أحمد ولد إسلم: كتابة الخيال العلمي تقتضي السير على حافة شائكة

الكاتب الموريتاني يرى أن الإنتاج النثري في بلاده يوازي نظيره الشعري

الكاتب الموريتاني أحمد ولد إسلم
الكاتب الموريتاني أحمد ولد إسلم
TT

أحمد ولد إسلم: كتابة الخيال العلمي تقتضي السير على حافة شائكة

الكاتب الموريتاني أحمد ولد إسلم
الكاتب الموريتاني أحمد ولد إسلم

يطرح الكاتب والروائي الموريتاني أحمد ولد إسلم في روايته الأخيرة «البراني» أسئلة إشكالية تتعلق بالمستقبل الإنساني، يختبرها في سياقات عالمه المُتخيّل الذي تُسيطر عليه الرقمية وتتغوّل فيه الآلة. وقد حاز أحمد ولد إسلم أخيراً على جائزة «شنقيط للآداب والفنون» بموريتانيا، ومن أعماله رواية «حياة مثقوبة» ومجموعة «انتظار الماضي».

هنا حوار معه عبر الإنترنت حول روايته الجديدة، وملامح الحركة الأدبية الموريتانية، وعلاقتها بمحيطها الثقافي العربي...

* في روايتك الأخيرة «البراني» نلتقي بجزيرة وهمية، وروبوتات، وفيروسات آلية، ما التحديات التي واجهتها في بناء وتطوير هذا العالم الروائي؟

- التحدي الأكبر في الكتابة الخيالية العلمية هو الجمع بين المتناقضين، ما هو خيالي، وما هو علمي، وذلك يقتضي السير على حافة رفيعة وهشة تضمن تقديم ما لا يستحيل علمياً حدوثه، ولكنه لم يحدث بعد. وهذه هي المساحة التي تتسابق فيها العقول الأدبية بخيالاتها المجنحة، والعقول الهندسية بأعمالها التجريبية. وهذا السباق الدائم بتحويل الخيال الأدبي إلى منتجات هندسية أو توظيف المنتجات الهندسية العلمية في خلق خيال أكثر طموحاً، هو ما أنتج وسينتج كل التطور التقني الذي تشهده البشرية حالياً ومستقبلاً.

* أيضاً، يبدو عالمك السردي في «البراني» مُنقسماً بين حنين تراثي وإنساني، وآخر غارق في الاستهلاك والاصطناعية، حتى إنك طرحت فيها نبوءة بنهاية العالم... حدثنا عن تلك المسافة.

- في حياة كل منا، أقصد من عاش في المجتمعات العربية، حنين دفين للبساطة والعلاقات الاجتماعية المترابطة، وأحياناً البداوة لمن ينحدر من بيئة بدوية أو ريفية، فنرغب أن نبدأ يومنا برائحة خبز الفرن وكاسات الشاي في لمة عائلية، وأن نتبادل التحيات صباحاً، ونعرف أخبار الجيران، ونختم اليوم بجلسة العصر الجماعية، وكاسات الشاي أو بسمر عائلي يخوض في الذكريات. لكننا في الوقت نفسه، بحكم الواقع الذي نعيشه، نرغب أن نكون أكثر تطوراً، وأن تكون حياتنا أسرع وقعاً، ونتمنى أن تكون لدينا قدرات على مطّ الوقت لتحقيق الإنجازات الصغيرة اليومية الأكثر مما يسمح به وقتنا. ويفرض علينا الواقع أن نكون أكثر فردانية، وتغرينا الإعلانات بثقافة استهلاكية تجعل كثيراً منا ينفق ما لا يملك لشراء ما لا يحتاج فعلاً، على احتمال أنه قد يحتاجه يوماً ما.

هذا المشهد الذي يقرّ كلّ منا في قرارة نفسه بتناقضه هو ما يشكل الحياة، الحياة التي تحدث حقيقة في صراعاتنا بين ما نرغبه من استعادة نفسية للماضي، وما نطمح إليه من القفز ذهنياً إلى المستقبل. وهذا الصراع النفسي الدائم هو ما سلّطت رواية «البراني» الضوء عليه من زوايا مختلفة عبر شخصيات أبطالها اللاهثين بين قطبي هذه الثنائية، يخافون من خسارة الهدوء والسكينة، ويخشون فقدان السيطرة على مستقبلهم.

* هذا الحِسّ في التعامل مع تغوّل الذكاء الاصطناعي والرقمية يبدو له صدى «ديستوبي» في الرواية، هل يمكن فهم مدلول آخر لعنوان «البراني»، بمعنى النبذ واستبدال الإنسانية، أو بتعبيرك في الرواية «الزوائد البشرية»؟

- لا نكون متشائمين إن قلنا إن الواقع العربي الذي نعيشه ديستوبي بطبيعته، ولا يحتاج خيالاً لتصوّر عالم أكثر فساداً وانحداراً مما عليه الحال في عالمنا العربي. ما كشفته الرواية هو جزء من واقع نتجاهله، أو نجمله بإضفاء مسحة من المصطلحات كالعصرنة والرقمنة والتفاعل، نعوض بها نفسياً شعورنا العميق بخسارة أواصرنا الاجتماعية البشرية الحقيقية. ما سيحصل، وقد بدأ بالفعل، ليس إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر، بقدر ما هو إحلال أشخاص يجيدون التعامل مع الذكاء الاصطناعي ويحسنون توظيفه، أو يسيئونه، محل أشخاص لا يجيدون ذلك.

وبالتالي، فإن الخوف من تغوّل الذكاء الاصطناعي هو في الحقيقة خوف من تغوّل المسيطرين عليه، فالآلة في النهاية لا تعرف إلا ما أدخل إليها من إنتاج بشري خالص. وما وصفته الرواية بالزوائد البشرية سيكونون في وقت ما أولئك الذين يتوهمون أن المسيطرين على الذكاء الاصطناعي سيكونون أكثر رحمة بهم إذا انكفأوا على أنفسهم واكتفوا بدور المتفرج أو المستهلك.

* كيف تعاملت مع تعقيدات وأبعاد شخصية بطلك في «حياة مثقوبة»، خصوصاً مع تقييد حركته ومكانه؟ كيف وظّفت تقاطعات ذاكرة البطل كآلية سردية في الرواية؟

- بناء شخصية بطل رواية «حياة مثقوبة» كان أصعب تحدٍّ خضته مع نفسي في مجال الكتابة الإبداعية، فأن تخلق شخصية واضحة المعالم النفسية من غير تحديد مكان أو زمان حتى منحها اسماً تنادى به ليس بالأمر الهين. لكني أردت تقديم شخصية الإنسان المُجرد من كل دواعي التحيز، الإنسان العادي في أشد لحظات حياته ضعفاً وأكثرها صفاء، ولأن فقدان الذاكرة هو الخاتمة الحزينة للقصة كان الأمر مبرراً. فالإنسان في ماهية هويته ليس إلا ما يتذكر عن نفسه ومحيطه؛ فلولا معرفتنا أسماءنا ودوائر انتمائنا لما شكل أي منا هويته كما يراها. ونظرة الآخرين إلينا قائمة على ما تحتفظ به ذاكرتهم من معلومات عنا، ولذلك يمكن القول إن فقدان أي معلومة من الذاكرة هو فقدان لجزء من هوية ما، وهذا ما جعل خلق شخصية بطل «حياة مثقوبة» صعباً، لأنه يفقد في كل فصل جزءاً من هويته.

* علاقتك بالموسيقى تبدو أصيلة، ولا تخفى عمن يقرأ أعمالك، فتتوقف عند وصف مقام، أو مقطوعة، أو أصل تاريخي لنوع موسيقي، هل تتعامل معها بمنطق جمالي أو وظيفي داخل السرد؟

- نشأت في منطقة الحوض الشرقي في موريتانيا، وهي المنطقة التي شهدت قبل قرون نشأة الموسيقى التقليدية الموريتانية، خاصة ما يعزف منها على آلتي «التيدنيت وآردين» وهما الآلتان الخاصتان بالرجال والنساء، على التوالي، في الثقافة الموسيقية التقليدية. النشأة في بيئة كهذه تجعل علاقة أي فرد من المنطقة بالموسيقى علاقة انتماء واحتفاء وارتباط، ويعد أي فرد من المنطقة لا يعرف أساسيات الموسيقى التقليدية ومقاماتها ناقصاً معرفياً في التقييم المجتمعي، ولذلك وجدت توظيف الموسيقى في إطار سردي يكسر جمود النص في رواية «حياة مثقوبة»، ويفتح أفقاً للتعريف بالموروث الثقافي الموريتاني في رواية «البراني».

* تبدو علاقة موريتانيا بالشِعر وثيقة، فيما لا تزال الرواية الموريتانية تقطع خطوات وئيدة في المشهد العربي. هل تتفق مع هذا؟ ولماذا برأيك؟

- هذه «المُسلمة» بأن علاقة موريتانيا بالشعر أوثق من علاقتها بغيره تحتاج إعادة نظر، فهي عند تحليلها بشيء من التفصيل ليست أكثر من صورة نمطية، مثل أي صورة نمطية أخرى رسخها الإعلام والتداول الشعبي. فحين أطلقت مجلة «العربي» الكويتي لقب بلاد المليون شاعر على موريتانيا أواخر الستينات كان هناك احتفاء كبير من الموريتانيين بهذا اللقب، وهو احتفاء مبرر ومتفهم في سياقه التاريخي، فموريتانيا كانت حينها تخوض معركة سياسية وثقافية لإثبات انتمائها للفضاء العربي سياسياً، فلم تكن حينها قد انضمت إلى مؤسسة الجامعة العربية. واستمر لاحقاً الاحتفاء بهذا اللقب وما يعنيه من قيمة معنوية، لأنه يسهل على الموريتاني تقديم نفسه بكلمتين كانتا عنواناً في مجلة. لكن الواقع أن الإنتاج النثري في موريتانيا لا يقلّ عن الإنتاج الشعري، إن لم يربُ عليه. ومع تقلص مساحات البداوة وتمدد الفضاء الحضري أفقياً على امتداد البلاد الشاسعة تقلصت الحاجة إلى الشعر بوصفه حاملاً للثقافة الشفوية، وتعززت مكانة النثر مع انتشار الكتب المرتبطة بالمدنية بطبيعتها.

صحيح أن فنّ الرواية تأخر ظهوره بضعة عقود في موريتانيا عنه في المشرق العربي، لكن الأعمال الروائية الموريتانية التي ظهرت لاقت احتفاء ومكانة كبيرة، ومنها ما صنف ضمن الأعمال العربية الخالدة. ويكفي النظر إلى السنوات الأخيرة لنجد عدداً من الروايات الموريتانية ارتقت منصات تتويج عربية في السعودية، ومصر، وقطر، والإمارات، وربما صار روائيو موريتانيا أكثر شهرة من شعرائها.

* هل ترى أن الجوائز الأدبية ساهمت ولو قليلاً في كسر مركزية القراءة والنشر في العالم العربي؟

- هناك كثير مما يمكن قوله عن الجوائز الأدبية العربية فيما يتعلق بآلية اختيار الأعمال الفائزة وتسليع الأدب وتحويل الكاتب إلى منتج تحت الطلب، لكن لا يمكن إنكار أنها فعلاً فتحت آفاقاً جديدة لكتب ما كانت لتصل لولاها إلى القارئ، خاصة الكتب الواردة من دول الأطراف العربية بعيداً عن المركزية المشرقية.

* قطع الأدب في العالم مسافة طويلة مع الخيال العلمي منذ «فرانكشتاين» ماري شيلي إلى اليوم، برأيك إلى أي مدى واكب الأدب العربي فلسفة هذا النوع الأدبي؟

- لا أستطيع تقييم مدى مواكبة أدب الخيال العلمي في العالم العربي للتطورات، لكن لا شك أنه مجال مفتوح للإبداع وليس قريباً من الاكتفاء الذاتي عالمياً وأحرى عربياً. ربما هناك نقطة مؤثرة على الأديب العربي تجعل إنتاجه في مجال الخيال العلمي لا يحظى بالاحتفاء المناسب، وهي ضعف المناهج التعليمية وأدوات الإنتاج المرئي التي ساهمت في شهرة كثير من الأعمال غير العربية، وأوصلتها إلى مجال أرحب بتحويلها إلى أفلام أو مسلسلات، وهو أمر تفتقر إليه الكتب العربية الصادرة في هذا المجال.

* حصلت أخيراً على جائزة «شنقيط للآداب والفنون» التقديرية الموريتانية، ما صدى هذا التتويج لديك؟ وهل تكتب عملاً جديداً حالياً؟

- لا شك أن الحصول على جائزة الدولة التقديرية، وهي أرفع جائزة أدبية، في مرحلة مُبكرة من العمر، أمر يدعو إلى الفخر والتشجيع، ومن المؤكد أنه منح للعمل فرصة للوصول إلى القراء المهتمين بأدب الجوائز. كما أنه عرّف النخبة الثقافية بنمط من الأدب الموريتاني لم يحظَ بعد بإنتاج غزير، وهذا أيضاً أمر مهم. وحالياً، أعكف على كتابة رواية تستشرف آفاق عالمنا، وتسعى للتفوق على ما قدّمته «البراني»، وآمل أن تكون في المكتبات العربية قبل نهاية هذا العام.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.