هل ستنصف التكنولوجيا الذكية المرأة المبدعة؟

ليس سهلاً أن يثبُت في الذاكرة الجمعية اسم مبدعة حتى وإن أدركَت التميز

سيمون دو بوفوار
سيمون دو بوفوار
TT

هل ستنصف التكنولوجيا الذكية المرأة المبدعة؟

سيمون دو بوفوار
سيمون دو بوفوار

الأمر الواقع الذي لا مجال للشك فيه، هو أن العالم بكل مكوناته يتغير بسرعة مدوخة من حولنا، لا يستثني النساء ولا الرجال، مثل حتمية مخاض ولادة لا فكاك منها، فلا مجال لردها أو تجاهلها أو تجاوزها وكأنها لم تكن. كمثل موجات تسونامي عاتية لم يسببها زلزال تحت سطح البحر، أو ثوران بركاني تحت الماء، بل خلقتها ظاهرة التطور العلمي والتكنولوجي والرقمي، التي ما فتئت تزعزع اليقينيات والقناعات المتخشبة، وتذهب بعيداً لتوسيع آفاق المعرفة، وتحفيز قدرات العقل والفهم، وإيقاظ ما غفا من مهارات الفكر وصنوف الإبداع الأدبي والفني والتفكير الفلسفي والنقدي... كل شيء في تغير مضطرد على هذا الكوكب، وإن بإيقاعات متفاوتة جغرافياً وحضارياً. لكن، ألا ننتظر من هذا كله تغييراً جوهرياً للأساليب الذهنية والاجتماعية في طبيعة التعامل مع المرأة المبدعة بشكل عام، والمرأة الكاتبة بشكل خاص، وهذا ما نحاول الاقتراب منه هنا.

نازك الملائكة

تعالوا إذن نعبُر ممرات التاريخ الأدبي والإبداعي، خاصة تلك الدروب المنسية منها والمغبرة... لكن تريّثوا قليلاً، وركزوا التفكير - فلا فضل لطريق على أخرى إلا بقدرتها على خرق العادة - على حد قول الشيخ الأكبر ابن عربي. تأمل، ستجدونها تعج بأسماء كاتبات أُسدلت عليها ستائر من حرير، إن لم نقل وُوريت تراب النسيان. لا تُتداول في سوق الإعلام الضاجّة، ولا أروقة الدعاية التي كثيراً ما تنفخ وتطيّر بالونات ذكورية ضخمة، سيتبين بعد حين ونيف، أنها مجرد معاطف فارغة.

دقِّقوا النظر في جنبات الطرق الهامشية للحياة أو التاريخ، ستجدونها مؤثثة بأشباح، وظلال وجوه نساء تترقرق في مرآة الزمن، نساء ذوات تجارب إبداعية عالية، جئن فنون الأدب من كل حدب وصوب، ولغة ولون، وقومية ومعتقد. بلغن بها الوعي بالذات والعالم، خلقن التعليل البارع، والفكرة المبتكرة الطريفة، ونسَجْن الخيال المحيّر المتمرد، ولمسْن أفق العمق الاجتماعي والإنساني رغم وعورة سبل الحياة غير الرحيمة. هن قليلات هؤلاء اللواتي فلتن من عيون غربال الذاكرة الانتقائية، منذ أمدٍ بعيد من علاقة المرأة بالأدب، واهتمامها بالشؤون الإنسانية، وغير معلبة في النطاق النسوي الضيق.

مي زيادة

لنتذكر إِذن... ألم يشترط الناشر على مؤلفة أشهر سلسلة عالمية أدبية وسينمائية «هاري بوتر» الكاتبة «جُوآن رولينغ»، أن تغيِّر اسمها إلى «ج.ك.رولينغ» J.K.Rowling، وعذره في ذلك أنها حيلة تجارية ومن دونها لن تنجح، لأن الفتيان لا يقرأون قصصاً من تأليف النساء!! طبعاً ستدركون أن الأمر ليس سهلاً وليس من اليسير أن يثبُت في الذاكرة الجمعية بشكل عميق وواضح اسم مبدعة حتى وإن أدركَت التميز. مثلاً، هذه الكاتبة التشيلية Gabriela Mistral غابرييلا ميسترال 1889 – 1959، التي استلفت اسمها المركب ونحتته من اسمي كاتبين، واحد إيطالي والآخر فرنسي، علّها تبرأ من وجع ذكرى والدها بملاحقة اسمه لها، وهو الذي ترك البيت فجأة وتخلى عنها وأمّها وهي في الثالثة من عمرها. هل سيعلو اسمُها وحضورُها المكانَ والزمان والإعلام، رغم أنها أول كاتبة «امرأة» في التاريخ تنال جائزة نوبل سنة 1945. ثم إنها أول كُتّاب أميركا اللاتينية على الإطلاق، تحصل على جائزة نوبل، وذلك قبل أن يحصل عليها كل من ميغيل آنخيل أستورياس 1967 وبابلو نيرودا 1971 وغابرييل غارسيا ماركيز 1982... وكما مواطنها نيرودا الذي كان سفير تشيلي في باريس 1970، عُيّنت غابرييلا قنصلاً ثقافياً قبل ذلك في دول مختلفة كسويسرا والبرتغال وإسبانيا والمكسيك وإيطاليا... ومثلت ثقافة بلادها بحنكة دبلوماسية وحب عارم، ولم تتوان عن الترويج لثقافة الشيلي وأدبه، كما لم تتردد في البوح بعشقها لبلدها حيثما مرت، ويشاع عنها أنها كانت تنقل معها صرَّة صغيرة تجمع فيها حفنة من تربة بلدها ترافقها في غربتها.

فرجينيا وولف

لن تتعجبوا إن عرفتم أن غابرييلا التي رحلت منذ أكثر من ستين سنة، لم يُعترف بمكانتها سوى منذ سنوات قليلة لتتحول إلى أيقونة في بلادها، ويروج لأشعارها وأدبها وأفكارها، وتدرج في المناهج المدرسية، لتعتلي من جديد مدرجها المستحق، ومكانها التاريخي والرمزي في المشهد الثقافي الشيلي والإنساني العالمي. ولا بد أن السيد غوغل سيعدل من إجاباته، فإن أنت سألته عمَن هو أول كاتب من أميركا اللاتينية حصل على جائزة نوبل يجيبك - وكأنه هو الآخر لم ينج من فيروس العقلية «الذكورية الاصطناعية» - ويخبرك بأن أول المتوجين بجائزة نوبل هو غابرييل غارسيا ماركيز... ثم وبعد، يضيف لك المعلومة - ربما على مضض - أن ذلك حدث بعد غابرييلا واستورياس ونيرودا...

سافو، ومارغاريت بوريت، وهيلويز، وماري دو فرانس، وكريستين دو بيزان، وأنيتا لووس، وكيو جين، ومَرْيمَ بان، وفدوى طوقان، وزليخا السعودية، ومي زيادة، ويوميكو كوراهاشي، وآنّا سويل، ونازك الملائكة، ويانغ جيانغ، وسيمون دو بوفوار، ومارغاريت ميتشال، وإيميلي برونتي، وأمريتا بريتام، وماها سويتا ديفي، وميريام تلالي، وإيريس موردوك، وتوني موريسون... وأخريات كثيرات غيرهن، اقترحن من خلال كتاباتهن رؤية جديدة للعالم وللسكن فيه. كاتبات انتشين بتُوقِهن إلى الكمال عبر التاريخ واللغات والقارات، ولم يغبن منذ الثورات الثلاث: من الكتابة إلى الطباعة الميكانيكية إلى الرقمنة، وظللن قائمات رغم الكسور النفسية الموجعة.

أما بعد... كيف يقابَل الانكسار في الأدب والحياة عند الكاتبة؟ هل حقاً يشكل الرحيلُ النهائي وحده صكّ الاعتراف بوجودها، هل يمثل الموت، الغياب المادي والجسدي والفعلي عن الحياة، الوجه الآخر للحضور الرمزي، أم لا بد من التشبث بالحياة والكتابة معاً؟ حل فيرجينيا وولف Virginia Woolf بالانتحار... تلك الكاتبة المدهشة، والإنسانة بالغة الحساسية والهشاشة، تلجأ إلى الإلقاء بنفسها في الحضن البارد، والغرق في قعر النهر، هروباً من الجنون ومن أصوات تلاحقها وتصرخ في علبة رأسها، نتيجة معاناة نفسية وصحية هي كل إرثها من تفاصيل حياة اجتماعية معقدة ومأساوية؟ إنه ذلك الجنون نفسه الذي تفطنت لأخطاره الكاتبة الشهيرة سيمون دو بوفوار، فأوكلتْه إلى شخصياتها الروائية النسائية، فأضحى موضوعة شائعة تعج بها سرودها. بحكمة روائية متمرسة، وزعت سيمون أهواله على شخصياتها الروائية، ربما كي لا تقع بين مخالبه هي الأخرى، في مجتمع ذكوري قاس وماكر، لا يمل من أن يبحث للمرأة عن نقصان أو عن «مَحْرَم» حتى في عالم الأدب، فيذكرها للتقليل من شأنها ومسارها، بأنها تأثرت برفيقها الأبدي الفيلسوف «جان بول سارتر»، ولولاه لما كانت. فتجيب سيمون دو بوفوار بحنكة المجادلة، وهي الأديبة والمفكرة وأستاذة الفلسفة، التي كانت - وعلى لسان سارتر نفسه - تقرأ مؤلفاته قبل نشرها، بأنها تكتب الأدب ولا تعد نفسها فيلسوفة.

نجت دو بوفوار من الجنون. ونجت من الاكتئاب، ونجت من الانتحار، الذي طالما لاحق أقدار بعض أهم الكاتبات عبر الأزمنة، رغم ذكائهن، وثقافتهن، وجمالهن... نجت سيمون ولم تنج «سيلفيا بلاث» Sylvia Plath1932 - 1963 الشاعرة والروائية الأميركية ذات الإسهامات الأدبية الكبيرة، من قدرها التراجيدي الحزين، بإقدامها على الانتحار بواسطة الغاز. سيلفيا التي ضاقت بها الحياة الشخصية الصعبة والتحديات النفسية التي واجهتها بعد طلاقها من الشاعر والكاتب «تيد هيوز» بعد خيانته لها. هل آلمها إخفاق أحلامها الكبيرة في الأدب أولاً، وفي خلق عش دافئ لطفليهما الصغيرين فريديا ونيكولاس، فقررت إما أن تملك كل شيء تريده وتحبه أو أن تتركه كله، الشعر والحب والعش الذي لم يعد دافئاً! خلّف اختيارُها الرحيلَ المبكرَ على ذلّ حياة الإخفاق صدمة في عالم الأدب. صمتت روحُها الجريحة عن الشعر، صمتت عن «الكلام الأكثر تعبيراً، الذي يمر عبر الأحاسيس ليصل إلى الروح»، كما يصفه الشاعر السنغالي الكبير ليوبولد سيدار سنغور. لعلها كانت تعلم أن مؤلفاتها الشعرية والنثرية، حتى تلك التي صدرت بتوقيت انتحارها، ستحقق شهرة وانتشاراً كبيرين، وكأنها كانت تؤمن بحتمية مأساة المرأة المبدعة، في كل المجالات من فنون وآداب وعلوم، تُقصى وتُتناسى وتُتجاهل، ولن تنال حقها من التقدير والاعتراف بموهبتها سوى بعد رحيلها، بعد خلوّ البسيطة من ظلها.

إنه مجتمع ذكوري قاس وماكر، لا يمل من أن يبحث للمرأة عن نقصان أو عن «مَحْرَم» حتى في عالم الأدب للتقليل من شأنها ومسارها

ثم ماذا، والثامن من مارس (آذار) يعود كل سنة ليذكّر بأن لا مفاجأة بين يديه ولا من خلفه، وأن فيروس الكراهية والحروب بكل أشكالها الواقعية والرمزية، ما فتئ يفْتكُ بالعلاقات الإنسانية فوق هذا الكوكب غير المحظوظ، ويخشى أن يعود ذات زمن فيجده خالياً من البشر - وقد أفنتهم رغبتهم العمياء في التسلط والهيمنة والاستبداد - بل سيجده مأهولاً بسكان من أناسٍ آليين.

صحيح أننا على عتبة بوابة زمن الفتوحات العلمية الجديدة، والإنسان الآلي، والذكاء الاصطناعي، وما بعد الإنسانية... فهل ستظل دار لقمان بفروقها التقليدية بين الإنسان المرأة والإنسان الرجل، على حالها المزرية، أم أن تحديات ما بعد الإنسانية، ستنجح في تفكيكها من خلال تأثير التكنولوجيا الحديثة، والعلوم والتطورات الثقافية، على مفهوم الإنسان والمجتمع والحياة، والفهم الجديد للجسم والعقل. هل نأمل في أن مكونات عالمنا بكل اختلافاتها ستغيرها المعطيات الجديدة نحو الأحسن، فتضحى الإنسانية أكثر إنسانية، أم أن وضع ساعة بعض البشر، بعقاربها المتحركة داخل إطار من ذهب، أو من خشب، لن يِؤثر بمكان في مسار الزمن؟!


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.