حسناء فيلكا تشبه تمثال أفروديت الشهير

وجهها صافٍ نضر وفي منتهى الدقة

تمثال أنثوي من الطين المحروق محفوظ في متحف الكويت الوطني مصدره جزيرة فيلكا
تمثال أنثوي من الطين المحروق محفوظ في متحف الكويت الوطني مصدره جزيرة فيلكا
TT

حسناء فيلكا تشبه تمثال أفروديت الشهير

تمثال أنثوي من الطين المحروق محفوظ في متحف الكويت الوطني مصدره جزيرة فيلكا
تمثال أنثوي من الطين المحروق محفوظ في متحف الكويت الوطني مصدره جزيرة فيلكا

من جزيرة فيلكا الكويتية، خرجت مجموعة صغيرة من التماثيل الطينية تحمل طابعاً يونانياً جلياً، أشهرها تمثال أنثوي صغير احتلّت صورته غلاف كتاب نشرته وزارة الإرشاد والأنباء في ستينات القرن الماضي تحت عنوان «تقرير شامل عن الحفريات الأثرية في جزيرة فيلكا». في هذا التقرير، قيل إن رأس هذا التمثال «في غاية الروعة ودقة الصناعة، ويشبه إلى حد بعيد تمثال أفروديت المشهور»، واشتهر هذا المجسّم بهذا الاسم منذ ذلك التاريخ، غير أن هويّة صاحبته تبقى غير معروفة، وتحديدها ليس بالأمر الهيّن.

عُثر على هذا التمثال خلال أعمال التنقيب التي قامت بها بعثة دنماركية في جزيرة فيلكا بين 1961 و1962، في التل المعروف باسم تل سعيد، حيث تمّ الكشف عن قلعة يونانية. واتّضح أن النصف الشرقي من هذه القلعة «كان مقدسّاً، ويحتوي على معبدين ومذبحين، بينما النصف الغربي عبارة عن منطقة سكنية». عُثر على رأس هذا التمثال في ركن من هذا الموقع، و«اكتُشف الجذع في مكان آخر»، وبدا «أنه مكمل للرأس»، فتمّ جمع القطعتين، وبات المجسّم بعد ترميمه أشبه بتمثال نصفي ضاع الجزء الأسفل من تكوينه الأصلي.

يبلغ طول هذا المجسّم المرمّم 11 سنتيمتراً، وهو مصنوع بتقنيّة الطين المحروق، ويبدو أنه مقولب بالتأكيد، أي أنّه خرج من قالب جاهز، وخضع بعدها للمسة يدوية أضفت عليه طابعاً خاصاً. الرأس بيضاوي، وأسلوبه كلاسيكي بامتياز، ويتبع النسق المعروف بطراز تاناغارا، وهذا الاسم يعود إلى بلدة تقع في مقاطعة بيوتي في إقليم وسط اليونان، حوت مقبرة أثرية خرجت منها مئات من التماثيل اليونانية، منها مجموعة كبيرة من التماثيل الأنثوية الصغيرة تميّزت بطابع خاص. تمّ هذا الاكتشاف في عام 1870، وعُرف هذا الطراز منذ ذلك التاريخ باسم هذه البلدة، وظلت هذه التسمية شائعة ومعتمدة حتى يومنا هذا، مع العلم بأن الاكتشافات اللاحقة أظهرت أن مدينة أثينا شكّلت أساساً لهذا الطراز منذ منتصف القرن الرابع قبل الميلاد.

الوجه الأنثوي صافٍ ونضر، ويتميّز بأنف معقوف، وثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط. الخُصل الخلفية مجدولة ومعقودة على شكل كعكة تبرز من خلف وشاح شفاف خفي، وتُعرف هذه التسريحة تحديداً بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غربي آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات الذائع الصيت الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، ويميل بشكل طفيف في اتجاه اليمين. تظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، توصف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوج». تختزل حسناء فيلكا هذا الطراز اليوناني الكلاسيكي، وتحضر في ثوب فضفاض حُدّدت ثناياه المتوجة برهافة، ويتميّز هذا الثوب بزنار علوي عريض يلتفّ عند أسفل الصدر، وينعقد في الوسط. قيل بأن تمثال هذه الحسناء «يُشبه إلى حد بعيد تمثال أفروديت المشهور»، غير أنه في الواقع يشبه عشرات التماثيل الأنثوية اليونانية، ويختزل مثالاً جامعاً حمل أوجهاً متعدّدة، منها أفروديت، سيدة الجمال والغواية، ومعبودات أخرى تعدّدت أسماؤها في العالم اليوناني كما في العالم الهلنستي الشرقي الذي اتبع تقاليده. في هذا الميدان، تحضر أرتيميس، سيّدة البراري والصيد، وحامية العذرية والخصوبة، وهي المعبودة التي حظيت بمنزلة خاصة في فيلكا، في الزمن الذي عُرفت فيه هذه الجزيرة باسم إيكاروس؛ تيمناً بجزيرة إيكاروس الإغريقية الأصلية الواقعة في بحر إيجة، كما نقل العالِم الجغرافي الإغريقي إسطرابون.

دخلت فيلكا عالم الآثار في عام 1937، حيث عُثر من طريق المصادفة على حجر يحمل نقشاً يونانياً، يُعدّ اليوم أولى القطع المكتشفة في هذه الجزيرة، ويُعرف بـ«حجر سوتيلس». بحسب الرواية التي نقلها التقرير الدنماركي، خرج هذا الحجر «أثناء عمليات البناء، ومن المؤكد أنه نُقل من مناطق الآثار، حيث كان أهالي الجزيرة ينقلون الحجارة لبناء بيوتهم. وحجر فيلكا هذا هو الحجر الوحيد الذي بقي محفوظاً»، ويحوي نصاً قصيراً يقول بأن «المواطن الأثيني» المدعو سوتيلس، قام «مع الجنود» بتقدمة إلى «زيوس المخلّص، وبوزيديون، وأرتيميس المخلّصة». وزيوس «أبو المعبودين والبشر»، وهو حاكم جبل الأولمب، أمّا بوسيدون فهو سيّد البحار والعواصف والزلازل، وهو مثل أرتيميس، من أسياد الأولمب الاثني عشر.

من جهة أخرى، عثرت البعثة الدنماركية خلال عملها في فيلكا على نصب ضخم طوله 116 سنتيمتراً يحمل رسالة طويلة موجهة إلى أهل إيكاروس، تتألّف من 44 سطراً ضاع قسم من كلماتها، وتحوي تعليمات بنقل معبد أرتيميس من موقعه. تشير هذه النقوش الكتابية اليونانية إلى حضور أرتيميس، سيّدة الصيد، في هذه الجزيرة، كما يذكر المؤرخ أريانوس أن الجزيرة كانت مليئة بمختلف أنواع الأشجار، وكانت مرعى للغزلان والإبل التي حُرّم صيدها؛ لأنها كانت مكرّسة للمعبودة أرتيميس في المعبد الخاص بها في الجزيرة.

يصعب القول بأن تمثال حسناء فيلكا يمّثل بشكل أكيد هذه المعبودة التي تظهر في الغالب هي ترتدي ثوباً قصيراً ينسدل عند ركبتيها، وتعتمر تاجاً على شكل هلال فوق شعرها المعقود إلى الخلف، وتحمل قوساً وسهاماً تمثّل سلاحها الذي كانت تجول به. في المقابل، يتميز هذا الرداء بحزام علوي يلتفّ عند أسفل الصدر، كما في مجسّم فيلكا، غير أن هذا العنصر لا يكفي لتحديد هوية هذا التمثال الأنثوي بشكل أكيد.

يبلغ طول المجسّم المرمّم 11 سنتيمتراً، وهو مصنوع بتقنيّة الطين المحروق ويبدو أنه مقولب وخضع بعدها للمسة أضفت عليه طابعاً خاصاً



«أولمبياد 2024»... هل تنجح فرنسا في بناء قوتها الناعمة؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«أولمبياد 2024»... هل تنجح فرنسا في بناء قوتها الناعمة؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

ليست دورة الألعاب الأولمبيّة لعام 2024، التي ستنطلق في باريس في السادس والعشرين من يوليو (تموز) الحالي، بأولى الدّورات التي ستستضيفها العاصمة الفرنسية، بل الثالثة؛ إذ حظيت بشرف تنظيم أول دورة في القرن العشرين (1900)، ولاحقاً دورة عام 1924، ما يجعلها المدينة الأكثر استضافة للألعاب تساوياً مع العاصمة البريطانية لندن.

وعلى الرّغم من كل الضّجيج الذي سعت الدّولة الفرنسيّة إلى إطلاقه حول كيف ستجعل من «باريس 2024» مختلفة عن الدورات السابقة لتعكس موقع الريادة الفرنسية في العالم كما في خطاب توني إستانغيه، رئيس اللجنة المنظمة، العالي النبرة: «نريد أن نعرض أفضل ما في فرنسا. لدينا الكثير لنقدمه، وسنثبت أن هذا البلد لديه كل القوة والإمكانات للتأكد من أن هذه الألعاب ستبقى في الذاكرة إلى الأبد»، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضاً سعى إلى أن تكون احتفالاً صاخباً في عهده بينما يدخل النصف الثاني من ولايته الأخيرة، بينما فرنسا تخطو نحو يوم الافتتاح في لجج من أزمات سياسيّة متعددة، ويعتريها قلق من أن يجعل المعارضون من «الألعاب» منصّة لتسجيل مواقفهم ضدّ السلطة؛ لا سيما موقفها المدان من الحرب على غزّة، والأسوأ أن الهيئة المنظمة اختارت، على خلاف المعتاد، أن تجري الأنشطة الأساسية للدورة في قلب المدينة لا على أطرافها (كما في دورتي لندن عام 2012، وريو دي جانيرو في 2016، مثلاً)، مما يهدد بتحديات لوجيستية وأمنية جمّة بدأت إرهاصاتها في الظهور منذ اليوم، فيما الجمهوريّة على موعد مع وزير داخلية جديد سيتسلم مسؤولياته قبل أسبوعين فقط من ليلة الافتتاح، بينما نصف سكان العاصمة باريس يعتقدون أن استضافتها الحدث الرياضي الأهم «فكرة سيئة للغاية».

وكانت باريس قد تعهدت بخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى النصف مقارنة بمستوياتها في دورتي «لندن» و«ريو دي جانيرو»، وتبنت لذلك إجراءات غير مسبوقة؛ إذ لن يسمح مثلاً باستخدام مولدات الديزل لتشغيل عربات البث المباشر، وهناك كميات أقل من اللحوم على قوائم إطعام الرياضيين، وعدد محدود للغاية من أعمال بناء منشآت جديدة، وذلك في استعراض لمؤهلات الدّولة الفرنسية بيئياً، وأيضاً لتحقيق طموح «اللجنة الأولمبية الدولية» في إثبات أن أكبر حدث رياضي في العالم يمكن أن يصبح صديقاً للبيئة. لكن أكاديميين ونشطاء بيئيين شككوا في إمكانية تحقيق ذلك، وسط تساؤلات حول الحجم الإضافي للسفر الجوي الذي تتطلبه دورة بهذا الحجم، والضغط الذي ستضيفه على قدرة قلب المدينة لضمان ديمومة حركة النقل وانسيابها؛ الأمر الذي دفع بـ«منظمة مراقبة الكربون» إلى الزعم أن «خطط العاصمة الفرنسية لخفض الانبعاثات لم تذهب بعيداً بما فيه الكفاية، وستكون دورة الألعاب دون مساهمة فعلية في مواجهة تغير المناخ».

وقد عاندت باريس بشدة دعوات مزدادة لإعادة التفكير في الحدث، وتحويله إلى سلسلة أحداث محلية يمكن توزيعها على مناطق عدة عبر فرنسا وربما جيرانها أيضاً؛ لأنه يفقد حينئذ ميزة العملقة التي تخدم أغراض الاستعراض السياسي وبناء القوة الناعمة. ويتهم البعض الحكومة باستغلال المناسبة العالمية لتمكين مشروع ضخم للمراقبة المكثفة في فرنسا عبر نشر شبكة هائلة من كاميرات الرقابة في بلد ظل حساساً دائماً لناحية الحق في الخصوصية.

فهل خلط الفرنسيون رياضة العالم بسياستهم؟

إن تاريخ الأولمبياد، منذ استعاد العالم مزاج الألعاب الرياضية الإغريقية القديمة في ثوب عصري بداية من عام 1896 (دورة أثينا)، ظلّ دائماً شديد الارتباط بالسياسة وموازين القوى بين الأمم، وعكست مسائل اختيار المدن المضيفة، والدول التي تُدعى فرقها للمشاركة فيها، المزاج السياسي والتحالفات الدّولية في وقتها، وتداخلت مع توجهات الأمم الرائدة والصاعدة لبناء مصادر قوتها الناعمة.

يقول المؤرخون مثلاً إن باريس عندما نظّمت «أولمبياد 1900» كانت تمور بالأفكار التي وجدت قنوات لها للتجسد في مختلف مجالات الفنون والعلوم والصناعة، وتلازم تنظيم دورة الألعاب حينها مع استضافتها المعرض الدّولي الذي كان يستقطب الزائرين من مختلف أرجاء العالم للاطلاع على أحدث الاختراعات والإنجازات الصناعيّة المبهرة، فأصبحت الدورة الرياضية كأنّها مجرد نشاط ترفيهي ملحق بالمعرض. ولا شكّ في أن فرنسا استخدمت نفوذها السياسيّ الطاغي حينئذ لفرض أجندتها على «اللجنة الأولمبيّة الدّولية» ووضع الدورة في خدمة أولويات الدولة الفرنسية اقتصادياً وسياسياً.

وتصف صحافة تلك الفترة ضخامة الحدث؛ الذي استمر لما يزيد على 5 أشهر - من منتصف مايو (أيّار) إلى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) - بمشاركة 59 ألف رياضيّ حضروا للمنافسة من مختلف أرجاء العالم، وجمع لحمايتهم وإسنادهم أكثر من 10 آلاف رجل من الإطفائيين والمسعفين والصيادين، وهؤلاء شاركوا في منافسة لصيد الأسماك من نهر السين سعياً لتوفير الأموال التي تدفع لاستيراد الأسماك البحرية من دول مجاورة، ناهيك بعدد هائل من موظفي الحكومة الفرنسية الذين أداروا الأنشطة المرافقة للدورة عبر شبكة ضخمة من لجان فرعية توجهها لجنة تنظيم مركزية تتبع وزير التجارة الفرنسي.

ويقول المؤرخ البريطاني ديفيد أوين في كتابه «القوات الأخرى: الرياضة عند الفرنسيين من وجهة نظر إنجليزية (2024)» عن دورة عام 1900 إن التقرير النهائي الذي صدر عن وزارة التجارة والصناعة الفرنسية - لا عن جهة رياضيّة - أفاض في وصف العربات والآليات التي تنتجها المصانع الفرنسية - سواء للأغراض المدنية والعسكرية - والتي شاركت في أنواع مختلفة من رياضات السباق، إضافة إلى وصفه المكثف نشاطات موازية استعرضت كفاءة تلك العربات وغيرها من الآليات الثقيلة وسيارات النقل ومعدات القتال أمام الجماهير على هامش سباقات الأولمبياد. ويلاحظ كذلك أن أنشطة الرّماية وسباقات المناطيد (وصل أحدها إلى جوار كييف على بعد 1900 كيلومتر من باريس) والمنافسات بين وحدات المدفعية (هذه الأخيرة اقتصرت المشاركة فيها على الفرنسيين) شكلت في مجموعها الجزء الأهم من الفعاليات التي نظمت تحت مظلّة الدّورة بما يخدم توجهات العسكرة للدولة الفرنسية حينها.

وهكذا؛ بين «باريس 1900» و«باريس 2024» تغيرت أولويات الدولة الفرنسية، وتفاوتت الرياضات المشمولة بالأولمبياد، ولكن مبدأ اختلاط السياسة بالرياضة ظل ثابتاً لا يتبدل.