الهوى كجناس ناقص بين الهواء والهاوية

يتقمص رقة النسيم حيناً وعتو العواصف حيناً آخر

نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
TT

الهوى كجناس ناقص بين الهواء والهاوية

نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي

إذا كان لكل لغة من لغات العالم الحية ما تمتاز به عن سواها من اللغات، على مستويات الدلالة والبنية النحوية والإيقاعية والقدرة على التطور، فإن ما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، هو غناها المفرط بالمرادفات، إضافة بالطبع إلى جرسها الخاص وثرائها الصرفي والبلاغي. إذ قلما نجد بين لغات الأرض من تُفرد عشرات الأسماء للجمل أو الأسد أو السيف أو الصحراء أو الحب، كما هو الحال مع لغة الضاد. ومع ذلك فإن تبحُّراً عميقاً في معاني الكلمات ودلالاتها، يوصلنا إلى الاستنتاج بأن هذا الغنى المعجمي لا يندرج برمته في خانة الحشو وفائض الإنشاء والترف التعبيري البحت، بل ثمة في بعض الحالات رفعٌ للنعوت والصفات إلى رتبة الأسماء. وفي حالات أخرى تتجه التسميات من التعميم إلى التخصيص؛ حيث للمدلول رتبه وسلّمه ودرجاته، كما هو حال الحب الذي تتراوح تسمياته بين العشق والهوى والصبابة والكلَف والولع والجوى والوله والوجد والهيام وغير ذلك، تبعاً للمراحل التي يقطعها المحبون على الطريق الشائك للعشق والافتتان بالآخر.

وأغلب الظن أن ما أصابته هذه المفردة من الشيوع، لا يعود إلى خفتها البالغة فحسب، بل إلى ما تحمله في الوقت ذاته من مضامين ودلالات. وبالعودة إلى «لسان العرب»، نلاحظ أن المعجم العربي الأشهر لا يشير إلى فارقٍ يُذكر بين الألِفين الممدودة والمقصورة، بل يربط الفعل الثلاثي «هوى» بنظيره المكتوب بالألف الممدودة، أي بالهواء. فكل فارغٍ في «لسان العرب» هواء، والهواء والخواء واحد في المعنى. وقد يأتي الهواء بمعنى الخفة والطيش وانحراف السوية. فالقرآن الكريم يصف الضالين من البشر بأن «أفئدتهم هواء»، أي جانحة وطائشة وخالية من التعقل، فيما يستلهم أحمد شوقي العبارة القرآنية نفسها في معرض الإشارة الملطفة إلى تبدل مشاعر النساء وتقلبهن العاطفي، فيقول:

فاتقوا الله في قلوب العذارى

فالعذارى قلوبهنّ هواءُ

ومن معاني الهوى الانقضاض والحركة السريعة، فيقال: «هوت العقاب وتهوي هويّاً»، إذا انقضت على صيدٍ أو غيره، بحيث يصبح الحب من بعض زواياه هواءً وقبض ريح، ويصبح من زوايا أخرى انقضاضاً على قلب العاشق وإدماءً لقلبه بمخالب العاطفة الكاسرة التي مشى إلى نعيمها برجليه، قبل أن تميط اللثام عن مواجعها اللاحقة. كما يرتبط الهوى بالهوّة والهاوية، باعتباره سبباً للسقوط السريع وصولاً إلى القاع الأخير للمأساة. وإذا كانت الأصوات والألفاظ، هي في الكثير من وجوهها صدى للمعاني وواحدة من تجلياتها، فإن حروف الهوى الثلاثة تترافق في نطقها مع حركة الزفير؛ حيث الهاء الخارجة من المصدر العميق للأنفاس تتحول إلى تنهيدة مشوبة بالأسى، فيما يتماهى الواو والألف مع صيغة النداء المتصلة بحرقة الفقدان. هكذا تصبح اللفظة تفريغاً لجسد العاشق من الطاقة المختزنة في داخله، وصولاً إلى هلاكه المحتوم، ما لم يمكنه حضور المعشوق ووصاله من التقاط أنفاسه من جديد.

ومع أن الشعوب القديمة كانت تجد في عنصري الماء والهواء نوعاً من التكامل الطبيعي مع مبدأ الحب؛ حيث يعمل الأول على الخطين المتصلين بخصوبة الأرض ونطفة الخلق، فيما يعمل الثاني على رفد الكائنات بأسباب البقاء، والمحبين بأسباب الحنين، فلا بد من ملاحظة أن الفارق الأهم بين العنصرين يتمثل في البعد العمودي للأول، والأفقي للثاني. فإذ ينزل الأول من الأعلى إلى الأسفل، محققاً معادلة الرجل السماء والمرأة الأرض، يبدو في إطاره التأويلي متناغماً مع الترجمة الجسدية للحب الصريح، فيما الهبوب الأفقي للثاني يجعله وثيق الصلة بالحب العذري، ويحوله في ضوء المسافة الفاصلة بين العاشقين، إلى حاملٍ للّقاح الذي تحتاجه العلاقة لكي تؤتي ثمارها، أو إلى ناقل إلزامي لرسائل الوله العاطفي والرغبات المعطَّلة. ولن نُعدم في هذا المجال العثور في ثنايا الشعر العربي القديم على ما نحتاجه من الشواهد، وبينها قول جميل بن معمر:

أيا ريح الشمال ألم تريني

أهيمُ، وإنني بادي النحولِ

هَبيني نسمة من ريح بَثْنٍ

ومُنّي بالهبوب على جميلِ

وقولي يا بثينة حسبُ نفسي

قليلكِ أو أقلّ من القليلِ

كما حاول الشعراء العشاق الذين انفصلوا عن حبيباتهم بالإكراه، أن يخففوا عن كواهلهم وطأة الفقد، عبر العثور على قواسم مشتركة تجمعهم بهن، كأن ينظر الطرفان إلى النجوم ذاتها، أو يواريهم الثرى إياه. وكذلك هو الحال مع الهواء والشمس، اللذين يلفان العاشقين المتباعدين بملاءة واحدة من الهواء والضوء؛ حيث يعلن قيس بن ذريح:

فإن تكُ لبنى قد أتى دون قربها

حجابٌ منيعٌ ما إليه سبيلُ

فإن نسيم الجو يجمع بيننا

ونبصر قَرن الشمس حين تزولُ

كما يتحول الهواء من بعض وجوهه إلى جزء من المشهد الطللي الذي يستعيد العشاق من خلاله صورة المنازل الدارسة، وصورة ساكنيها الذين تحولوا مثلها إلى أطلال. وعلى قاعدة التزامن أو الانعكاس الشرطي، كان عرب الجزيرة يتطلعون إلى مصادر الرياح بوصفها مسرح حيواتهم الاستعادي والخلفية الأمثل لتفتح صباباتهم، وبينها ريح الشمال ذات البرودة المنعشة، وريح الصَّبا التي تمتد «من مطلع الثريا وتتجه إلى بنات نعش»، ثم تصبو إلى جهة القِبلة؛ حيث تقع الكعبة المشرفة. ولأنها لم تكن بالنسبة لهم الريح الطيبة التي تلقح الأشجار والسحاب فحسب، بل التي تثير كوامن الشغف، فقد باتت «الصَّبا» المنادى الذي يستعين به الشعراء لاستعادة ما خسروه من حدائق الماضي وحرائقه العاطفية المؤنسة. وقد بدا ابن الدمينة وكأنه ينوب عنهم جميعاً في مناجاته الشهيرة:

ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتَ عن نجدِ

وقد زادني مسراكَ وجْداً على وجْدِ

ولم تقتصر مفاعيل النسيم على سكان الصحارى وشعراء المشرق الوالهين وحدهم، بل وجدت تلك المفاعيل أصداء لها في البيئة الأندلسية، رغم ما وفرته تلك البيئة للعشاق من مناخات الحرية والانفتاح والمتع الحسية، فضلاً عن جمال الطبيعة الخلاب. فالحب في مراحل تمكُّنه، يستطيع أن يفتك بقلوب المحبين، بصرف النظر عن طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وحياتهم الزريّة أو المترفة، وهو ما عكسته بوضوح علاقة ولادة بنت المستكفي بابن زيدون. فحين بلغت العلاقة بينهما مآلاتها المحزنة، بسبب تفاقم الغيرة والشكوك المتبادلة، لم يجد الأخير ما يستعين به على آلام الفراق سوى الشعر، متوائماً في استعطافه الموجع للحبيبة النائية، بين اعتلال النسيم ووجيب قلبه المعتل:

واهاً لعطفكِ والزمان كأنما

صُبغتْ غضارتُهُ ببرد صباكِ

ولطالما اعتلّ النسيمُ فخلتُهُ

شكواي رقّتْ فاقتضتْ شكواك

وإذ يندلع الهواء في بعض الحالات من أعمق تجاويف الذاكرة، يتقمص سمات النسيم ورقّته وترجيعاته، ويغادر مسرحه المكاني ليصبح ارتداداً بالزمان إلى مرابع الحب ومراتع الصبا. وهو ما يجد تمثلاته الأبلغ في قول المتنبي:

وكيف التذاذي بالأصائل والضحى

إذا لم يَعُد ذاك النسيمُ الذي هبّا

ذكرتُ به وصْلاً كأنْ لم أفزْ بهِ

وعيشاً كأني كنت أقطعهُ وثبا

غير أن الهوى من جهة أخرى لا يأخذ شكل النسيم إلا في حالتين اثنتين، تتمثل أولاهما بصفو الزمان وخلوّ العلاقة بين العشاق من المنغصات، فيما تتصل ثانيتهما بالأشكال الوادعة من الفراق؛ حيث التموجات الناعمة للهواء المسافر في الزمن، ترفد العشاق المهجورين بأسباب الحنين والتذكر الشجي لمسرح الهناءة الأرضي. أما في الحالات الأخرى فقد يلبس الهوى لبوس العواصف أو الأعاصير، مطيحاً في طريقه بالعاشقين معاً أو بالطرف الأكثر تعلقاً بالآخر. وإذا كانت الباحثة الأميركية لورا موتشا قد شبهت نزاعات العشاق بالعاصفة الرعدية التي لا بد من حدوثها لتنقية العلاقة من الشوائب، فإن الأمور لا تسير دائماً على هذا النحو، فحين يضيق الخناق على العلاقة لأسباب شتى، لا يبقى للطرفين سوى الترنح المأساوي على «جسر البِلى»، وفق تعبير أبي فراس الحمداني، أو السقوط في هاوية الموت كما حدث لأدونيس وأوريديس في الأسطورة اليونانية؛ حيث كان على أورفيوس وعشتروت أن يهبطا إلى العالم السفلي، لكي يعيداهما ولو بشكل مؤقت إلى الحياة.

من معاني الهوى الانقضاض والحركة السريعة، فيقال: «هوت العقاب وتهوي هويّاً» إذا انقضت على صيدٍ أو غيره، بحيث يصبح الحب من بعض زواياه هواءً وقبض ريح

وإذا كان الغرب في عصوره الحديثة قد شهد الكثير من عواصف الحب التي أوقفت العشاق على شفير الهُوى المتربصة، ودفعت آخرين إلى جوفها الفاغر، فقد تكون المغامرة العاطفية التي عاشها كل من نيتشه وريلكه مع الشابة الروسية لو سالومي، ذات الجمال والذكاء المفرطين، هي النموذج الأكثر دلالة على سطوة الحب، وعلى نتائجه المدمرة والخلاقة في آن. فنيتشه الذي قابلت سالومي افتتانه بها برفضها الزواج منه، غير آبهة بعبقريته الفذة، لم يلبث أن وقع في الهاوية نفسها التي حذر منها غيره من العشاق، بقوله «لا تحدق طويلاً في الهاوية حتى لا تلتفت إليك». أما ريلكه الباحث عن وجه للحقيقة مستحيل المنال، الذي ناشد من يحبونه بمن فيهم سالومي نفسها، ألا يُفسدوا عليه وحدته، فقد كتب، وهو المتناهب أبداً بين عاصفتي الحب والكتابة:

أشعر ببعض الأعاصير وكأنها ولدٌ لي

أتعرفني أيها الهواء؟

يا من ستحلّ مكاني ذات يوم

ويا من ستكون لي وعاءً وحاضراً زلِقاً

وديواناً للأشعار


مقالات ذات صلة

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

ثقافة وفنون نيتشه

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك،

جنيفر سلاي
ثقافة وفنون خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

مجسّمات كلاسيكية أموية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،