بندول بنعبدالعالي!

بين قطبي الفلسفةِ العربيةِ الإسلامية القديمة والفلسفة الأوروبية المعاصرة

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

بندول بنعبدالعالي!

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

بنعبدالعالي يقومُ بتفكيكِ المفاهيمِ الفلسفيةِ والنفاذِ إلى لُبِّها، من دون أن يدّعيَ أنَّه فيلسوفٌ، فهو ليس لديه ثقافةٌ كلاسيكيةٌ حسب قوله يقول الناقدُ المغربيُّ عبد الفتّاح كيليطو في أحد استجواباتهِ الصحافية إنه لم يرَ نفسَهُ جديراً بالخوضِ في الأدبِ الفرنسي. وهكذا حين ناقشَ، في إطارِ شهادةِ الدراساتِ العليا، رسالتَهُ عن رواياتِ فرنسوا مورياك، سنحتْ لهُ فرصةٌ ثمينةٌ لنشرِها، لكنه رفضَ لأنها بدتْ لهُ ضعيفةً جدّاً مقارنةً بكتبِ النقدِ التي كان قد اطّلعَ عليها في ذلك الوقت (رولان بارت، شارل مورون...). بعد مدةٍ من الترددِ قامَ بتسجيلِ «المقامات» موضوعاً للدكتوراه.

بنعبدالعالي

ومن المعلومِ أن مقاماتِ الهمذانيِّ والحريريِّ تُعدُّ من نماذجِ النثرِ الفنّي، الذي اشتغلَ عليهِ «الدكاترة» زكي مبارك في منتصفِ الثلاثينات من القرن المنصرم، في أطروحتهِ «النثرِ الفني في القرنِ الرابع الهجري» في جامعةِ السوربون تحتَ إشرافِ المسيو ميرسيه. وقد اختلفَ تلميذُهُ الحادُّ الطبعِ والنبرةِ مع أستاذهِ المتمركزِ أوروبياً حولَ نشأةِ النثرِ عند العربِ، دونَ أن ينصاعَ لأمرهِ الأكاديميِّ بحذفِ ما كتبَهُ مبارك حولَ هذه النشأةِ، رغمَ نصيحةِ بعضِ الأساتذةِ الفرنسيين المستشرقين، وفي طليعتهم ماسينيون. ومع ذلك فقد رضخَ الأستاذُ لرغبةِ الطالبِ الحادة!.. لقد أخبرَهُ ماسينيون بعدَ الانتهاءِ من حصولهِ على الدكتوراه بأن «ميرسيه لا يحبُّك لكنه لا ينساك».

وقد ترجمَ الدكتور مبارك أطروحتهُ بنفسهِ إلى اللغةِ العربية. مبارك لم يكن بعيداً عن قضيةِ الفلسفةِ في أطروحتَيه الأخريين «الأخلاق عند الغزالي» و«التصوف الإسلامي».

طه حسين

يبدو أن كيليطو عاشقٌ للسانينِ، كما يكتبُ عنهُ صديقهُ عبد السلام بنعبدالعالي في كتابهِ الأخير بعدَ كتابهِ الأولِ «الأدب والميتافيزيقيا» باللغتين العربيةِ والفرنسيةِ، وكأنه بمخاطبتهِ العربَ والفرنسيينَ أسواريٌّ جديد! نعم، يبدو كيليطو هو الآخرُ يحاولُ التخلّصَ من تأثيرِ المركزيةِ الأوروبيةِ، وقد اشتغلَ - خصوصاً في أحدِ مؤلفاتِه الأولى (الكتابةُ والتناسخ) الذي ترجمَهُ بنعبدالعالي من الفرنسيةِ إلى العربيةِ - على إعادةِ قراءةٍ نقديةٍ مبدعةٍ لنصوصٍ تراثيةٍ، مستلهماً رولان بارت في أطروحتِه عن «موت المؤلف»، حيثُ ركّزَ فيها كيليطو على الجاحظِ، الذي قدّمَ في أدبِهِ الموسوعيِّ شارل بيلا كتاباً رائعاً، بدّدَ سأمَهُ من دراسةِ الأدبِ العربي. وهذا ما فتحَ عينَ كيليطو على براعةِ الجاحظِ، ومنها ما ذكره الجاحظُ في كتابِهِ «البيانِ والتبيين» عن موسى سيار الأسواري الذي «كان من أعاجيبِ الدنيا، كانت فصاحتُهُ بالفارسيةِ في وزنِ فصاحتِهِ بالعربية، وكان يجلسُ في مجلسِهِ المشهورِ به، فتقعدُ العربُ عن يمينِهِ، والفرسُ عن يسارِهِ، فيقرأُ الآيةَ من كتابِ الله، ويفسّرُها للعربِ بالعربيةِ، ثم (يحوّل) وجههُ إلى الفرسِ، فيفسّرُها لهم بالفارسية. فلا يدري بأي لسانٍ هو أفصح».

محمد عابد الجابري

لكن هل هذا هو شأنُ عبد الفتّاح كيليطو وهو يُطلُّ على القراء العرب - بعدما تَكَوَّن في تعليمه المزدوج - متعوداً ألا يقرأَ إلا النصوصَ التي كُتِبَت بالفرنسية أو بالفصحى - قارئاً ومدوّناً - مستمتعاً بلذةٍ «بارتيةٍ» في قراءةِ النصوص الأدبية؟ هذا اللسانُ المفلوقُ - كما يُعبر كيليطو - هو بصورةٍ أخرى ما أصبح عليه دارسُ الفلسفةِ العربيةِ الإسلاميةِ القديمةِ والفرنسيةِ المعاصرة. صديقُهُ د. عبدُ السلامِ بنعبدالعالي أستاذُ الفلسفةِ بجامعةِ الملكِ محمد الخامس، متتلمذاً على يدي محمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري. ما زلتُ أتذكر لقائي ببنعبدالعالي في صيفِ الرباطِ سنة 1993 - بعد يومينِ من وفاةِ الحبابي - حيث عرفني على زميليهِ الراحلينِ سالم يفوت ومحمد وقيدي، وكذلك من أصبحَ يكتبُ معه «بيدينِ» محمد سبيلا، وقد أصبحَ بنعبدالعالي اليومَ ملءَ السمعِ والبصر، اسماً لامعاً وألمعياً في فضاءِ التأليفِ الفلسفيِّ وترجمتِه. محاولاً النزولَ بالفلسفةِ من عليائها المطلقِ وتجريداتِها الذهنيةِ، إلى أرضِ الواقعِ المغربيِّ والعربيِّ الملتبس - لا أريدُ هنا مشابهتَهُ بأستاذِ الفلسفةِ المصريِّ مراد وهبة، في أطروحتهِ ومؤتمرِه عن الفلسفةِ ورجلِ الشارعِ في القاهرةِ سنةَ 1983... خشيةَ إعادةِ سجالِ المشرقِ والمغربِ جذعة! بعد أطروحةِ أستاذهِ الجابري، في برهانيةِ المغربِ الرشديةِ وعرفانيةِ المشرقِ السينية، التي جاءت إليهِ عبرَ ابنِ عربي الأندلسيِّ من المغرب! حيث لا يزالُ من تلامذةِ الجابري من يذهبُ إلى أن حفريةَ المعنى مخصوصةٌ بمتفلسفي المغربِ، والتاريخُ للأفكارِ في شكلِ العلاقةِ بين العربيِّ والفلسفةِ محدودٌ بمتفلسفي المشرق!

على أيِّ حالٍ فإن د. بنعبدالعالي يقومُ بتفكيكِ المفاهيمِ الفلسفيةِ والنفاذِ إلى لُبِّها، دون أن يدّعيَ أنَّه فيلسوفٌ، فهو ليس لديه ثقافةٌ كلاسيكيةٌ - حسب قوله - فلم يسبق له - غالباً - أن تبنَّى أيَّ أطروحةٍ، ما دامَ لا يشعرُ بامتلاكِه القدرةَ على صياغةِ عملٍ مرتبٍ (أكاديمياً)، وإنما هو يستلهمُ المفاهيمَ سواءً من دولوز أو غيرِه من فلاسفةِ فرنسا وألمانيا. فالمفهومُ الفلسفيُّ بالنسبةِ إليهِ آليةٌ لإعمالِ الفكرِ في اللامفكَّر فيه، متفاعلاً مع متغيراتِ الحياةِ وفوائضِ المعرفة - في جملةٍ من كتبِه (المقالية) العديدة ذات الصفحاتِ القليلةِ المكثفةِ الرشيقة - تأليفاً وترجمةً - نائياً بكتاباتهِ المثيرةِ للأسئلةِ عن مطولاتِ باحثي الفلسفةِ ومنظريها المشارقةِ والمغاربة. بل إنَّهُ يثورُ على نَسَقهِ الجينيالوجيِّ من آبائهِ (الحبابي والعروي والجابري)، وإن كان يبدو أقربَ إلى مؤلفِ «النقد المزدوج» و«الاسم العربي الجريح» تلميذِ رولان بارت عبدِ الكبيرِ الخطيبي بـ«ذاكرتهِ الموشومة»، مستخلصاً - بنعبدالعالي بجرحهِ وتعديلِه - من تجربةِ الخطيبي في النقدِ الأدبيِّ المتفلسفِ والكتابةِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ، ما جعلهُ يتماهى معه ويختلفُ معهُ في آن.

محمد رضا نصر الله

وإذ يشتغلُ بنعبدالعالي بعالمِ الفلسفةِ وكونيةِ الأدبِ والترجمةِ بتاريخِها المثقلِ بترجمةِ النصوصِ متعدّدةِ اللغاتِ، يقوم بمحو فعل الترجمة، نصّاً لا تشتم فيه رائحة اللغة الأخرى، بوصف الترجمة عملاً تراكمياً منعشاً... أو كما يُعبرُ كيليطو في مقدمتهِ المنبهرةِ بكتابِ صديقهِ «انتعاشةِ اللغة»، فلأنَّ تاريخَ الفلسفةِ هو في العمقِ تاريخُ الترجمة، كما هو ابنُ رشدٍ في ترجمتِه أرسطو، معتمداً على ما قامَ بهِ السريانُ العربُ المسيحيونَ من قبل، في ترجمةِ كتبِ أرسطو، خاصةً كتابيهِ «فن الشعر» و«فن الخطابة»، بوصفِهِما كتابينِ في المنطق. إذ عكف السريانُ على نقلِها لاستخدامها في مجادلاتِهم الدينية، التي «انتعشت» على أفكارهما، فقامَ تراجمتُهم وفي طليعتهم متى بن يونس، بترجمةِ كتاب «فن الشعر» لأرسطوطاليس، الذي شكّكَ أبو سعيد السيرافي في مناظرتهما أمام الخليفةِ المقتدر، بأنَّ متى لا يُحسنُ الترجمةَ من اليونانيةِ، رغم وجودِ رواياتٍ عن ترنُّمِ متى (منتعشاً) بأشعارِ هوميروس بأصلها اليوناني. وبسببِ تسلُّلِ المنطقِ الأرسطيِّ إلى بغدادَ العباسيةِ في ذروةِ انفتاحِها الفكري، وجدنا أبا نصر الفارابي - لبنعبدالعالي أطروحةٌ لافتةٌ في فلسفتهِ السياسيةِ المدنية - يهتمُّ بالفكرِ اليونانيِّ ويؤلفُ عن «فلسفةِ أرسطوطاليس» و«الجمعِ بين الحكيمين» أي أفلاطونَ وأرسطو، وهما كتابانِ عُني بهما أستاذُ كرسي الدراساتِ العربيةِ بجامعةِ هارفارد العراقي د. محسن مهدي، الذي ألّف كتاباً عنه: «الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية».

هذا... وقد نفختِ الترجمةُ الحياةَ في نصوصِ الأغارقةِ، لتسري إلى الغربِ الأوروبي القروسطي، ممزقةً الظلامَ الكنسيَّ بنورِها المتثاقفِ المنعش، عبر الرشديةِ اللاتينيةِ حسبَ وصفِ إرنست رينان في كتابه الشهير «ابن رشد والرشدية». يقول بنعبدالعالي في كتابه «انتعاش اللغة» (لا تعني كونيةُ الآدابِ تطابقاً يذيبُ الآدابَ المحليةَ في وحدةٍ ميتافيزيقية، وإنما وعي الذاتِ بأن الآخر مكوّنٌ من مكوّناتها، فعندما «تذبل» الآدابُ القوميةُ «تنتعش» وترى الحياةَ من جديدٍ عن طريق الآخر).

نعم.. وهاك شعراء التفعيلة - مثلاً ساطعاً - فمنذ ترجمَ علي أحمد باكثير «روميو وجولييت» سنة 1936 من الإنجليزية إلى العربيةِ على وزنِ وحدة التفعيلة، خارقاً بمغامرتِه الجريئةِ جدارَ الوزنِ الخليليِّ التاريخي الصلب. ووجدنا الشعرَ العربيَّ المعاصرَ ينتعشُ على آثارِ تداعياتِ الحربِ العالمية الثانية، مع بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة متثاقفين - مباشرةً أو مترجمين - مع نصوصِ شكسبير وت. س. إليوت وأديث ستويل وغيرهم، مشكلين بإبداعهم الشعري نقيضاً موضوعياً لجثوم الاستعمارِ الأوروبيِّ المثلثِ بلغاتِه وآدابه، على مشرقِ العالمِ العربي ومغربِه. وكان اللبنانيُّ أمينُ الريحاني قد ألقى إلينا قبلهما من مهجرهِ الأمريكي - مبدعاً ومترجماً - بقعةَ ضوءٍ غيرَ معهودةٍ بقصيدة النثر، متأثراً بخطى الشاعرِ الأميركي والت ويتمان.

أما السيّاب فقد ألهبَ ذائقةَ المستعربِ الفرنسي جاك بيرك، وهو يُلقي قصيدة «أنشودة المطر» بلسانهِ الفرنسي على أبناءِ قريته، فوجدهم يبكون - كما أخبرني في لقاءٍ متلفز - وكأنَّه «جعلَ الغريبَ ضيفاً على دارهم»، كما يعبر بنعبدالعالي في كتابهِ، حيث تفاعلَ فلاحو القرية الفرنسية بعدما «أنعشتهم» ترجمةُ القصيدة، وكأنهم وجدوا في أجواءِ قصيدةِ السيّابِ قريتهِ جيكور ونخيلها وأشجارها ونهيرها الصغير... وجدوا فيها قريتهم مؤتلفين إنسانياً مع فلاحي جيكور، رغم بُعد المسافةِ بين ضفتي لغتهم.

إذن فالترجمةُ كما يقول بنعبدالعالي عبورٌ وحركةُ انتقالٍ عبر جسرٍ يأتي بالضفتينِ إليهما، متوسلاً بتعبير هايدغر الألماني «أن التعددية ليست تساكناً بين عدةِ أشكال، حيث لا ترمي الترجمةُ إلى توحيدِ اللغاتِ وإلغاء الاختلافِ بينها، وإنما إلى بعثِ الغرابة»، وهو ما يُمثِّله بنعبدالعالي عن ترجمةِ الشاعرِ والمترجم البريطاني إدوارد فيتزجيرالد لرباعيات الخيام، حيث أعطى عمر الخيام مكاناً خالداً بين الشعراء العظام في فضاءِ الإنجليزية الثقافي. وكذلك فإن الشاعر الغنائي المصري أحمد رامي - هو الآخر - أعطى رباعيات الخيام عبر صوتِ أم كلثوم، بإعادةِ كتابتها مكاناً مؤثراً في الذوق العربي العام، بترجمتها من الفارسيةِ مباشرةً، وقد تعلَّمها في معهد اللغات الشرقية بباريس سنة 1924، سابقاً بها ترجمةَ أحمد الصافي النجفي العراقي، وإبراهيم العريض البحراني الأدق من الفارسيةِ مباشرةً، لتصبحَ هذه الترجمات لغةً ثالثةً، ذات طاقةٍ تأويليةٍ هائلةٍ في النص الخيامي المترجم.

غير أن السؤالَ المنتصب - هنا - يدورُ حول ترجمةِ النصوص عبر لغةٍ وسيطة، حيث قامَ سامي الدروبي - مثلًا - بترجمةِ رواياتِ تولستوي وديستويفسكي الروسية من الفرنسيةِ إلى العربية، ليكتشفَ المترجمُ المغربي إدريس الملياني الضليع في اللغةِ الروسية أخطاءً جسيمةً وقعت فيها ترجمات الدروبي.

أما حينما يستشهدُ بنعبدالعالي ببروست القائل «إن المؤلفات الرائعة تبدو وكأنها كُتبت بلغةٍ أجنبية»، فإنَّه يجعلني أتذكرُ على الفور مقولةَ عبد الفتّاح كيليطو (الكافكوية) في كتابه «أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية»، مخاطباً القارئ العربي «أن تمرَّ عبر البعيد لتعرفَ القريب وتعترفَ به»، مستشهداً بما كتبه د. عبد الله العروي في كتابه «خواطر الصباح» حول كتابةِ أطروحتهِ المبكرةِ عن «الآيديولوجية العربية المعاصرة» التي لقيت اهتماماً عربياً، بسبب كتابتها بالفرنسية قبل ترجمتها إلى العربية.

لكن أليسَ ذلك يُشكل عقدة نقصٍ ثقافية؟

يُجيب كيليطو في نفس مورد كلامهِ أنها «لعنةٌ تثقل كاهلَ العربِ منذ أكثر من قرن».المعروف أن جهاتٍ فرنسيةً رسمية أصبحت تتبنى نشرَ بعض النصوصِ الروائية (المغاربية) المكتوبةِ باللغةِ الفرنسية، باعتبارها إبداعاً «فرانكفونياً»، خصوصاً حين يجدون في معالجاتها ما يدعم الصورةَ النمطية المقلوبة عن المجتمعاتِ العربية المرسومة (استشرافياً) في مخيلاتهم الأوروبية.

الكاتبةُ والمخرجةُ الجزائرية آسيا جبار التي قابلتها في فندق الوحدة بالجزائر صيفَ سنة 1978، واجهتْ هذه الصورةَ الاستخذائيةَ الذليلة، وقد جاءتني تحمل أحد مؤلفاتها المسرحية «عند احمرار الفجر» عن الثورةِ الجزائرية مترجماً من الفرنسية إلى العربية، فقد عجز - وقتذاك - لسانُها عن الحديث بالعربية، رغم استشهادها في مسرحيتها بأبياتٍ من الشعر العربي القديم، فما كان منها إلا أن ترقرقت دمعةٌ متحسرةٌ في مآقي عيونها، وهي تغادرني معتذرةً عن إجراء لقاء تلفزيوني إلى دارها.

هل لهذا اندلعت الخصومةُ القديمةُ الشهيرة بين طه حسين وزكي مبارك المتخرجينِ في فرنسا، وقد أخذ مبارك على طه حسين أنه خضع لأستاذه كازانوفا، بينما أصرَّ هو على الاختلاف مع أستاذه مرسيه، وهما يناقشان أطروحتيهما، مراهنين على ما نجح فيه بعدهما عبد الفتّاح كيليطو بمهارة، وهو يسعى في كتاباته النقدية الآسرة المبهرة «ألا يكتبَ كالأوروبيين وأن يختلفَ في الآن نفسه عن الكتاب العرب».

فيا ترى، هل هو نفسُ الرهانِ الصعب الذي يُحاوله بنعبدالعالي، وبندول أطاريحه يتراوحُ منذ عقودٍ، بين قطبي الفلسفةِ العربيةِ الإسلامية القديمة والفلسفة الأوروبية المعاصرة - مؤلفاً ومترجماً، محاولاً خلخلة الثقافة النمطية والمفاهيم السائدة؟



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟