تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة

لغة الضاد هي الأسرع انتشاراً بين اللّغات بالولايات المتّحدة

تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة
TT

تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة

تعليم العربية في المهاجر... غياب مرجعية موحدة

إذا كان التّحدّي الذي تواجهه اللّغة العربيّة اليوم يكمن في الحفاظ على هويّتها في مواجهة المفردات الدّخيلة التي تشنّها عليها وعلى غيرها من اللّغات لغة التّكنولوجيا المكتسحة، فإنّ التّحدّي الأكبر هو كيفيّة المحافظة عليها في المهاجِر، حيث يُفترَض أن يتكلّم الإنسان لغة غير لغته، ويعيش في مجتمع مختلف عن مجتمعه.

«كيف يتعلّم أبناؤنا العربيّة في المهاجِر؟»، كتاب صادر عن مؤسّسة الفكر العربيّ يلقي الضّوء على هذه النّاحية المهمّة في حياة الأفراد الذين اضطرّتهم الظّروف الاقتصاديّة أو السّياسيّة أو العلميّة أو غيرها إلى الهجرة والإقامة في بلد ناطق بلغة أخرى.

وتتصدّر الكتاب توطئة للدّكتور هنري العويط، المدير العامّ لمؤسّسة الفكر العربيّ، و3 مداخل. ويضمّ مجموعة من الأبحاث تقسم بدورها قسمين: قسم يتناول العربيّة في المهاجر الأوروبيّة، وآخر يتناولها في المهاجر الأميركيّة والأستراليّة والأفريقيّة.

في المبحث الأوّل يتكلّم د. طارق بو عتور على موضوع: «مقاربات في تدريس العربيّة لأبناء الجاليات التّونسيّة في المهجر». فيلقي الضّوء على الجهود الحثيثة المبذولة منذ سبعينات القرن الماضي لأجل تمتين الصّلة بين أبناء الجيل الثّاني من المهاجرين ووطنهم الأصليّ، وضرورة توطيد الصّلة بالوطن الأصلي، لا سيّما أنّ الظّروف تختلف بين الآباء والأبناء. كما يعدّد المراكز التي اهتمّت بالعربيّة، ويدرس عيّنات المجتمع، فيعرض وضع تدريس أبناء الجالية التّونسيّة في المهاجر، والدّوافع التي تكمن وراء الرّغبة في تعلّم اللّغة الأصليّة، ويعرض منهجيّات التّعليم، ويعيب على بعض المعلّمين أنّهم غير مختصّين، والذين يتقنون لغة الضّاد منهم يفتقرون إلى التّكوين التّربويّ والبيداغوجيّ الكافي الذي يمكّنهم من إيصال المعلومة وتحفيز المتعلّمين. ويخلص إلى نتيجة أن ثمّة ثغرات يجب على الدّولة معالجتها، منها: تشعّب التّخصّص، والتّباين بين الدّارسين، وتنوّع أهداف الأهل والدّارسين، واتّساع الرّقعة الجغرافيّة، والحاجة إلى تنظيم هذا القطاع. ولبلوغ الغاية ينبغي: النّهوض بوضع اللّغة العربيّة، وعقد الصّلة بين المسائل النّظريّة والمسائل التّطبيقيّة، وترشيد الموارد البشريّة والماليّة، وإحداث هيئة عربيّة مشتركة تتولّى تنسيق مجهودات التّدريس، يتمّ الرّجوع والاحتكام إليها.

أمّا في ما يتعلّق بفرنسا، فاللّغة العربيّة ليست حدثاً طارئاً على الحياة الثّقافيّة واللّغويّة. إنّها تعد ثالث مصدر للّغة الفرنسيّة بعد اللّاتينيّة والإيطاليّة. وعلى الرّغم من النّيات الطّيّبة بشأن تعليم اللّغة العربيّة، فهي، في مدينة كومبيان مثلاً، كما يرى د. بسّام بركة، في تراجع بسبب الرّبط العضويّ بين اللّغة والدّين بشكل أساسيّ، والشّعور لدى عدد كبير من المسلمين العرب بأنّ الدّعوة إلى الاهتداء بالدّين الإسلاميّ أهمّ من تعريف العالم بجمال اللّغة العربيّة. كما أنّ تمسّك عدد كبير من العرب المقيمين في فرنسا بلغتهم، قائم على أساس أنّها أساس لهويّة خاصّة بهم تقوم على التّمايز. لذلك، ولأنّ الدّولة الفرنسيّة علمانيّة، فقد أعطت الأولويّة للدّارجات المحلّيّة.

أمّا رنا إبراهيم فعرضت من خلال تجربة ميدانيّة في ضواحي باريس جوانب من العلميّة التّعليميّة لتدريس اللّغة العربيّة لأبناء المهاجرين، فذكرت الدّوافع والأهداف وأحوال مراكز التّدريس، وخلصت إلى شروط لو توافرت لحقّقت نجاحاً أكبر، وهي: تخصيص الوقت الضّروريّ والكافي لعمليّة التّدريس، والتزام التّلاميذ بمراجعة ما يدرسون في قاعة الدّرس، ومتابعة العمليّة التّعليميّة بشكل مستمرّ، وانتساب عدد أكبر من التّلاميذ ما يسهّل توزيعهم في فئات وفق مستوياتهم اللّغويّة، وتوفير برامج تدريبيّة للمعلّمين، وتوفير فرص التقاء المتعلّمين لتحسين التّفاعل اللّغويّ، والتّعاون الإيجابيّ بين الأهل والمعلّمين. كما أشارت إلى تأثير ارتفاع تكلفة المعيشة على دراسة اللّغة، ما يجعل الأهل يفضّلون أن يدرس أبناؤهم الموادّ الإلزاميّة.

أمّا في إيطاليا، فالأبحاث التي تدرس ظاهرة تعليم اللّغة العربيّة ما زالت غير كافية لأنّ الطّلّاب المنحدرين من أصول عربيّة ظاهرة حديثة نسبيّاً. وقدّمت د. إليزا فيريزو بيانات حول الوجود العربيّ في المدارس والجامعات الإيطاليّة، وحاولت حصر أماكن التّعليم في إيطاليا متوقّفة عند إقليم لومبارديا وعاصمته ميلانو، وأشارت إلى الحاجة الملحّة لمواصلة البحث حول منهجيّات العربيّة في إيطاليا بشكل عامّ، وتوسيع الأبحاث المتعلّقة بالدّوافع والسّمات والتّوجّهات المهنيّة.

وعن الوضع في لندن تحدّثت د. نجوى كاظم، فتناولت موضوع المشكلات التي يواجهها الطّلّاب، وارثو اللّغة، كونهم ينحدرون من أصول عربيّة أو إسلاميّة، والتّحدّيات التي يواجهها مدرّسو تلك الفئة في جامعة كينغز في العاصمة البريطانيّة. وبعد جمع بيانات خصّصت منها للطّلّاب ومنها للأساتذة، كشفت النّتائج أنّ وجود طلّاب وارثي اللّغة في فصل مختلط مع طلّاب غير ناطقين باللّغة، حيث يبدأون التّعلّم من الصّفر، يتطلّب التّنمية المهنيّة للمدرّس من حيث المهارات التّعليميّة، وتصميم مناهج خاصّة لطلّاب وارثي اللّغة، ونشاطات خاصّة تلبّي احتياجاتهم، وتصقل مهاراتهم اللّغويّة في فصول مختلفة. كما أوضحت النّتائج أنّ معظم الطّلّاب يفضّلون الفصل التّامّ بين المجموعتين، لأنّ التّعلّم مع طلّاب من أصول عربيّة يتيح لهم تبادل العلم واللّهجات والخبرات اللّغويّة، ويجنّبهم الابتداء من الصّفر.

واللّافت في ألمانيا أنّ دخول العربيّة المناهج الرّسميّة الألمانيّة بات أمراً واقعاً، وإن كان لم يدخل حتّى الآن في البرنامج الرّسميّ للحصص الدّراسيّة. ويعود السّبب في عدم الدّعم الكافي لبعض المدارس المهتمّة باللّغة، وفق د. سرجون كرم، إلى غياب مرجعيّة موحّدة تستطيع السّلطات الألمانيّة الرّسميّة أن تتواصل معها رسمياً. وفي حالة دعم كهذه، من حقّ السّلطات الألمانيّة أن تشرف على برامج تعليم العربيّة في جميع أماكن تدريسها. الأمر الذي يتطلّب: ضرورة وجود سلطة عربيّة عليا تمثّل العالم العربيّ، والوصول إلى كتاب موحّد لتدريس اللّغة.

هذا بالنّسبة إلى أوروبا، أمّا في كندا، البلد الذي يستقطب أكبر عدد من المهاجرين، فقد دعا د. عادل الزّعيم إلى تطوير النّظريّات والتّقنيّات، ووضع خطوات يجب اتّباعها، منها:

-دراسة أوضاع أولاد المهاجرين العرب من الجيل الأوّل والثّاني والثّالث، وتحديد مواصفاتهم واحتياجاتهم، ومستوياتهم من حيث التّمكّن من العربيّة ومن اللّغات الأخرى.

-إعداد مناهج تعليميّة متخصّصة، ودورات تدريبيّة لمعلّمي اللّغة العربيّة.

-مواكبة العصر وحاجات الطّلّاب الحاضرة والمستقبليّة في تطوير المناهج والطّرق.

-الأخذ بعين الاعتبار حاجة المؤسّسات والشّركات لمترجمين ولمن يجيدون لغات مختلفة.

-اعتماد الوسائط الرّقميّة بوصفها وسيلة لتعليم اللّغة العربيّة وتعلّمها.

-نشر الوسائط الرّقميّة المساعدة على تعلّم وتعليم اللّغة العربيّة كالقواميس الإلكترونيّة وغيرها...

أمّا في أميركا فقد أجرى أ. د. عطيّة يوسف استطلاع رأي لعدد من الطّلّاب وارثي اللّغة الذين يدرسون العربيّة، مع التّركيز على المرحلة المدرسيّة التي تعكس توجّه أسر الجاليات العربيّة في رغبة دراسة أبنائهم اللّغة العربيّة، وكشفت له الاستبانة ضرورة وضع منهجيّة موحّدة لتعليم اللّغة العربيّة لوارثي اللّغة، وضرورة أن تلبّي الموادّ التّعليميّة والمنهجيّة احتياجات الطّلّاب المقبلين على تعلّم هذه اللّغة كونها الوسيلة الأساسيّة للتّواصل مع أصولهم وثقافاتهم.

كثير من الكلمات العربيّة دخلت إلى لغة التّخاطب اليوميّ للأستراليين

وقد بيّنت مرح البقاعيّ أنّ اللّغة العربيّة هي الأسرع نموّاً بين اللّغات في الولايات المتّحدة، فقد زاد الاهتمام بها بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وهي لغة ضروريّة في سوق العمل نظراً للحاجة إلى التّحدّث بلغة النّظير في مجال البحوث العلميّة والأكاديميّة والدّوائر الدّبلوماسيّة والاتّفاقات الدّوليّة. كما بيّنت أنّ اهتمام العائلات التي انتقلت للعيش في أميركا بتعليم أولادهم اللّغة العربيّة نابع من دوافع دينيّة. وأشارت إلى أماكن تدريس اللّغة العربيّة وعدد التّلاميذ المنتسبين، كما تكلّمت على المنهج المعتمد في مدارس اللّغة العربيّة المرخّصة، وكيف عملت الولايات المتّحدة في مجال التّعليم لمعالجة موضوع التّحدّي الذي يواجه العربيّة، وهو الازدواجيّة بين الفصحى والعامّيّة. وأشارت إلى أهمّيّة التّعدّد اللّغويّ والتّنوّع الثّقافيّ.

وقد عدّد الأستاذ جورج هاشم الصّعوبات التي تواجه تدريس اللّغة العربيّة في أستراليا، لكنّه نوّه بأنّ مستقبل هذه اللّغة واعد؛ لأنّها ثالث لغة محكيّة في البلاد، وهي لغة التّخاطب في بيوت كثيرة حتّى إنّ كثيراً من الكلمات العربيّة دخلت إلى لغة التّخاطب اليوميّ للأستراليّين، وأشار إلى وسائل الإعلام التي تبثّ بالعربيّة، والمحلّات التّجاريّة التي تبيع منتوجات عربيّة، والمناطق السّكنيّة التي يغلب عليها الطّابع العربيّ، وانتشار مدارس ما بعد الدّوام، كما أنّ اللّغة العربيّة هي مادّة رسميّة في امتحانات الشّهادة الثّانويّة العليا، والمنشورات الكثيرة التي تصدر باللّغة العربيّة، فضلاً عن النّدوات والأمسيات الثّقافيّة.

وبالانتقال إلى ساحل العاج، أشار الأستاذ محمّد عبد الرضى زيعور إلى الصّعوبات التي تعترض تدريس العربيّة كأسلوب تعليمها مثلاً. ورأى أنّ الإدارة المدرسيّة مسؤولة بشكل كبير عن تأمين الوسائل والمناهج المناسبة، وحثّ الأهل على تعزيزها من خلال التّحدّث مع أولادهم بالعربيّة، كما أنّه على المدرسة اختيار الكتاب المناسب لهذه الغاية.


مقالات ذات صلة

هل توجد حياة في هوليوود؟

ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».