«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

أحمد خلف في لعبة سردية فيها كثير من التجريب

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن
TT

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

يؤكد الروائي أحمد خلف في روايته «في الطريق إليك» الصادرة عام 2023 أنه صانع ماهر للشخصيات الروائية في أغلب أعماله الروائية والقصصية؛ فهذه الرواية تتمحور حول شخصية بطلها وساردها «سعيد»، وهو صحافي وقاص أمضى في الصحافة 35 عاماً، وينتظر بلهفة إنجاز معاملته التقاعدية، بعد أن أدرك من لقطة دالَّة أنه لم يعد قادراً على التلاؤم مع المناخ الجديد، من خلال رؤيته لرئيس التحرير الجديد، وهو يبسمل ويحوقل، مما دفعه للخشية من أن يفرض عليه لوناً من الاشتراطات التي لا تتوافق ومزاجه الشخصي.

حركة الزمن بصورة عامة أفقية، في مقابل محدودية الحركة الأفقية؛ إذ تكاد الحركة الأفقية تهيمن على أحداث الرواية من خلال توظيف الذاكرة لاسترجاع صور الماضي، وإعادة تنضيدها وتركيبها سردياً، أو من خلال لعبة ميتا سردية بارعة يبتكر فيها المؤلف بعض الحكايات والمرويات التي يخلقها أو يستلهما من أعمال سردية سابقة، مثل «ألف ليلة وليلة»، ومنها على سبيل المثال حكاية الملكة زبرجد، وما حصل لها مع زوجها الملك الجبار، كما قد يلاحق الراوي وقائع حقيقية وقعت لشاعر عراقي معروف هو آدم الذي هو كناية عن اسم الأديب (حاكم محمد حسن) الذي أعدمه النظام الصدامي بتهمة الهروب من الخدمة العسكرية، كما يلجأ المؤلف أحياناً إلى إدراج قصص كاملة، مثل قصة «بئر الآبار». (ص 82)

يستهل الروائي السرد بتوظيف ضمير الغيبة (هو) وهو كناية عن «أنا» المتكلم الذي يطلق عليه الناقد تودوروف «أنا الغائب الحاضر»، وهو شكل من أشكال المونولوغ المروي.

«اعتاد سعيد أن ينهض في الصباح باكراً. لديه عزم شديد أن يواصل الحياة، باختياره، لا باختيارٍ مِن غيره». (ص 7)

لكن المؤلف يخلط بين هذا اللون من المونولوغ السردي المبَأَّر فنياً والسرد العليم أو كليّ العلم، من خلال إدراج اسم البطل سعيد في السرد الذي يفضل حذفه، وكان بالإمكان إرجاء ذلك إلى مناسبة حوارية لاحقة، من خلال مخاطبه أحد معارفه باسمه هذا.

نكتشف منذ البداية أننا أمام شخصية روائية إشكالية ينتابها إحساس بأنها لا تستطيع أن تتلاءم مع العالم الجديد، لذا يبدو لها العالم صعباً وقاسياً لا يمكن أن يتجانس معها. (ص7)

ويعترف البطل بأنه يقاوم فعل المحو الذي تتعرض لها ذاكرته بفعل الزمن: «لكنه غالباً ما يضحك من أعماقه كلما تداخلت لديه المشاهد والصور في سنوات متفاوتة من ذكريات محاها الزمن بفعله القاسي». (ص 8)

ونجد ارتباط تحفيز خزين الذاكرة بمنشطات معينة، مثل تناوله للقهوة أو الشاي الأحمر، لأنه «كان يجد في تناوله لهذه المنبهات متعة كبيرة يتذكر فيها بعض فصول حياته». (ص 10) وكان الراوي يدرك أهمية أن يخلق لوناً من التوازن بين الذاكرة والمخيلة، لأنه يجد أن المخيلة تواقة دائماً لخلق المزيد من الصور والمشاهد الحيوية المؤثرة». (ص 20)

وتشغل اللعبة الميتا سردية مكانة متميزة في البنية الروائية، بدءاً من عنوان الرواية «في الطريق إليك»، الذي هو صدى لصوت يتناغم رخياً يخاطبه مباشرة: «في الطريق إليك، ها أنا في الطريق إليك، لا تتعجل في إصدار الحكم عليَّ» (ص 20)، ورغم أهمية العنوان بوصفه بنية دالة مؤثرة، خصوصاً أنه سبق أن سمعه في صباه وهو يتجه إلى مدرسته، فإن المؤلف، وللأسف، لا يمنحه الاهتمام الكافي ليكون جزءاً مؤثراً في المتن الروائي وفي بناء شخصية البطل، لذا سرعان ما غطَّت عليه حركة الأحداث المتدافعة، فسقط في بئر النسيان.

رغم أهمية العنوان بوصفه بنية دالة مؤثرة فإن المؤلف لا يمنحه الاهتمام الكافي ليكون جزءاً مؤثراً في المتن الروائي وفي بناء شخصية البطل

ويكمن فهم مفتاح شخصية البطل في ارتباطه بعالم القراءة والكتابة وولعه بعالم الأساطير والخرافات؛ فهو ظِل ينسج مرويات خيالية ويؤثث بها عالمه الروائي، حتى يُخيَّل للقارئ أن الراوي قد تحول، نفسه، إلى كائن ورقي؛ ليس بالمعنى الذي أسبغه عليه رولان بارت من خلال مؤلَّفه «موت المؤلف»، وأن المؤلف مجرد كائن ورقي ليس إلا، بل بمعنى الانغماس في عالم المرويات والحكايات والأساطير، حتى ليكاد يتحول هو نفسه إلى كائن أسطوري وخيالي يشعر فيها بأنه أحد شهود العصر على ما يجري، خصوصاً بعد الاحتلال الأميركي:

«أنا شاهد على ما جرى، وما حصل من خراب ودمار وقتل واغتيال وتغييب». (ص 4)

ولذا فهو لا يكف عن تقديم المزيد من الحكايات والمرويات:

«قل ولا تتردد، فأنت كما يبدو خزين لحكايات لن تنضب وليس لها من نهاية؛ إذ كلما دعوناك إلى أن تختم حكايتك الأخيرة ما تلبث أن تلقي علينا بحكاية أمضّ وأقسى منها». (ص 24)

وهكذا تنثال مرويات الراوي، وهو يعود ثانية إلى كتابه الذي فتحه على إحدى صفحاته المزدانة بالصور والسرادق والقصور، ومن هذه الكتب قفزت إلى المتن الروائي حكاية الملكة زبرجد التي زاحمت المتن، بعد أن كانت حبكة ثانوية وهامشاً، فأصبحت مركزاً. ويبدو لي أن حكاية الملكة زبرجد إعادة إنتاج للحكاية الإطارية الأولى التي تستهلّ بها حكايات «ألف ليلة وليلة»، وتحديداً في حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان؛ إذ يكتشف الملك شهريار أثناء مغادرته القصر زوجته في أحضان أحد عبيده، فيقوم بقتلهما معاً. وهو ما حدث تماماً بالنسبة للملكة زبرجد، عندما اكتشف الملك الجبار علاقتها بأحد عبيده، المسمى عبد الواحد، فقتل العبد، وأمر بدفن الملكة سراً في الباحة الخلفية للقصر، بعد أن قُتِلت خنقاً، كما يعتقد.

ويؤرخ المؤلف لتاريخ كتابة روايته هذه خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق، وتحديداً يوم 11/ 2/ 2003، وهو تاريخ شروعه في كتابة هذه الرواية:

«يعلم أنه يعيش في بلد محتل منذ أكثر من عقدين من الزمن وأن الأميركان هم مَن يحتلون هذه البقعة الغنية بالثروات». (ص 35)

ولذا كان البطل قلقاً على مستقبل العراق «وما يخطط له الأميركان لتحطيم البلد». (ص 45)

ويسجل لصالح الرواية هنا إدانة الاحتلال الأميركي للعراق، وفضح أشكال الخراب التي حدثت في البنى التحتية للمجتمع ولمنظومة القيم الاجتماعية القويمة، لكن ما أثار استغرابَنا استياؤه الشديد مما شاهده على شاشات التلفزيون من إسقاط تمثال صدام حسين أرضاً ليقتص منه، والناس حوله تصفق:

«لكن لماذا تصرَّف الجندي بهذه الطريقة التعسة مع تمثال رجل كان قبل أيام رئيس دولة أرعبت العديد من دول الجوار؟!». (ص 83)

ومن الجهة الأخرى، اغتنت الرواية بحكايات ومرويات ثانوية، لكنها مهمة ومؤثرة، منها حكاية الشاعر آدم. وقد استطاعت هذه الحبكة إضفاء كثير من الحيوية في البنية السردية، وأنقذتها من حالة الركود النسبي الذي كاد يشلّها. وكانت ملاحقة بطل الرواية سعيد لصديقه (آدم) ودفاعه عنه أمام رئيس التحرير، وذهابه إلى موقف الحارثية الذي يحتجز أولئك المتهمين بالهروب من العسكرية، ريثما يصدر الحكم النهائي بشأنهم. وبدا حرص البطل على إنقاذ بعض مخطوطات صديقه (آدم) السردية إنسانياً ومؤثراً:

«كانت أصابعه قد التقطت ورقة قصيرة مما كتبه آدم له قبل إعدامه بأسابيع». (ص 57)

وتمثل حكاية آدم ومصيره المأساوي إدانة واضحة للنظام الديكتاتوري الذي أعدم المئات وربما الآلاف من المجنَّدين الشبان بتهمة الهروب من ساحة حروب مجانية ومجنونة شنَّها الديكتاتور صدام حسين لإرضاء نزواته النرجسية الدموية، وكان ضحيتها الشباب العراقيين، فضلاً عن تدمير المجتمع العراقي وإفقاره، ووضعه أمام تحديات جسيمة، ما زال حتى اليوم يعاني من عواقبها المدمرة.

ومن الحبكات الثانوية المهمة، علاقة البطل بإحدى الشابات المعجبات بكتاباته القصصية التي كان ينشرها في الجريدة، واسمها ناهد، وقد قامت بزيارته في مقر الجريدة، والتقت به مراراً، وكانت تحلم بأن يتزوج منها، لكنه صدمها بأنه لا يفكر بالزواج إطلاقاً، وهي ثيمة إنسانية كان يمكن لها أن تتطور وتنمو، لكن البطل سرعان ما قمَعَها بإصرار، مما حرم السرد من أفق للامتداد والتوسع العاطفي. ومن الجهة الأخرى فقد كانت ناهد مشروع قاصة واعدة، لكنه لم يمنحها الفرصة الكافية لتحقيق طموحها، حيث أكدت له أنها كانت معجبة بقصته «بئر الآبار» التي نشرها في الجريدة التي يعمل بها، وأنها تنوي كتابة قصة على غرار ما يكتبه. (ص 83)

وبشكل عام يمكن القول إن اللعبة الميتا سردية هي المهيمنة على البنية السردية؛ سواء من خلال التلميح والتصريح بكتابة رواية تغطي مرحلة الاحتلال الأميركي، يكون فيها الراوي شاهداً على أحداث عصره وبلاده، أو من خلال العتبة النصية التي استهل بها المؤلف الرواية، والتي عبَّر فيها عن فهمه لمشروع الكتابة «بوصفها محاولة لحفظ توازن مفقود». (ص 5)، أو من خلال الإشارات المتفرقة المبثوثة هنا وهناك عن فن السرد، مثلما كان يبين لناهد عن شروط الكتابة القصصية:

«أنا أكتب القصة على مراحل ثلاث؛ في الأولى أخطط لها، بعد أن أقرر الكتابة، ثم مرحلة الشروع بالعمل، والمرحلة الأخيرة هي الأهم: العنوان، ثم المراجعة النهائية». (ص 72)

لكن ضربة المعلم التي قدمها المؤلف في مجال اللعبة الميتا سردية تتمثل في خاتمة الرواية، وربما في التذييل الذي اختتم به السرد الروائي، والذي دعا فيه القارئ للمشاركة في اختيار نهاية للأحداث الروائية، وقدَّم في ذلك عدة خيارات وضعها أمام القارئ لمساعدته في الاندماج بمشروع إيجاد معنى للرواية من خلال رسم نهاية لرواية تمتلك كثيراً من عناصر النص المفتوح، القابل لتأويلات لا تنتهي؛ فقد جاء في التذييل الذي يحمل عنوان «هامش يخص القارئ» هذه الدعوة الموجَّهة من المؤلف إلى القارئ:

«يقترح مؤلف الرواية على قارئها أن يختار نهاية ملائمة له، شرط ألا تخرج عن السياق الكلي للرواية». (ص 27)

ويشير المؤلف إلى أن هذا نص مفتوح، وأنه يترك للقارئ فرصة التعبير عن حاله، فيما يقرأ من تعابير. (ص 211)

ولكي يساعد المؤلف القارئ في اختيار نهاية محددة، ينفي الثيمة المتعلقة بصديقه (آدم)، والخيارات المفتوحة لوضع نهاية مقبولة لحكايته. ويرى المؤلف أن هذه الطريقة التي يتبعها قد استعارها من المسرح و«تُسمَّى بسقوط الجدار الرابع، أي إلغاء الفاصل الوهمي بين المنتوج والممثّل». (ص 217)، وهي إشارة ذكية وعميقة تفتح أمام الرواية منحى تجريبياً جديداً من خلال «توريط» القارئ بالكتابة الروائية. ويعترف المؤلف بأن هذا المنحى يقابله مفهوم الميتا سرد، الذي أطلق على حركة التجديد الروائية، أي الخروج على الأنظمة السردية أو البناء الروائي التقليدي وتهديم بنيته الكلاسيكية.

وبهذا تكتمل كثير من عناصر اللعبة الميتا سردية من خلال عدد من المحاور والاشتغالات التي أشرنا إليها، مثل الإعلان عن الرغبة في الكتابة الروائية، وإدراج نصوص ومخطوطات قصص ومرويات داخل المتن الروائي الأكبر، والتبشير بلون جديد من السرد القصصي له شروطه الخاصة التي حددها مراراً، وأخيراً من خلال تحفيز القارئ ليكون طرفاً فاعلاً ومنتجاً في اختيار نهاية ملائمة لهذه النص الذي يفترض فيه أن يكون مفتوحاً.

رواية أحمد خلف «في الطريق إليك» لعبة سردية فيها كثير من التجريب والمغامرة ومحاولة الخروج على المألوف والشائع في بناء النص الروائي، وهي تجربة تُحسب له إبداعياً.


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.