إبراهيم نصر الله: ما يحدث في غزة أكبر من 100 رواية

الروائي والشاعر الفلسطيني يقول إن متعته تكمن في ابتكار أشكال جديدة

إبراهيم نصر الله
إبراهيم نصر الله
TT

إبراهيم نصر الله: ما يحدث في غزة أكبر من 100 رواية

إبراهيم نصر الله
إبراهيم نصر الله

يضع الروائي والشاعِر الفلسطيني إبراهيم نصر الله سردية الوطن الفلسطيني في قلب مشروعه الأدبي المُتراوح ما بين الكتابة الأدبية والشِعرية والنقدية، منذ ديوانه الأول «الخيول على مشارف المدينة»، مروراً بملحمة «الملهاة الفلسطينية» التي تروي أكثر من 250 عاماً من التاريخ الفلسطيني، حتى أحدث أعماله «مصائد الرِياح».

وُلد نصر الله (1954) في عمان بالأردن لأب وأم فلسطينيين هُجِرا من قرية البريج عام 1948، وتُوّجت أعماله بالعديد من الجوائز الأدبية، أبرزها «البوكر العربية» التي ترشح لها أكثر من مرة ونالها عام 2018 عن روايته «حرب الكلب الثانية»، كما فاز بجائزة «كتارا» مرتين الأولى عن روايته «أرواح كليمنجارو» والثانية عن «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، كما نال جائزة «سلطان العويس للشعر العربي» عام 1997. هنا حوار معه حول روايته الجديدة وتجربته الأدبية.

> انتهيت من روايتك الجديدة هل يمكن أن تحدثنا عن ملامحها؟

- الرواية الجديدة ضمن مشروع «الملهاة الفلسطينية» وواحدة من ثلاثية أطلقتُ عليها اسم «ثلاثية الرّاوي العَليم» بقدر ما هي معنيّة بحالنا اليوم، هي معنيّة بتاريخ البشر، وكل رواية منها مستقلة تماماً عن الروايات الأخرى.

أحداث هذه الرواية التي تحمل اسم «مصائد الرّياح» تتشكل من ثلاثة مسارات بين عام 1936 وعام 2021، في كل من فلسطين وبريطانيا والعالم العربي، وتلعب فيها النساء والخيول الأدوار الرئيسية، وكلّ ذلك عبر علاقة حب تُشكِّل الخيطَ النّاظم لهذه المسارات، وستصدر عن «الدار العربية للعلوم» في بيروت، وطبعة فلسطينية خاصة عن دار «طباق».

> تتزامن روايتك الجديدة مع الوضع الكارثي الذي تمرّ به فلسطين منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كيف تؤثر المستجدات اليومية في متنك الأدبي بشكل أو بآخر؟

- هذه الرواية بدأتُ بكتابتها أواخر عام 2021، وكانت كتابتها الأولى قد أنجزت عام 2022، بالتالي كانت خارج ما يحدث الآن. هذا العام كنت منشغلاً بكتابتها الثالثة. لكن ما يدور أثَّر تماماً على كل شيء في حياتنا، وكان الشِعر هو الأقرب للتعبير عن هذا، وقد كتبتُ عدداً من القصائد التي ستصدر بالإنجليزية بترجمة لهدى فخر الدين الشهر المقبل في أميركا بعنوان «فلسطيني»، وستصدر في فلسطين بعنوان «مريم غزة»، وقد تمّ تحويل هذه القصيدة إلى عمل سيمفوني غنائي شعري من قِبل «معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى» في القدس، ولحَّنه الموسيقار الفلسطيني سهيل خوري، وستقدم الفنانة التونسية غالية بنعلي قصيدة «فلسطيني».

> على مدار مشروعك الأدبي، وأنت تنحاز لتصوير شخصياتك بعيداً عن التنميط، فلا هو طفل الحجارة، ولا هي المرأة التي تزغرد في جنازة ابنها، بل نرى شخوصك ممتلئين بالحياة. حدثنا عن هذا الاختيار في ضوء نظرتك الخاصة لأدب المقاومة.

- في ظنّي أن من ينظر إلى الإنسان عبر زاوية واحدة فإنه لن يرى منه شيئاً، في الأدب علينا أن نرى الإنسان في صفاته كلها، ويكفي أن ننظر بصدق إلى أنفسنا لكي نتأكد من أننا هكذا، أو كما جاء في قصيدة «فلسطيني»: « أنا كلُّ هذي العناصر يا ربُّ: نارٌ ترابٌ وريحٌ وماءٌ/ وخامسها وجعٌ لا تراهُ الأغاني الضّريرةُ/ سادسها أن أكونَ وحيداً، وسابعها مُذْ ذُبِحْتُ: دماءٌ».

لحسن الحظ أنّ هذا ما توصَّلتُ إليه مبكراً في تجربتي الأدبية وأنا أتأمّل كثيراً من التجارب الفلسطينية.

> طفل المُخيم الذي كُنتَه يسكن في شِعرك ورواياتك، ومنحته صوتاً مركزياً في «طفولتي حتى الآن». لماذا لم تكتبها سيرة ذاتية بحتة واخترت في المقابل أن تمزج فيها بين السيرة وفن الرواية؟

- «طفولتي حتى الآن» من أكثر الروايات قرباً إلى قلبي، وسعيد أن قلوب القراء احتضنتها بمحبة رائعة. لقد تعمَّدتُ أن أكتبها روايةً حتى لا أكون «بطلها» الوحيد، فالسيرة الذاتية تلتهم الآخرين عادة، ولذا عملتُ على كتابتها بمنطق الرواية لكي أتيح لكل من أثروا في حياتي أن يكونوا معي من أول الرواية حتى آخرها، وبعضهم أعدّه بطلها الفعلي، مثل نور والأمّ. كنت أسعى لتذويب الأنا ودفْعها للخلف.

> ما الذي منحته الهُوية والبُعد الأردنيّ لمشروعك الأدبي، ولزاوية رؤيتك الأدبية لفلسطين؟

- عشت حياتي كلها في الأردن، بالتالي عشت الأردن وكل ما مرّ به، لذا كان مشروع «الشرفات» المكوّن من عشر روايات حتى الآن مكرّساً بدرجة كبيرة لهذه الحياة التي عشتها هنا، وهي روايات تحتضن الكثير أيضاً من حياتنا العربية.

> أثار إطلاقك اسم «الملهاة الفلسطينية» المفارقة بين «الملهاة» وأعماق «المأساة» التاريخية لفلسطين. لماذا اخترت «الملهاة» عنواناً لهذا العمل الملحمي؟

- ليس من السهل أن يُطلق كاتبٌ مشروعاً أدبيّاً طموحاً إلى هذا الحدّ، فأول ما يواجهه هو نفسه وسؤاله لهذه النفس إن كان سيستطيع القيام بمهمة شاقة، بل مرعبة، كهذه. هذا خوفي الأول، أما تعبير «الملهاة» بدل «المأساة»، فكنتُ أدرك أن هذا الأمر ليس مشكلة، إذ سيدرك الناس ذلك مع مرور الوقت، وهذا ما حدث.

> هل يمكن اعتبار «الملهاة» مشروعاً مفتوحاً، خصوصاً أنك سبق وذكرت أن علاقتك بجمع وقراءة الشهادات والمرويات هي عملية مُتواصلة ومستمرة؟

- المشروع لا ينتهي، فما يحدث في غزة منذ عشرة أشهر أكبر من 100 رواية، وما يحدث في الضفة الغربية ليس أقل من هذا. الشهادات استخدمتها في رواية «زمن الخيول البيضاء» بشكل خاص، و«دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، وكانت ضرورية لأنها وضعتْني في الجو العام الذي كان يعيشه الناس، لكن ما استخدمته من الشهادات ليس أكثر من 15 في المائة فعلياً، ولا توجد أي شخصية كاملة من الشهادات في الروايتين؛ كنت أريد أن أفهم الإيقاع النفسي لحياة الناس لأكتب نصاً غير بعيد عن هذا الإيقاع.

> أنت تقف على مسافة واحدة بين القضية المُتمثلة في الجذور والتاريخ، وبين الفن الذي لا تتوقف فيه عن التجريب والتخييل وتراسل الفنون. حدثنا عن هذه التركيبة الأدبية.

- لا يمكن أن تكون مُخلصاً لقضية ما، ككاتب، إن لم تكن مُدركاً وعارفاً لأفضل الطرق التي يمكن أن تُقدِّمها عبرها. «القضايا الفنية الكبيرة تحتاج لمستويات فنية كبيرة للتعبير عنها»، قلتُ هذا في أول حوار صحافي معي وأنا في السادسة والعشرين من عمري، ولم أزل متمسكاً بهذا، ثم إن الأدب فنٌّ بالدرجة الأولى، وإن لم يستطيع أن يكون فناً فهو لا شيء. كما أن متعتي الحقيقية هي ابتكار أشكال فنية جديدة، مثل أي مهندس لا يمكن أن يكون مهندساً إذا أمضى عمره مُكرِّراً نموذجاً عمرانيّاً واحداً في كلّ مشروع ينفذه.

> ذكرت في لقاء لك بالجامعة الأميركية بالقاهرة أخيراً أن الدّور الذي قدمه غسان كنفاني بعمله «رجال تحت الشمس» يفوق ما فعلته المؤسسات الفلسطينية والعربية منذ النكبة، لماذا؟

- ببساطة لأنها رواية متجدّدة، عابرة للذائقة المُتغيِّرة، ومؤثرة في أجيال متلاحقة ومكتوبة بصدق كبير وفنية عالية.

> سبق وذكرت على لسان أحد أبطالك أنه «يُقاتل من أجل ألّا يضيع حقه»، وضمن كلمتك في «البوكر» قلت «نكتبُ لنهُز العالمَ لا لنُرَبّت عليه»، من أين تستمدّ إيمانك بالكتابة بعد كل هذه الأعوام وسط موجات اليأس التي لا تهدأ؟

- أستمده من أنّ لي هذا الحقّ، ومن إيماني بأن البشر يستحقون ما هو أجمل، ومن تجربتي المباشرة مع قارئاتي وقرائي، سواء كانوا شباباً أو ما بعد الشباب، وسواء كانوا يعيشون حياة عادية أو كانوا سجناء منذ عشرات السنوات في سجون دولة الاحتلال، ومن يقيني أن الكتب غيّرتني، ولولا قراءة كتب غيري لما كنتُ الشخص الذي أنا عليه الآن.

> أعمالك لا ينقطع فيها الجرس الموسيقي، وتضمين لسير غنائية وتراثية، فهل صالحك الأدب على حلمك القديم الذي لم يتحقق بدراسة الموسيقى؟

- لكل عمل أدبي إيقاعه الخاص، ومن لا يستطيع العثور على إيقاع عمله سيتعثّر كثيراً أثناء كتابته. كلّ بناء لأيّ عمل أدبي، شعري أو روائي، له بناء موسيقي لا يختلف عن بناء أي مقطوعة موسيقية، حتى الأمسية الشعرية، يجب أن تتدرّج قصائدها حسب هذا من البداية للنهاية. هنا يحدث التّصالح، كما أن تحويل كثير من أعمالي إلى أعمال موسيقية فيه مصالحة أيضاً، أو الأدق فيه استكمال.

> سبق وتوقّف تحويل «زمن الخيول البيضاء» إلى عمل سينمائي. هل هناك جديد في هذا المشروع؟

- للأسف كانت هناك محاولتان في الفترة الأخيرة، وبدا لي أنهما جادّتان، لكنهما في اللحظة الأخيرة قُوبلتا بعقبات، الأولى سياسية، والثانية إداريّة غير بريئة.

> لدينا أمثلة كثيرة في العالم العربي على مبدعين هجروا الشِعر لصالح الرواية، هل تؤمن بأن هناك لحظات للشِعر ولحظات للرواية؟

- بالتأكيد، هناك وقتان للشِعر والرواية، معي على الأقل، لكن الشعر، حقًا، لا يغيب عن سردي، كما أن سردي لا يغيب عن شِعري، حتى أن عنوان قصيدة كتبتُها عن غزة حديثا اسمها «رواية قصيرة».

> ارتبطت في طفولتك بالأدب العالمي، فيكتور هوغو «البؤساء» على سبيل المثال، برأيك متى يمكن أن تصير الرواية الفلسطينية بعمقها الإنساني والمأسوي، وفنّياتها المتصاعدة، رواية عالمية؟

- هي رواية عالمية، مثل أي رواية تكتب في تشيلي، أو اليابان، أو أي مكان، الفرق أنه لم يُتح للرواية الفلسطينية والعربية أيضاً أن تترجم كما تستحق.

> وماذا عن ترجمة كتبك؟

- هناك حوالي 40 إصداراً لكتبي بلغات مختلفة، هذا العام سيصدر عشرة كتب بلغات مختلفة.

> هل نجحت عبر سنواتك الطويلة في أن تحتفظ بتكريس طقوس للكتابة؟

- دائماً كنتُ أكتب في النهار، وما زلتُ، ومنذ تفرّغي للكتابة عام 2016 أعمل في مكتبي 8 ساعات يومياً، قراءة وكتابة وبحثاً.



«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

كانت ليلة لم يسبق أن شهدت مثلها المدينة الخالدة، تمازج تحت قمرها شجن الربابة مع نقاء البيانو، وذابت في نسائمها حشرجة الناي العميقة بين جداول الكمان الماسية، فانتشت روما بعذوبة تثاقف موسيقي فريد تآخت فيه الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع أوركسترا «فونتاني دي روما» أو نوافير روما، بقيادة المايسترو الإيطالي العالمي مارتشيلو روتا. وتوّجه النجم الإيطالي الذائع الصيت آندريا بوتشيلّي بنخبة من الأغاني التي أطلقت شهرته في أصقاع المعمورة كواحد من أجمل الأصوات وأقواها.

استضافت روما، في قلب وسطها التاريخي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية» الذي أقيم داخل حديقة الكولوسيوم، أشهر المعالم الأثرية في العالم حسب تصنيف اليونسكو، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى.

أندريا بوتشيلّي خلال الحفل (هيئة الموسيقى)

جمع الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقياً من الأوركسترا الإيطالية، وتضمّن مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية. كما استعرض أشهر الفنون الادائية السعودية مثل عرضة وادي الدواسر، وفن الخطوة، والفن الينبعاوي، تحت عباءة هيئة المسرح والفنون الادائية ضمن مسعاها لإبراز تنوع الفنون الادائية التقليدية السعودية.

وتخللت الحفل مقطوعة موسيقية بعنوان «الحجر وروما» مع كلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، وهي تعكس عمق الروابط الثقافية بين السعودية وإيطاليا، وتستلهم إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الحوار الثقافي عبر الزمن، وتؤكد دور الموسيقى لمدّ جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، انطلاقاً من العلاقات القائمة على الشراكة والاستقرار والتقدير الثقافي المتبادل

ويندرج هذا الحفل في سياق جهود «روائع الأوركسترا السعودية» لتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور عالمي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية السعودية وإبرازها.

وعلى هامش الحفل، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مشتركاً مع المايسترو مارتشيلّو روتا والرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى باولو باسيفيكو، أكّد فيه الأول أن «هذا اللقاء هو تحوّل غير مسبوق» بالنسبة إليه في فضاء التعاون الموسيقي الدولي، وهو «حوار تفاعل بين ثقافتين، بعيدتين جغرافياً لكن تقربهما أواصر تاريخية وحضارية».

وأضاف روتا: «نحن لا نقدم مقطوعات موسيقية منفصلة كما يحصل عادة عندما يتشارك في الأداء موسيقيون من بلدان مختلفة، بل نبني رحلة موسيقية متواصلة وتدرجية تنطلق من التنوع الذي هو جوهر الإبداع ومحفزّ أساسي له... وعندما نلاحظ كيف تتداخل الآلات الشرقية إلى جانب العناصر التراثية السعودية مع الآلات الغربية وعناصر التراث الموسيقي الإيطالي، تنفتح آفاق جديدة غير مألوفة».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

هذا المزيج بين المقطوعات السعودية وموسيقى فردي وبوتشيني وروسّيني، يولّد «منتوجاً موسيقياً فريداً من نوعه»، بحسب وصف روتا.

وعن مشاركة آندريا بوتشيلّي في الحفل، قال روتا إن علاقته بهذا النجم الإيطالي العالمي تعود إلى نيّف وثلاثين عاماً، جابا خلالها القارات الخمس، وكان سبق لبوتشيلّي أن أحيا حفلاً غنائياً في العلا.

وأشاد روتا باحتراف الموسيقيين السعوديين ومستوى انضباطهم، وقال إن الموسيقيين الإيطاليين يشعرون بفضول كبير لاكتشاف الموسيقى السعودية والتمازج معها.

اختتام الجولة الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية وسط حضور ثقافي وفني (هيئة الموسيقى)

الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى السعودية باولو باسيفيكو قال إن «الهيئة ماضية في مساعيها لحمل الأوركسترا إلى عواصم ثقافية مختلفة، والتواصل مع موسيقيي البلدان الأخرى وتراثها، وايصال الموسيقى والثقافة السعودية للمرة الأولى إلى تلك البلدان».

وأضاف: «تهدف هذه المساعي إلى أن يتمتع جمهورنا السعودي بالثقافة الموسيقية السعودية وتمازجها مع أرفع الثقافات الموسيقية في العالم. ونحن نفتخر بأن الموسيقى والثقافة السعودية تجلس حول نفس المائدة مع أبرز الثقافات الموسيقية».

الحفل استعرض عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي (هيئة الموسيقى)

وقال باسيفيكو لـ«الشرق الأوسط»: «الموسيقى تزخر بقوة هائلة للجمع بين اللغات والثقافات والحضارات، وفي كل حفل نجد شيئاً فريداً وجميلاً ينبع من هذا التمازج بين الموسيقى السعودية والموسيقى المحلية في البلدان التي نزورها. في أستراليا الربابة إلى جانب آلات الشعوب الأصلية القديمة، وفي نيويورك الناي بجانب الساكسفون. في كل محطة نلمس كيف أن الموسيقى تجمع وتوحّد بين الشعوب، وتفتح أبواب الابداع على مصاريعها».

وأضاف أن «المجتمع السعودي، بعائلاته وشبابه وطلابه، يتجاوب بقوة وبشكل رائع مع الأنشطة الموسيقية، ويعتزّ بتراثه ويهتمّ بالتعرّف عليه».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية الدكتور محمد حسن علوان، أن المشاركة جسدت امتزاجاً بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.


أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية
TT

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

يفتتح مركز كامدن للفنون بلندن المعرض الاستعادي للفنان الغياني دونالد لوك بثلاث لوحات رُسمت بالأسود وحده. تلك بداية صادمة، حيث تميزت اللوحات بطابعها الانتهاكي لقواعد التودد للمُشاهد الباحث عن المتعة البصرية؛ ما يجعل النظر إليها مثيراً لقلق استفهامي، سيكون مفيداً على مستوى التعامل مع عالم ذلك الفنان واجتهاده في ربط التجريد بقضية إنسانية ذات صبغة سياسية. في أحد تلك الأعمال استعمل صفوفاً من المسامير الحادة تبرز من السطح كما استعمل في لوحة أخرى شبكاً معدنياً من ذلك الذي يُستعمل في السجون. تلك اللوحات الغامضة بموادها المختلفة التي يعود زمن إنتاجها إلى سبعينات القرن العشرين. وعلى رغم لجوء فنانها إلى لغة التجريد الهندسي، فإنها تخرج التجريد من عالم متعته الجمالية لتزج به في مهمة تمثيل تضاريس مزارع قصب السكر في غيانا (تقع على الكاريبي شمال قارة أميركا الجنوبية) التي أنشأها المستعمرون الهولنديون في القرن السادس عشر ثم سيطر عليها البريطانيون لاحقاً.

لم يصور الفنان البريطاني من أصل غياني، دونالد لوك (1930 -2010) تلك المزارع رغبة منه في أن يحاكي أشكالها المرئية من فوق إلا لأنه كان يسعى إلى التذكير بزمن العبودية والعمل بالسخرة. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن لوك بوصفه محاولة للمزج بين الاهتمامات الشكلية التي تتطلبها صناعة لوحة حديثة والمضامين التي ينطوي عليها التاريخ المظلم للعبودية والاستعمار. تكمن فضيلة هذا المعرض الشامل في إخلاصه لرؤية الفنان التي لا يمكن فك ارتباطها بقضية إنسانية سعى مثقفو الاستعمار الثقافي إلى تحويلها مسألة اختلاف في الثقافات من خلال تأطيرها بأبعاد فلكلورية. لقد عمل الفنان عبر تجربته الممتدة من منتصف الستينات إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على التخلص من عبء تلك الأوهام المترفة وتسليط الضوء على مأساة شعب، عانى من التهجير من ثقافته و لغته و تاريخه.

الثقافة السوداء في قلب الحداثة

يجمع المعرض بين الخزف والرسم والنحت. كان مناسباً للوك أن يكون كما شعبه خزَّافاً ورساماً ونحاتاً. وإذا ما كان المعرض الذي يضم 80 عملاً فنياً يكشف عن أن الفنان الغياني قد لعب دوراً محورياً في فن النحت البريطاني في فترة ما بعد الحرب الثانية، فإنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تجربة طوَّر فنانها أدواته التجريبية ليصل بها إلى مستوى من البراعة الشكلية، لم يكن في الإمكان فصلها عن الموقف الإنساني الذي اتخذه الفنان في مواجهة مشكلات الهوية والقهر، وهي المشكلات التي واجهها شعبه.

يستعرض معرض «أشكال مقاومة» المراحل الفنية التي تطوَّر من خلالها عالم لوك في مختلف مسيرته الفنية متنقلاً بين منازله في غيانا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، متأثراً بالأشخاص والأماكن التي عاش فيها خلال رحلته. فالمعرض يبدأ بأعماله الخزفية المبكرة التي تستحضر أشكالاً بشرية وطبيعية ويتتبع انتقال الفنان إلى فن النحت متعدد الوسائط واللوحات السوداء أحادية اللون من سلسلة «المزارع» في سبعينات القرن الماضي. كما يعرض لوحاته الضخمة من تسعينات القرن الماضي والتي واصلت ممارسة عملية التجميع التي اتبعها لوك من خلال دمج صور جاهزة ومواد خزفية ومعدنية وخشبية. ويقدم القسم الأخير من المعرض مجموعة مختارة من الأعمال التجريبية التي أنجزها لوك خلال السنوات الأخيرة من حياته في أتلانتا، هناك حيث مزج بين الذاكرة والأساطير، متأثراً بشدة بالمشهد الفني النابض بالحياة وتقاليد التجميع في جنوب الولايات المتحدة. وبهذا يكون العرض مخلصاً لغايته في تسليط الضوء على «المساهمات الفريدة والمتنوعة للثقافة السوداء في الحداثة».

الكاريبي بمفردات جماله الحية

في ستينات القرن الماضي برز دونالد لوك خزَّافاً تكشف أوانيه عن قدرة هائلة على التعبير بحرية من خلال أشكال حيوية ابتكرها لتكون عنواناً لتحرره من القيود الصارمة التي كانت تضع فن الخزف ببريطانيا في إطار صناعة ذات هوية فنية محددة. بدا واضحاً أن ذلك الفنان القادم إلى بريطانيا من ثقافة أخرى كان قادراً على أن يمارس الفن بحرية من غير أن يخضع للتقاليد التي يخضع لقوانيها الآخرون تلقائياً. يقول: «كنت أعمل من غير أن ألتزم بالقيود القديمة التي لا تزال تُعيق الإبداع في الكثير من ورش العمل في بريطانيا». ذلك ما جسدته أعماله الطينية التي احتفى من خلالها بالجسد البشري والأشكال العضوية. بعد تلك التجربة التي كشف من خلالها عن اختلافه الصادر عن اختلاف مرجعياته البصرية انتقل إلى المرحلة الأهم في مسيرته الفنية، وهي المرحلة التي تمثلها سلسلة المزارع. في تلك الأعمال التي أنتجها الفنان بغزارة في سبعينات القرن الماضي نجحت تقنية دمج الخزف بالمعدن والخشب والعشب والسجاد والفراء والطلاء والورنيش في معالجة موضوعات الاستعباد في غيانا خلال الحقبة الاستعمارية بشكل مباشر. في تلك الأعمال أرسى الفنان بأسلوب متمرد ملامح هويته الفنية الشخصية المتحررة من قيود الجغرافيا وفي الوقت نفسه من تقاليد المدرسة البريطانية.

لا يمكن النظر إلى تجربة دونالد لوك إلا من خلال مقاربات تتعلق بالوضع الإنساني الذي يعيشه فنانو الشتات. ففكرة مساهمة الثقافة السوداء في الحداثة الفنية تظل واحدة من أهم الأفكار التي لا يمكن تجاهلها في عصر ما بعد الاستعمار. تلك رؤية متعددة الطبقات ومعقدة من جهة اكتظاظها بأزمات يكمن أساسها في الصراع بين ما هو إرث شخصي وذلك الإرث الاستعماري الذي صار جزءاً من تاريخ غيانا وسواها. كان لوك نموذجاً لفنان برع في تأثيث شتاته بمفردات كاريبية حية.

وهب بلاده حياة متخيلةبعد حصوله على منحة متحف غوغنهايم التي هيأت له فرصة الانتقال للولايات المتحدة عام 1979، حيث أقام أولاً في فينيكس ومن ثم أريزونا لينتقل عام 1990 إلى أتلانتا، جورجيا حتى وفاته انغمس لوك في التفكير بالماضي بطريقة مزدوجة. ماضي تجربته الفنية؛ إذ عاد إلى الخزف متعدد الوسائط وماضي الإرث الفني الغياني؛ إذ عاد إلى استلهام مفردات الفلكلور المحلي في رسوماته بالفحم واللجوء إلى التجسيد في زخرفة الأواني الخزفية. كان عقد التسعينات الحيز الذي شهد ذروة تعبير لوك عن رغبته في التحرر من قواعد الفن الغربي فكانت معارضه تجمع بين جوانب من الفن الشعبي الأميركي - الأفريقي والأساطير الكاريبية. لقد أنتج حينها أعمالاً فنية مزج من خلالها منحوتاتٍ مرتجلة وأشياء وتمائم مصنوعة من مواد مُستعملة وخشب مُهمل وخصلات شعر بشري.

ربما شكَّل ذلك التداخل ما بين التعلق المدهش بالبنى الفنية الكاريبية ذات المنحى السحري وبين الانتماء للحداثة الفنية بكل أساليبها وصولاً إلى التجريد مصدراً لغموض، سيكون بمثابة امتياز شخصي. من ذلك لوحاته التي هي عبارة عن مساحات شاسعة من الطلاء الأسود رُسمت بضربات فرشاة عشوائية وعفوية كانت مغطاة بخليط مربك من الأشياء والصور الفوتوغرافية. تتداخل قطع الخشب والمعدن والغراء مع صور فوتوغرافية ونسخ مصورة لجنود المرحلة الاستعمارية والعائلة المالكة البريطانية والأسلحة إضافة إلى منحوتاته التي مثلت فرصته لاستعراض اللحظات المأساوية التي عاشتها بلاده منذ القرن التاسع عشر.

غير أن ذلك ليس كل شيء في مسيرة فنان مهم مثل دونالد لوك الذي نجح في أن يكون فناناً حديثاً، لكن بشروطه؛ ما وهبه القدرة على أن يضم إلى آليات عمل الحداثة تعليقاته على العنف الذي شكَّل محور ذاكرته. لقد وهب لوك الحداثة الفنية من خلال استلهامه لتراث بلاده حياة لم تكن متوقعة.


حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».