الندوي: 55 ألف مخطوطة عربية في متاحفنا غير محققة

المترجم الهندي يرى أن عدم وصول الأدب العربي للعالمية يكمن في الترجمة

مجيب الرحمن الندوي
مجيب الرحمن الندوي
TT

الندوي: 55 ألف مخطوطة عربية في متاحفنا غير محققة

مجيب الرحمن الندوي
مجيب الرحمن الندوي

يعد الناقد والمترجم الهندي دكتور مجيب الرحمن الندوي أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والثقافية المعاصرة التي تخصصت في اللغة العربية وآدابها عبر قارة آسيا عموماً والهند بشكل خاص. يعمل حالياً أستاذاً للأدب العربي بجامعة «جواهر لال نهرو» العريقة وترأس لعدة سنوات مركز الدراسات الأفريقية والعربية بالجامعة. ترجم إلى العربية روايتي «نهر النار» عن الأردية للروائية قرة العين حيدر، و«الوشاح المدنس» عن الهندية للكاتب فانيشوار ناث رينو؛ فضلاً عن بعض المؤلفات الفكرية مثل «مواطن الحداثة» لديبيش شاكرابارتي، و«فكرة الهند» لسونيل خيلناني. يتحدث العربية الفصحى بطلاقة ويكتب في مختلف الدوريات عن أحدث الإبداعات في الأدب العربي، كما يترأس تحرير دورية «قطوف الهند» التي تصدر بالعربية وتستهدف صنع جسر للتواصل بين الثقافة الهندية والعالم العربي. هنا حوار معه:

> عشت طفولة قاسية في بيئة لا تشجع كثيراً على التفوق العلمي... ماذا عن البدايات الأولى وكيف تجاوزت تلك الصعوبات؟

- نشأت في قرية نائية في شرق بيهار الهندية، حيث كان معظم الناس يعملون بالزراعة، ولا يهتمون بتعليم أولادهم بسبب الفقر وقلة الوعي. والدي، رحمه الله، كان يدرك أهمية التعليم، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، فأصر على تعليم أبنائه الخمسة. تم اختياري لمدرسة دينية وأكملت المرحلة الابتدائية في «كُتّاب» القرية رغم محدودية الموارد. التحقت بمدرسة في المدينة ثم بـ«دار العلوم بندوة العلماء» في مدينة «لكناو» حيث درست الأدب العربي والمواد الإسلامية. أكملت الليسانس والماجستير في التاريخ الهندي الحديث بالجامعة الملية الإسلامية في نيودلهي، والماجستير الثاني والدكتوراه في الأدب العربي بجامعة جواهر لال نهرو، حيث أعمل حالياً أستاذًا ورئيساً لقسم اللغة العربية. تجاوزت التحديات بفضل دعم عائلتي وإصراري على التعليم وتحقيق النجاح الأكاديمي.

> لماذا اخترت التخصص في اللغة العربية وكيف كانت رحلتك معها؟

- اختياري للتخصص في اللغة العربية كان نتيجة لعدة عوامل متشابكة أثرت في رغبتي واهتماماتي الشخصية. بدأت الرحلة من خلال دروس مدرسة كُتّاب القرية وهو ما تم بالصدفة، لكن شدتني هياكلها اللغوية المعقدة وجمالياتها الأدبية الفريدة. تزايد اهتمامي وتعمقت معرفتي باللغة العربية خلال الدراسات الجامعية، حيث درست النحو والصرف والأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر. استمتعت بقراءة الأعمال الأدبية الكبرى في الشعر والرواية والتعرف على أساليب الكتابة المختلفة والقضايا التي تناولها الأدباء والشعراء. ما جعل تخصصي أكثر إثراءً هو التفاعل المستمر مع النصوص العربية، سواء في الدراسات الأكاديمية أو في الحياة اليومية، حيث أستمتع بالترجمة والتنظير والنقد الأدبي. والآن أعتز بثقافتي العربية مثل أي عربي، وقد منَّ الله علي منناً كثيرة بفضل اللغة العربية، وأعد عضويتي في مجلس أمناء «مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية» شرفاً كبيراً لي، كما زرت أكثر من 25 بلداً في آسيا وأوروبا وأميركا.

> لك تصريح مثير للجدل تقول فيه إن اللغة العربية تشكل هوية الهنود، حتى لو كانوا عجماً، ما الذي تقصده بالضبط؟

- لم أقل إن اللغة العربية تشكل هوية الهنود عموماً، بل قلت إن اللغة العربية تشكل هوية المسلمين الهنود بشكل خاص وأنا منهم، وأقصد بالضبط أن اهتمام المسلمين الهنود باللغة العربية كبير جداً بدافع حبهم الشديد للإسلام والقرآن الكريم، والدليل على ذلك انتشار المدارس الدينية في القرى والمدن، وعلى أقل تقدير توجد في الهند أكثر من ثلاثين ألف مدرسة عربية وإسلامية وجميعها تدار بتبرعات أهل الخير من المسلمين، وتعاني هذه المدارس الدينية من نقص شديد في التمويل، وتمر بظروف صعبة جداً خصوصاً بعد وباء الكورونا. ومع ذلك تواصل هذه المدارس تأدية دورها الديني والثقافي، حرصاً على الحفاظ على دينهم وعقيدتهم، وأيضاً تدرس اللغة العربية في أكثر من أربعين جامعة حكومية، ولذلك قلت في أحد حواراتي إن العربية تجري في دماء وعروق المسلمين الهنود، وهم يفتخرون بالانتماء للعربية مع كل ما يعانونه من عوز مالي واقتصادي. وأنجبت الهند في الماضي كبار علماء اللغة العربية والفنون العربية والإسلامية؛ منهم العلّامة مرتضى الزبيدي صاحب «تاج العروس»، والصغاني، والشاه ولي الله الدهلوي، والنواب صديق حسن خان القنوجي، وحميد الدين الفراهي، وغلام علي آزاد البكرامي، وعلي الندوي، وكثيرون ممن لا يأتي عليهم الحصر، وخلّف هولاء مآثر ذهبية في الثقافة العربية الإسلامية في الهند.

> إلى متى يظل حضور اللغة العربية في الهند قاصراً على الفضاءات الأكاديمية والدينية دون أن يشتبك مع الحياة اليومية؟

- حضور اللغة العربية في الهند، كما في كثير من البلدان غير العربية، يرتبط بالاستخدامات الدينية والأكاديمية بشكل رئيسي. تاريخياً، لعبت اللغة العربية دوراً مهماً في الدين والتعليم في الهند، خاصة في العصور الوسطى. تم استخدامها لتدريس الدين الإسلامي والعلوم المتعلقة به، بالإضافة إلى الاستخدام في العلاقات الدبلوماسية والتجارة.

لم تكن العربية في يوم من الأيام اللغة الرسمية للهند حتى في فترة حكم السلاطين المسلمين الطويلة الممتدة إلى ثمانية قرون، ولكنها كانت لغة الكتابة والتأليف العلمي، وظل نطاق استخدامها الحديثي محصوراً في بعض العائلات فقط، فلم تصبح لغة الحديث اليومي. وقد رجّح الاستعمار البريطاني للهند الكفة لصالح اللغة الإنجليزية التي سرعان ما أصبحت اللغة المهيمنة على كل الفضاءات العلمية والثقافية والسوقية، محلياً وعالمياً، مما أضر باللغة العربية كثيراً.

>لماذا تراجع دور «المجمع العلمي العربي – الهندي» الذي أسسه مختار الدين أحمد، رئيس قسم اللغة العربية في جامعة عليكره عام 1976؟

- هذا المجمع كان مؤسسة مهمة تهدف إلى تعزيز دراسة اللغة العربية والأدب العربي في الهند، وكان له دور بارز في تعزيز التواصل الثقافي بين العالمين العربي والهندي. ومع ذلك، تراجع دوره يمكن أن يُعزى إلى عدة عوامل منها تحديات التمويل وتراجع الهبات. ومن إنجازات المجمع إصدار مجلة علمية محكمة «مجلة المجمع العلمي العربي»، التي يشرف عليها رئيس قسم اللغة العربية بجامعة عليكره، وهي تعد من أرقى المجلات العلمية الصادرة في الهند باللغة العربية ويرأس تحريرها حالياً علامة الهند الأستاذ محمد ثناء الله الندوي.

> أطروحتك للدكتوراه تتناول المواضيع الاجتماعية المشتركة بين الرواية العربية ونظيرتها الأردية في الفترة من 1900 حتى 1950... ما أبرز نقاط التلاقي في هذا السياق؟

- من بين أبرز نقاط التلاقي في هذا السياق النضال ضد الاستعمار الغربي، والبحث عن الهوية الوطنية. وكتب الروائيون من الجانبين عن الطبقة الوسطى، والتحولات في النسق الاجتماعي ومواقف المجتمع من حقوق النساء وتعليمهن ومشاركتهن في الحياة العامة. وكذلك التغيرات الاقتصادية والتحديات الاجتماعية مثل الفقر والبطالة، والتأثيرات الاجتماعية للتحولات الاقتصادية مثل الهجرة الريفية إلى المدن، والحركات الفكرية والثقافية التي قامت في كلا القطرين في ظل الاستعمار الغربي.

> ماذا عن أوجه الشبه والاختلاف بين الأدب العربي ونظيره الهندي في الوقت الراهن؟

- الهند قارة بأكملها وتزخر بتعددياتها اللغوية الهائلة، فليس هناك أدب هندي واحد، بل آداب؛ منها الهندي، والأردو، والبنغالي، وغيرها (طاغور كتب باللغة البنغالية وحاز جائزة نوبل)، والأدب العربي هو أدب كل العرب. ورغم التشابهات في التراث الثقافي والشعبية الدولية، يظل الأدب العربي والأدب الهندي يتمتعان بخصوصيتهما الثقافية واللغوية التي تميزهما وتجعلهما يعبران عن تجارب وثقافات فريدة تعكس التنوع الثقافي في كل منطقة.

> أنت متابع جيد للرواية العربية الحديثة، ما أبرز ملاحظاتك عليها ولماذا لم تنل حتى الآن مكانتها العالمية مقارنة بنظيرتها الهندية المكتوبة بالإنجليزية؟

- أعتقد أن الأدب العربي الحديث والمعاصر، لا سيما الرواية العربية، لا يعاني من أزمة الإبداع أبداً، وإنما يعاني من أزمة ثقافية تتمثل في تدني مستوى القراءة في العالم العربي وعدم الترجمة على نطاق واسع. وأتفق مع المفكر الكبير إدوارد سعيد الذي قال إن الرواية العربية المعاصرة رواية عالمية وثرية، وكثير من الروائيين يستحقون جائزة نوبل، فهي أزمة ثقافية بالدرجة الأولى.

الروائيون العرب لم يقصروا قط في الإبداع، وبالفعل هناك روائيون عالميون يكتبون روايات مدهشة لو أنها كُتبت باللغات الأوربية لعُدّوا نجوماً في بلادهم. قال لي صديقي الروائي السوري الكبير نبيل سليمان إن كتاباً في أوروبا يصدر على الأقل في 10 آلاف نسخة، في حين لا تتجاوز، في أحسن الاحوال، طبعة كتاب عربي 500 نسخة، وهذا يدل على مدى الإهمال والتهميش الذي يعيشه المبدع العربي في وطنه. أنا في الحقيقة معجب جداً بمستوى الإبداع الروائي لدى الروائيين الشباب الذين أتقنوا فنهم أيما إتقان.

للأسف لا تتم ترجمة أعمالهم، إلا نادراً، للغات العالمية فيظلون مغمورين للقارئ العالمي. ولولا ترجمة روايات نجيب محفوظ إلى الإنجليزية لظلت شهرته محصورة في العالم العربي. أما الهنود الذين يكتبون باللغة الإنجليزية فتكون أعمالهم في متناول القارئ العالمي مباشرة، فتحقق لهم الشهرة والقبول على المستوى العالمي.

> سبق أن نوهت بوجود كنز معرفي من آلاف المخطوطات العربية في الهند التي تنتظر تحقيقها ونشرها. ما أبرز تلك المخطوطات، وما الذي يعيق الاهتمام بها؟

على أقل تقدير، هناك ما يزيد على 55 ألف مخطوطة عربية، في مواضيع متنوعة، وكانت هناك جهود لفهرستها، ولا أدري إن تمت فهرستها أو لا، الأمر الذي يعيق الاهتمام بها هو قلة الاعتناء بالتراث بشكل عام بسبب التدهور الاقتصادي والمعيشي والثقافي الذي يعاني منه المسلمون اليوم في الهند، فليست هناك جهود مؤسسية للاعتناء بها كما ينبغي. ويعود تاريخ بعض المخطوطات إلى القرن الأول الهجري، وعلى رأسها مخطوط «تاريخ دمشق» لابن عساكر، و«التبيان لتفسير القرآن» لأبي جعفر الطوسي، و«تحفة الغريب» للدماميني.

> أين توجد تلك المخطوطات تحديداً؟

- يحتوي «متحف سالار جونغ» في مدينة «حيدر آباد» على بعض أنفَسِ المخطوطات العربية التي تقدر بـ2620 مخطوطة، وكذلك مكتبة «خدا بخش» الشرقية العامة في مدينة «بتنه» التي تحوي نحو 9 آلاف مخطوطة وتتوزع المخطوطات الأخرى على مكتبات جامعات دلهي مثل الجامعة الملية الإسلامية و«همدرد»، و«مولانا أزاد» في جامعة عليكره الإسلامية، و«دار العلوم» و«الجمعية الآسيوية» في كلكتا التي أسسها الإنجليز.

>ما المعايير التي تحكم خياراتك بصفتك مترجماً عند نقل أعمال بعينها من الأردية إلى العربية والعكس؟

- معظم الأعمال التي قمت بترجمتها كانت جزءاً من مشروع الترجمة لدائرة السياحة والثقافة بأبوظبي، وأفضل هذا النوع من الترتيب لأنه يجنبي كثيراً من المشقات والصعوبات الإدارية، وسبق أن تم اختيارها من قبل لجنة محكمة. وكلما أخُيّر بانتقاء كتاب للترجمة أختار الذي يعجبني ويشدني إليه، وأعتقد أن أي كتاب قمت بترجمته يجب أن يكون شائقاً ومفيداً على السواء.

> تترأس تحرير المجلة الفصلية «قطوف الهند» التي تصدر بالعربية منذ ما يقرب من عامين لتكون «جسراً للتواصل بين أبناء الثقافة الهندية والعالم العربي»، وتهتم بنشر الأدب العربي، ونظيره الهندي مترجماً إلى العربية... كيف تقيم تلك التجربة، وهل نجحت المجلة في تحقيق أهدافها؟

- أحدثت مجلة «قطوف الهند» الإبداعية دويّاً كبيراً في أوساط اللغة العربية في الهند، وعُقدت عليها آمال كبيرة من جهة تنشيطها بيئة الإبداع لدى الشباب من كتّاب العربية، وبالفعل لوحظ إقبال كبير لدى أدباء على كتابة القصة القصيرة، والمجلة ما زالت فتية تجاوزت بالكاد سنتين من عمرها، وما زالت أمامنا طريق طويلة.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.