هل انتحل شتاينبك فصولاً من كاتبة شابة؟

«عناقيد الغضب» أدت إلى دفن رواية أخرى عن الموضوع نفسه

شتاينبك
شتاينبك
TT

هل انتحل شتاينبك فصولاً من كاتبة شابة؟

شتاينبك
شتاينبك

من المرجح، ولكن ليس من المؤكد بأي حالٍ من الأحوال، أن الكاتبين الأميركيين جون شتاينبك وسانورا باب قد التقيا في أحد المقاهي بالقرب من أرفين، بولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة، في مايو (أيار) 1938، إذ كان كلاهما في المدينة لتوثيق معاناة المهاجرين الذين كانوا يتدفقون على الولاية للهروب من دمار «قصعة الغبار» (أعظم كارثة بيئية من صنع الإنسان في تاريخ أميركا)، وكان كلاهما يكتب روايته الخاصة حول هذا الموضوع.

وكان شتاينبك قد تخلى عن روايتين حول هذا الموضوع في وقت سابق من ذلك العام، بينما تلقت باب استجابة متحمسة من دار نشر «راندوم هاوس» على الفصول الافتتاحية للرواية التي تقوم بكتابتها، وكان كلاهما على صلة بتوم كولينز، وهو أحد الموظفين في إدارة الأمن الزراعي (FSA)، وهي وكالة فيدرالية تقدم المساعدة للمهاجرين. وبالنسبة لشتاينبك، كان كولينز صديقاً ومفتاحاً لمعرفة تجربة المهاجرين، أما بالنسبة لباب، فهو كان مرشداً ومشرفاً، إذ إنها كانت قد تطوعت لتوثيق ظروف المعيشة في المخيمات.

وما حدث بعد ذلك كان واضحاً في بعض النواحي، ولكنه كان غامضاً بشكل محبط في نواحٍ أخرى، فالجزء الواضح هو قصة عن الظلم الأدبي العميق، إذ تلقى شتاينبك ملحوظات ميدانية من وكالة الأمن الزراعي، التي تم تجميعها إلى حد كبير (ولكن ليس بالكامل) من خلال ملحوظات باب والمقابلات التي قامت بإجرائها وبعد ذلك بدأ سباق كتابة شديد بينهما لمدة 100 يوم لإنتاج «عناقيد الغضب»؛ الرواية الأميركية الأساسية حول الكساد العظيم (التي فاز عنها شتاينبك بجائزة «بوليتزر» عام 1940)، فيما لم يتم نشر رواية باب، التي تم تسليمها في وقت لاحق، إذ أبلغها المؤسس المشارك في دار نشر «راندوم هاوس» بينيت سيرف أنها تأخرت عن الموعد النهائي للتسليم الذي كان مقرراً في أغسطس (آب) 1939. وكتب سيرف حينها: «يا له من حظ سيئ بالنسبة لك أن رواية (عناقيد الغضب) لم تصدر قبل تسليم روايتك فحسب، بل إنها باتت تغمر البلاد... من الواضح أن نشر رواية أخرى في هذا الوقت حول الموضوع نفسه بالضبط لن يكون مناسباً».ولكن ما هو الجزء الغامض من الأمر؟ بمرور الوقت، كانت باب، التي كانت محبطة بشكل مفهوم، تُصر على أنها هي، وليس كولينز، التي سلمت التقارير بشكل شخصي إلى شتاينبك، وهو التصرف الذي من شأنه أن يجعل استيلاءه على الملحوظات يبدو أكثر جرأة، وكتبت باب بعد 40 عاماً من ذلك اللقاء المزعوم في المقهى: «لقد طلب مني توم أن أعطيه ملحوظاتي، وفعلت ذلك. يا لي من ساذجة».

لكن لا يبدو أن شتاينبك قد كتب قط عن لقائه بباب، أو حتى ذكر اسمها، وذلك على الرغم من أنه من المنطقي تماماً أن يرغب اثنان من الكتاب الدؤوبين عن الموضوع نفسه في مقارنة ملحوظاتهما معاً.

ويتعلق السؤال الأكثر غموضاً بمدى حجم الأجزاء التي تمت كتابتها في رواية «عناقيد الغضب» بناءً على ملحوظات وكالة الأمن الزراعي، ومدى حجم مشاركة باب في كتابة هذه الملحوظات. ومن المؤكد تقريباً أن ملحوظاتها ساعدت شتاينبك في تشكيل تصوره للمهاجرين، إذ كانت ملحوظاتها غنية وشاملة، حيث كانت قد نشأت في مزرعة فاشلة في منطقة بانهاندل في أوكلاهوما، وكانت شخصاً موثوقاً بشكل خاص من قبل كولينز للتواصل مع المهاجرين، وعندما شاركت ما كتبته، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فمن المرجح أنها كانت مدفوعةً بالرغبة في نقل تجربتها من خلال أي وسيلة قد تساعد بها هؤلاء المهاجرين.

إذن، كيف تسمي الشهرة التي تكتسبها رواية ما أدت إلى دفن رواية أخرى بشكل مسبق؟ استيلاء؟ سرقة؟ سوء توقيت؟ تمييز جنسي؟ ربما كان ذلك في النهاية دليلاً على عيب كبير في صناعة النشر، إذ إنه في بعض الأحيان، وليس دائماً لأسباب وجيهة، يستنتج صناع القرار أنه لا يوجد مجال لنشر العديد من الروايات حول موضوع أو حدث رئيسي واحد، لكن الحكم قصير الأجل على ما يمكن أن يتحمله السوق يمكن أن يخنق إرثاً أدبياً.

وتتمثل إحدى مميزات السيرة الذاتية الجديدة التي كتبتها إيريس غامال دانكل، والتي جاءت بعنوان «ركوب كنسمات الريح: حياة سانورا باب»، في أنها أبقت شتاينبك بعيداً عن مضمونها لأطول فترة ممكنة، وعلى الرغم من سوء حظ باب، كما قال سيرف، فإن تجاهل نشر روايتها في ذلك الوقت لم يكن العنصر الحاسم في حياتها أو مسيرتها المهنية، إذ كانت الكاتبة من أشد المناصرين لليسار، ونشرت روايات وتقارير في مجلات صغيرة مثل «New Masses»، وصادقت كُتَّاباً من الطبقة العاملة مثل ويليام سارويان ونيلسون ألغرين، وكانت متزوجة لفترة طويلة من المصور السينمائي الحائز على جائزة «الأوسكار» جيمس وونغ هاو، وعلى الرغم من أن زواجهما شهد العديد من المواقف الصعبة في بعض الأحيان، لكنه لم ينته تحت ضغط عمله.

وعلى الرغم من أن رواية «عناقيد الغضب» عرقلت مسيرتها المهنية، فإن باب لم تتوقف أبداً عن استخراج ذكريات من طفولتها، فقد عانت من الفقر وفشل المحاصيل وغياب والدها في أوكلاهوما وكولورادو وكانساس، وكافحت والدتها للحفاظ على تشغيل المخبز الذي كانوا يملكونه بينما كان والدها يطارد أحلاماً وهمية كمقامر ولاعب بيسبول شبه محترف. ويسلط الكتاب الذي يحكي سيرتها الذاتية الضوء على عزيمة باب على توثيق هذه المعاناة، والخروج منها.

ووفقاً لدانكل، فإن هذه السيرة الذاتية تساعد كثيراً في تفسير سبب اتخاذ باب القرار الذي عرقل مسيرتها المهنية، إذ تقول: «يجب أن نفهم أن سانورا باب جاءت من خلفية شيوعية ليبرالية، وكانت كاتبة تستند في كتاباتها على قضايا المجتمع».

وقد أخبرتني دانكل، عبر اجتماع من خلال تطبيق «زووم» من جامعة كاليفورنيا ديفيس، حيث تعمل محاضرة في قسم اللغة الإنجليزية قائلة: «كانت جزءاً من مجموعة كتّاب لمدة 40 عاماً مع راي برادبري، وكان التعاون المهني مع زملائها جزءاً من فلسفتها، ولا أعتقد أنها كانت تتصور أن شتاينبك قد يستولي على أشياء من ملحوظاتها، وأن هذا سيجعل من المستحيل عليها نشر روايتها الخاصة».

ولا يشير كتاب سيرة باب الذاتية إلى أن شتاينبك سرق روايتها، لكنه يؤكد أنه استولى على ملحوظاتها دون الإشارة إليها، كما يشير إلى أن منظور «عناقيد الغضب» لم يتضح لشتاينبك إلا بعد أن حصل على تلك الملحوظات بين يديه.

واستشهدت دانكل بما قاله شتاينبك نفسه ليُظهِر أن التقارير الميدانية التي كلف بها كولينز (وهو أحد الأشخاص الذين تم إهداء رواية «عناقيد الغضب» إليهم) كانت ضرورية لتصوير بيئة المهاجرين بشكل أصيل، إذ قال: «تلقيت رسالة من توم (كولينز) تحتوي على معلومات حيوية يمكن استخدامها لاحقاً»، هكذا كتب المؤلف في مذكراته أثناء عمله على روايته، وأضاف: «كنت بحاجة إلى هذه الأشياء، إنها ملحوظات دقيقة ومناسبة تماماً لاستخدامها».

وقد اكتشف العديد من الباحثين أصداء لملاحظات باب في رواية «عناقيد الغضب»، ومنها ملحوظاتها حول «مزارع المهاجرين المفقودة بسبب الرهن العقاري، والآلات والحيوانات التي استولت عليها البنوك، والأفدنة التي دمرها الغبار». كانت تحمل نفس إيقاع الكتابة الذي أتقنه شتاينبك في روايته، كما أن أوصافهما للأطفال المولودين ميتين متشابهة، فضلاً عن أن كلاهما استخدم مخلوقات مثل الحشرات والسلاحف كاستعارات لمعاناة المهاجرين.

ومع ذلك، فإنه لا يمكن، بدون دليل مباشر، إثبات وجود رابط حاسم، فكلا الكاتبين كان في المكان نفسه في الوقت نفسه، يقول سودر: «من الصعب حقاً فصل الأمور والقول: حسناً، هذه الفكرة تعود إلى شتاينبك، وهذه الفكرة تعود إلى باب، أعتقد أن هذا مستحيل تقريباً».

وعلى الرغم من كل أوجه التشابه بين الروايتين، فمن غير المرجح أن يخلط القارئ بين رواية وأخرى، إذ إنه صحيح أن حبكتي الروايتين تتناغمان بشكل كبير، خصوصاً في الفصول الأخيرة، التي تتعلق بالعائلات المهاجرة المحاصرة والمستغَلة من قبل المزارع الكبيرة ذات الأجور المنخفضة، ولكن في حين تتسم رواية «عناقيد الغضب» باستخدام أسلوب حماسي بشكل مستمر وميلودرامي في كثير من الأحيان، فإن رواية باب التي تم تحريرها وإصدارها أخيراً قبل 20 عاماً تتميز بالحميمة والاعتدال، وتركز بشكل كبير على التآكل البطيء للحلم الزراعي الأميركي في نمط من الاستغلال زادته «قصعة الغبار» سوءاً، فالصورة التي رسمتها باب لمجتمع في منطقة بانهاندل في أوكلاهوما دمرته العواصف الترابية، وحديثها عن الإجهاض والانتحار إلى جانب الدمار الاقتصادي، هو تصوير حسي وأكثر انسجاماً مع أسلوب ألغرين من شتاينبك.

وفي رسالته التي تحدث فيها عن حظ باب «السيئ»، كتب سيرف إليها قائلاً أيضاً: «الثلث الأخير من كتابك يشبه تماماً رواية (عناقيد الغضب) لدرجة أنه يمكن التبديل بين العائلات والشخصيات في الروايتين»، وهذا صحيح تماماً ولكنه أيضاً يفتقد نقطة مهمة وهي أن التجارب الجماعية تكون مشتركة بطبيعتها، لكن وصف باب لها كان خاصاً بها بالكامل. وبينما توثق رواية «عناقيد الغضب» الظلم الذي واجهه المهاجرون في كاليفورنيا في ذلك الوقت، فإن رواية باب تُظهر كيف كافح المزارعون في أوكلاهوما.

لقد كان شتاينبك وباب كاتبين بأسلوبين مختلفين، وكل منهما كان يريد العمل على حدث أميركي كارثي، ولذا فإنه من الصعب تصديق أن السوق لم تكن لديه مكان لكلا الروايتين في ذلك الوقت. تقول فان كوترن من «مركز شتاينبك»: «العذر الذي استخدمه سيرف بأن السوق كان مزدحماً للغاية، بحيث لا يتسع لاستيعاب رواية أخرى عن الموضوع نفسه يبدو واهياً في أفضل تقدير»، وأضافت: «لذا أرى أنه كان هناك سبب آخر دفعه إلى إيجاد سبب لرفض روايتها، وأرى أن هذا الرفض على الأرجح يرجع إلى أنها كانت كاتبة شابة في بداية مسيرتها المهنية».

*مجلة «ذا أتلانتك» الأميركية



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.