الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني

توظيف المخطوطة في «الكراكي» لحسن حميد

الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني
TT

الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني

الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني

رواية «الكراكي» للروائي الفلسطيني حسن حميد، الصادرة عام 2023، ليست واحدة من مدونات الحلم الفلسطيني بقدر ما هي مدونة لهذا الوجع؛ إذْ سبق لهذا الروائي وأن قدم عدداً من الروايات والقصص التي تتمحور حول نضال الشعب الفلسطيني تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي، وحق هذا الشعب تاريخياً في أرضه ومائه وسمائه.

منذ البداية يكشف الروائي عن خطته السردية التجريبية في كتابة الرواية باعتماد البنية الميتاسردية، من خلال توظيف المخطوطة بنية نصية متحكمة في السرد الروائي؛ إذ يعلن لنا الروائي أنه قد عثر على هذا الكتاب الروائي في صندوق جده إلياس الشمندوري:

«هذا كتاب عثرت عليه في صندوق جدي إلياس الشمندوري الذي عاش في الأزمنة الغابرة، وقد كان من القرائين والكتبة المعدودين آنذاك». (ص 7)

ولكي يمنح الروائي للتاريخ حضوراً وامتداداً في عمق المجتمع الفلسطيني يقول إن أربعين جداً تهيبوا من فتح الصندوق لأنهم تعاهدوا واحداً بعد واحد على عدم فتحه؛ حفاظاً على ما فيه من أسرار. ولذا فهو الوحيد الذي تجرأ على كسر الصندوق واكتشاف هذه المخطوطة التي أعاد نشرها دونما تعديلات جذرية.

وبعد أن ينتهي الراوي الأول من تقديم هذه الإيضاحات في مستهل الرواية تحت عنوان «عتبة لا بد منها» يحيل السرد إلى جده إلياس الشمندوري الذي يوظف بدوره ضمير المتكلم الأوتوبوغرافي، ويتحدث عن شخصية «سيدنا» الأسطورية بمعجزاته الخارقة، وعن بحيرة طبرية وأناسها وشمسها وسمائها وينابيعها:

«قال جدي إلياس الشمندوري:

أنا لم أر سيدنا هنا في طبريا

كنت صغيراً آنذاك، ولم أعرف عن حضوره شيئاً إلا عندما كبرت». (ص 10)

وترتقي الرؤية السردية من عين الطفل البريئة إلى عين الشاب العاشق، بطريقة لا تخلو من خطية؛ إذْ نجد وصفاً طفولياً مفعماً بالدهشة لشخصية الأب طنوس راعي الكنيسة في البلدة:

«في هذه الكنيسة الصغيرة العالية، يوجد رجل طويل ناحل، طويل الوجه، طويل الذراعين، طويل الأنف والأصابع والقدمين، رجل كل شيء فيه طويل حتى شعر رأسه، هو راعي الكنيسة». (ص12)

وبهذه اللمسة الوصفية نكتشف أننا إزاء مجتمع فلسطيني مسيحي، هو مجتمع قرية (صبيرات) في مدار بحيرة (طبريا) التي تقع بين منطقة الجليل وهضبة الجولان شمال فلسطين.

وفي هذا المجتمع يُعمّد الطفل الصغير عبد الله والمكنى بـ«عبودة» من قبل الأب طنوس، الذي ظنه أباه الذي ذهب إلى الميناء ليجد عملاً ولم يعد ولذا تعلق به، وبراهبة اسمها (ماريا) ساهمت في تعليمه الكتابة والرسم والموسيقى، شعر بعدها بأن قلبه يدق لها بشدة، وأنها تملأ أحلامه وتفكيره ومشاعره، وهكذا يحيل الجد إلياس الشمندوري خيط السرد للروائي (عبودة) الذي يصبح سارداً رئيسياً للرواية. ومثلما تحرك حجرة صغيرة سطح بحيرة ساكنة، ألقى الروائي بحجارة صغيرة حركت مياه السرد طيلة هذا المتن النصي المتوتر. وهذه الحجارة تتمثل في وصول حشد من الغجر إلى القرية، يذكرنا بماركيز ومخيم الغجر وملكياس في رواية «مائة عام من العزلة»، حيث يصل حشد من الغجر على مقربة من قرية (صبيرات) في كرنفال شعبي:

«من بعيد، وعلى مقربة من قرية (صبيرات) بدأ المشهد أشبه بكرنفال شعبي، تتقدمه وتحيط به ضجة صخّابة، فيها غناء وإنشاد، ودق وزعيق وقرع». (ص 23)

ويغيّر وصول حشد الغجر هذا هدوء القرية وحياتها، ويعيد تشكيل العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين أبنائها؛ إذ يتعرف أبناء القرية، ربما لأول مرة، على فنون وعلوم وتجارب جديدة قلبت حياتهم رأساً على عقب.

وعلى قرع الطبول والدفوف والضرب على أواني النحاس والنفخ في النايات والمزامير تشرع النساء في الرقص والهرج، فيتراكض أطفال قرية (الصبيرات) إلى مهرجان الحشد، ويعقبهم أبناء القرية الذين يساهمون ببناء خيمة كبيرة منزلاً لأفراد الحشد، وينجح الروائي في تقديم وصف شيء يذكرنا بمدرسة الرواية الجديدة في فرنسا لكل تفاصيل هذا المهرجان الباذخ وشخصياته وألعابه وطقوسه الغريبة. وتطل خلال هذا الاشتباك شخصيات أسطورية منها شخصية الكاهن الذي ينادونه بالخال، والذي جاء ليعلن عن ولادة طفل في هذه القرية سيكون هو خال القرية والقرى المجاورة. وبعد ممانعات عدة من قبل الأم التي حاولت إخفاء ابنها نكتشف أن (عبودة) الذي يحمل وسماً خاصاً بشكل بقعة زرقاء تحت عينه اليمنى، وحبة عنب ذات لون بنفسجي على كتفه اليسرى، وهو الذي سيكون الخال الجديد، والذي سرعان ما تحول إلى كائن مقدس أقرب ما يكون إلى الأسطورة الشعبية:

«لا أدري كيف مَرَّ في بال أهل (الصبيرات) أنني الكاهن الجديد، فراح الجميع الصغار والكبار يتحدثون عني باحترام شديد يقارب القداسة». (ص 38)

وتشغل حبكة الحب بين (عبودة والراهبة ماريا) حيزاً كبيراً ومتنامياً في السرد كما تحمل مكانة خاصة قصة الحب بين الغجرية (فضة) التي جاءت مع مخيم الغجر وشاب من القرية اسمه (الزهروري). كما تتحول الرواية تدريجياً إلى بنية بحث عن الغائب، أو بالأحرى عن الغائبين، خاصةً بعد غياب الراهبة ماريا والغجرية (فضة) والأم.

تمتلك حكاية الحب التي جمعت بين الغجرية (فضة) التي جاءت مع حشد الغجر وصياد السمك الشاب (الزهروري) لمسة رومانسية عميقة منحت الرواية رقة وعذوبة، فقد كان الزهروري مسحوراً بجمال (فضة)، لذا ظل يلاحقها، وعندما فُجعت بوفاة والدتها، انخرطت في بكاء متواصل، لكن الزهروري حاول التخفيف عنها:

«بدأ أشبه برفيقة لها، فراح يواسيها ويصبّرها ويرجوها ألا تدمر روحها، ولم يفطن أحدهما، لا هو ولا هي، أنهما باتا الليل محاضنةً». (ص 113) وعندما رحلت (فضة) ظن الزهروري أن الحياة غادرته. (ص 166). وبدأ العاشق صياد السمك الزهروري رحلة بحثه عن فضة «في رحلة البحث عن بنت غجرية جميلة ترقص كما يرقص الشجر، اسمها فضة». (170)

ويقول الزهروري بأسىً ويأس:

«درنا الدنيا كلها،

ولم نعثر على فضة». (ص 170)

وحكاية غياب (المبروك يحيى) من الحكايات التي أثرت في اهتمام أهل القرية، واحتار الناس في معرفة سبب غيابه، طوال أيام الثلج الذي غمر البلدة، ولم يعرف أحد مصيره:

«ولهذا صدّق الناس أن المبروك يحيى لاقى وجه ربه». (ص 176)

خاصة بعد أن وجد أحد رعيان البلدة ثياب المبروك يحيى وبعض عظامه (ص177)، وكان المبروك شاباً «زينة» يبيع العطور وأدوات الزينة والملابس، وكل ما يخص النساء، لذا كن متعلقات به، وأحبته ابنة صاحب السيارة الوحيدة في القرية إسماعيل أبو ليرة، واسمها رجاء، وبكتْه حين صار للمبروك يحيى قبراً». (ص 181)

أما قصة الحب التي جمعت بين بطل الرواية (عبودة) أو (عبد الله) والراهبة (ماريا)، فقد امتدت على طول الرواية، منذ بدايتها وحتى نهايتها. وبدأت الحكاية عندما أخذت (هدلة) أم (عبودة) ولدها الصغير إلى الكنيسة الصغيرة مستنجدة براعيها الأب (طنوس)؛ لكي يجد علاجاً لولدها الصغير الذي عانى كثيراً بعد ولادته، ويصف الطفل الأب طنوس وصفاً طفولياً ساذجاً عندما رآه، كما أشرنا إلى ذلك تواً.

واستمر الأب طنوس بعلاج (عبودة) لأيام طويلة، وعندما كان ينشغل بأمور الكنيسة، كان يترك الطفل مع راهبة اسمها (ماريا):

«بعد أن اطمأن عليَّ... دفعني إلى راهبة اسمها ماريا.

يا لماريا، فقد وقعت صورتها في قلبي منذ أن رأيتها، فانجذبت إليها». (ص 17)

وهكذا بدأت قصة الحب تنمو في قلبه تدريجياً، وهو يشب عن طوق الطفولة ويدخل مرحلة الشباب، ففاتحها بحبه لها، وفوجئ بأنها تبادله الحب، وأنها تنتظر هذه الكلمة منه. وكان سرور (عبودة) كبيراً عندما أخبرته أمهُ بأن (ماريا) ليست منذورة للكنيسة، وأن بإمكانها أن تتزوج منه. وهكذا بدأ يخطط للزواج منها، ولبناء عش زوجية خاص بهما. وفجأة غابت (ماريا) عن الكنيسة، وبدأت معها رحلة البحث المضنية عنها. وأخبره الأب (طنوس) أنها ذهبت بصحبة بعض الأخوات الراهبات إلى القدس والخالصة لأمور كنسية؛ لذا فقد عزم عبودة على القيام بسلسلة رحلات بحثاً عنها، لكنه لم يعثر لها على أثر في كل المدن الفلسطينية، وأخبره الأب طنوس أنها صارت شامية:

«الراعيات هناك في الخالصة أخذنها إلى الشام!». (ص 198)

وتضاربت الآراء؛ فمنهم من نفى خبر سفرها إلى الشام، ولأول مرة تبدأ مخاوف الناس من «جنود شقر وقفوا فوق جسور النهر، وقد حالوا بين الناس والدخول والخروج من دون أوراق وتصاريح». (ص 196)

وهي إشارة لهيمنة الاحتلال الإسرائيلي وتحكّمه في مصائر الفلسطينيين.

ومما زاد من محنة الشاب (عبودة) اختفاء أمه المفاجئ، بعد أن ذهبت إلى الميناء بحثاً عن زوجها (عزيز)، وكما أخبره الأب طنوس: «إنها تبحث عن والدك عزيز، ولن تتركه حتى تعود به إليك». (ص 207)

وقال عبودة بأسىً:

«لا أخبار عن ماريا، ولا أخبار عن أمي». (ص 213)

ولذا فقد عزم عبودة على مواصلة البحث عن ماريا وأمه:

«أحكمت أمري أن أطوي غياب أمي وماريا بالبحث عنهما، حتى لو صارت حياتي كلها هي البحث عنهما». (ص 217)

ومما زاد من فجيعة (عبودة) بعد غياب (ماريا) وأمه، الخبر الصاعق الذي جاء به هارون بوفاة الأب طنوس المفاجئ (ص 224)، حيث أحس عبودة أن الحياة قد ماتت بموت الأب طنوس.

وتختتم الرواية بتساؤل يائس موجّه إلى الرب، عما يمكن أن يفعله بعد أن غدا وحيداً:

«قل لي يا إلهي، ماذا أفعل وقد غدوت وحيداً تماماً، والجنود الشقر على الجسور، وفي مفارق الطرق، وفي القرى والمدن؟». (ص 226)

وفي هذا التساؤل الإشكالي يطرح الروائي محنة الفلسطينيين الجوهرية متمثلة بوجود قوى الاحتلال الإسرائيلي، مجسدة بالجنود الشقر على الجسور وفي مفارق الطرق.

وبذا تكون رواية «الكراكي»، كما قلنا مدونة مهمة من مدونات النضال المشروع للشعب الفلسطيني لتحرير أرضه ومائه وسمائه، وهي ملحمة إنسانية تنضح بالحب وبحب الأرض والطبيعة، حتى ليمكن القول إن الحب هو الروح التي تتسربل بها أجواء الرواية؛ حبٌ للآخر وللأرض وللماء والسماء.

وربما يمثل رمز الكراكي الذي اتخذه الروائي عنواناً دالاً لروايته إحدى الدوال السيميائية الكاشفة عن جوهر هذا الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية عبر التاريخ؛ إذ يشير الروائي إلى حشد من طيور البط والإوز التي تموج مثل حقل سمسم تزيد المشهد جمالاً، وكانت طيور الكراكي تتقدم دونما خوف، كما لو أنها قطيع من الدهشة الآسرة... إنها تقترب كأنها خراف جمعها المطر. (ص 50) وكان الروائي في عتباته النصية الصغيرة قد عبّر عن حزنه لضياع أسطر من المخطوطة تتحدث عن الكراكي التي «غدت تعيش في بلدة جدي إلياس الشمندوري، كما لو أنها الخراف». (ص9) وفي أجواء الاحتفالات الشعبية كانت طيور الكراكي تقف وقد بدت أشبه بالحراس للمكان». (ص 53) وفي إحدى المناسبات «بدت النساء بأثوابهن مثل طيور الكناري» (ص 186) وعبّر الأب طنوس عن رمزية الكراكي، وهو يتحدث إلى هدلة «والدة الراوي عبودة»، أنها أخوة عبودة وأخوة من لا أخوة له:

«إنها خراف السماء، خراف النبي، إنها عنوان الأمن والأمان، ومعنى الطمأنينة والسلام، إن حضرت حضر الأمن والأمان والسلام، وإن غابت، غاب الأمن والأمان والسلام». (ص 215)

وبهذه الكلمات لخص الأب طنوس رمزية الكراكي بوصفها عنواناً للأمن والطمأنينة والسلام، وهو ربما ما دفع بالروائي حسن حميد لأنْ يختار الكراكي عنواناً لروايته المدهشة هذه، بوصفها عتبة نصية دالة ترمز إلى البعد الروحي والثقافي المتجذر للإنسان الفلسطيني، المتشبث بأرضه وتاريخه وأحلامه، وحلمه في توفير الأمن والطمأنينة والسلام.



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.