الهوى كجناس ناقص بين الهواء والهاوية

يتقمص رقة النسيم حيناً وعتو العواصف حيناً آخر

نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
TT

الهوى كجناس ناقص بين الهواء والهاوية

نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي

إذا كان لكل لغة من لغات العالم الحية ما تمتاز به عن سواها من اللغات، على مستويات الدلالة والبنية النحوية والإيقاعية والقدرة على التطور، فإن ما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، هو غناها المفرط بالمرادفات، إضافة بالطبع إلى جرسها الخاص وثرائها الصرفي والبلاغي. إذ قلما نجد بين لغات الأرض من تُفرد عشرات الأسماء للجمل أو الأسد أو السيف أو الصحراء أو الحب، كما هو الحال مع لغة الضاد. ومع ذلك فإن تبحُّراً عميقاً في معاني الكلمات ودلالاتها، يوصلنا إلى الاستنتاج بأن هذا الغنى المعجمي لا يندرج برمته في خانة الحشو وفائض الإنشاء والترف التعبيري البحت، بل ثمة في بعض الحالات رفعٌ للنعوت والصفات إلى رتبة الأسماء. وفي حالات أخرى تتجه التسميات من التعميم إلى التخصيص؛ حيث للمدلول رتبه وسلّمه ودرجاته، كما هو حال الحب الذي تتراوح تسمياته بين العشق والهوى والصبابة والكلَف والولع والجوى والوله والوجد والهيام وغير ذلك، تبعاً للمراحل التي يقطعها المحبون على الطريق الشائك للعشق والافتتان بالآخر.

وأغلب الظن أن ما أصابته هذه المفردة من الشيوع، لا يعود إلى خفتها البالغة فحسب، بل إلى ما تحمله في الوقت ذاته من مضامين ودلالات. وبالعودة إلى «لسان العرب»، نلاحظ أن المعجم العربي الأشهر لا يشير إلى فارقٍ يُذكر بين الألِفين الممدودة والمقصورة، بل يربط الفعل الثلاثي «هوى» بنظيره المكتوب بالألف الممدودة، أي بالهواء. فكل فارغٍ في «لسان العرب» هواء، والهواء والخواء واحد في المعنى. وقد يأتي الهواء بمعنى الخفة والطيش وانحراف السوية. فالقرآن الكريم يصف الضالين من البشر بأن «أفئدتهم هواء»، أي جانحة وطائشة وخالية من التعقل، فيما يستلهم أحمد شوقي العبارة القرآنية نفسها في معرض الإشارة الملطفة إلى تبدل مشاعر النساء وتقلبهن العاطفي، فيقول:

فاتقوا الله في قلوب العذارى

فالعذارى قلوبهنّ هواءُ

ومن معاني الهوى الانقضاض والحركة السريعة، فيقال: «هوت العقاب وتهوي هويّاً»، إذا انقضت على صيدٍ أو غيره، بحيث يصبح الحب من بعض زواياه هواءً وقبض ريح، ويصبح من زوايا أخرى انقضاضاً على قلب العاشق وإدماءً لقلبه بمخالب العاطفة الكاسرة التي مشى إلى نعيمها برجليه، قبل أن تميط اللثام عن مواجعها اللاحقة. كما يرتبط الهوى بالهوّة والهاوية، باعتباره سبباً للسقوط السريع وصولاً إلى القاع الأخير للمأساة. وإذا كانت الأصوات والألفاظ، هي في الكثير من وجوهها صدى للمعاني وواحدة من تجلياتها، فإن حروف الهوى الثلاثة تترافق في نطقها مع حركة الزفير؛ حيث الهاء الخارجة من المصدر العميق للأنفاس تتحول إلى تنهيدة مشوبة بالأسى، فيما يتماهى الواو والألف مع صيغة النداء المتصلة بحرقة الفقدان. هكذا تصبح اللفظة تفريغاً لجسد العاشق من الطاقة المختزنة في داخله، وصولاً إلى هلاكه المحتوم، ما لم يمكنه حضور المعشوق ووصاله من التقاط أنفاسه من جديد.

ومع أن الشعوب القديمة كانت تجد في عنصري الماء والهواء نوعاً من التكامل الطبيعي مع مبدأ الحب؛ حيث يعمل الأول على الخطين المتصلين بخصوبة الأرض ونطفة الخلق، فيما يعمل الثاني على رفد الكائنات بأسباب البقاء، والمحبين بأسباب الحنين، فلا بد من ملاحظة أن الفارق الأهم بين العنصرين يتمثل في البعد العمودي للأول، والأفقي للثاني. فإذ ينزل الأول من الأعلى إلى الأسفل، محققاً معادلة الرجل السماء والمرأة الأرض، يبدو في إطاره التأويلي متناغماً مع الترجمة الجسدية للحب الصريح، فيما الهبوب الأفقي للثاني يجعله وثيق الصلة بالحب العذري، ويحوله في ضوء المسافة الفاصلة بين العاشقين، إلى حاملٍ للّقاح الذي تحتاجه العلاقة لكي تؤتي ثمارها، أو إلى ناقل إلزامي لرسائل الوله العاطفي والرغبات المعطَّلة. ولن نُعدم في هذا المجال العثور في ثنايا الشعر العربي القديم على ما نحتاجه من الشواهد، وبينها قول جميل بن معمر:

أيا ريح الشمال ألم تريني

أهيمُ، وإنني بادي النحولِ

هَبيني نسمة من ريح بَثْنٍ

ومُنّي بالهبوب على جميلِ

وقولي يا بثينة حسبُ نفسي

قليلكِ أو أقلّ من القليلِ

كما حاول الشعراء العشاق الذين انفصلوا عن حبيباتهم بالإكراه، أن يخففوا عن كواهلهم وطأة الفقد، عبر العثور على قواسم مشتركة تجمعهم بهن، كأن ينظر الطرفان إلى النجوم ذاتها، أو يواريهم الثرى إياه. وكذلك هو الحال مع الهواء والشمس، اللذين يلفان العاشقين المتباعدين بملاءة واحدة من الهواء والضوء؛ حيث يعلن قيس بن ذريح:

فإن تكُ لبنى قد أتى دون قربها

حجابٌ منيعٌ ما إليه سبيلُ

فإن نسيم الجو يجمع بيننا

ونبصر قَرن الشمس حين تزولُ

كما يتحول الهواء من بعض وجوهه إلى جزء من المشهد الطللي الذي يستعيد العشاق من خلاله صورة المنازل الدارسة، وصورة ساكنيها الذين تحولوا مثلها إلى أطلال. وعلى قاعدة التزامن أو الانعكاس الشرطي، كان عرب الجزيرة يتطلعون إلى مصادر الرياح بوصفها مسرح حيواتهم الاستعادي والخلفية الأمثل لتفتح صباباتهم، وبينها ريح الشمال ذات البرودة المنعشة، وريح الصَّبا التي تمتد «من مطلع الثريا وتتجه إلى بنات نعش»، ثم تصبو إلى جهة القِبلة؛ حيث تقع الكعبة المشرفة. ولأنها لم تكن بالنسبة لهم الريح الطيبة التي تلقح الأشجار والسحاب فحسب، بل التي تثير كوامن الشغف، فقد باتت «الصَّبا» المنادى الذي يستعين به الشعراء لاستعادة ما خسروه من حدائق الماضي وحرائقه العاطفية المؤنسة. وقد بدا ابن الدمينة وكأنه ينوب عنهم جميعاً في مناجاته الشهيرة:

ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتَ عن نجدِ

وقد زادني مسراكَ وجْداً على وجْدِ

ولم تقتصر مفاعيل النسيم على سكان الصحارى وشعراء المشرق الوالهين وحدهم، بل وجدت تلك المفاعيل أصداء لها في البيئة الأندلسية، رغم ما وفرته تلك البيئة للعشاق من مناخات الحرية والانفتاح والمتع الحسية، فضلاً عن جمال الطبيعة الخلاب. فالحب في مراحل تمكُّنه، يستطيع أن يفتك بقلوب المحبين، بصرف النظر عن طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وحياتهم الزريّة أو المترفة، وهو ما عكسته بوضوح علاقة ولادة بنت المستكفي بابن زيدون. فحين بلغت العلاقة بينهما مآلاتها المحزنة، بسبب تفاقم الغيرة والشكوك المتبادلة، لم يجد الأخير ما يستعين به على آلام الفراق سوى الشعر، متوائماً في استعطافه الموجع للحبيبة النائية، بين اعتلال النسيم ووجيب قلبه المعتل:

واهاً لعطفكِ والزمان كأنما

صُبغتْ غضارتُهُ ببرد صباكِ

ولطالما اعتلّ النسيمُ فخلتُهُ

شكواي رقّتْ فاقتضتْ شكواك

وإذ يندلع الهواء في بعض الحالات من أعمق تجاويف الذاكرة، يتقمص سمات النسيم ورقّته وترجيعاته، ويغادر مسرحه المكاني ليصبح ارتداداً بالزمان إلى مرابع الحب ومراتع الصبا. وهو ما يجد تمثلاته الأبلغ في قول المتنبي:

وكيف التذاذي بالأصائل والضحى

إذا لم يَعُد ذاك النسيمُ الذي هبّا

ذكرتُ به وصْلاً كأنْ لم أفزْ بهِ

وعيشاً كأني كنت أقطعهُ وثبا

غير أن الهوى من جهة أخرى لا يأخذ شكل النسيم إلا في حالتين اثنتين، تتمثل أولاهما بصفو الزمان وخلوّ العلاقة بين العشاق من المنغصات، فيما تتصل ثانيتهما بالأشكال الوادعة من الفراق؛ حيث التموجات الناعمة للهواء المسافر في الزمن، ترفد العشاق المهجورين بأسباب الحنين والتذكر الشجي لمسرح الهناءة الأرضي. أما في الحالات الأخرى فقد يلبس الهوى لبوس العواصف أو الأعاصير، مطيحاً في طريقه بالعاشقين معاً أو بالطرف الأكثر تعلقاً بالآخر. وإذا كانت الباحثة الأميركية لورا موتشا قد شبهت نزاعات العشاق بالعاصفة الرعدية التي لا بد من حدوثها لتنقية العلاقة من الشوائب، فإن الأمور لا تسير دائماً على هذا النحو، فحين يضيق الخناق على العلاقة لأسباب شتى، لا يبقى للطرفين سوى الترنح المأساوي على «جسر البِلى»، وفق تعبير أبي فراس الحمداني، أو السقوط في هاوية الموت كما حدث لأدونيس وأوريديس في الأسطورة اليونانية؛ حيث كان على أورفيوس وعشتروت أن يهبطا إلى العالم السفلي، لكي يعيداهما ولو بشكل مؤقت إلى الحياة.

من معاني الهوى الانقضاض والحركة السريعة، فيقال: «هوت العقاب وتهوي هويّاً» إذا انقضت على صيدٍ أو غيره، بحيث يصبح الحب من بعض زواياه هواءً وقبض ريح

وإذا كان الغرب في عصوره الحديثة قد شهد الكثير من عواصف الحب التي أوقفت العشاق على شفير الهُوى المتربصة، ودفعت آخرين إلى جوفها الفاغر، فقد تكون المغامرة العاطفية التي عاشها كل من نيتشه وريلكه مع الشابة الروسية لو سالومي، ذات الجمال والذكاء المفرطين، هي النموذج الأكثر دلالة على سطوة الحب، وعلى نتائجه المدمرة والخلاقة في آن. فنيتشه الذي قابلت سالومي افتتانه بها برفضها الزواج منه، غير آبهة بعبقريته الفذة، لم يلبث أن وقع في الهاوية نفسها التي حذر منها غيره من العشاق، بقوله «لا تحدق طويلاً في الهاوية حتى لا تلتفت إليك». أما ريلكه الباحث عن وجه للحقيقة مستحيل المنال، الذي ناشد من يحبونه بمن فيهم سالومي نفسها، ألا يُفسدوا عليه وحدته، فقد كتب، وهو المتناهب أبداً بين عاصفتي الحب والكتابة:

أشعر ببعض الأعاصير وكأنها ولدٌ لي

أتعرفني أيها الهواء؟

يا من ستحلّ مكاني ذات يوم

ويا من ستكون لي وعاءً وحاضراً زلِقاً

وديواناً للأشعار


مقالات ذات صلة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون فوكوياما

فوكوياما وتهافت «النهاية»

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة

ندى حطيط

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».