«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن

منهج لإصلاح البشرية وعلاج أغلب أزمات الإنسان المعاصر

«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن
TT

«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن

«كتاب الرسائل»... تأملات شاعر في القرآن

كتاب الشاعر المصري علي منصور، الموسوم «صباح الخير يا صديقي» أو «كتاب الرسائل»، والصادر عن دار أخبار اليوم، ضمن سلسلة «كتاب اليوم» لشهر يناير (كانون الثاني) 2024، كان بمثابة هدية، هدية تسمو بقيمتها على أيّ من الهدايا المتعارف عليها، خصوصاً أنها تزامنت مع إطلالة العام الجديد. وموضوعة «كتاب الرسائل» مختلفة عمّا هو شائع ومتعارف عليه في غالبية الإصدارات في حقل الأدب، بشكل خاص، إذ حين يكون صاحب الإصدار شاعراً أو قاصاً، يتبادر إلى القارئ عادةً أنه بصدد إصدار لا يخرج عن دائرة الشعر أو القصة، أو ما له صلة مباشرة بذلك، في الوقت الذي اختار الشاعر علي منصور فضاءً آخر، وإن كان يمتح من الأدب في معالجته، هو الفضاء القرآني ليكون مجالاً لتأملاته واستشرافاته وتدبّراته، معنى ولغةً ونغماً وبلاغة وإعجازاً، والكتاب ليس تقليدياً سواء في أسلوب معالجته للمادة القرآنية أو في الطريقة التي أراد الكاتب أن يقدم هذه المادة من خلالها، وهذا الاختلاف يتجسد في أكثر من شكل، ويبدأ من المقدمة التي تكشف عن «اللعبة» أو «الحيلة» الفنية التي لجأ إليها الكاتب لبناء كتابه في مناورة فنية مشوّقة. نتعرف في المقدمة على طبيعة تشكل الكتاب، الذي لم يكن يعوزه الخيال القصصي في مخطّطه الأساس ليبدو أشبه ما يكون باللُّقية، ولهذا دلالاته، فالكتاب عبارة عن رسائل متبادلة عُثر عليها في صندوقين متماثلين ممتلئين حتى النصف، وهي تعود لصديقين وقد تعاهدا على أن يتبادلا الرسائل حول تأملاتهما في القرآن الكريم، والرسائل متماثلة العدد في الصندوقين وهي غير ممهورة بتوقيع أو مؤرخة، لكن نعرف لاحقاً أنّ كلا الصديقين يحملان اسم «علي»، وهو ما تفصح عنه الرسالة الأولى التي تشهد تعارفهما، ويمكن عدّ هذه الرسالة مقدمة ثانية ضرورية لاستجلاء الغامض في التقنية المعتمَدة للكتاب وحتى تفسير بعض الإشارات في المقدمة التي ستبقى مبهمة دون الإضاءة التي جاءت بها الرسالة. يقول الكاتب واصفاً، عبر غلالة شعرية، نشأة العلاقة بين «العليَيْن»، وهو يخاطب صديقه: (هل تذكر ذلك اليوم الذي قابلتني فيه أول مرة عند الشلال وأنا مستغرق في تأمل الزبد الأبيض الوفير الذي لا ينضب، يومها وقفت ورائي، ورتّلت بصوت الشيخ محمود خليل الحصري «فأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكثُ في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال». فلما التفتّ إليك أحببتك، وأخذت بيدك إلى ظل شجرة التوت وأنا أقول: تعال نمكث هنا في الأرض، تحت شجرة التوت يا... وسألتك عن اسمك، فقلت علي، اسمي علي، فقلت لك: تعال نمكث هنا في الأرض، تحت شجرة التوت يا علي، فأنا أيضاً اسمي علي. كان يوم جمعة، على ما أتذكر). الجو الذي يصفه الكاتب هو جو روحي، يخالطه تطلّع فردوسي، حيث الماء والشجر، وروح الألفة والمحبة، والمسحة القرآنية التي أفعمت الفضاء عبر التلاوة القرآنية المذكورة، ومن ثمّ التوقف عند (النازعات غرقاً) و(الناشطات نشطاً) لاستجلاء معنيَيْهما، وهما الآيتان اللتان تُفتتح بهما سورة «النازعات». كما أن اختيار يوم الجمعة ليكون يوم اللقاء، بدا أنه ليس من دون قصد لما لهذا اليوم من خصوصية وقدسية لدى المسلمين، وكأن الكاتب أراد القول أن هذا اللقاء كان قدرياً، بصرف النظر عن حقيقية أو افتراضية الشخص الآخر المخاطَب في الرسائل، وهي تبدأ جميعها بعبارة صباح الخير يا صديقي، من هنا جاء اسم الكتاب، وقد استُهلّ بآية من سورة الإسراء «ونُنزّل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلّا خساراً». وهو اختيار موفق لاستهلال الكتاب، فهذه الآية تصلح كأحد التعريفات للقرآن، من جانب، ومن جانب آخر، لما تمتلئ به مفردتا الشفاء والرحمة من لطف وما يعنيه ذلك من بشرى بالنسبة للمؤمن، وما تحمله الآية، في الوقت نفسه، من تقريع للظالمين وإنباءً عن حالهم مع القرآن، الذي هو (كتاب الله المسطور مثلما الكون هو كتاب الله المنظور)، كما لو أن الكاتب يريد القول بكونية القرآن من خلال هذا التناظر. وفي انتباهة هي دأب من يُعمل تفكيره بالقرآن استقراءً ومحاولات لا تكلّ للنهل منه والتبصّر فيه، يتحدث الكاتب عن مفهوم «أنسنة الأشياء» وهو إضفاء الروح الإنسانية على الجمادات ومن ثم العلو بشأنها ومنحها جمالاً وحياة، حسب تعريفه المُستقى من الحقلين الأدبي والفني، ليبيّن أنّ مثل هذا الإسقاط ظالم بحق الأشياء، فهو يرى أنّ الصفة الملحقة بالإنسان في القرآن عادة ما تكون سلبية وتنتقص منه، مثال ذلك: «وخُلق الإنسان ضعيفاً»، «إن الإنسان ليطغى»، «إن الإنسان لظلوم كفّار»، «وكان الإنسان قتوراً» وسوى ذلك، وإزاء سلبية الإنسان يشيد الكاتب بإيجابية الجمادات وجماليتها، لما فيها من خصلة السجود لله، استناداً إلى النص القرآني. لكن على الرغم مما تقدم، لا ينسى الكاتب حقيقة تكريم الله للبشر، وتسخير كل ما في الكون من أجلهم.

في «كتاب الرسائل» لا يمكن إغفال الصفة الأساس لكاتبه فهو شاعر في المقام الأول، وما يعنيه ذلك من تعامل مع مادته من منظور جمالي، وهو ما طبع الكثير من فصول الكتاب، (إذا اعتبرنا أن كل رسالة تمثل فصلاً) وعبر هذا المنظور الجمالي كانت تمرّ المعالجة التاريخية واللغوية والتفسيرية للنص القرآني المُضاء، لاستجلاء كُنهه، بالحديث النبوي وكتب المفسرين، أمثال الزمخشري والقرطبي والسمرقندي والطبري، وسواهم من القدامى، والآلوسي والشنقيطي ومحمد سيد طنطاوي، من المعاصرين. وقد امتازت الكثير من الرسائل بما هو شعري، سواء في مداخلها أو ضمناً، مثال ذلك، «أنا أحب الدموع ذات الذكريات الخضراء»، أو استهلاله إحدى الرسائل بالتالي: (هذا صباح ماطر جميل، الغيوم طيبة لا رعد فيها ولا برق، خفيف هو المطر ومتواصل منذ ساعة، فما ظنك بالمطر يا عليّ..؟)، ليكون ذلك مدخلاً للحديث عن أن القرآن أشبه ما يكون بالمطر للقلب، مثلما هو المطر للأرض المجدبة، وكم من الآيات القرآنية التي أشارت إلى العلاقة بين الأرض والمطر، وهي علاقة تم تصويرها على أرفع ما يكون جمالياً، وذروة ذلك عقد الصلة بين إحياء الأرض اليابسة المغبرّة بعد تلقيها الماء، وإحياء الموتى، لتخلص الرسالة التي اهتمت بهذا المعنى للتنبيه إلى ضرورة سقي القلب بالقرآن، وهو تشبيه اقتضاه السياق «المائي» الذي اتخذه الموضوع. وليس بعيداً عن ذلك يجري الحديث في واحدة من الرسائل المميزة في الكتاب عن مفردة «أَفَمَن» حيث تتجلى هنا شاعرية الكتاب، في الوقت الذي يلفت الكاتب الانتباه إلى هذه المفردة وسياقاتها النورانية، كما يسمّيها. ومؤكَّداً أن من يطلع على ما نالته هذه المفردة من اهتمام ومديح لن يمر بعد ذلك وهو يقرأ القرآن مروراً عابراً عليها. يقول عن ذلك: كلما قابلتني مفردة «أفمن» وأنا أقرأ في كتاب الله الكريم، أشعر ناحيتها بإحساس حلو، بحب جارف... فكرت مرة أن أكتب فيها قصيدة، سوى أنها كانت أجمل وأجلّ من قصيدة. لكنني منحت إحدى قصائدي عنواناً يقول: آه لو اطلعتم على جمال «أفمن». شعرت حينها أنني اصطحبتها في نزهة، وما زال جمال «أفمن» يلحّ على قلبي وروحي وقلبي وعقلي... كم

وددت لو أن أجمل البنات اسمها «أفمن» أو أن أجمل الزهور اسمها «أفمن» (...) وأن أجمل الفساتين قاطبةً على وجه الأرض هي السياقات القرآنية التي جاءت لنا فيها مفردة «أفمن»، راداً افتتانه بها إلى موسيقيتها، (فهي ثلاث حركات فساكن على وزن «فَعَلَنْ»)، فضلاً عن معاني الآيات التي أتت في سياقها وهي تتكرر في 15 آية، ضمن 13 سورة. من ذلك «أفمَن وعدناه وعداً حسَناً فهو لاقيهِ كمن متّعناه متاعَ الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المُحضَرين». القصص: 61. و«إنّ الذين يُلحدون في آياتنا لا يَخفَون علينا أفمَن يُلقى في النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يومَ القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير». فُصّلت: 40.

إن الإيمان بالقرآن وبكل هذا الشغف هو ما يحمل الكاتب على التأكيد بأنّ في سورة الحجرات، مثلاً، منهج إصلاح البشرية وعلاج أغلب أزمات الإنسان المعاصر، فسرّ النجاة يكمن دائماً في العودة إلى الله. ونظراً لغنى مادة الكتاب وتعدد الزوايا التي قارب بها الكاتب موضوعاته يتعذر في هذه المساحة المحدودة استيفاء الكثير مما يستوجب التنويه به، لكن والحال هذه لا بد من الاختيار وهنا تنبغي الإشارة إلى رسالة من الأهمية والعمق لا يمكن تجاوزها تتحدث عن الزمن في القرآن، يقول الكاتب مستهلاً موضوعه أن الزمن في القرآن أمره عجيب، زمن ليس كالذي نعرفه، إنه زمن خاص بالقرآن وهو يخضع لهيمنته خضوعاً تاماً، فهو حين يتحدث عن أشياء ستقع في المستقبل (يوم القيامة مثلاً)، يتحدث عن ذلك بصيغة الماضي لا المستقبل، ومصداق ذلك: «ونادَوا يا مالك ليقض علينا ربُّك قال إنكم ماكثون». الزخرف آية 77. وحين يسرد القرآن وقائع حدثت في الماضي فإنه يشير إليها بصيغة المستقبل، كما في الآية 152 من سورة الأعراف «إنّ الذين اتخذوا العجل سينالهم غضبٌ من ربهم وذلّة في الحياة الدنيا». ليتوصل الكاتب إلى القول، وكأنّ القرآن موجود قبل البشرية وقبل وقوع الأحداث. وثمة أمثلة أخرى، منها ما جاء في أول آية من سورة النحل «أتى أمر الله فلا تستعجلوه..» لافتاً النظر إلى صيغة الفعل (أتى) ومن ثم صيغة الفعل (تستعجلوه)، متسائلاً عن مدى استقامة هذين الفعلين بالمفهوم الزمني المعهود لكل من الماضي والمضارع. حقاً إنّ ذلك من بين عجائب القرآن، التي استجلاها أو أعاد التذكير بها هذا الكتاب، الذي كان مشرعاً على مختلف الآفاق، لذا لم يتوانَ كاتبه عن القول في واحدة من رسائله بأن فكرة العدل في النظرية الماركسية هي ما جذبه في هذا الفكر، معبراً بذلك عن منحى ثقافي وموقف إنساني. الكتاب غير منقطع الصلة بحاضره، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، أي أنه ينطلق من كل ذلك معاً؛ فكم حفل بمثل هذه التواشجات. وهو كتاب نصيحة وموعظة لمن شاء وكتاب تاريخ وكتاب أدب، رغم أنّ عدد صفحاته لم يتجاوز المائة إلّا قليلا. هذا الكتاب الذي سرّني أن أكون شاهدا عليه منذ بداياته وعبر مختلف أطواره كمخطوط حتى رؤيته النور.

 



بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست
TT

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟ هو السؤال الذي يجيب عليه كتابٌ جديدٌ بعنوان «مائة رسالة غير منشورة» صادر عن دار «أونوري شامبيون»، وهو يضمّ مائة وثيقةٍ غير منشورة، أغلبها مسوّدات، إلى جانب رسائلَ تلقّاها الكاتب الفرنسي مارسيل بروست من محيطه القريب، وكلّها تنتمي إلى مجموعةٍ نادرة جمعها الكاتب بنفسه وحافظ عليها في أوراقه الخاصة، تم العثور عليها بعد وفاته. وقد دخلت هذه المراسلات إلى المكتبة الوطنية الفرنسية، لتُكمل ما يُوصف بـ«مجموعة الرسائل الفريدة التي جمعها بروست بنفسه».

تغطّي هذه الرسائل فترةً تمتدّ من 1886 إلى 1922، أي من صبا بروست حتى رحيله. وتتنوّع طبيعتها تنوّعاً مذهلاً: من البرقيات القصيرة الموجّهة إلى الخدم، إلى الرسائل الطويلة المكرَّسة لأسئلةٍ لغوية وأدبية عميقة. وتكشف هذه الوثائق، في طيّاتها، عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب، كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة، إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة. وتبرز من هذه المراسلات شخصيةُ والدة بروست، السيدة جان ويل - بروست، وهي المُخاطَبة الرئيسية والمُحاوِرة الفكرية الأولى له. كان يتبادل معها رسائل شبه يومية رغم أنهما كانا يعيشان في البيت نفسه لكن لم يكونا يستيقظان في الساعات ذاتها، فكان يفتتح رسائله إليها بعبارة «أمّي الصغيرة العزيزة»، كتب في إحداها: «هل تحفظين لي هذه الورقة الصغيرة لأنني أسجّل فيها في لحظةٍ بعض الأفكار... على عجلٍ... ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل». وهذا الطلب بالذات يكشف كيف كان بروست يعدّ حياته اليومية كمادة أدبية قيد التشكّل. وكان يشكو لأمه صعوبة النوم، إذ كتب لها قائلاً: «الحادية عشرة والربع، ولم أبدأ بعدُ حتى بالتفكير في النوم؛ ربما كان السبب القهوة أو الدواء، لكني لم أتعرض لأزمة ربو اليوم. ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل».

لكنّ المفاجآت الحقيقية تكمن في الأصوات الهامشية التي تستعيد حضورها. فهناك صوت «أوجيني المسكينة»، وهي على الأرجح أوجيني ليميل، إحدى خادمات بيت بروست، ولا يعرف منها سوى هذه الكلمات الوحيدة الباقية في كلّ ما وصلنا من أرشيف بروست، إذ تُشكّل رسالتها إليه الأثرَ الخطّيَّ الوحيد المنسوب إليها. وهناك صوت سيليست ألباريت، مدبّرة البيت الوفيّة التي رافقت بروست حتى عتبة الموت. ففي رسالةٍ كتبتها سيليست إلى أخيه روبرت بروست في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، أي قبل أيامٍ قليلة من وفاة الكاتب، تقول: «سيّدي الأستاذ، لقد أمضى سيّدي مارسيل ليلةً فظيعةً، وكذلك النهار... سُعالاتٌ كثيرة تخنقه بشدّة. وهو أكثرُ من أيّ وقتٍ مضى مصمّمٌ على ألّا يُعالَج، وألّا تُوقَد النارُ في غرفته المتجمّدة. إنّي يائسةٌ من أن يستطيع أحدٌ ما أن يُمارس عليه شيئاً من التأثير». وتضيف الخادمة الوفية أنّ الكاتب كان يطلب منها منع الزيارات حتى يتفرّغ للكتابة، وكان يشرب كوباً من نقيع أعواد الكرز قبل أخذِ دواءٍ مهدِّئٍ للسُّعال.

تكشف الرسائل عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة

إلى جانب الحياة الشخصية، تقدّم هذه المراسلات إضاءاتٍ على تاريخ تشكّل العمل الروائي للكاتب. فنكتشف أنّ بروست عرض الجزء الأول من روايته «البحث عن الزمن المفقود» على أكثر من ناشرٍ قبل أن يستقرّ به المطاف عند «غاليمار». كما نعثر، في رسالةٍ مذهلة موجّهة إلى باحثٍ لغوي، على تحقيقٍ مطوّل في الأسماء الجغرافية المُختلَقة لمدينة كومبراي التي تخيّلها مارسيل بروست في روايته «من جانب منزل سوان»، وتُصاحب هذه الرسالة وحدها سبعُ صفحاتٍ من الملاحظات، وكأنّها سَبرٌ لغويٌّ منهجيّ يدلّ على أنّ بروست لم يخترع أسماءه اعتباطاً، بل كان ينقّب في المعاجم الطوبوغرافية وفي أصول الكلمات اللاتينية والنورماندية حتى يمنح «كومبراي» المتخيَّلة نسباً لغوياً متيناً يجعلها تبدو وكأنها بلدةٌ اقتُطعت من خريطة فرنسا الحقيقية.

ومن أطرف ما يُكشف عنه في هذه المراسلات تفاصيلُ الحياة العاطفية لمارسيل بروست. فنجد قصيدةً نثرية موجّهة إلى صديقه الحميم رينالدو هان، وهو ملحّنٌ وعازفُ بيانو جمعته ببروست قصةُ حبٍّ دامت سنتين، وهي من أهمّ علاقات الكاتب الفرنسي، ورسالةُ قطيعةٍ موجّهة إلى ألفريد أغوستينيلي، مساعده الخاص والحبيب الذي فقدَه في حادثة تحطّم طائرة، الذي يُقال إنه ألهم بروست شخصية «ألبرتين» في «البحث عن الزمن المفقود». كما نقرأ رسالةً لاذعةً إلى شابٍّ قابله بروست في بلدة كابور عام 1909 ثم أخلف موعداً معه، فردّ عليه بروست بسلسلةٍ من التوبيخات، إذ يكتب له: «لقد أوشكت أن تصادف فرصة شهيرة للصداقة»، ثم يصفه بأنه «ماءٌ عاديٌّ... لا يَثبت أبداً، سريع الانصباب كما هو سريع الانسكاب». ويرى نقّاد أنّ مقاطعَ من هذه الرسالة غذّت لاحقاً توبيخ «سوان» المرير لـ«أوديت» في الرواية.

وتُطالعنا أيضاً في هذه المجموعة أصواتٌ نادرة من مراسلي بروست، كالكاتب والرسّام لوسيان دوديه، ابن الروائي ألفونس دوديه، الذي كان بروست معجباً به، وكان السبب في إنهاء علاقته العاطفية برينالدو هان، الذي ظلّ بالرغم من ذلك صديقاً لبروست.

ويقدّم الباحث الأميركي فيليب كولب، الذي أصدر 21 مجلداً ضمّت أكثر من خمسة آلاف وثلاثمائة رسالة معروفة لبروست، استعارةً بليغةً تصلح مفتاحاً لفهم قيمة هذه المراسلات، إذ يكتب أنّ رسائل بروست، إذا قُورنت بروايته، تشبهها «في حدود ما يشبه ظهرُ القماشة وجهَها: تتميّز فيها كلّ الخيوط وكلّ الألوان، لكن ما ينقصها هو وضوحُ الرسم وإتقانه، أي الفنّ بعينه»، ويضيف: «في رسائل بروست نجد كثيراً ممّا وضعه في عمله، لكننا نراه في ضوءٍ أقلّ شاعريةً وأكثر صدقاً».

أمّا الناقد تييري مولنييه، فقد رأى في رسائل بروست «نداءً للهواء»، وهو التعبير الذي استخدمه في تقديمه لكتاب «رسائل مارسيل بروست إلى أنطوان بيبيسكو». ويرى مولنييه أنّ الكتابة عند بروست كانت ضرورةً يفرضها المريضُ المهدَّد بالاختناق. فحتى في أقصر الرسائل وأكثرها تفاهةً، يتجلّى قلقٌ خفيّ، واستعجالٌ، ونفادُ صبرٍ، وشكوى. وهنا يكمن التحليل الأعمق: فبروست لم يكن مجرّد «سيّد الزمن المُستعاد»، بل كان أيضاً رجلاً يصارع يومياً الألمَ، والانتظارَ، لذا كانت مراسلاته وسيلتَه الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي من غرفته المغلقة، وللتحكّم في المكان، ولفتح أبواب الخيال على مصراعيها. ولعلّ أعمق ما تُلمح إليه هذه المراسلات هو أنّ الفصل بين «الحياة» و«الأدب» كان وهماً عند بروست. فالرسائل التي يكتبها إلى أمّه ليشكو لها الأرق، أو إلى خادمته ليطلب كوباً من نقيع أعواد الكرز، ليست هامشاً للعمل، بل هي مادّتُه الخام. إنها ظهرُ القماشة الذي يحمل في خيوطه المتشابكة وعدَ الوجه القادم. وكأنّ الزمن، في لحظته الأخيرة، لا يُستعاد إلا بالكتابة، ولو كانت بضع كلمات.


دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر
TT

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

صدر أخيراً في القاهرة، عن دار «أم الدنيا» للدراسات والنشر، كتاب «احتفاليات المومياء المتوحشة لعفيفي مطر: مقاربة إدراكية أنطولوجية» للأكاديمية والباحثة المصرية مروة الشريف، التي تقدم قراءة نقدية تفتح بها آفاقاً واسعة لفهم التجربة الشعرية للشاعر الراحل محمد عفيفي مطر، أحد أبرز رموز الشعر العربي المعاصر.

يعتمد الكتاب على أدوات النقد الإدراكي والتحليل الأنطولوجي، ليأخذنا في رحلة عميقة لاستكشاف البنية الشعرية متعددة المستويات، وتداخل اللغة بالوعي والذاكرة والرموز التراثية والشعبية. كما يتتبع حضور الجسد والموت والأسطورة بوصفها أنساقاً معرفية تتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد فلسفية إنسانية أعمق، فاتحاً باباً جديداً ومختلفاً لفهم عالم مطر الشعري، وتحولاته الدلالية.

يتكون الكتاب، فضلاً عن المقدمة والخاتمة، من ثلاثة فصول رئيسية، يركز الأول على اختلافات مفهوم الصورة الشعرية بين البلاغيين العرب القدامى والعلماء الغربيين المعاصرين. أما الفصل الثاني فيدرس الروافد البيئية والتراثية والفلسفية والدينية والفنية للاستعارة في «احتفالية المومياء المتوحشة». ويدرس الفصل الثالث التشخيص والكناية في الديوان.

وتشير الباحثة في المقدمة إلى أن الديوان لم يقع في فخ الوصف التقليدي، والتقريرية الزاعقة، والبكاء على ما حدث؛ بل اتخذ منطلقاً تجريبياً واضحاً، طوراً يعكس منجزات القصيدة الجديدة من درامية وتعدد للأصوات، واستخدم تقنيات المسرح، والمونتاج السينمائي، وتوظيف الموروث، والانطلاق في الكتابة من شعرية الموقف الفكري لا شعرية الغرض، إضافة إلى ابتكاره مجموعة من التقنيات التي تفرّد بها كالنحت اللغوي والإغراق في البيئية، وتبني المضامين الفلسفية والتيمات الشعبية، موضحة أن تجربة السجن- موضوع هذا الديوان- أتاحت له أن يُحلق في آفاق شعرية متفردة، وأن يسلك بإبداعه طرقاً جديدة.

وتوضح أن الشاعر الراحل كتب الديوان في ظروف مأساوية، حيث وُلِدَت كلماته من رَحِم المُعاناة، في الفترة: (2/ 3/ 1991 - 13/ 4/ 1991)، كما دوَّن هو في هوامش قصائده، مضيفاً المكان بجانب الزمان: (لاظوغلي وطُرة ورملة الأنجب... إلخ)، والحدث الذي يُفصِح عنه هو الرصد التراجيدي لما لاقاه الشاعر المُكَبَّل المعصوب العينين، والديوان بطابعه المنتمي إلى جنس اليوميات، يُعبِر عن صورة فوتوغرافية كبرى من ألبوم الماضي تفتح نافذتها على مصراعيها لمشاهدة صور فوتوغرافية صغرى، تمثل العصر الذي عاش فيه، تتجاور جنباً إلى جنب مكونةً ومُجمعة الصورة الكبرى التي تَرصُد وقائع الاحتفالية المتوحشة.

ومروة الشريف باحثة أكاديمية صدر لها من قبل تحقيق كتاب «شفاء الأسقام ودواء الآلآم» لخضر الأيديني، كما أعدت «معجم المصطلحات الصيدلانية التراثية» الحاصل على جائزة أفضل كتاب تراثي في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2024.


روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

روزي جدي
روزي جدي
TT

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

روزي جدي
روزي جدي

رغم حداثة تجربته كأحد كتاب التسعينات من أدباء تشاد الذين يكتبون باللغة العربية، فإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية التي تستحضر صفحات مجهولة من واقع تاريخ أفريقيا في علاقتها بالغرب وبمحيطها العربي في الوقت نفسه.

صدرت له أخيراً «ثلاثية أنجمينا» التي تستكمل تجربة لافتة استهلها بـ«زمن الملل» التي فازت بجائزة «غسان كنفاني للتميز الأدبي»، ثم توالت أعماله ومنها «ارتدادات الذاكرة» و«التاريخ السري المعلن لآدم وحواء»... هنا حوار معه:

> في روايتك الأحدث «ثلاثية أنجمينا» لماذا تبدو الشخصية الرئيسية مشدودة إلى قدر العودة إلى موطن رأسها بعد سنوات من التحقق في فرنسا رغم أنها تعلم أنها تغامر بترك الرفاهية والعودة إلى الأزمات؟

- الحنين إلى الوطن هو الذي دفعه إلى العودة لبلاده، هذا ما يبدو لأول وهلة وما تدّعيه الشخصية، لكن الحقيقة أنه قرر العودة بعد أن شعر بأنه ليس فرنسياً كما اعتقد طوال حياته. اليمين المتطرف صعّد خطابه المناهض ضد المهاجرين وشعر صاحب الجذور التشادية بأنه لا ينتمي إلى هذا المكان، إضافة إلى سقوطه في براثن الاكتئاب بعد أن خسر حبيبته التي انضمت لليمين ورأت أخيراً أنه أسمر.

صحيح أن بركاي قرر العودة إلى الأزمات لكنه لم يكن يدري، ولهذا رجته أمه بعدم الذهاب في بداية الرواية، لكنها عودة حتمية مثل عودتنا إلى البيت دائماً حتى حين يكون البيت برميلاً من المشاكل.

> تبدو صورة العاصمة التشادية في الرواية وكأنها أرض منذورة للحرب والتوتر والخوف والخيبة وانكسار الأحلام... ألم تكن قاسياً إلى حد ما في تبني تلك الرؤية؟

- لم أكن قاسياً، بل كنت واقعياً. هي أرض منذورة للحرب حقاً، وعشنا فيها حروباً أهلية بلا توقف، وخسرنا أحباباً وأصدقاء؛ أعتقد أن الشرط الأول للكتابة هو قول الحقيقة. الصورة التي رسمتها لمدينتي تبدو قاسية لكنها حقيقية.

> هل يمكن النظر للرواية في إطار رصد العلاقة بين الشرق والغرب ولكن من منظور أفريقي شديد الخصوصية؟

- يمكن ذلك، وهذه أمور يراها النقاد ويشعر بها القراء. حين قررت كتابة «ثلاثية أنجمينا» أردتُّ كتابة مدينتي أنجمينا وسعيت لتأريخها بوصفها مكاناً شهد أحداثاً جسيمة أثرت على الملايين وشكلت الحياة السياسية في البلد بأكمله. ربما يجد فيها المرء هذه المقاربة لكنها رواية عن تشاد والتشاديين، وفي الوقت نفسه تعبر عن الحياة والمشاكل والقضايا في دول الساحل وبعض الدول العربية، إلا أنني لم أفكر في الغرب أبداً في أثناء الكتابة.

> ما الهاجس الأساسي الذي يعد المحرك الفعلي لأعمالك الإبداعية؟

- هي هواجس عديدة لكنّ على رأسها فكرة الموت، هاجس أناني لكنه قلق وجودي؛ تخيفني فكرة الموت والذهاب بكل هذه الحكايات، ولذا أكتب كي لا أموت بكل هذه القضايا، هذا ما أقوله مع نفسي، بيد أنّ أعمالي تقول إن هاجسي هو الإنسان التشادي وهو يعبر التاريخ المثقل بالحروب والانقلابات والتحولات السياسية، ويحاول رغم ذلك أن يحافظ على ذاكرته وكرامته وقدرته على الحلم.

تشغلني مدينة أنجمينا، الابتعاد عنها، والمنفى، والهوية، وتأثير قرارات السلطة على حياة الناس، وما تفعله الأحداث الكبرى بحياة الأفراد العاديين. أحاول في رواياتي أن أكتب تشاد من الداخل، لا بوصفها هامشاً بعيداً، بل بوصفها فضاء إنسانياً كاملاً، مليئاً بالتناقضات والأسئلة.

> تكتب عن أفريقيا باللغة العربية... كيف ترى الأمر خصوصاً حين يجد البعض صعوبة في تصنيف تجربتك أو العثور على مدخل مناسب للتعامل معها نقدياً؟

- أنا أفريقي يكتب باللغة العربية لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ أكتب باللغة العربية عن قضايا ومواضيع دولة أفريقية؛ لكن هذه المشكلة ليست جديدة وعانى منها معظم الكتاب الأفارقة، فنحن كتبنا بالفرنسية والسواحلية والإنجليزية والعربية والإسبانية والبرتغالية.

لكني لا أجد أي صعوبة في تصنيف تجربتي؛ فالعبرة بلغة الكتابة وليس بعِرق الكاتب. ما أكتبه يثري الأدب العربي ويعبر عن تنوعه، كما أن تشاد دولة لها حدود مع دولتين عربيتين هما ليبيا والسودان.

وأعتقد أن تشاد لو انضمت إلى جامعة الدول العربية لاعتبرتُ كاتباً عربياً رغم أنه مجرد قرار سياسي. في الحقيقة تشاد أكثر عروبة من دول هي تُعدُّ الآن عربية، وذلك لوجود كبير للمكون العربي فيها واعتبارها اللغة العربية لغة وطنية بنص الدستور ومعمول بها منذ الاستقلال.

> هل تعاني بوصفك أديباً من أزمة هوية بشكل أو بآخر؟

- شخصياً، لا أعاني من أزمة هوية لكني أعالج أسئلة الهوية في أعمالي وأعود إليها مراراً؛ لأننا في تشاد لدينا أزمة هوية. مثلاً في روايتي الأولى «زمن الملل» تقول إحدى شخصياتها: «أنا أفريقي في عيني العربي، وعربي في عيني الأفريقي»، فنحن بين بين. لسنا عرباً كفاية ولسنا أفارقة بما يكفي، لكن هذه معضلة يعاني منها معظم سكان دول الشريط الساحلي.

أعتقد أن سؤال الهوية ظل يرافقني منذ وقت مبكر. أنا تشادي، أنتمي إلى فضاء أفروعربي شديد التنوع، وأكتب بالعربية، وأتحرك ثقافياً بين أكثر من عالم، لذلك كان طبيعياً أن أسأل نفسي أحياناً: أين أقف بالضبط؟

لكن مع الوقت، لم أعد أتعامل مع الأمر بوصفه أزمة، بل بوصفه جزءاً من تكويني. هذا التعدد، وما فيه من تناقضات وأسئلة، هو نفسه الذي منحني كثيراً من موضوعاتي وشخصياتي. ربما أنا لا أبحث عن هوية واحدة مغلقة بقدر ما أحاول أن أفهم كيف يمكن للإنسان أن يحمل داخله أكثر من انتماء، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من صوت.

> فازت روايتك «زمن الملل» بجائزة «غسان كنفاني للتميز الأدبي»، والعمل يتمتع بوصف مسهب لحياة الفراغ والعبث واللامبالاة لبطل تشادي... هل نحن هنا بإزاء حالة استثنائية أم رصد لحالة عامة؟

- لا أعتقد أنها حالة عامة لكل الشعب التشادي، بقدر ما هي رصد لمرحلة محددة ولجيل بعينه. الرواية تتحدث، في جانب كبير منها، عن سنوات ما بعد التخرج في الجامعة، ومن الطبيعي أن يعتمد الروائي في أعماله الأولى على حياته وعالمه وما اختبره بنفسه.

لكن التجربة لم تكن فردية تماماً؛ كانت تصف حالة جيل كامل تقريباً، جيلنا نحن مواليد التسعينات. في تلك السنوات عاشت البلاد أزمة اقتصادية قاسية، دفعت مئات الآلاف من الشباب إلى البطالة، وانسدت الآفاق، وغادرت شركات كثيرة، وازداد الفقر، وانهارت الطبقة الوسطى... تخيلي جيلاً كاملاً عاش جزءاً كبيراً من عشريناته وهو يشعر بالعجز.

> فازت كذلك روايتك «ارتدادات الذاكرة» التي ترصد حقبة الاستعمار الفرنسي لتشاد، بجائزة «التميز الأدبي» التي تمنحها وزارة الثقافة التشادية...تُرى ما الذي يخطر على بال المثقف التشادي حين «ترتد ذاكرته» إلى تلك الحقبة؟

- عدت في هذا العمل إلى أحداث تاريخية مهمة شهدتها بلادي وأثرت في البلاد والعباد، لكنها بدت مع الوقت كأنها تنسحب إلى هامش الذاكرة. كنت أشعر بأن بعض ما حدث أكبر من أن يُترك للنسيان؛ لأن سقوط مملكة مثل انهيار دولة، وهذه الأشياء لا تحدث بسبب عامل خارجي وحده، بل لا بد دائماً من شقوق داخلية، ومن أخطاء وسقطات تمهد للسقوط.

لذلك، لم أكن أريد أن أكتب عن الاستعمار الفرنسي باعتباره قوة جاءت من الخارج فقط، بل أردت أن أنظر أيضاً إلى ما كان يحدث داخل المجتمع والدولة آنذاك، إلى الصراعات، والهشاشة، والانقسامات التي تجعل لحظة الانهيار ممكنة. التاريخ في نظري لا يصنعه طرف واحد، ولا يمكن فهمه إذا اكتفينا بتوزيع الأدوار بين ضحية وجلاد. وحين ترتد ذاكرة المثقف التشادي إلى تلك الحقبة، فهي لا تعود إلى ماضٍ مغلق، بل إلى شيء لا تزال ظلاله معنا. بعض آثار تلك المرحلة بقي في السياسة، وفي الثقافة، وفي علاقتنا بالسلطة وبالآخر، وربما حتى في طريقتنا في فهم أنفسنا.

لهذا كانت «ارتدادات الذاكرة» بالنسبة إليّ محاولة لاستعادة جزء من ذاكرة تشاد، لا من أجل تمجيد الماضي أو البكاء عليه، بل من أجل النظر إليه بوضوح أكبر؛ لأن الأمم التي تنسى الطريقة التي سقطت بها قد تكرر السقوط نفسه بأسماء جديدة.

> دراستك للقانون وعملك بالسلك القضائي... كيف انعكسا على تجربتك الإبداعية؟

- أنا قانوني هرب من الصرامة إلى رحابة الأدب، واستفدت من دراستي له أشياء كثيرة خاصة في خلق الشخصيات؛ فالقانون يعلّمنا أن نشك، وأن نحلل ونقارن ونبحث عن التفاصيل، وأن الحقيقة لها أوجه عديدة. كل هذه الأشياء يستفيد منها المرء دون وعي.

كما قرّبني العمل القضائي من الناس في لحظات شديدة الحساسية، تتجلى فيها الخصومة، والخوف، والندم، والشعور بالظلم، والطمع، والانكسار. وتترك هذه التجارب الإنسانية أثراً عميقاً في الكاتب، حتى عندما لا ينقلها مباشرة إلى أعماله الروائية.

> أخيراً... تقول إنك بوصفك روائياً من تشاد لا تمتلك رفاهية تبنّي مقولة «الفن للفن» وفي الوقت نفسه تقول ينبغي ألا يكون الإبداع بياناً سياسياً... كيف تحل تلك المعادلة الصعبة؟

- أعتقد أننا في تشاد لدينا الكثير من المواضيع والقضايا التي تستحق الكتابة، بلادنا حديثة، وُلدتْ قبل ستين سنة فقط لكنها غنية من ناحية الثقافة والأحداث والتاريخ السياسي العنيف والقضايا الشائكة التي تستحق المعالجة وطرح التساؤلات حولها. ومن ذلك المنطلق، أردد بأنني مبدئياً لا أملك ترف اللعب بالكلمات بقدر ما لديّ أشياء مهمة يجب قولها وتساؤلات ملحّة ينبغي طرحها. لكني لا أفرض هذا على غيري بل حتى عليّ شخصياً، كتبت قصصاً من أجل متعة الكتابة فقط. في المقابل، أؤمن أنه لا ينبغي تحويل الأدب إلى كيس مليء بالأفكار الأيديولوجية أو السعي لتصفية الحسابات السياسية، كما أنني ضد أن يعمل الأدب في صالح السلطة؛ أياً كان شكل هذه السلطة.