محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

بعد صدور كتابه «أغنية إنسان» أول ترجمة لأبي الطيب بالتركية

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين
TT

محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين

للمرة الأولى يقرأ الأتراك المتنبي بلغتهم، بفضل الكاتب والمترجم الدكتور محمد حقي صوتشين، الذي يعدّ، اليوم، من أبرز مترجمي الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر إلى اللغة التركية، أستاذ بجامعة غازي في أنقرة، كان لسنوات رئيساً لقسم الأدب العربي فيها، قبل أن يتفرغ تماماً لترجماته وكتاباته، حيث تمكّن بفضل نشاطه الاستثنائي من إعادة الاهتمام بالأدب العربي في بلاده، وترجم كثيرين؛ منهم يحيى حقي، وغسان كنفاني، ومحمود درويش، ومن الأدب القديم المعلقات السبع وأبا نواس، وأخيراً المتنبي، وكان على رأس اللجنة التي وضعت مناهج اللغة العربية في تركيا، ومعنياً عن قرب بهذا المسار. وهنا حديث معه.

غلاف ترجمة المتنبي - أغنية الإنسان

- صدرت، قبل أيام، ترجمتك لمختارات من ديوان المتنبي تحت عنوان «أغنية إنسان»، وهي أول مرة يقرأ فيها الأتراك المتنبي بلغتهم، كيف بدأ هذا المشروع؟

*في الجامعة، في أنقرة، كنا ندرس المتنبي من خلال حياته وبعض الصور النمطية، مثل ادّعائه النبوّة، وأنه كان ينتقل من بلاط إلى آخر لكسب المال، ولا نخوض في شعره. ربما لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات العربية. بعد ترجمتي المعلّقات السبع، كان بعض الشعراء الأتراك المعروفين يطلبون مني أن أواصل ترجمة الشعر العربي القديم، فبدأت أترجم من قدماء الشعراء العرب؛ بينهم المتنبي، والمعري، وأبو نواس، وأنشره بمجلة «فارليك» التركية العريقة، وقد ترجمت عدداً لا بأس به من قصائد المتنبي، لكن لقائي مع الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الذي أبدى اهتماماً كبيراً لاستكمال الترجمة وشجّعني بحرارة، دفع عجلة المشروع بقوة. وقد كتب د. علي تقديماً رائعاً للترجمة التركية بوصفه أحد المتخصصين في شعر المتنبي والمحبّين له. لولاه ربما تأخر المشروع سنوات.

- هل المتنبي اسم معروف في تركيا؟

*كان معظم شعراء «الديوان» - وهي تسمية لشعراء الشعر العثماني - لديهم معرفة بالمتنبي، إذ كانت النخبة الشعرية التركية، في ذلك الوقت، تتقن ثلاث لغات: التركية والفارسية والعربية، وبينهم مَن ترك دواوين شعرية بثلاث لغات، فضلاً عن أن اللغة التركية العثمانية كانت خليطاً من هذه اللغات الثلاث، لذلك لم تكن ثمة حاجة لترجمة الشعر العربي. وكان للمتنبي تأثير على شعراء عثمانيين مثل «نفعي» و«باقي». كنا مع زميلي الألماني شتيفان فايدنر مدعوين إلى مركز الملك عبد العزيز العالمي «إثراء» للحديث عن تأثير المتنبي على الشعر خارج الوطن العربي، حيث قرأت نماذج من قصائد الشاعر «نفعي» بترجمتي إلى اللغة العربية، سمعتُ همس بعض الناس قائلين: «نعم، هذا صوت المتنبي».

- كيف كانت ردود الفعل الأولى؟

*الترجمة صدرت قبل أسبوع تقريباً، نحتاج إلى وقت لقياس الإقبال على «المتنبي التركي»، لكن ردود الفعل الأولى جيدة جدّاً. تلقيت اتصالات تهنئة من بعض الكتّاب الأتراك، ودعوات من الجامعات التركية، ومجموعات قراءة، وجمعيات أدبية كي أتحدث عن المتنبي والترجمة وتوقيعها نيابة عن المتنبي. نحن بصدد ترتيب هذه اللقاءات، وأتوقع أننا سنقرأ، في الأيام المقبلة، مقالات عن المتنبي في مجلات أدبية تركية.

- تراكيب أبي الطيب صعبة، أيّ تحديات واجهتك أثناء عملك، وقد أردت لهذه الترجمة أن تكون شعرية؟

*في ترجماتي للشعر العربي، أحمل همّين: عدم التضحية بالمضمون لصالح الإيقاع، وإعادة خلق الإيقاع الشعري. في ترجمة الشعر العربي القديم، أقوم بإعادة إبداع النص الشعري باللغة التركية، من خلال الإيقاع الداخلي وقوافٍ منسابة، دون تكلّف يهدّم بنية القصيدة. مذهبي أن أخلق في التركية لغة حديثة لها نكهة كلاسيكية، الأمر الذي نتوقعه من ترجمات شكسبير ودانتي وغيرهم من عظماء الشعراء. وأنا أردتُ أن أقدم للقارئ؛ ليس شاعراً عربياً فحسب، بل شاعراً عالمياً عظيماً، وسأعدّ نفسي ناجحاً إذا جرى تلقّي المتنبي في تركيا بهذه الصورة.

- من قرّاء الأدب العربي الذي تترجمه؟ هل هو جمهور عريض؟

*شخصيّاً، أصبَح لي جمهور لا يستهان به يتابعني ويقرأ كل ما أُصدر تقريباً، فقد اختارت مجموعات قراءة عدة أعمال من هذه الترجمات وناقشتها في كل أنحاء تركيا، وخصوصاً في المدن الكبرى. وكتَبَ النقاد والأدباء حول الأعمال المترجمة في دوريات، مما أدى إلى تداولها أكثر. وجرى تقدير بعض الأعمال بجوائز أدبية لم يسبق للأدب العربي أن نالها. في هذه المرحلة، تمكنّا من شدّ انتباه القارئ والناشر على حد سواء، وتوجيهه إلى الأدب العربي.

- ترجمت عدداً من الأدباء الفلسطينيين، هل ازداد الطلب عليهم بسبب الحرب الأخيرة على غزة؟

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي. محمود درويش كان مترجَماً إلى التركية لكنها ترجمات رديئة جداً، باستثناء ترجمة لطف الله غوكطاش. كان محمود درويش نفسه حزيناً إزاء هذه الترجمات القاتلة، بشهادة شعراء عرب عاشروه، منهم أحمد الشهاوي. أعدتُ ترجمة كلّ ما هو رديء، ثم ترجمتُ أعمالاً جديدة. أعدتُ كذلك ترجمة «رجال في الشمس» من العربية مباشرة، إذ كانت مترجَمة من الإنجليزية، وقد كتبوا اسم الكاتب «حسن كنفاني» على الغلاف. أما عدنية شبلي ونجوان درويش فترجمتهما إلى التركية للمرة الأولى. ليس بيدي إحصاء حول ازدياد الطلب على الأدب الفلسطيني، لكن الشعب التركي معروف بتعاطفه مع فلسطين وقضيتها العادلة.

ترجمات ركيكة

- ما أقنية التعاون بين تركيا والعالم العربي في مجال الترجمة؟ أم أن الأمر متروك لاختيارات دُور النشر؟

*وزارة الثقافة التركية تدير، منذ سنة 2005، مشروع «تيدا»، ويهدف إلى انفتاح الأدب التركي على العالم. في هذا الإطار جرى دعم الترجمة إلى العربية أيضاً. دعم المشروع حتى سنة 2021، ما مجموعه 2590 عملاً من التركية إلى لغات العالم؛ تتصدرها البلغارية والألبانية، تليهما العربية والفارسية واليونانية والروسية. الأدب التركي مترجم بصورة كبيرة إلى الجغرافيا المجاورة لتركيا، لكن إذا أمعنّا النظر في الاختيارات ونوعية الترجمة، نلحظ في كثير من الترجمات العربية، ركاكة وحرفية في التعبير، وأخطاء في الإملاء والقواعد؛ لعدم مرورها على التحرير والمراجعة. كثير منها ليس بمستوى جيد. عندي مشروع لكتابة مقالات متعمقة بالعربية، عن الأدب التركي؛ من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرح وغيرها، كي تكون مرشدة لمن يريد أن يترجم إلى العربية. نشرتُ مقالاً تحت عنوان «اتجاهات الشعر التركي من الديوان إلى عصر الإنترنت» في مجلة «المجلة»، وأواصل كتابة مقالات مماثلة.

- ترجمتَ من الأدب التركي الصوفي إلى اللغة العربية شعراء مثل يونس أمرة وأحمد يَسَوي، لماذا لا تخوض في مجال الترجمة من الأدب التركي إلى العربية، بحكم معرفتك بأدب بلدك؟

*اتجاه الترجمة عندي غالباً من العربية إلى التركية، لكنني ترجمتُ أكثر من سبعين شاعراً؛ لأشكل مختارات للشعر التركي الحديث بكل أطيافه، وهي شبه جاهزة وتنتظر دار النشر العربية التي لديها الرغبة في نشرها، فاختيار القصائد يتطلب من المترجم جهداً إضافياً، لكنني محظوظ؛ لأن زوجتي شاعرة تركية وناقدة للأدب التركي، وبإمكاننا معاً اختيار الأفضل.

حقي والبدايات

- هل من تجربة خاصة ربطتك بأدونيس أثناء ترجمته؟

*أدونيس له مكانة خاصة في تكويني، عرفتُ نصّه مبكراً من خلال مجلة «فكر وفن» التي كانت تصل إلى مكتبة جامعتنا أثناء دراستي بجامعة أنقرة. وعندي محاولات مبكرة لقراءته وفهمه، لكن شاء القدر أن عرّفَنا ببعضنا الشاعر أحمد الشهاوي. بعد ذلك تحدَّثنا كثيراً على الهاتف، ثم التقينا في إسطنبول وأنقرة وإزمير، ولا تزال العلاقة بيننا حميمية، عندما أحدثه أشعر وكأنني أتحدث مع صديق. تعلمت منه ومن أعماله أموراً كثيرة دعتني إلى التأمل والتفكير، ترجمت حتى الآن أربعة كتب لأدونيس، وسيُنشر في الأشهر المقبلة آخِر ديوان له «أدونيادا» باللغة التركية. إذا واجهت أي مشكلة، بعد الانتهاء من الترجمة، أطرح عليه أسئلتي، ويجيبني دون ملل أو كلل.

- سؤال حول البدايات، ما الذي لفتك في يحيى حقي، الذي اخترت أدبه القصصي موضوعاً للماجستير؟

*يحيى حقي نقطة تحول بالنسبة للقصة العربية القصيرة، من خلال «المدرسة الجديدة»، والانتقال من الرومانسية إلى الواقعية، كما أن موضوع الصراع بين الشرق والغرب اكتسب بُعداً أكثر نضوجاً في الأقصوصة العربية. ربما كان الشبه بين اسمَيْنا أيضاً مما أسهم في الاختيار. عرفتُ بعد قراءتي أعماله أنه ينتمي إلى أصول تركية، وقضى عدة سنوات في أنقرة بصفته دبلوماسياً في السفارة المصرية، حيث التقى أتاتورك وعدداً من النخبة الأدبية، على رأسهم عبد الحق حامد الذي يصفه صاحب «القنديل» وصفاً بديعاً في كتابه «أنشودة البساطة»، كما يذكر، في سياق آخر، أنه سيكتب عن أتاتورك، لكنه، بقدر علمي، لم يكتب.

- رسالتك لليسانس كانت عن «الأرواح المتمردة» لجبران، هل هو من المقروئين في تركيا؟

*تُرجمت بعض أعمال جبران الإنجليزية إلى التركية في الأربعينات، لذلك هو معروف، لكن أعماله التي كتبها بالعربية تُرجمت في وقت متأخر نسبياً. إذا قلت إنني تدرّبت على الترجمة من خلال نصوص جبران، فلن أكون قد بالغت. تعدّ «الأرواح المتمردة»، و«دمعة وابتسامة»، و«العواصف» أول ترجماتي، وأنا طالب في الليسانس، لكنني لم أنشرها. جبران هو معلمي الأول في التدريب على الترجمة.

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي

تعليم اللغة العربية

- كنتَ رئيساً للجنة التي وضعت مناهج تعليم العربية في المدارس التركية؟ هل لنا أن نعرف لأي صفوف؟ وفي أي مدارس يجري تعليم العربية؟

*أتذكر أنكِ أجريتِ معي حواراً في «الشرق الأوسط» عن هذا الموضوع في أبريل (نيسان) عام 2012؛ أي قبل 12 سنة. وها أنتِ تتحدثين معي عن الموضوع نفسه. تدرَّس العربية في كل المراحل، وتنقسم المدارس إلى قسمين؛ أحدهما المدارس العادية، وثانيهما مدارس الأئمة والخطباء. المدارس العادية يجري تدريس العربية فيها مادة اختيارية، ساعتين أسبوعياً، أما مدارس الأئمة والخطباء، التي تضم 515 ألف طالب، فتدريس العربية فيها إجباري، يتراوح بين ساعتين وأربع ساعات وفق السنوات الدراسية والتخصص. أما الجامعات التركية فتدرِّس العربية في ثلاث مستويات: أقسام اللغة العربية وآدابها، أقسام تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، وأقسام الترجمة.

- ما الذي تغير بعد 12 عاماً من وضع المناهج؟

*أشياء كثيرة، لكن ليس على المستوى الذي كنت أرجوه. السياسات التربوية تتغير بتغير الوزراء، الأمر الذي يخلق نوعاً من عدم الاستقرار في تنفيذ ما جرى وضعه، دون مراقبة النتائج. ما وضعناه كان أول منهج وفق الإطار المرجعي الأوروبي للغات، لكن، يا للأسف، لم يجرِ وضع كتب مدرسية تمشياً مع هذا المنهج، ثم جرى تغيير المناهج ربما، أربع مرات ومراقبة مدى نجاحها بطرق علمية. المشكلة في تركيا أن أصحاب القرار في وضع خطط التدريس ينظرون إلى العربية بصورة عامة، بوصفها لغة دين ووسيلة لفهم العلوم الإسلامية. برأيي، هذه مقاربة تشكل عائقاً في تدريس العربية لغة الحضارة والأدب، ولغة شعب يتحدث هذه اللغة التي يجب أن تعطى الأولوية لتعليمها لأغراض عامة، ثم الانتقال لأغراض خاصة: دينية سياحية، صحية، تجارية، وما إلى ذلك.

- ما الصعوبات التي واجهتكم، خصوصاً أن شكوى غير العرب هي عدم وجود طرق لتعليم العربية لغير الناطقين بها؟ ولك عدد من الكتب لتعليم العربية.

نفتقر إلى أمرين: تدريب المدرّسين، وسلاسل محترفة تدمج المهارات الأربع بطرق تواصلية حديثة. ثمة مبادرات من مؤسسات عربية، لتدريب مدرسي اللغة العربية، مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومركز أبوظبي للغة العربية، ومراكز تدريب غير حكومية في دول عدة؛ بما فيها تركيا، لكنها يجب أن تكون ممنهجة ومستمرة. بالنسبة لسلاسل الكتب، تتطلب جهداً مؤسساتياً يأخذ بعين الاعتبار مسائل مثل التدريس بطرق تواصلية، تدريس الثقافة العربية، التفكير في دمج العامية بالمناهج، ومهارة المحادثة؛ كي يتمكن الطالب من التعامل مع الشارع العربي، على أقل تقدير. مسافات كبيرة علينا أن نقطعها، لكنني متفائل؛ لأن القدرات المادية والبشرية متوفرة في العالم العربي وخارجه.


مقالات ذات صلة

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

ثقافة وفنون مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن…

فاروق يوسف
ثقافة وفنون رامبو

رامبو في مرآة العباقرة

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص.

هاشم صالح
ثقافة وفنون سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون البير كامو

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».