«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن

منهج لإصلاح البشرية وعلاج أغلب أزمات الإنسان المعاصر

«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن
TT

«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن

«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن

كتاب الشاعر المصري علي منصور، الموسوم «صباح الخير يا صديقي» أو «كتاب الرسائل»، والصادر عن دار أخبار اليوم، ضمن سلسلة «كتاب اليوم» لشهر يناير (كانون الثاني) 2024، كان بمثابة هدية، هدية تسمو بقيمتها على أيّ من الهدايا المتعارف عليها، خصوصاً أنها تزامنت مع إطلالة العام الجديد. وموضوعة «كتاب الرسائل» مختلفة عمّا هو شائع ومتعارف عليه في غالبية الإصدارات في حقل الأدب، بشكل خاص، إذ حين يكون صاحب الإصدار شاعراً أو قاصاً، يتبادر إلى القارئ عادةً أنه بصدد إصدار لا يخرج عن دائرة الشعر أو القصة، أو ما له صلة مباشرة بذلك، في الوقت الذي اختار الشاعر علي منصور فضاءً آخر، وإن كان يمتح من الأدب في معالجته، هو الفضاء القرآني ليكون مجالاً لتأملاته واستشرافاته وتدبّراته، معنى ولغةً ونغماً وبلاغة وإعجازاً، والكتاب ليس تقليدياً سواء في أسلوب معالجته للمادة القرآنية أو في الطريقة التي أراد الكاتب أن يقدم هذه المادة من خلالها، وهذا الاختلاف يتجسد في أكثر من شكل، ويبدأ من المقدمة التي تكشف عن «اللعبة» أو «الحيلة» الفنية التي لجأ إليها الكاتب لبناء كتابه في مناورة فنية مشوّقة. نتعرف في المقدمة على طبيعة تشكل الكتاب، الذي لم يكن يعوزه الخيال القصصي في مخطّطه الأساس ليبدو أشبه ما يكون باللُّقية، ولهذا دلالاته، فالكتاب عبارة عن رسائل متبادلة عُثر عليها في صندوقين متماثلين ممتلئين حتى النصف، وهي تعود لصديقين وقد تعاهدا على أن يتبادلا الرسائل حول تأملاتهما في القرآن الكريم، والرسائل متماثلة العدد في الصندوقين وهي غير ممهورة بتوقيع أو مؤرخة، لكن نعرف لاحقاً أنّ كلا الصديقين يحملان اسم «علي»، وهو ما تفصح عنه الرسالة الأولى التي تشهد تعارفهما، ويمكن عدّ هذه الرسالة مقدمة ثانية ضرورية لاستجلاء الغامض في التقنية المعتمَدة للكتاب وحتى تفسير بعض الإشارات في المقدمة التي ستبقى مبهمة دون الإضاءة التي جاءت بها الرسالة. يقول الكاتب واصفاً، عبر غلالة شعرية، نشأة العلاقة بين «العليَيْن»، وهو يخاطب صديقه: (هل تذكر ذلك اليوم الذي قابلتني فيه أول مرة عند الشلال وأنا مستغرق في تأمل الزبد الأبيض الوفير الذي لا ينضب، يومها وقفت ورائي، ورتّلت بصوت الشيخ محمود خليل الحصري «فأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكثُ في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال». فلما التفتّ إليك أحببتك، وأخذت بيدك إلى ظل شجرة التوت وأنا أقول: تعال نمكث هنا في الأرض، تحت شجرة التوت يا... وسألتك عن اسمك، فقلت علي، اسمي علي، فقلت لك: تعال نمكث هنا في الأرض، تحت شجرة التوت يا علي، فأنا أيضاً اسمي علي. كان يوم جمعة، على ما أتذكر). الجو الذي يصفه الكاتب هو جو روحي، يخالطه تطلّع فردوسي، حيث الماء والشجر، وروح الألفة والمحبة، والمسحة القرآنية التي أفعمت الفضاء عبر التلاوة القرآنية المذكورة، ومن ثمّ التوقف عند (النازعات غرقاً) و(الناشطات نشطاً) لاستجلاء معنيَيْهما، وهما الآيتان اللتان تُفتتح بهما سورة «النازعات». كما أن اختيار يوم الجمعة ليكون يوم اللقاء، بدا أنه ليس من دون قصد لما لهذا اليوم من خصوصية وقدسية لدى المسلمين، وكأن الكاتب أراد القول أن هذا اللقاء كان قدرياً، بصرف النظر عن حقيقية أو افتراضية الشخص الآخر المخاطَب في الرسائل، وهي تبدأ جميعها بعبارة صباح الخير يا صديقي، من هنا جاء اسم الكتاب، وقد استُهلّ بآية من سورة الإسراء «ونُنزّل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلّا خساراً». وهو اختيار موفق لاستهلال الكتاب، فهذه الآية تصلح كأحد التعريفات للقرآن، من جانب، ومن جانب آخر، لما تمتلئ به مفردتا الشفاء والرحمة من لطف وما يعنيه ذلك من بشرى بالنسبة للمؤمن، وما تحمله الآية، في الوقت نفسه، من تقريع للظالمين وإنباءً عن حالهم مع القرآن، الذي هو (كتاب الله المسطور مثلما الكون هو كتاب الله المنظور)، كما لو أن الكاتب يريد القول بكونية القرآن من خلال هذا التناظر. وفي انتباهة هي دأب من يُعمل تفكيره بالقرآن استقراءً ومحاولات لا تكلّ للنهل منه والتبصّر فيه، يتحدث الكاتب عن مفهوم «أنسنة الأشياء» وهو إضفاء الروح الإنسانية على الجمادات ومن ثم العلو بشأنها ومنحها جمالاً وحياة، حسب تعريفه المُستقى من الحقلين الأدبي والفني، ليبيّن أنّ مثل هذا الإسقاط ظالم بحق الأشياء، فهو يرى أنّ الصفة الملحقة بالإنسان في القرآن عادة ما تكون سلبية وتنتقص منه، مثال ذلك: «وخُلق الإنسان ضعيفاً»، «إن الإنسان ليطغى»، «إن الإنسان لظلوم كفّار»، «وكان الإنسان قتوراً» وسوى ذلك، وإزاء سلبية الإنسان يشيد الكاتب بإيجابية الجمادات وجماليتها، لما فيها من خصلة السجود لله، استناداً إلى النص القرآني. لكن على الرغم مما تقدم، لا ينسى الكاتب حقيقة تكريم الله للبشر، وتسخير كل ما في الكون من أجلهم.

في «كتاب الرسائل» لا يمكن إغفال الصفة الأساس لكاتبه فهو شاعر في المقام الأول، وما يعنيه ذلك من تعامل مع مادته من منظور جمالي، وهو ما طبع الكثير من فصول الكتاب، (إذا اعتبرنا أن كل رسالة تمثل فصلاً) وعبر هذا المنظور الجمالي كانت تمرّ المعالجة التاريخية واللغوية والتفسيرية للنص القرآني المُضاء، لاستجلاء كُنهه، بالحديث النبوي وكتب المفسرين، أمثال الزمخشري والقرطبي والسمرقندي والطبري، وسواهم من القدامى، والآلوسي والشنقيطي ومحمد سيد طنطاوي، من المعاصرين. وقد امتازت الكثير من الرسائل بما هو شعري، سواء في مداخلها أو ضمناً، مثال ذلك، «أنا أحب الدموع ذات الذكريات الخضراء»، أو استهلاله إحدى الرسائل بالتالي: (هذا صباح ماطر جميل، الغيوم طيبة لا رعد فيها ولا برق، خفيف هو المطر ومتواصل منذ ساعة، فما ظنك بالمطر يا عليّ..؟)، ليكون ذلك مدخلاً للحديث عن أن القرآن أشبه ما يكون بالمطر للقلب، مثلما هو المطر للأرض المجدبة، وكم من الآيات القرآنية التي أشارت إلى العلاقة بين الأرض والمطر، وهي علاقة تم تصويرها على أرفع ما يكون جمالياً، وذروة ذلك عقد الصلة بين إحياء الأرض اليابسة المغبرّة بعد تلقيها الماء، وإحياء الموتى، لتخلص الرسالة التي اهتمت بهذا المعنى للتنبيه إلى ضرورة سقي القلب بالقرآن، وهو تشبيه اقتضاه السياق «المائي» الذي اتخذه الموضوع. وليس بعيداً عن ذلك يجري الحديث في واحدة من الرسائل المميزة في الكتاب عن مفردة «أَفَمَن» حيث تتجلى هنا شاعرية الكتاب، في الوقت الذي يلفت الكاتب الانتباه إلى هذه المفردة وسياقاتها النورانية، كما يسمّيها. ومؤكَّداً أن من يطلع على ما نالته هذه المفردة من اهتمام ومديح لن يمر بعد ذلك وهو يقرأ القرآن مروراً عابراً عليها. يقول عن ذلك: كلما قابلتني مفردة «أفمن» وأنا أقرأ في كتاب الله الكريم، أشعر ناحيتها بإحساس حلو، بحب جارف... فكرت مرة أن أكتب فيها قصيدة، سوى أنها كانت أجمل وأجلّ من قصيدة. لكنني منحت إحدى قصائدي عنواناً يقول: آه لو اطلعتم على جمال «أفمن». شعرت حينها أنني اصطحبتها في نزهة، وما زال جمال «أفمن» يلحّ على قلبي وروحي وقلبي وعقلي... كم

وددت لو أن أجمل البنات اسمها «أفمن» أو أن أجمل الزهور اسمها «أفمن» (...) وأن أجمل الفساتين قاطبةً على وجه الأرض هي السياقات القرآنية التي جاءت لنا فيها مفردة «أفمن»، راداً افتتانه بها إلى موسيقيتها، (فهي ثلاث حركات فساكن على وزن «فَعَلَنْ»)، فضلاً عن معاني الآيات التي أتت في سياقها وهي تتكرر في 15 آية، ضمن 13 سورة. من ذلك «أفمَن وعدناه وعداً حسَناً فهو لاقيهِ كمن متّعناه متاعَ الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المُحضَرين». القصص: 61. و«إنّ الذين يُلحدون في آياتنا لا يَخفَون علينا أفمَن يُلقى في النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يومَ القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير». فُصّلت: 40.

إن الإيمان بالقرآن وبكل هذا الشغف هو ما يحمل الكاتب على التأكيد بأنّ في سورة الحجرات، مثلاً، منهج إصلاح البشرية وعلاج أغلب أزمات الإنسان المعاصر، فسرّ النجاة يكمن دائماً في العودة إلى الله. ونظراً لغنى مادة الكتاب وتعدد الزوايا التي قارب بها الكاتب موضوعاته يتعذر في هذه المساحة المحدودة استيفاء الكثير مما يستوجب التنويه به، لكن والحال هذه لا بد من الاختيار وهنا تنبغي الإشارة إلى رسالة من الأهمية والعمق لا يمكن تجاوزها تتحدث عن الزمن في القرآن، يقول الكاتب مستهلاً موضوعه أن الزمن في القرآن أمره عجيب، زمن ليس كالذي نعرفه، إنه زمن خاص بالقرآن وهو يخضع لهيمنته خضوعاً تاماً، فهو حين يتحدث عن أشياء ستقع في المستقبل (يوم القيامة مثلاً)، يتحدث عن ذلك بصيغة الماضي لا المستقبل، ومصداق ذلك: «ونادَوا يا مالك ليقض علينا ربُّك قال إنكم ماكثون». الزخرف آية 77. وحين يسرد القرآن وقائع حدثت في الماضي فإنه يشير إليها بصيغة المستقبل، كما في الآية 152 من سورة الأعراف «إنّ الذين اتخذوا العجل سينالهم غضبٌ من ربهم وذلّة في الحياة الدنيا». ليتوصل الكاتب إلى القول، وكأنّ القرآن موجود قبل البشرية وقبل وقوع الأحداث. وثمة أمثلة أخرى، منها ما جاء في أول آية من سورة النحل «أتى أمر الله فلا تستعجلوه..» لافتاً النظر إلى صيغة الفعل (أتى) ومن ثم صيغة الفعل (تستعجلوه)، متسائلاً عن مدى استقامة هذين الفعلين بالمفهوم الزمني المعهود لكل من الماضي والمضارع. حقاً إنّ ذلك من بين عجائب القرآن، التي استجلاها أو أعاد التذكير بها هذا الكتاب، الذي كان مشرعاً على مختلف الآفاق، لذا لم يتوانَ كاتبه عن القول في واحدة من رسائله بأن فكرة العدل في النظرية الماركسية هي ما جذبه في هذا الفكر، معبراً بذلك عن منحى ثقافي وموقف إنساني. الكتاب غير منقطع الصلة بحاضره، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، أي أنه ينطلق من كل ذلك معاً؛ فكم حفل بمثل هذه التواشجات. وهو كتاب نصيحة وموعظة لمن شاء وكتاب تاريخ وكتاب أدب، رغم أنّ عدد صفحاته لم يتجاوز المائة إلّا قليلا. هذا الكتاب الذي سرّني أن أكون شاهدا عليه منذ بداياته وعبر مختلف أطواره كمخطوط حتى رؤيته النور.

 



الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟


«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير
TT

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها، بقدر ما تؤسسه على مساءلة المنطق الذي يمنح بعض السرديات حضورها المركزي، بينما يدفع أخرى إلى الهامش.

فمنذ تصدير الرواية باقتباس لمحمود درويش «أنا والذبابة حُرّان» يعود البطل لاحقاً إلى الشاعِر نفسه متسائلاً عن سبب الاحتفاء بـ«أثر الفراشة»، فيما لم ينتبه أحد يوماً إلى «أثر الذبابة».

هذا الأثر لا يبدو هيناً، فالرواية التي تفتتح أولى مشاهدها بطنين ذبابة شاردة في أذن سارِدها، لا تقدم هذا الطنين بوصفه إزعاجاً عابراً، بقدر ما تجعله نقطة انطلاق لتحوّلات ستطول البطل والمدينة معاً، فما يبدأ بذبابة مُنفردة، ينتهي بمدينة تستيقظ على حرب عبثية مُعلنة ضد الذباب، وسط بيانات رسمية تتحدث عن هجوم بيولوجي، وحظر تجوال، ومؤامرة تشارك فيها قوى خارجية بالتعاون مع الخونة، فيما أسراب الذباب تغطي السماء وتحجب معالم المدينة.

ويبدو اختيار الكاتب لبنية التقارير اليومية المؤرخة التي يكتبها سارِدها الوحيد على امتداد عام كامل، متسقاً مع العالم الديستوبي الذي تصوغه الرواية؛ عالم تحكمه المراقبة وجمع المعلومات والرصد المستمر للتفاصيل.

فالبطل، المنتمي إلى جهاز أمني غامض لا تُفصح الرواية عن طبيعته بشكل مباشر وتطلق عليه «الهؤلاء»، مُكلف برفع تقارير شهرية عن كل ما يلفت انتباهه؛ من انتشار مسلسل مكسيكي، إلى تناقص أوراق النقد من فئة معينة، إلى ازدياد أعداد الذباب في المدينة، حتى تصبح أكثر الملاحظات هامشية مادة للرصد والتحليل.

فرز ومراقبة

تمتد حالة الهوس بـ«الرصد» إلى شخصية الراوي، الذي يتباهى بمهارته في الإضافة والحذف وتعديل الجمل وترتيب الوقائع وتشذيبها، بل يعترف لاحقاً بأنه كان ماهراً في تلفيق القصص وحوك الحكايات: «أنا لا أسمي ذلك كذباً وتزويراً، مجرد إعادة صياغة وتنقيح»، فالرجل الذي يعيد صياغة التقارير قبل تقديمها إلى العامة والإعلام، يتعامل مع الواقع بوصفه مادة قابلة للتأويل وإعادة الكتابة.

ويبدو أن البطل الذي خضع لسلسلة من الاختبارات البدنية والعصبية والنفسية للانضمام إلى مؤسسة «الهؤلاء»، يعيد إنتاج منطق الفرز والمراقبة ذاته خارج المؤسسة، فاختيار الزوجة يتحوّل إلى عملية انتقاء دقيقة من بين مجموعة من المرشحات، بينما لا يقوده إعجابه اللاحق بـ«هند» إلى الاقتراب منها أو التعرّف إليها، بقدر ما يدفعه إلى إخضاعها لمراقبة أمنية مستمرة وإفراد ملف كامل لتتبع تفاصيل حياتها اليومية.

غير أن الرواية لا تكتفي بإبراز هذا السلوك بوصفه امتداداً لعمله داخل المؤسسة، بل تلمّح إلى جذوره النفسية الأعمق، فخلف رجل التقارير والمراقبة يُطل طفل خائف من الحشرات، يخوض معاركه الأولى ضد الذباب قبل أن يجد نفسه بعد سنوات مكلفاً رسمياً بتولي مهمة الحرب عليه، وهكذا يبدو هوسه بالتصنيف والمراقبة والسيطرة امتداداً لخوف مبكر من الفوضى وكل ما يستعصي على الإخضاع والتنظيم.

هوجة طبقية

تفتح الرواية مسارين لتتبع أثر الذباب الذي يستولى على أفق المدينة؛ أولهما داخل وعي بطلها المصاب بفوبيا الحشرات، وثانيهما عبر خيط اجتماعي يفجر قضية طبقية عُرفت بـ«كومة الزمالك» على إثر إلقاء أحد سكان حي راقٍ قمامته في مقلب قمامة في حي شعبي مجاور، وما يبدو في البداية خلافاً محدوداً سرعان ما يتحول إلى قضية رأي عام، فيما تتحول القمامة نفسها إلى علامة على اختلال بنيوي أعمق داخل المدينة.

في موازاة ذلك، يُعاد تأويل تلك الواقعة تدريجياً عبر الخطاب الرسمي؛ فـ«محمود»، الذي يعترض على إلقاء القمامة في حيّه، يُعرف في الخطاب الرسمي بوصفه مثيراً للمشاعر الطبقية ومهدداً للسلم العام، لتغدو القضية مثالاً آخر على الكيفية التي تُنتج بها السلطة سرديتها الخاصة للوقائع.

وينعكس أثر تلك المشاحنات على لغة الرواية نفسها، إذ تنتقل المفردات المستخدمة في وصف الذباب من المجال البيولوجي إلى المجال السياسي، فلا تعود الأسراب مجرد تجمعات حشرية، بل تتحوّل إلى «هوجة» شرسة، وهي اللغة نفسها التي تستدعي بصورة غير مباشرة أوصافاً ارتبطت بالاحتجاجات والحشود البشرية، بحيث يصبح الذباب مرآة للطريقة التي تنظر بها السلطة إلى كل ما يخرج عن السيطرة.

يتراجع حضور الذباب بوصفه ظاهرة طبيعية، ليُعاد تقديمه باعتباره خصماً يستدعي التعبئة والمواجهة، وهكذا تؤول المدينة تدريجياً إلى ساحة استنفار عام تنتهي بإعلان حرب كاملة على حشرة صغيرة، وسط حديث متصاعد عن المؤامرات والخونة والأيادي الخارجية.

وتبلغ السخرية السوداء ذروتها عندما تبدأ هذه الحرب في إنتاج ضحاياها من البشر، فبينما تُحشد الأجهزة المختلفة لمواجهة الأسراب وتُطلق المبيدات والغازات في حملات واسعة النطاق، يتعرض المشاركون أنفسهم للاختناق والإصابات، في مفارقة تجعل آثار المواجهة أكثر فتكاً من آثار العدو الذي أُعلنت الحرب عليه.

تدفع ملابسات تلك الحرب، بوجهيها العبثي والدستوبي، بطل الرواية إلى عالم موازٍ داخل مستشفى معزول للأمراض العقلية موصوماً بالجنون، فالرجل الذي احترف كتابة التقارير وإعادة تحرير الوقائع بما يتوافق مع السياسة الرسمية، يجد نفسه في نهاية المطاف مأخوذاً بنسج وقائع وهُوية جديدة لنفسه أكثر قبولاً، يدعمها بتقرّب من زملاء المستشفى «المثقفين» للحديث عن الكتب والروايات، بما في ذلك الأعمال التي تعرّضت للمنع والرقابة كأعمال جورج أورويل.

ولعل هذه النقلة السردية هي ما تمنح الرواية أحد أكثر مستوياتها ثراءً في التأويل، فبعد عام كامل من مطاردة الذباب ورصده والحرب ضده، يدخل البطل في مراجعة ملتبسة لعلاقته بتلك الحشرة، حين يصبح مأخوذاً بحكاية يسمعها عن «ذبابة سقراط»، ويتعهد في لحظة سلام عابرة بأن ينظر إلى الذباب نظرة مغايرة، لتترك الرواية نهايتها مفتوحة على أفق فلسفي يعيد التفكير في السلطة والخوف، وفي قدرة أكثر الكائنات ضآلة على إرباك الرِوايات الرسمية وإعادة مساءلتها.


ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري
TT

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

يقول عامر الخطيب في مقدمته: «أحسب أنه لم يسبق لكاتب مسرحي أن حظي بمثل الإهمال - غير المبرَّر - الذي حظي به ميخائيل رومان، ذلك الإهمال الذي يدعو إلى العجب والتساؤل. فمن يقتحم مثل هذا المضمار الشائك، وسط زخم من الكم والنوعية من الكتاب الذين زخر بهم مسرح الستينات في مصر، لا بد أن يكون قد وجد له - بموهبته ووعيه - مكاناً مقبولاً بينهم...».

من الواضح أن هذا الإهمال هو ما حرَّض المؤلف على اختيار ميخائيل رومان.

وواقع الحال أن الأدب العربي والعالمي يزخر بالكُتاب والشعراء والفنانين الذين لم تحالفهم الشهرة إلا بعد وفاتهم، أو بعد انقضاء الظروف السياسية والاجتماعية التي طمست أعمالهم. هذا قد يشمل كاتباً مصرياً بارزاً مثل عبد الحليم عبد الله، أو كتاباًعالميين مثل كافكا وإدغار ألان بو الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة واحدة عنوانها «الغراب» مقابل 9 دولارات.

كما تعرَّض الألماني حائز نوبل غونتر غراس إلى مثل هذا النقد «التشهيري» المُغرض بعد روايته المعروفة «حقل شاسع»، التي انتقد فيها «العجالة» في توحيد ألمانيا وتسببها بانهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية. حينها نشرت مجلة «دير شبيغل» نقداً لاذعاً كتبه شيخ النقاد الألمان مارسيل رايش رانيسكي «مزَّق» فيها الرواية شر تمزيق. وكان غراس يتعرض حينها إلى هجمة شرسة بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني.

حالُ الكاتب المسرحي ميخائيل رومان (1924 ـ 1973) لا تختلف، وإن تعددت الدوافع والأسباب، ففضلاً عن الإهمال الذي طال أعماله في مصر، تعرَّض لهجمات غير مبررة (في حينها) من قِبل النقاد المصريين الكبار من أمثال محمد عودة والدكتور لويس عوض. حينها طالب الأول بالرحمة بالمسرح المصري من كتابات رومان، ولم ير الثاني في كتاباته سوى «دخان»؛ في إشارة إلى مسرحية «الدخان» لميخائيل رومان.

وربما يكون الناقد والمخرج المسرحي عامر درويش الخطيب أول من يحاول إعادة الاعتبار إلى ميخائيل رومان، من خلال دراسته الأكاديمية المعنونة «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، التي صدرت عن دار السرد في 87 صفحة.

قبل أن يخوض الخطيب غمار الدفاع عن كاتب «مقهور»، مِثل شخصيته الدرامية «حمدي»، يُوجز مفهوم البطل في مسرح الدراما الممتدّ بين الإغريقي والملحمي، مروراً بالمدارس، أو لنقل، الاتجاهات الأخرى. ويعرض للقارئ أيضاً كيف انحدر البطل الدرامي عبر التاريخ من النبالة والأخلاقية العالية إلى فرد مقهور وفي مجتمعه.

يعدد الكاتب، في الفصول الأخرى، أعمال وتواريخ مسرحيات رومان، والمحظوظ منها الذي ظهر على المسارح أو الشاشات المصرية، ثم يركز بحثه على شخصية حمدي في مسرحيتَي «الدخان» و«الزجاج».

وفي حين يقدم لنا نقادُ المسرح في مصر، ما قبل هزيمة 1967، أبطال رومان كأبطال إشكاليين وطارئين على أجواء مصر «الديمقراطية» بعد ثورة يوليو، يقدم لنا الباحث بطل ميخائيل رومان على أنه مصري متمرد على واقعه ويعمل من أجل تغييره. ويقترب بذلك من البطل الملحمي في تناقضه مع ذاته ومع مجتمعه وعائلته باحثاً عن الأفضل للجميع.

يرى عامر الخطيب أن حمدي في مسرح رومان شخصية بطل مستلَب ومغترِب اجتماعياً، يتمحور صراعه في المسرحيات في صراع داخل عائلته وضد تطلعاتها الطبقية، وصراع مع شروط عمله الوظيفي وعبثية الواقع السياسي للمجتمع، فهو بطل واعٍ لطبقته يعمل «منحازاً إليها ومنحازاً ضدها».

نرى شخصية حمدي في مسرحية «الزجاج» (1968)، مثلاً، أكثر انفعالاً وحدية في طرح تناقضاته مع مجتمع «الفتارين» و«القفازات» مما كان في مسرحية «الدخان». وإذا كان حمدي في «الدخان» يدمن المخدرات، ولا يجد طريق الخلاص من إدمانه إلا بالتمرد على مسبّبات إدمانه السياسية والاجتماعية، يطرح حمدي نفسه في «الزجاج» كـ«دون كيشوت القرن العشرين». ونلاحظ هنا كيف تطورت شخصية حمدي «الدخان» (1962)، المتمردة على انتكاسة ثورة يوليو، إلى شخصية حمدي «الزجاج» الذي قهرته وهزّته من الأعماق هزيمة «نكسة 1967».

يختتم رومان مسرحياته بذروة تفاؤلية، قد تستجيب أو لا تستجيب إلى الصراع الكافكوي الذي تخوضه شخصياته، لكنه يعكس بذلك أهداف مسرحه التحريضي التعبوي من أجل التغيير.

يبدو هذا واضحاً في السطور الأخيرة لمسرحية «الدخان»

«حمدي: أنا والله ما ضعفت ولا ساومت ولا كنت بأدوّر على لذة، أنا كنت بأدوّر على الإيمان... كنت بأدوّر على هدف... وأنا حالاقي هدف (يبكي) لازم ألاقي هدف... لازم ألاقي هدف».

وينهي كلامه في «الزجاج»

«حمدي: فساد... فساد متكامل... فساد منظم (يكاد يبكي) عصابة، عصابة بتاكل بيت المال... بتخطف طعام الأطفال».

قد يجد بعض النقاد في هذا الطرح ضعفاً «مَعيباً» في أعمال الكاتب المسرحي رومان، لكن عامر الخطيب يتوصل في بحثه إلى أن هذه «المباشرة» في النص «ليست معيبة، بل تكون مطلوبة أيضاً» في مثل عروض المسرحيات الاجتماعية السياسية هذه.