الندوي: 55 ألف مخطوطة عربية في متاحفنا غير محققة

المترجم الهندي يرى أن عدم وصول الأدب العربي للعالمية يكمن في الترجمة

مجيب الرحمن الندوي
مجيب الرحمن الندوي
TT

الندوي: 55 ألف مخطوطة عربية في متاحفنا غير محققة

مجيب الرحمن الندوي
مجيب الرحمن الندوي

يعد الناقد والمترجم الهندي دكتور مجيب الرحمن الندوي أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والثقافية المعاصرة التي تخصصت في اللغة العربية وآدابها عبر قارة آسيا عموماً والهند بشكل خاص. يعمل حالياً أستاذاً للأدب العربي بجامعة «جواهر لال نهرو» العريقة وترأس لعدة سنوات مركز الدراسات الأفريقية والعربية بالجامعة. ترجم إلى العربية روايتي «نهر النار» عن الأردية للروائية قرة العين حيدر، و«الوشاح المدنس» عن الهندية للكاتب فانيشوار ناث رينو؛ فضلاً عن بعض المؤلفات الفكرية مثل «مواطن الحداثة» لديبيش شاكرابارتي، و«فكرة الهند» لسونيل خيلناني. يتحدث العربية الفصحى بطلاقة ويكتب في مختلف الدوريات عن أحدث الإبداعات في الأدب العربي، كما يترأس تحرير دورية «قطوف الهند» التي تصدر بالعربية وتستهدف صنع جسر للتواصل بين الثقافة الهندية والعالم العربي. هنا حوار معه:

> عشت طفولة قاسية في بيئة لا تشجع كثيراً على التفوق العلمي... ماذا عن البدايات الأولى وكيف تجاوزت تلك الصعوبات؟

- نشأت في قرية نائية في شرق بيهار الهندية، حيث كان معظم الناس يعملون بالزراعة، ولا يهتمون بتعليم أولادهم بسبب الفقر وقلة الوعي. والدي، رحمه الله، كان يدرك أهمية التعليم، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، فأصر على تعليم أبنائه الخمسة. تم اختياري لمدرسة دينية وأكملت المرحلة الابتدائية في «كُتّاب» القرية رغم محدودية الموارد. التحقت بمدرسة في المدينة ثم بـ«دار العلوم بندوة العلماء» في مدينة «لكناو» حيث درست الأدب العربي والمواد الإسلامية. أكملت الليسانس والماجستير في التاريخ الهندي الحديث بالجامعة الملية الإسلامية في نيودلهي، والماجستير الثاني والدكتوراه في الأدب العربي بجامعة جواهر لال نهرو، حيث أعمل حالياً أستاذًا ورئيساً لقسم اللغة العربية. تجاوزت التحديات بفضل دعم عائلتي وإصراري على التعليم وتحقيق النجاح الأكاديمي.

> لماذا اخترت التخصص في اللغة العربية وكيف كانت رحلتك معها؟

- اختياري للتخصص في اللغة العربية كان نتيجة لعدة عوامل متشابكة أثرت في رغبتي واهتماماتي الشخصية. بدأت الرحلة من خلال دروس مدرسة كُتّاب القرية وهو ما تم بالصدفة، لكن شدتني هياكلها اللغوية المعقدة وجمالياتها الأدبية الفريدة. تزايد اهتمامي وتعمقت معرفتي باللغة العربية خلال الدراسات الجامعية، حيث درست النحو والصرف والأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر. استمتعت بقراءة الأعمال الأدبية الكبرى في الشعر والرواية والتعرف على أساليب الكتابة المختلفة والقضايا التي تناولها الأدباء والشعراء. ما جعل تخصصي أكثر إثراءً هو التفاعل المستمر مع النصوص العربية، سواء في الدراسات الأكاديمية أو في الحياة اليومية، حيث أستمتع بالترجمة والتنظير والنقد الأدبي. والآن أعتز بثقافتي العربية مثل أي عربي، وقد منَّ الله علي منناً كثيرة بفضل اللغة العربية، وأعد عضويتي في مجلس أمناء «مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية» شرفاً كبيراً لي، كما زرت أكثر من 25 بلداً في آسيا وأوروبا وأميركا.

> لك تصريح مثير للجدل تقول فيه إن اللغة العربية تشكل هوية الهنود، حتى لو كانوا عجماً، ما الذي تقصده بالضبط؟

- لم أقل إن اللغة العربية تشكل هوية الهنود عموماً، بل قلت إن اللغة العربية تشكل هوية المسلمين الهنود بشكل خاص وأنا منهم، وأقصد بالضبط أن اهتمام المسلمين الهنود باللغة العربية كبير جداً بدافع حبهم الشديد للإسلام والقرآن الكريم، والدليل على ذلك انتشار المدارس الدينية في القرى والمدن، وعلى أقل تقدير توجد في الهند أكثر من ثلاثين ألف مدرسة عربية وإسلامية وجميعها تدار بتبرعات أهل الخير من المسلمين، وتعاني هذه المدارس الدينية من نقص شديد في التمويل، وتمر بظروف صعبة جداً خصوصاً بعد وباء الكورونا. ومع ذلك تواصل هذه المدارس تأدية دورها الديني والثقافي، حرصاً على الحفاظ على دينهم وعقيدتهم، وأيضاً تدرس اللغة العربية في أكثر من أربعين جامعة حكومية، ولذلك قلت في أحد حواراتي إن العربية تجري في دماء وعروق المسلمين الهنود، وهم يفتخرون بالانتماء للعربية مع كل ما يعانونه من عوز مالي واقتصادي. وأنجبت الهند في الماضي كبار علماء اللغة العربية والفنون العربية والإسلامية؛ منهم العلّامة مرتضى الزبيدي صاحب «تاج العروس»، والصغاني، والشاه ولي الله الدهلوي، والنواب صديق حسن خان القنوجي، وحميد الدين الفراهي، وغلام علي آزاد البكرامي، وعلي الندوي، وكثيرون ممن لا يأتي عليهم الحصر، وخلّف هولاء مآثر ذهبية في الثقافة العربية الإسلامية في الهند.

> إلى متى يظل حضور اللغة العربية في الهند قاصراً على الفضاءات الأكاديمية والدينية دون أن يشتبك مع الحياة اليومية؟

- حضور اللغة العربية في الهند، كما في كثير من البلدان غير العربية، يرتبط بالاستخدامات الدينية والأكاديمية بشكل رئيسي. تاريخياً، لعبت اللغة العربية دوراً مهماً في الدين والتعليم في الهند، خاصة في العصور الوسطى. تم استخدامها لتدريس الدين الإسلامي والعلوم المتعلقة به، بالإضافة إلى الاستخدام في العلاقات الدبلوماسية والتجارة.

لم تكن العربية في يوم من الأيام اللغة الرسمية للهند حتى في فترة حكم السلاطين المسلمين الطويلة الممتدة إلى ثمانية قرون، ولكنها كانت لغة الكتابة والتأليف العلمي، وظل نطاق استخدامها الحديثي محصوراً في بعض العائلات فقط، فلم تصبح لغة الحديث اليومي. وقد رجّح الاستعمار البريطاني للهند الكفة لصالح اللغة الإنجليزية التي سرعان ما أصبحت اللغة المهيمنة على كل الفضاءات العلمية والثقافية والسوقية، محلياً وعالمياً، مما أضر باللغة العربية كثيراً.

>لماذا تراجع دور «المجمع العلمي العربي – الهندي» الذي أسسه مختار الدين أحمد، رئيس قسم اللغة العربية في جامعة عليكره عام 1976؟

- هذا المجمع كان مؤسسة مهمة تهدف إلى تعزيز دراسة اللغة العربية والأدب العربي في الهند، وكان له دور بارز في تعزيز التواصل الثقافي بين العالمين العربي والهندي. ومع ذلك، تراجع دوره يمكن أن يُعزى إلى عدة عوامل منها تحديات التمويل وتراجع الهبات. ومن إنجازات المجمع إصدار مجلة علمية محكمة «مجلة المجمع العلمي العربي»، التي يشرف عليها رئيس قسم اللغة العربية بجامعة عليكره، وهي تعد من أرقى المجلات العلمية الصادرة في الهند باللغة العربية ويرأس تحريرها حالياً علامة الهند الأستاذ محمد ثناء الله الندوي.

> أطروحتك للدكتوراه تتناول المواضيع الاجتماعية المشتركة بين الرواية العربية ونظيرتها الأردية في الفترة من 1900 حتى 1950... ما أبرز نقاط التلاقي في هذا السياق؟

- من بين أبرز نقاط التلاقي في هذا السياق النضال ضد الاستعمار الغربي، والبحث عن الهوية الوطنية. وكتب الروائيون من الجانبين عن الطبقة الوسطى، والتحولات في النسق الاجتماعي ومواقف المجتمع من حقوق النساء وتعليمهن ومشاركتهن في الحياة العامة. وكذلك التغيرات الاقتصادية والتحديات الاجتماعية مثل الفقر والبطالة، والتأثيرات الاجتماعية للتحولات الاقتصادية مثل الهجرة الريفية إلى المدن، والحركات الفكرية والثقافية التي قامت في كلا القطرين في ظل الاستعمار الغربي.

> ماذا عن أوجه الشبه والاختلاف بين الأدب العربي ونظيره الهندي في الوقت الراهن؟

- الهند قارة بأكملها وتزخر بتعددياتها اللغوية الهائلة، فليس هناك أدب هندي واحد، بل آداب؛ منها الهندي، والأردو، والبنغالي، وغيرها (طاغور كتب باللغة البنغالية وحاز جائزة نوبل)، والأدب العربي هو أدب كل العرب. ورغم التشابهات في التراث الثقافي والشعبية الدولية، يظل الأدب العربي والأدب الهندي يتمتعان بخصوصيتهما الثقافية واللغوية التي تميزهما وتجعلهما يعبران عن تجارب وثقافات فريدة تعكس التنوع الثقافي في كل منطقة.

> أنت متابع جيد للرواية العربية الحديثة، ما أبرز ملاحظاتك عليها ولماذا لم تنل حتى الآن مكانتها العالمية مقارنة بنظيرتها الهندية المكتوبة بالإنجليزية؟

- أعتقد أن الأدب العربي الحديث والمعاصر، لا سيما الرواية العربية، لا يعاني من أزمة الإبداع أبداً، وإنما يعاني من أزمة ثقافية تتمثل في تدني مستوى القراءة في العالم العربي وعدم الترجمة على نطاق واسع. وأتفق مع المفكر الكبير إدوارد سعيد الذي قال إن الرواية العربية المعاصرة رواية عالمية وثرية، وكثير من الروائيين يستحقون جائزة نوبل، فهي أزمة ثقافية بالدرجة الأولى.

الروائيون العرب لم يقصروا قط في الإبداع، وبالفعل هناك روائيون عالميون يكتبون روايات مدهشة لو أنها كُتبت باللغات الأوربية لعُدّوا نجوماً في بلادهم. قال لي صديقي الروائي السوري الكبير نبيل سليمان إن كتاباً في أوروبا يصدر على الأقل في 10 آلاف نسخة، في حين لا تتجاوز، في أحسن الاحوال، طبعة كتاب عربي 500 نسخة، وهذا يدل على مدى الإهمال والتهميش الذي يعيشه المبدع العربي في وطنه. أنا في الحقيقة معجب جداً بمستوى الإبداع الروائي لدى الروائيين الشباب الذين أتقنوا فنهم أيما إتقان.

للأسف لا تتم ترجمة أعمالهم، إلا نادراً، للغات العالمية فيظلون مغمورين للقارئ العالمي. ولولا ترجمة روايات نجيب محفوظ إلى الإنجليزية لظلت شهرته محصورة في العالم العربي. أما الهنود الذين يكتبون باللغة الإنجليزية فتكون أعمالهم في متناول القارئ العالمي مباشرة، فتحقق لهم الشهرة والقبول على المستوى العالمي.

> سبق أن نوهت بوجود كنز معرفي من آلاف المخطوطات العربية في الهند التي تنتظر تحقيقها ونشرها. ما أبرز تلك المخطوطات، وما الذي يعيق الاهتمام بها؟

على أقل تقدير، هناك ما يزيد على 55 ألف مخطوطة عربية، في مواضيع متنوعة، وكانت هناك جهود لفهرستها، ولا أدري إن تمت فهرستها أو لا، الأمر الذي يعيق الاهتمام بها هو قلة الاعتناء بالتراث بشكل عام بسبب التدهور الاقتصادي والمعيشي والثقافي الذي يعاني منه المسلمون اليوم في الهند، فليست هناك جهود مؤسسية للاعتناء بها كما ينبغي. ويعود تاريخ بعض المخطوطات إلى القرن الأول الهجري، وعلى رأسها مخطوط «تاريخ دمشق» لابن عساكر، و«التبيان لتفسير القرآن» لأبي جعفر الطوسي، و«تحفة الغريب» للدماميني.

> أين توجد تلك المخطوطات تحديداً؟

- يحتوي «متحف سالار جونغ» في مدينة «حيدر آباد» على بعض أنفَسِ المخطوطات العربية التي تقدر بـ2620 مخطوطة، وكذلك مكتبة «خدا بخش» الشرقية العامة في مدينة «بتنه» التي تحوي نحو 9 آلاف مخطوطة وتتوزع المخطوطات الأخرى على مكتبات جامعات دلهي مثل الجامعة الملية الإسلامية و«همدرد»، و«مولانا أزاد» في جامعة عليكره الإسلامية، و«دار العلوم» و«الجمعية الآسيوية» في كلكتا التي أسسها الإنجليز.

>ما المعايير التي تحكم خياراتك بصفتك مترجماً عند نقل أعمال بعينها من الأردية إلى العربية والعكس؟

- معظم الأعمال التي قمت بترجمتها كانت جزءاً من مشروع الترجمة لدائرة السياحة والثقافة بأبوظبي، وأفضل هذا النوع من الترتيب لأنه يجنبي كثيراً من المشقات والصعوبات الإدارية، وسبق أن تم اختيارها من قبل لجنة محكمة. وكلما أخُيّر بانتقاء كتاب للترجمة أختار الذي يعجبني ويشدني إليه، وأعتقد أن أي كتاب قمت بترجمته يجب أن يكون شائقاً ومفيداً على السواء.

> تترأس تحرير المجلة الفصلية «قطوف الهند» التي تصدر بالعربية منذ ما يقرب من عامين لتكون «جسراً للتواصل بين أبناء الثقافة الهندية والعالم العربي»، وتهتم بنشر الأدب العربي، ونظيره الهندي مترجماً إلى العربية... كيف تقيم تلك التجربة، وهل نجحت المجلة في تحقيق أهدافها؟

- أحدثت مجلة «قطوف الهند» الإبداعية دويّاً كبيراً في أوساط اللغة العربية في الهند، وعُقدت عليها آمال كبيرة من جهة تنشيطها بيئة الإبداع لدى الشباب من كتّاب العربية، وبالفعل لوحظ إقبال كبير لدى أدباء على كتابة القصة القصيرة، والمجلة ما زالت فتية تجاوزت بالكاد سنتين من عمرها، وما زالت أمامنا طريق طويلة.



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».