هل طردت جوائز الشعر «العمودي» شعراء النثر؟

من الصعب القول بأن قصيدة النثر هي قصيدة المستقبل

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

هل طردت جوائز الشعر «العمودي» شعراء النثر؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

يُثير حديث العودة إلى قصيدة النثر أسئلةً عن رهاب الهيمنة الشعرية، وعن مشاكلتها مع التاريخ والسياق، ومع مفاهيم «الفحولة» و«العمود»، فهل يكون هذا الحديث محاولةً لإعادة الثقة بـ«ناثري الشعر»؟ وهل الاكتفاء بجوائز الشعر «العمودي» جعل شعراء النثر مطرودين، وخارج لعبة الضوء والتنافس؟

هذه الأسئلة تبدو مفارقة، وفاجعة أحياناً، ليس لأن «قصيدة النثر» تجاوزت ما هو أجناسي، لتحضر بوصفها شكلاً وأداءً في الممارسة الشعرية، لها شعراء رواد، و«أبطال» جعلوا منها حافزاً على إعادة قراءة التاريخ الشعري، واستغوار مساحاته التي يمكن أن تتسع للمغامرين.

ما بين هذا وذاك، تحضر أسماء وظواهر بعينها، لتجعل السؤال الشعري قابلاً للجدل والمشاكلة، لا سيما في الحديث عن أسماء مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط، وظواهر مثل مجلة «شعر» ومجلة «مواقف».

«هو بيننا الأنقى» عبارة أطلقها الشاعر أدونيس على أنسي الحاج، حملت معها اعترافاً ضمنياً بجدّة «قصيدة النثر»، فجعل من النقاء الوجودي قريناً لـ«النقاء الشعري»، وربط ذلك بالشغف العميق بحيوية نظرته للتجديد والمغايرة، إذ يردف ذلك التوصيف بالمراجعة عبر قوله: «كلنا ملوثين بالتقليد، فمعك، يا أنسي، يزداد استمساكنا بحبل الرؤيا، يتّسع أسلوبنا في التعبير عنها، وينمو ويُغنى، يصبح لنا نوع آخر من الشعر، ومن النثر أيضاً».

إنسي الحاج

هذا القول، يضعنا إزاء حساسية أدونيس لقصيدة أنسي الحاج ولخصوصيته في كتابة قصيدة النثر، وعلاقة هذه القصيدة بالتجديد، بوصفه رهاناً على الحلم بالتطهير الشعري، وعلاقة هذا التطهير بفاعلية الوعي بالتجديد، وبالنزوع إلى جعل التمرد على التاريخ وعياً بالتغيير، وباتجاه إخراج الكتابة الشعرية من «تابوات الممنوع»، إذ يكون الشعر هو جوهر «الهوية العميقة» مثلما هو شفرتها في التعاطي مع مفاهيم الجدّة والحداثة، التي تعني - بالضرورة - مساءلة مركزيات «تاريخ الشعر»، ومقاربة مداولاته النقدية/ المفاهيمية، وصولاً إلى التعرّف على لحظات المفارقة الصادمة بين التاريخ والمغامرة، بوصفها تمثيلاً لثنائية «المطابقة والاختلاف»، فبقدر ما تاريخ الشعر حافلٌ بقوة المركزية ومطابقتها، فإنه حافل بمغامرين حالمين بالاختلاف مثل أبي نواس وأبي تمام، وصولاً إلى ما حفلت به القصيدة الأندلسية، وأحسب أن الحديث عن مجلة «شعر» اللبنانية يدخل في سياق تلك المفارقة، وفي التبشير بـ«مشروع القصيدة الجديدة»، كما أشار لذلك الشاعر يوسف الخال في افتتاحية العدد الأول من المجلة، إذ ارتهن هذا المشروع بطبيعة القلق الذي كان يعتور المسار الشعري، وبجرأة الأسئلة الفارقة التي أثارها شعراء الريادة في العراق؛ السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي.

لا يمكن قراءة مشروع القصيدة الجديدة، إلّا في سياق نزوعها لمفارقة تاريخ المركزة الشعرية، والخروج من النظام الصارم إلى حساسية العالم، حيث تكون هذه القصيدة «وعياً جديداً للعالم»، وسؤالاً وجودياً محفوفاً بالقلق والتململ، واستكناه أشكال كتابية تتمثّل هاجس المغايرة.

أدونيس

هذا المعطى التجديدي ليس بعيداً عن المتغيرات السياسية العالمية، ولا عما حدث في الواقع العربي ما بعد الحرب العالمية الثانية من تحولات، جعلت من مجلة «شعر» وكأنها حاضنة لبعض التوجهات الليبرالية التي أطلقها «الحزب القومي السوري» الذي التف حوله عدد كبير من المثقفين العرب في لبنان وسوريا، من أبرزهم يوسف الخال وأدونيس وعصام محفوظ وعادل ظاهر، ورغم ما أثير حول «المجلة» من لغط يخصّ مصادر تمويلها، فإنها كانت علامة فارقة على مسار التحول الفارق في الشعرية العربية، وانغمارها في استشراف أفق شعري جديد، على مستوى الوعي بالأشكال الشعرية، وعلاقة الشعر بالآيديولوجيا، أو على مستوى الوعي بالعلاقة مع الآخر، إذ تحولت المجلة إلى «مجال ثقافي» مفتوح على المغايرة، حيث استقطب أفكاراً جديدة، وأطروحات مثيرة للجدل، لا سيما في الكتابة والترجمة، وفي الانفتاح على تابوهات ثقافية، تخص قضايا إشكالية مثل الهوية والتاريخ والأمة والدين، فضلاً عن إشكالية الكتابة الشعرية ذاتها، وهو ما بدا واضحاً وصادماً بعد ترجمة أدونيس لفصول من كتاب سوزان برنار «قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا»، الذي تحول إلى منهل سحري وغاوٍ لمواجهة مركزية التاريخ والنمط الشعري السائد.

كما أنّ التلازم بين ليبرالية الوعي وليبرالية الكتابة استقطب - من جانب آخر - عدداً مهماً من الأدباء العرب إلى مغامرته، لا سيما الشعراء ذوي النزعات التجديدية مثل السياب وسلمى الخضراء الجيوسي ومحمد الماغوط وخالدة سعيد وحليم بركات وفؤاد رفقة وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وتوفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم.

أثارت هذه المجموعة «الثقافية» أسئلة جديدة، وتحدياً جديداً، كشف عن المخفي في الصراعات الثقافية والآيديولوجية، فبدت ليبرالية مجلة «شعر» وكأنها «ضدٌ نوعيٌّ» لمجلة «الآداب» البيروتية ذات التوجه القومي الناصري، وكذلك في مواجهة ما كانت تطرحه مجلة «الثقافة الوطنية» ذات التوجهات الماركسية التقليدية، التي استثمرت أجواء انتصار معسكر الحلفاء والقوى الاشتراكية في الحرب العالمية الثانية، فاستغرقتها أطروحات الأدب الثوري والأدب الملتزم.

التوصيف والمغامرة

توصيف قصيدة النثر بأنها «روح التصميم الحداثي»، كما قال الشاعر كمال خير بك، أطلق العنان للحديث عن علاقتها بالمتغيرات الكبيرة، غير البعيدة عن التأثرات بمتغيرات «الحداثة» الشعرية في أوروبا، ومخاضات التجديد في فلسفات التنوير والإصلاح، التي وجدت في الترجمات الفلسفية، والشعرية، هاجساً لمقاربة أسئلة الوعي العميق بتوصيف مغامرة كتابة هذا الشعر، لا سيما عند الشعراء الفرنسيين والإنجليز والأسبان، إذ أعطت هذه المتغيرات زخماً دافعاً، جعلها مفتوحة، وقريبة من هواجس المثقف العربي المسكون بصراع «التاريخ والحداثة» والغامر في صراعات سياسية واجتماعية جاءت بعد الحراك الثوري والانقلابات العسكرية في مصر والعراق ولبنان، وكذلك بعد نجاح الثورة الجزائرية وبعد معركة التحرير والاستقلال.

مغامرة الكتابة الجديدة بدت وكأنها حساسية فائرة إزاء ما يجري في الواقع، وهذا ما أعطى لمشروع القصيدة الجديدة أفقاً غير واضح الملامح، وتوصيفات توزعت بين «الثورة، التمرد، المغامرة، الانقلاب» أعادت الشاعر إلى نرجسيته، وإلى إحساسه بأن العالم لم يعد ضيقاً، وأنه غير محكوم بذاكرة النوع الشعري الواحد.

اقتران قصيدة النثر بمجلة «شعر» لم يكن واضحاً، فالحديث عن «مشروع القصيدة الجديدة» كان هو الهاجس، والمُحرّض على المغامرة الشعرية، لكن موضوع هذه القصيدة بدا واضحاً بعد ما كتبه الشاعر محمد الماغوط في العدد الخامس من المجلة، وكذلك بعد ما كتبه أنسي الحاج، الذي وضعه عنواناً لبيانه الشعري المنشور مع مجموعته الشعرية «لن»، إذ استشرف هذا الشاعر سؤالاً وجودياً رافضاً للنمط القديم، وباعثاً لروح جديدة عبر الشكل الجديد، وعبر الرؤيا الجديدة التي أدرك ضرورتها بمواجهة ما يعتور النمط القديم من شيخوخة وتكرار وترهل... ولأن مشروع الحديث ومفارقة النمط في المجلة كان مضطرباً، فكان بروز إشكالية فهم التحديث من أكثر عوامل الإغلاق الأول للمجلة، لا سيما بعد ما أثارته قراءة يوسف الخال لمجموعة شاعر العامية اللبنانية ميشيل طراد، من أسئلة تخص هوية المجلة، وهوية المشروع الشعري، والطابع «الشعبوي» الذي اقترن بما هو هامشي في الثقافة العربية، لا سيما تمثيل الهامش اللغوي عبر تحفيز الكتابة باللهجات المحلية، وهو ما جعل البعض يدرك خطورة هذا النزوع الذي يُهدد هوية «الشعر العربي» عبر تهديد اللغة، مثلما جعل من مشروع المجلة وكأنه مشروع «تسقيطي» يهدف إلى المغالاة بالثقافات المحلية، مما دفع أدونيس الفاعل في تأسيس المجلة إلى التقاطع مع يوسف الخال، ومع مشروعه في «لبننة» توجهاتها الشعرية، وهو ما قاد شعراء آخرين إلى التمرد على سياسة المجلة مثل خليل حاوي ونازك الملائكة وصولاً إلى خروج أدونيس عنها.

أثار وعي المغامرة الشعرية جدلاً مفاهيمياً حول هوية هذه القصيدة وحول شرعيتها، وهل أن حيازتها على عناصر جمالية وكثافة صورية تكفي لإعطائها «حق الإقامة» في المجال الشعري؟

هذه الإثارة ظلت محط شّذٍ وجذب، فرغم أهمية مجلة «شعر» في حماية هذه القصيدة، فإن واقع الحال جعلها تبدو الأقرب إلى تمثيل المفارقة في تاريخ الشعر العربي الحديث، ولعل ما حدث في الستينيات من القرن الماضي جعلها تدخل في أكثر تحولاته وأحداثه صخباً، وحتى بالحركات التي استغرقت الجسد السياسي والثقافي والآيديولوجي العربي، الذي جعل من الانفتاح على «قصيدة النثر» وكأنه انفتاح على جزيرة سحرية، أغوت الكثير من الشعراء بالتطهّر من عقد التاريخ والنمط والمركزة الشعرية، لا سيما بعد الانقلاب الدموي في العراق عام 1963 والهزيمة العربية عام 1967، وهو ما حدا ببعض النقاد والباحثين إلى البحث في التاريخ العربي وأسفاره ومقاماته وخطبه عن جذور لهذه القصيدة، رغم أن أطروحات سوزان برنار حول «قصيدة النثر» قطعت الطريق على ذلك، من خلال التأكيد على عنصر «القصدية» في كتابتها.

التجاوز على تاريخ النمط أعطى للبعض غواية التمرد، والبحث عن أطرٍ «معاصرة» تُعطي للكتابة الشعرية وجوداً متعالياً على مستوى وعي الزمن الشعري في حركاته وتجدده، أو على مستوى الصياغة والتركيب والكثافة والإيحاء بما يشبه «الإيقاع الداخلي» كغطاء نظري لربط الشكل بالتوصيف الشعري، وعلى نحوٍ يجعل من هذه الكتابة تعبيراً عن وعي حاد باستحداث فهم مجاور وجديد للشعر يقوم على توكيد مفهومي للمغايرة والتجاوز، أشار إليه أدونيس بالقول «لم تعد حركة الشعر الحقيقية وسط الركام الكثير للموروث مرتبطة بالسياسة أو الأخلاق والعادات العامة والشائعة، بقدر ارتباطها بحركة التطور الحضاري، ولم يعد الشعر بمعنى آخر للفائدة والمنفعة، بقدر ما أصبح عملاً إبداعياً داخلياً يجد فيه الشاعر تعزيته وخلاصه».

مغامرة الكتابة الجديدة بدت وكأنها حساسية فائرة إزاء ما يجري في الواقع

الشعرية والتجاوز

من الصعب القول بأن قصيدة النثر هي قصيدة المستقبل، لأن هذا التوصيف سيجعلها وكأنها تحمل معها معياراً يُحدد كل ما يتعلق بمفهوم «الشعرية» وحتى بطبيعة التجاوز الذي هو تمثيل لحركة دائبة، فالشعر في هذا السياق يجعل من فكرة «الشعرية» جوهراً للقيمة، وللحساسية التي ينبغي أن تتمثلها القصيدة في سياقها الوجودي، وحتى في تمثيل الذي تحمله «قصيدة النثر» بوصفها تقع في المفارقة، وفي التجاوز ذاته، وفي إعطاء التجاوز طابعاً مفهومياً يعكس فلسفة الوعي بالوجود، وبخصوصية الشاعر في النظر إلى العالم، فهذا الشاعر «لا يستطيع أن يبني مفهوماً شعرياً جديداً، إلّا إذا عانى في داخله من انهيار المفهومات السابقة، ولا يستطيع أن يجدد الحياة والفكر، إذا لم يكن عاش التجدد».

فإذا كانت الشعرية تعني دراسة فعل اللغة في الشعر، عبر التعرف على انزياحاته، فذلك يجعلها مرهونة بدراسة «شعرية الخطاب» كما عند تودوروف، و«الوظيفة الشعرية» كما عند جاكوبسن، أو بدراسة «الانزياح» كما عند جون هوكين، أو بشعرية الفجوة - مسافة التوتر كما عند كمال أبو ديب، أو بشعرية الرؤيا كما عند أدونيس، وهذه الوظائف تنطلق من فكرة «أن الشعريّة في ذاتها هي ما يجعل الشّعر شعراً، وما يُسبِغ على حيّز الشّعر صفة الشّعر، ولعلّها جوهره المطلق»، وبما يُعطي لفاعلية التجاوز وعياً بحمولات الشعرية ذاتها، لا سيما في النظر إلى قصيدة النثر، بوصفها أداء تتكثف فيه الوظيفة والانزياح والرؤيا، وبما أن هذه القصيدة قد كرست حضورها، فإن مفهوم الشعرية يظل مفهوماً مُحفِزاً على المساءلة والتجاوز، وحتى على إعادة التعريف والتوصيف، وربما للقبول بشكل شعري جديد ومغاير.


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.