكارثة التي حلت فيه بغيابها، إذ لاحظت أن الطيور لم تعد تغرد في أقفاصها، وأن أصص الأزهار الأمازونية والسراخس المدلاة، والعرائش المتسلقة ذات الزهور الزرقاء اختفت عن التراس الداخلي».

لدينا كذلك سمة المفارقة الماركيزية ترصع الأسلوب كما في هذه العبارة: «وفي السنوات الأخيرة غرقت حتى القاع في روايات الخوارق. لكنها في ذلك اليوم تمددت في الشمس على سطح العبَّارة ولم تستطع أن تقرأ حرفاً واحداً».

يبقى في النهاية أن تأمل الروايتين الأخيرتين يجعلنا نكتشف أن الحسية وعرامة الحياة ظاهرة ملازمة لماركيز على نغمة واحدة منذ بدايته إلى نهايته، وكأنه آلة مضبوطة على هذه الدرجة من الفحولة، بلا أي أثر لمرور العمر أو تداعي الجسد الملازم للشيخوخة، ولا حتى أثر الخوف من الذاكرة الذي نجده في المقدمة والتذييل!


مقالات ذات صلة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون فوكوياما

فوكوياما وتهافت «النهاية»

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة

ندى حطيط

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».