«بوصلة السراب» للعماني أحمد الرحبي

«بوصلة السراب» للعماني أحمد الرحبي
TT

«بوصلة السراب» للعماني أحمد الرحبي

«بوصلة السراب» للعماني أحمد الرحبي

صدرت حديثاً عن «محترف أوكسجين للنشر» رواية «بوصلة السراب» للروائي العماني أحمد م الرحبي.

وجاء في تقديمها:

«يتبدّى الرحبي في هذه الرواية كمن يسحب دلوَ ماء من بئر مظلمة، ليسقي عطشنا بسردٍ متدفّقٍ يجمعُ الرقصَ بالقيد، والغطرسة بالتوق للحرية، ونداءات الحب، فهو يحاكي طبيعة (المكان/ القرية)، ويتوغل فيها عبر مشاهد حيّة، تحتفي بالتفاصيل، حيث لكل شجرة اسم، ولكل عشبة رائحة، ولكل هواء مساره بين البيوت والدروب التي يقطعها بطل الرواية محمد، الفتى المدجج بالأسئلة وروح الاكتشاف والمغامرة، رغم صمتهِ الذي يتواطأ والمكان الذي يأتيه من المدينة. هذا الفضول المتردد أحياناً، المقدِم أحياناً أخرى، يجعله ينخرط في علاقات آنية مع أترابهِ، يستمع إلى أحلامهم، ويشاركهم همومهم التي يلقي بثقلها الكبار على أكتاف الصغارِ الهشة. حكاياتُ قهر وظلم، تسلّط ورضوخ، حبّ وحقد، وكل ما يتعقّبُ المشاعر المتناقضة للشخصيات».

ومن أجواء الرواية: «الطرقاتُ إلى هناك ضيّقة والخرائبُ ليست قليلة. مزارعُ مهجورة تظهر بين الفينة والأخرى، ذات اليمين وذات الشمال: نخلُها يابسة، حزينة. تميل بأعجازها الضامرة، وتبسط جريدَها الباهت، المتقشّف، فتبدو كصفٍّ من العجائز المتسوّلات، وقفْنَ هناك، ومددْنَ أيديهنّ الواهنة. في وسط تلك المزارع بيوتٌ طينيةٌ متداعيةٌ، انهارتْ ذُراها، ونتأت جذوع أسقفها بعد أن نخرَها الإهمالُ وأبلاها الهجرُ، فتكدّس طوبُها المتهدّم عند عتباتها. وكانت البيوت بِدَورها مثل شيوخٍ مقعدين».

للمؤلف مجموعة قصصية بعنوان «أقفال» (2006)، وروايتان هما: «الوافد» (2012) و«أنا والجدة نينا» (2015)، كما ترجم للعربية عن الروسية أعمالاً لمكسيم غوركي وأنطوان تشيخوف وآخرين، وصولاً إلى آخر ترجماته وهي رواية «رحلة أخي أليكسي في يوتوبيا الفلاحين» لإكسندر تشايانوف، التي صدرت أخيراً عن «محترف أوكسجين للنشر».


مقالات ذات صلة

إيرين غرازيوسي تسلط الضوء على ثقافة المؤثرين

ثقافة وفنون إيرين غرازيوسي

إيرين غرازيوسي تسلط الضوء على ثقافة المؤثرين

اعترف، مؤخراً، كيفن سيستروم، مؤسس «إنستغرام»، بأن المنصة التي ساعد في إنشائها «قد فقدت روحها».

لوفيا غياركي (نيويورك )
ثقافة وفنون السلفية ويوم التأسيس

السلفية ويوم التأسيس

رجل الدين في كل نحلة - في رأي كثيرين - لا يخرج عن دائرة المثقفين أو على الأقل هو من الطبقة المتعلمة التي تحسن القراءة والكتابة.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون ابن رشد

ابن رشد بطلاً في رواية مصرية

عبر مسارات التاريخ والتخييل يرتحل الكاتب الروائي المصري إبراهيم فرغلي في روايته «بيت من زُخرف - عشيقة ابن رشد»، الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» في مصر.

منى أبو النصر (القاهرة )
كتب براين كلاس

أفعالٌ صغيرة تصنعُ تواريخ كبيرة

كثيراً ما نميلُ إلى التفكّر الحثيث في تاريخنا البشري والطبيعي، ووضعه موضع الاستنطاق والمساءلة.

لطفية الدليمي
كتب كاثرين ماكينّون

قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

في ظل عالمنا المعاصر الذي أصبح قرية كونية بفضل التكنولوجيا المتطورة من جهة، وبسبب ميل الإنسان نحو السيطرة على الطبيعة

د. حسن منصور الحاج

إيرين غرازيوسي تسلط الضوء على ثقافة المؤثرين

إيرين غرازيوسي
إيرين غرازيوسي
TT

إيرين غرازيوسي تسلط الضوء على ثقافة المؤثرين

إيرين غرازيوسي
إيرين غرازيوسي

اعترف، مؤخراً، كيفن سيستروم، مؤسس «إنستغرام»، بأن المنصة التي ساعد في إنشائها «قد فقدت روحها». ولّت الأيام التي كان يتبادل فيها الأصدقاء والعوائل الصور بشغف وحماس شديدين. أما الآن، فيسيطر المؤثرون على زمام الأمور. لا أحد حقيقياً. يقول سيستروم على البودكاست في لقاء مع الصحافية كارا سويشر: «إن الأمر مرعب. إنه هذا السباق إلى القاع لمن يمكن أن يكون الأكثر كمالاً».

والواقع أن مايا، بطلة الرواية الأولى لإيرين غرازيوسي المعنونة «الصورة الأخرى» تعكس هذه الحقيقة بالفعل. إنها تفكر في الملفات الشخصية على «إنستغرام» التي تعكس الطموح أكثر من كونها دليلاً على الطموح، وليس انعكاساً للواقع. إن الصفحة الشخصية لإيرين غرازيوسي تقاوم هذا الاتجاه المتسم بقدر كبير من الابتذال والتفاهة.

مايا طالبة محبطة، تركت كلية الدراسات العليا، وهي تعيش في ميلانو مع صديقها فيليبو، الذي كان أستاذاً في الجامعة التي التحقت بها، وكانت علاقتهما بمثابة مواجهة بالغة الحزن (لمايا، بعد وفاة شقيقتها) وأيضاً لفيليبو اليائس. علاقتهما محكومة بالتناقض. يتمنى فيليبو على مايا أن تفعل أكثر من مجرد تناول الحلوى الملونة ومشاهدة أوليفيا بنسون، وهي تتابع برنامج الجرائم على شاشة التلفاز. ومايا تكره أن فيليبو سحبها بعيداً عن باريس إلى مدينة يحظى فيها بالاحترام، بينما هي غير معروفة.

تحصل مايا في نهاية المطاف على وظيفة — أولاً نادلة، ثم مساعدة لأحد المؤثرين وتُدعى غلوريا، وهي مراهقة تملك الملايين من المتابعين على «إنستغرام». تقول غلوريا: «سأحتاج إلى شخص يمكنه مساعدتي في الانتقال بالمجال العام... من أن أكون طالبة في المدرسة الثانوية إلى شيء آخر». وكجزء من الوظيفة، لا توصي مايا بالكتب فقط، بل تكتب الخطب، والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي.

الكاتبة غرازيوسي، مؤسسة قناة ثقافية على «يوتيوب» وصاحبة مجلة، هي على وجه الخصوص منسجمة مع لغة الإنترنت. وروايتها، التي ترجمتها لوسي راند من الإيطالية إلى الإنجليزية، تصل إلى ذروتها عندما تسلط مايا الضوء على ثقافة المؤثرين. فالأحداث التي ترعاها، والاجتماعات التجارية، والكليشيهات المبتذلة الغامضة عن حب الذات تعد أساساً لأحكامها القاسية والفكاهة اللاذعة. عالم غلوريا مليء بحالات الاحتيال، ومايا تحب أن تكشفه.

تدخل علاقة الزوجين منطقة خطرة عندما تجد مايا نفسها في البداية مهووسة بغلوريا، ثم غارقة في عالمها الخاص. لا يزال هناك تفويض صادر عن مدير غلوريا بشأن موكلها يطاردني: «لا بد أن تعطيها شخصية»، كما تقول لمايا. وهذه هي الطريقة التي تعمل بها، فهي عبارة عن وعاء فارغ. بينما كانت غلوريا تستخرج المزيد والمزيد من مايا، ظللت أنتظر الرواية لتحقق النجاح في إيحاءات الإثارة النفسية. ولكن المخاطر المترتبة على زيادة الاعتماد المتبادل بين مايا وغلوريا لا تكاد تهدأ. تُقسم غرازيوسي الانتباه بين هذه الرابطة الطفيلية، وعلاقة مايا الفاشلة مع فيليبو، وكيف تنعى مايا شقيقتها إيفا.

يبرز نفاد صبر المؤلفة مع استخدام إيحاءات عديمة المعنى بدلاً من النثر العصبي

تُحاول غرازيوسي ربط هذه الخيوط معاً لإضافة طبقات من التشويق والغموض، ولكن لغتها تكافح من أجل مواكبة متطلبات القصة. هناك اعتماد مفرط على العرض المباشر لنقلنا عبر مختلف المشاهد، مما يقلل من سحر وحدة صوت مايا الساخر في الصفحات الأولى من الرواية، كما أنه يخفف من أي توتر. ويبرز نفاد صبر المؤلفة مع ترك النثر العصبي واستخدام إيحاءات عديمة المعنى مثل: «أحياناً ما يدهشني مقدار التغيير الذي طرأ عليّ، حتى منذ الأسبوع السابق. لا يمكنني أن أقول بالضبط ما هي هذه التغييرات على وجه التحديد».

يكتنف رواية «الصورة الجانبية الأخرى» الغموض وقدر من التخبط، مما يحرمنا من تحديد «الخصوصية» حال إذعانها للعبارات المبتذلة. وفي النهاية، تساءلت عما سيكون مصير فكر مايا، بآرائها المشتتة. كيف يمكن لها أن تشعر عندما تعرف أن حدة علاقتها بغلوريا قد خففت من حدة المشاعر الضبابية نفسها التي سخرت منها ذات مرة. ربما كانت تتغاضى عن الأمر أو بالنظر إلى الطريقة التي يشعر بها كيفن سيستروم الآن تجاه «إنستغرام»، ربما تجد أنه أمر مرعب نوعاً ما.

*خدمة «نيويورك تايمز»


السلفية ويوم التأسيس

السلفية ويوم التأسيس
TT

السلفية ويوم التأسيس

السلفية ويوم التأسيس

رجل الدين في كل نحلة - في رأي كثيرين - لا يخرج عن دائرة المثقفين أو على الأقل هو من الطبقة المتعلمة التي تحسن القراءة والكتابة، وليس من طبقة العمال الذين يعملون بأيديهم ولا يملكون وقتاً للقراءة وترف المطالعة. وفوق هذا، فإن طبقته التي ينتمي إليها سياسية بامتياز، رجل الدين لا ينفك عن الطموح السياسي والرغبة في امتلاك السلطة. ومن هنا جاء اهتمامه بالتاريخ، فمعظم المؤرخين القدماء كانوا رجال دين بدرجة ما.

من ضمن هؤلاء من كتبوا تاريخنا العربي والإسلامي، ومنهم من كتبوا تاريخ السعودية. قد نقول إن تاريخ المرحلة الثالثة، أي دولة الملك عبد العزيز قد كُتب، إلى حد ليس بالقليل. أما المرحلة الأولى لتاريخ الدولة التي أسسها الإمام محمد بن سعود، والمرحلة الثانية التي أعادها فيصل بن تركي بعد السقوط وهدم الدرعية، فتحتاج إلى مزيد من تسليط الأضواء وزيادة الدراسة. هي دولة واحدة بثلاث مراحل وليست ثلاث دول. وثمة خلط بين اليوم الوطني الذي يشير إلى قيام المملكة التي أقامها الملك عبد العزيز، ويوم التأسيس الذي يشير إلى البداية الأولى للدولة، دولة محمد بن سعود.

وإذا وقع هذا في قضية واضحة، فلا تسل عن خلط أكبر يتعلق بهذا التأسيس. المشكلة الأولى كمنت في قلة المراجع بالنسبة إلى المؤرخين السعوديين، فلكي يتحدثوا عن تاريخ الدولة التي أسست في سنة 1727 هم مضطرون إلى الرجوع إلى كتابين لا ثالث لهما «تاريخ ابن غنام» و«تاريخ ابن بشر». قد تجد مؤرخاً نابهاً يملك كل الأدوات التحليلية لكن رؤيته تخرج مشوهة بسبب تقيده بهذين المصدرين. أما ابن غنام فهو تلميذ للشيخ محمد بن عبد الوهاب الداعية المعروف، وقد كتبه بناء على طلب شيخه، وفي الواقع، الكتاب يتحدث عن سيرة الشيخ وعقائده ومعاركه الدينية. وقد يبدو أن كتاب «تاريخ ابن بشر» أكثر تحرراً، فهو يتحدث عن أمراء آل سعود لا عن الشيخ بدرجة أولى، لكنه لا يخرج عن ذات الإطار، إطار كتب التاريخ العقائدية التي تروج لفكرة الشراكة بين رجل السياسة ورجل الدين، فالشيخ ليس مجرد شيخ بل هو شريك في الحكم.

بل إنك عندما تقرأ هذين الكتابين بتمعن تجد أنهما ينزعان إلى نسبة كل إنجاز إلى الشيخ. هي ذات القضية القديمة وما زالت حاضرة إلى اليوم، رغبة رجال الدين أن يستأثروا بالسلطة أو أن يشاركوا فيها على الأقل. وهناك من يتابعهم بسذاجة أو كسل عن البحث، وهناك من يتابعهم بسبب انتمائه إليهم، وإن لم يكن شيخاً ولا رجل دين.

مع عصر ثورة المعلومات وتدفقها، تعلمنا أننا لم نكن نعيش في جزيرة معزولة، ووجدنا العديد من المصادر التي تقول ما لم يقله ابن غنام وابن بشر، فهناك كتب الرحلات التي كتبها المستشرقون الذين كانوا يتوافدون على بلادنا منذ القرن الثامن عشر، وربما قبله، وهناك كتابات العرب في العراق ومصر والشام، والتي أتاحت لنا فرصة المقارنة وضرب المعلومة بالمعلومة بغرض الوصول إلى مركب يجمع أصدق ما في الروايات.

عندما يُطرح السؤال: لماذا قامت الدولة السعودية؟ ولماذا في نجد بالذات، ونجد لم تقم فيها دولة بعد سقوط دولة بني أخيضر الزيدية (866 – 1093)؟ هناك جوابان: الجواب الأول، هو أنها قامت بناء على الحلف التاريخي بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب لمحاربة الشرك والكفر الذي ارتدت إليه الجزيرة العربية كلها، فكان لا بد من قيام دولة تستعيد الإسلام من جديد. ولتمرير هذا التصور الديني قام المؤرخون الدينيون بتصوير محمد بن عبد الوهاب بغلو كبير، وهناك من يصور الشيخ على أنه هو من كان يقود الجيوش ويدير الدولة. بينما الواقع هو أنه داعية من الدعاة، لجأ إلى الدرعية لتحميه بعد أن أصبحت حياته في خطر، في أثناء إقامته في بلدته الأم العيينة التي غضب عليه أميرها ابن معمر. وقد سعى في أثناء إقامته في الدرعية لتصحيح بعد المفاهيم فأصاب في بعض وأخطأ في بعض. توسع دائرة اطلاعنا كشف عن اعتراض كثيرين من الفقهاء على بعض آرائه التي رأوا فيها غلواً وشدة في الأحكام، ومع ازدهار طباعة الكتب في بلادنا وجدنا أن من الحنابلة من كان ينتقده بشدة كمفتي الحنابلة بمكة محمد بن عبد الله بن حميد صاحب كتاب «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة» الذي لم يترجم للشيخ محمد بن عبد الوهاب وإنما انتقده في ترجمة أبيه الشيخ عبد الوهاب.

الجواب الثاني هو ما نقله مؤرخ العراق عليّ الوردي في كتابه «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» عن المؤرخ العراقي عثمان بن سند البصري الذي لم يكن يحب محمد بن عبد الوهاب ولا دعوته، لكنه أثنى على أمراء آل سعود بأنهم يحققون الأمن في كل منطقة يحكمونها، وأن سكان تلك المناطق يتحولون إلى إخوة تسقط بينهم العداوات ويسود بينهم حسن الجوار، على الصعيد القبلي والطائفي أيضاً. هذا هو السبب الحقيقي لقيام الدولة السعودية وهذا هو سر عودتها ثلاث مرات بعد سقوطين، الأمن الذي تحققه للناس، الأمن هو مشروعها السياسي الذي لقي عميق القبول من أهل الجزيرة العربية.

يميل بعض الإسلاميين المعارضين للدولة السعودية اليوم إلى الثناء على الدولة السعودية الأولى؛ لأنهم يرونها دولة دينية كما يرغبون، والواقع أن السعودية دولة واحدة مرت بثلاث مراحل وليست ثلاث دول. وهذه الدولة مملكة عربية مسلمة الديانة، لكنها حتماً ليست دولة دينية، كالدول التي يحكمها الكهنوت أو يشاركون في الحكم.

* كاتب سعودي


ابن رشد بطلاً في رواية مصرية

ابن رشد
ابن رشد
TT

ابن رشد بطلاً في رواية مصرية

ابن رشد
ابن رشد

عبر مسارات التاريخ والتخييل يرتحل الكاتب الروائي المصري إبراهيم فرغلي في روايته «بيت من زُخرف - عشيقة ابن رشد»، الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» في مصر. ويبدو العمل أقرب لرواية داخل رواية، حيث يجد بطل الرواية المُعاصر نفسه مأخوذاً بفكرة كتابة سيرة تخييلية عن الفيلسوف ابن رشد، مِدادها مخطوطات قديمة لحكاية سيدة تدعى «لبنى القرطبية» شُغفت حبّاً بالفيلسوف ابن رشد، إذ وجدت فيه الأب والحبيب والفقيه والفيلسوف، وذلك خلال فترة ملازمتها له بالرعاية أثناء نفيه إلى قرية «أليُسانة»، بعدما تمكنت تلك السيدة من الهروب من العسس الذين تتبعوا معارفه حتى لا يلحقوا به إلى منفاه الجديد خارج قرطبة مسقط رأسه.

يتناوب الأبطال لسان السرد، لتخرج الرواية بمِعمار «بوليفوني» مُتعدد الأصوات، عبر ستة فصول تتقاطع أزمنتها كانعكاس لمرايا الماضي والحاضر، وسط حصار سؤال مركزي عن مصير الفكر الحُر في مقابل التشدد الديني وتدجين العقول، ويتكئ السؤال على سيرة الفيلسوف ابن رشد التي تتقاطع مع مصائر شخصيات الرواية في زمنهم المعاصر، وتحديداً سيرة البطل أستاذ الفلسفة المصري «إسكندر»، الذي وجد نفسه مأخوذاً بكتابة رواية تخييلية عن عشق سيدة اقتربت من ابن رشد في فترة محنته. لكن السرد يكشف مع تقدمه أن وازعاً شخصياً دفع البطل لكتابة تلك الرواية، حيث تكشف الأحداث عن تناص بين قصته وقصة محاكمة الأكاديمي المصري الراحل نصر حامد أبو زيد وتكفيره، والتفريق العبثي بينه وبين زوجته المُحبة، وهو ما يتأخر السرد في كشفه، فيما يُمهد له إبراهيم فرغلي مُبكراً بإهدائه الرواية إلى روح نصر حامد أبو زيد.

تعكس الرواية التي تقع في (428 صفحة)، سيرة ابن رشد (1126- 1198) من عدة زوايا، فيمنحه إبراهيم فرغلي صوتاً روائياً بضمير المتكلم، ويقدمه خلال أوج الفترة الحرجة من زمنه الفكري بعدما ينقلب السلطان أبو يوسف المنصور على الفلاسفة، ويشن حرباً ضدهم توازي حربه الأخرى ضد القشتاليين. وتُدرِج الرواية على لسان المنصور خطاباً مؤلباً ضد الفلسفة وأهلها، الذي هدفه تخويف العامة من الانصياع لتلك الأفكار التي يصفها بـ«زُخرف القول»، قبل أن يتوعدهم بجهنم فقد «خلقهم الله للنار».

تهافت التهافت

تبدو أصداء خطاب المنصور وكأنها تُقارع دأب ابن رشد في إتمام كتابه «تهافت التهافت» رداً على الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة»، الذي كتبه في أوج فترة التشدد تجاه الحكمة وعلوم الفلاسفة، فيما لا يبالي ابن رشد لما قد يسببه رده على الغزالي في التصعيد ضده ومواجهة حركة تكفير الفلاسفة.

وعبر طرائق السرد يظهر النقد «الرُشدي» في صراعه ضد التكفير كضمير الرواية وصوتها الحُر كما لغة الطيور، فيظهر ابن رشد في أحد مشاهد الرواية وهو يتناهى لسمعه تغريد طيور من النافذة، يستعيد معها رغبة قديمة بأن يتعلم لغة الطير.

وفي واحدة من ألعاب الرواية الغرائبية، يُطلق إبراهيم فرغلي السرد على لسان طائر «القُمري»، الذي يفيق على هدوء مريب، يوحي بمنطق الطير والحدس بالخطر، حتى ينتبه لطيور شبحية عملاقة أمسك كل منها بمخالبه بكتاب طائر إلى أن «تختفي الكتب الطائرة من آفاق البصر بغتة، تماماً على النحو الذي انبثقت من مكامنها واختفى أثرها»، وهو تكوين سوريالي يشكل موازاة للمشهد التاريخي حين استيقظ أهل قرطبة على حرق كتب ومخطوطات جمعها الوشاة من بيوت الدارسين والعلماء والوراقين التي تندرج في علوم الحكمة والفلسفة: «كان الناس قد تحلّقوا على مسافة من موقع الكتب التي تنتظر تنفيذ الحكم بالإبادة حرقاً كأن على رؤوسهم الطير».

أمام تمثال ابن رشد

تتناوب شخصيات الرواية المُعاصرة تقصيّ ملامح ابن رشد في ارتباط لا ينقطع مع سيرته، فالبطلة «ماريا إيلينا»، التي تدرس فلسفة الفن بجامعة قرطبة، تجد نفسها في حالة بوح أمام تمثال ابن رشد، تُحدثه عن أمها الروحية «مانويلا»، التي أوصتها بتحويل مخطوطات حول سيرة العاشقة الشابة «لبنى القرطبية» إلى رواية مشهودة، وهي الوصية التي استطاعت إقناع «إسكندر»، الأستاذ الجامعي المصري الذي انتدب حديثاً بجامعة قرطبة، بها فيستسلم لطلب تلميذته لكتابة تلك الرواية التخييلية عن ابن رشد والسيدة التي أحبته، ويطلب من «ماريا إيلينا» أن ترافقه إلى الأماكن الأثرية التي تحمل روائح ابن رشد، فتصطحبه إلى دهاليز قرطبة القديمة، ومحراب كنيسة الماسكيتا، وربوع الحي القديم التي عاش بها الفيلسوف القرطبي إلى جوار مجايله اليهودي موسى بن ميمون. يسير البطل بين الأزقة الضيقة وهو يتخيّل حياة أخرى كانت بها قبل ألف عام. فيما تقدم الرواية ملامح العمارة الأندلسية بثرائها الباذخ موشَّجة بـ«زُخرف» النهضة الفكرية والعلمية والفلسفية التي سادت في ذلك العصر.

تبدو الرواية أقرب لبحث لا ينقطع عن وهج العقل المطمور خلف حِجاب، فالبطل الذي قادته محاكم تفتيش جديدة بسبب بحث تقدم به، واتهم بسببه بالتكفير أمام محكمة مصرية في زمن يبعد سنوات سحيقة عن زمن ابن رشد، يسأل نفسه وهو يكتب رواية عنه: عمن تراني أبحث في الحقيقة؟ فيما يبدو التراث «الرشدي» حائراً في ذاته بين انتماءات عدة: فهل هو التراث العقلاني كما يشير تراث العقلانيين أم المُلحد كما يتناوله خصومه، أم الفيلسوف الذي تسببت أفكاره في تأسيس الأفكار العلمانية في أوروبا في وقت اندثر تراث العقلانية في الثقافة الإسلامية؟ المفكر الذي وصفه الغرب بالشارح الأكبر بعد أن نقل لهم تراث أهل الحكمة الإغريق أرسطوطاليس؟ أم الرجل الذي تعثّر في فهم كلمتي الكوميديا والتراجيديا كما يحب بورخيس أن يُصوره؟

وتبلغ الحيرة بالبطلة ماريا إيلينا بأن تتخيّل عبثاً ما إذا كان ابن رشد محض «أسطورة» أوجدها التاريخ «الرجل الذي دُفن مرتين وأُحرقت كتبه»، وهو العالِم والفيلسوف الذي أحاطت الرواية بأسمائه بما تحمله من دلالات ثقافية وحضارية شتى فهو: أبو الوليد، والإمام، وقاضي القضاة، و«أفيرويس»، و«آبين روسدين» وتحوّر اسمه في الترجمات العبرية ليصبح «آبي روسد» كما يُطلق عليه الإسبان، و«المشّاء» حيث كان «يتمشى طويلاً ليتدبّر فيما يوّد التفكير فيه، أو يتمشى مع طلبة العلم في أروقة المسجد أو بين أشجار النارنج في الفناء الفاصل بين المسجد ومبنى المئذنة، حيث يذرع الممر حولها بمعية الدارسين شارحاً أو متحدثاً بما يفكر من شؤون الفقه والحكمة والطب».


إطلاق منصة «ميتافيرس التراث السعودي»

تمكّن المنصة الجمهور العالمي المتنوع من استكشاف تاريخ السعودية الغني (وزارة الثقافة)
تمكّن المنصة الجمهور العالمي المتنوع من استكشاف تاريخ السعودية الغني (وزارة الثقافة)
TT

إطلاق منصة «ميتافيرس التراث السعودي»

تمكّن المنصة الجمهور العالمي المتنوع من استكشاف تاريخ السعودية الغني (وزارة الثقافة)
تمكّن المنصة الجمهور العالمي المتنوع من استكشاف تاريخ السعودية الغني (وزارة الثقافة)

أطلقت وزارة الثقافة منصة «ميتافيرس التراث السعودي»، التي تعد أول مبادرة وطنية من نوعها في هذا العالم الافتراضي، مدعومة بنظام الذكاء الاصطناعي لذكاء الوسائط التوليدي (GMI)، بتقنية «Hyperledger Fabric 2.5 blockchain»، وذلك بالشراكة مع «droppGroup ،droppPhygital».

وتُقدم المنصة مزيجاً من العروض الثقافية والابتكار الرقمي المدعوم من تقنية «GMI»، وتستضيف بيئة ديناميكية تسمح للمستخدمين بتجربة أنشطة ومعالم سياحية من احتفالات يوم التأسيس «في الحياة الواقعية».

تُقدم المنصة مزيجاً من العروض الثقافية والابتكار الرقمي (وزارة الثقافة)

ويشمل ذلك مناطق الجذب الثقافية مثل مسيرة التاريخ، والقطاعات المخصصة للموسيقى، والفن، والتاريخ، وفنون الطهي، والحرف اليدوية، إضافةً إلى ألعاب الفيديو المصغرة، فضلاً عن البث المباشر للأحداث، بما فيها حفل «سيمفونية البداية» ليوم التأسيس.

وتعد المنصة التجربة غامرة بالكامل ومعتمدة على الويب ومجهزة لـ«Mobile XR»، مما يضمن إمكانية الوصول عبر مجموعة واسعة من الأجهزة الرقمية، سواء من خلال الهواتف الجوالة، أو سماعات الرأس (VR)، أو سطح المكتب، وغيرها.

تتيح المنصة تجربة الأحداث السعودية عبر «ميتافيرس» (وزارة الثقافة)

ويضمن المستخدمون دخولاً سلساً إلى «الميتافيرس»؛ ليجسد التوافق عبر المنصات التزام الوزارة بالشمولية، مما يمكّن جمهوراً عالمياً متنوعاً من استكشاف التاريخ الغني للثقافة السعودية والمشاركة فيه.

وتُمكن هذه التجربة الملايين من المملكة وجميع أنحاء العالم، من تجربة الأحداث السعودية عبر «ميتافيرس»، مما يمثل لحظة تحول وقفزة كبيرة في مستقبل التعبير الثقافي والمشاركة.


المنتدى العالمي لثقافة السلام يؤكد دور الثقافة والتعليم والتنمية في تحقيق الاستقرار

جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

المنتدى العالمي لثقافة السلام يؤكد دور الثقافة والتعليم والتنمية في تحقيق الاستقرار

جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)

أكد المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم (الخميس) في القاهرة، على الدور المحوري للثقافة في ظلّ الصراعات العالمية وتضليل الرأي العام وتفشي التعصب والكراهية والتحريض على التطرف والعنف.

وأقيم المنتدى تحت عنوان «السلام العادل من أجل التنمية» ونظمته «مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية» في الكويت بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وشارك في أعماله نخبة بارزة من القادة والمفكرين ورجال السياسة والاقتصاد والإعلام ودعاة السلام من العالم العربي والعالم.

وحيا المنتدى ذكرى مؤسسه الراحل عبد العزيز سعود البابطين الذي توفي أواخر عام 2023، ووجّه سعود عبد العزيز البابطين، رئيس مجلس الأمناء في «مؤسسة البابطين الثقافية» كلمة دعا فيها القادة السياسيين ورجال الفكر للعمل معاً لوقف دولاب العنف ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

وقال البابطين: «نثمنُ جهودكم الدؤوبة في العمل على ترسيخ قيم الحرية والحوار والتفاهم والمشاركة في بناء مستقبل أفضل نجني فيه معاً ثمار الدعوات الجادة لتحقيق السلام».

وأضاف: «ابْذلوا كل ما في وسعكم من جهود لإنهاء هذا الجحيم المستعر في قطاع غزة (...) يا زعماء العالم إننا نتوجه بنداء مخلص إلى ضمائركم، إن التاريخ لن يتسامح مع كل من أخطأ في حق الإنسانية... ولا تزال الفرصة متاحة أمامكم لاتخاذ خطوات جادة باتجاه الطريق الصحيحة».

سعود عبد العزيز البابطين رئيس مجلس الأمناء في «مؤسسة البابطين الثقافية» (يساراً) وإلى اليمين وزير الإعلام والثقافة الكويتي عبد الرحمن المطيري (الشرق الأوسط)

البيان الختامي

واستمر المنتدى ثلاثة أيام تناول فيها المجتمعون عبر سبع جلسات القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية ذات العلاقة بالتنمية، كما ركّزت على أهمية السلام لاستقرار جميع بلدان العالم خصوصاً في المنطقة العربية.

وثمّن البيان الختامي أعمال الراحل عبد العزيز سعود البابطين «الذي نذر نفسه ووقته وماله للدفاع عن القضايا العربية من خلال ثقافة مستنيرة جامعة وغير مفرّقة».

وأكد البيان أن «السلام العادل يحتاج إلى تنمية سياسية حقيقية وإرادة معاصرة وتسخير التقنية الحديثة في خدمة الجمهور العام».

كما شدد على أهمية التعليم، وقال: «إن رأس الحربة في السلام العادل هو التعليم النوعي المستنير الذي يتوجب أن يكون مسايراً للعصر؛ ولذلك فإن الاهتمام بالأجيال وتقديم تعليم نوعي بمنهج منفتح هو بمثابة (فرض عين)».

أكد المنتدى على الدور المحوري للثقافة في ظلّ الصراعات العالمية وتضليل الرأي العام وتفشي التعصب والكراهية والتطرف (الشرق الأوسط)

وأكد أن «الاقتصاد قائد للتنمية ودور القطاع الخاص في النهوض به دور حيوي؛ لذلك فإن العناية بالتشريعات الاقتصادية المحفّزة لهذا التنوع وضبطها من خلال تعزيز ثقافة الادخار والاستثمار وتسخيرها لخدمة الجمهور العام».

كما شدد على الدور المحوري للثقافة «في ظلّ الأجواء السائدة اليوم والتي يتغشاها تضليل للرأي العام والزج به في صراعات تفتت المجتمع وتحرّض على التعصب والكراهية ووليدهما التطرف والعنف؛ لذلك ينبغي الحض على ثقافة منفتحة ومتسامحة تتقبل الآخر وتؤمن بالحوار».

ورأى أن «القضية الفلسطينية المسألة المحورية في وعي الأمة العربية، ونصرتها من الواجبات الوطنية من خلال الدفع باتجاه توحيد البيت الفلسطيني وتحرير الخطاب الفلسطيني من التأثيرات الإقليمية التي تضرّ بالقضية مع تشديد إدانتنا لحرب الإبادة بحق الشعب العربي الفلسطيني التي تجري في الأشهر الأخيرة أمام العالم بقطاع غزة».


رحيل الممثل والمسرحي اللبناني أنطوان ملتقى

الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)
الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)
TT

رحيل الممثل والمسرحي اللبناني أنطوان ملتقى

الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)
الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)

نعت نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان، الممثل والمسرحي القدير أنطوان ملتقى، الذي تُوفي، اليوم الأربعاء، عن عمر يناهز الـ91 عاماً.

وُلد أنطوان ملتقى في 9 يونيو (حزيران) 1933، في بلدة وادي شحرور اللبنانية، متأهِّل من الفنانة لطيفة شمعون ملتقى، ولهما ابن وحيد (زاد).

يُعدّ ملتقى من كبار أساتذة «كلية الفنون الجميلة» في الجامعة اللبنانية، وواحداً من عمالقة العصر الذهبي للفن في لبنان.

أطلّ على المسرح للمرة الأولى في عام 1937 بدور مُزارعٍ صغيرٍ. أما المسرحية الأولى التي تولّى إخراجها ومثّل فيها، كانت «الزّير» لفولتير، في عام 1950، ببلدته وادي شحرور.

الفنان اللبناني أنطوان ملتقى بدور «القاضي» في مسلسل «عشرة عبيد زغار» سنة 1974 (لقطة من المسلسل)

عمله المسرحي الأول كان مع المخرج منير أبو دبس في مسرحية «ماكبث» لشكسبير.

بعدها شارك بالعديد من الأعمال المسرحية، منها: «ضاعت الطاسة»، «سمسم»، «الأزميل»، وغيرها.

من أشهر الأدوار التلفزيونية التي لعبها ملتقى ولا تزال راسخة في الذاكرة الشعبية اللبنانية، شخصية «القاضي»، في مسلسل «10 عبيد زغار»، عام 1974.


اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات

اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات
TT

اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات

اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات

يصادف اليوم، 21 فبراير (شباط)، «اليوم العالمي للغة الأم» الذي يعدُّ مناسبةً يُحتَفل بها في جميع أنحاء العالم لِتعزيز الوَعي بالتنوع اللغوي والثقافي وتعدد اللغات.

وأعلنت منظمة «اليونيسكو» للمرة الأولى هذه المناسبة 17 ديسمبر (تشرين الثاني) 1999م، ومن ثمّ أقرّته الجَمعية العامة للأُمم المُتحدة، وتَقرر إنشاء سَنة دَولية للغات عام 2008.

احتُفِل بـ«اليوم العالمي للغة الأم» منذ عام 2000 لتعزيز السلام وتعدد اللغات في جميع أنحاء العالم وحماية جميع اللغات الأم.

ورغم وجود أكثر من 6500 لغة في العالم، فإنّ نحو 2000 من هذه اللغات يقلّ عدد المتحدثين بها عن 1000 متحدّث.

واللغات الأكثر انتشاراً، وفقاً للأمم المتحدة هي: المندارين الصينية، والإسبانية، والإنجليزية، بالإضافة إلى العربية، والهندية، والبنغالية، والبرتغالية، واليابانية، والألمانية، والروسية، والفرنسية.

تعدّ اللّغة العربيّة واحدة من أقدم لغات العالم، وتتميّز بثراء مفرداتها وجمالها وقواعدها اللّغويّة المتنوّعة. فضلاً عن ذلك، فهي طيّعة، قابلة للتّطوّر، شأنّها شأن كلّ لغة تماشي العصر وتراعي مفرداته. غير أنّها لا تتخلّى عن أصالتها وإن داخلها الغريب من الكلمات، ذلك أنّها تسعى، بشتّى الطّرق، إلى تعريب كلّ دخيل طارئ على عالمها، لا سيّما أنّنا في عصر أصبح فيه العالم قرية كونيّة، بفضل وسائل التّواصل الاجتماعيّ والإعلام وغير ذلك من الأمور التي قرّبت المسافات، وربطت بين مختلف أصقاع الكرة الأرضيّة.

وعلى الرّغم من أنّ لغتنا لم تكن، بدايةً، لغة التّكنولوجيا، فإنّ تقدّم تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات أدّى إلى تغييرات كبيرة في كيفيّة استخدام اللّغة العربيّة وتأثيرها في المجتمعات النّاطقة بها.

في العقود الأخيرة، شهد العالم تطوّراً هائلاً في مجال تكنولوجيا المعلومات، ما أدّى إلى إدخال اللّغة العربيّة إلى عالم الإنترنت والحوسبة. ومن خلال تقدّم البرمجيّات وتطبيقات الهواتف الذّكيّة، باتت لغة الضّاد متاحة على نطاق واسع في العالم الرّقميّ.

ويمكننا ملاحظة تأثير تكنولوجيا المعلومات في اللّغة العربيّة بشكل واضح في جوانب متعدّدة، منها:

1- اللّغة العربيّة على الإنترنت: بفضل تقدّم تكنولوجيا المعلومات، ومع ازدياد استخدام الإنترنت، أصبح من الممكن نشر المحتوى باللّغة العربيّة على الإنترنت بشكل سهل وسريع، مما أسهم في زيادة الوعي باللّغة العربيّة، وتعزيز استخدامها، وجعلها متاحة أمام جميع الأفراد على اختلاف معارفهم وانتماءاتهم. وقد شمل هذا الأمر المواقع الإخباريّة والمدوّنات والمواقع التّجاريّة، وغير ذلك...

2- تطوير تطبيقات وبرمجيّات باللّغة العربيّة: بفضل الطّلب المتصاعد على البرمجيّات والتّطبيقات باللّغة العربيّة، بدأت الشّركات في تطوير منتجاتها لتلبية هذه الحاجة، بما في ذلك أنظمة التّشغيل، والبرامج المكتبيّة، والتّطبيقات الذّكيّة. وقد أسهم ذلك في توفير تجربة أفضل للمستخدمين الذين يتحدّثون ويتعاملون باللّغة العربيّة.

3- التّرجمة الآليّة: شهدت تقنيّات التّرجمة الآليّة تقدّماً كبيراً، مما أدّى إلى تحسين جودة التّرجمة بما في ذلك اللّغة العربيّة. وقد أسهم هذا الأمر في تسهيل التّواصل وتبادل المعرفة بين الثّقافات المختلفة.

صحيح أنّ هذا النّوع من التّرجمة سهّل التّفاهم أحياناً كثيرة بين مختلف الشّعوب النّاطقة بالعربيّة وغيرها من النّاطقين بلغات أخرى، إلّا أنّه لا بدّ من الإشارة إلى الثّغيرات التي لا تزال تعانيها ترجمة نصّ عربيّ إلى لغة أجنبيّة أو العكس، وذلك بسبب عجز التّقنيّات عن سبر أغوار الدّلالات والصّور التي قد يحملها نصّ أدبيّ مثلاً.

4- التّعليم عبر الإنترنت: هناك كثير من الموارد التّعليميّة عبر الإنترنت باللّغة العربيّة، بما في ذلك دورات تعليميّة، ومقاطع فيديو، وموادّ تعليميّة متنوّعة؛ فنجد مثلاً دروس نحو وصرف ووظائف كلام وشرح مفردات، والكثير من الأمور التي تساعد على الإلمام باللّغة العربيّة، والتّمكّن من قراءتها وفهمها، واستخدامها بشكل أفضل. كما أدّى ذلك إلى توسيع نطاق الوصول إلى التّعلّم والمعرفة بشكل كبير.

5- المحتوى الرّقميّ باللّغة العربيّة: يسهم الإنترنت ووسائل التّواصل الاجتماعيّ في إنشاء المحتوى باللّغة العربيّة ونشره. وهذا يشمل المقالات والفيديوهات والبودكاست والموادّ التّعليميّة التي تسهم في تعزيز استخدامها وجعلها لغة عالميّة منفتحة وواسعة الانتشار.

بهذه الطّرق وغيرها، تشكّل تكنولوجيا اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات جزءاً حيويّاً من التّطوّر الحديث في العالم. فاللّغة العربيّة، التي تمتاز بثراء تاريخها وتنوّعها تلعب دوراً مهمّاً في التّواصل والتّفاعل في العالم الرّقميّ الحديث. وفي المقابل، تسهم تكنولوجيا المعلومات في تمكين اللّغة العربيّة وتعزيز استخدامها في مختلف المجالات.


رحلة الرواية في الخمسين سنة الأخيرة

كازو إشيغورو
كازو إشيغورو
TT

رحلة الرواية في الخمسين سنة الأخيرة

كازو إشيغورو
كازو إشيغورو

كيف تبدو صورة الفن القصصي في الفترة من 1970 حتى يومنا هذا؟ كيف ستكون صورته في المستقبل؟ سؤالان يجيب عنهما الناقد الإنجليزي بيتر كمب (Peter Kemp) في كتاب صدر عن «مطبعة جامعة ييل» خلال العام الماضي (2023) في 371 صفحة وعنوانه «أرض الرجوع إلى الوراء: مرشد القارئ إلى التنوع الباهر للقصص الحديثة»: Retroland: A Reader's Guide to The Dizzying Diversity of Modern Fiction.

يرمي الكتاب، كما يقول مؤلفه، إلى أن يكون خريطة طريق وخزانة زجاجية للعرض في آن. فهو دراسة لأهم الأعمال الروائية التي صدرت باللغة الإنجليزية منذ عام 1970 تقريباً حتى يومنا هذا، لا في بريطانيا وحدها وإنما أيضاً في أمريكا الشمالية وشبه القارة الهندية وأفريقيا وأستراليا والشرق الأقصى.

يرى كمب أن الملمح المميز لفن القصة في الفترة التي يعالجها هو اهتمام واسع النطاق بالماضي. وقد اقترن هذا بتنوع يكاد يكون لا نهائياً في تقنيات السرد: ثمة روايات بالغة الطول وأخرى بالغة القصر. روايات مكتوبة في صورة شعر مرسل أو مقطوعات مكونة من ثلاثة سطور. روايات مسلسلة أو مذاعة. روايات مصحوبة بصور فوتوغرافية وخرائط. روايات مكتوبة في شكل رسائل بريد إلكتروني. روايات مطبوعة بألوان مختلفة، أو يمكن قراءتها طرداً وعكساً... إلخ.

مارغريت آتوود

ومؤلفو هذه الأعمال لا يقلون عن ذلك تنوعاً فهم يشملون ساسةً، وممثلين كوميديين، وطهاةً، ومراسلين أجانب، وعارضات أزياء، وراقصات، وأبطالاً في التنس، وعازفي بيانو، ورجال دين، إلى آخره.

والراوي قد يكون رجلاً أو امرأةً أو طفلاً أو جنيناً، بل قد يكون إناءً سومرياً من 6500 سنة مضت، أو شجرة تين، أو زجاجة نبيذ، أو كتاباً، أو مبنى عالياً، أو دباً يعزف موسيقى جاز على آلة ساكسوفون. وقد تكون للشخصيات أجنحة أو قرون أو أظلاف. وقد تكون منحرفة مرضياً أو إجرامياً. وقد تجيء من مختلف مسالك الحياة. ثمة كلاب تروي قصصاً. وبطل إحدى الروايات خنزير. وثمة مصاصو دماء. وموتى يتحركون بقوة دفع خارقة. هناك روايات تستخدم آلة الزمان التي تخيلها هـ. ج. ولز، أو تتخيل عوالم بديلة تكون فيها بريطانيا مستعمرة يحكمها الاتحاد السوفياتي أو الرايخ الثالث الهتلري.

لكن المفارقة هي أن هذا التنوع الكبير متسق داخلياً، وله نسق. وهذا النسق، كما أسلفنا، هو الارتداد إلى الوراء زمنياً.

ما الصور التي اتخذتها هذه العودة إلى الماضي؟ يذكر كمب أربع صور هي (أولاً) الاهتمام بالماضي السياسي تزامناً مع تقلص ظل الامبراطورية البريطانية و(ثانياً) الاهتمام بالماضي الشخصي في حياة الرجال والنساء، وخبرات الطفولة والصدمات الناجمة عن معايشة حربين عالميتين وحروب أخرى كثيرة. و(ثالثاً) الماضي التاريخي أو أحداث الماضي وشخصياته، و(رابعاً) الماضي الأدبي أو استيحاء الأعمال الأدبية التي أبدعها كتاب عصور سالفة. ويضرب كمب أمثلة لكل نوع من هذه الفئات الأربع.

جورج أورويل

فالماضي المتمثل في الإمبراطورية البريطانية وغيرها من الإمبراطوريات قد شكل خلفية روايات بول سكوت، وسلمان رشدي، وفيكرام سث، وف. س. نايبول، وتوني موريسون، وكازو إيشيغورو وغيرهم.

من ممثلي هذا الاتجاه الروائي الأميركي جور فيدال وهو مؤلف سلسلة من سبع روايات تحمل عنواناً عاماً هو «حكايات الإمبراطورية» (1967- 2000).

والسلسلة دراسة لارتفاع وسقوط إمبراطورية الولايات المتحدة في العصر الحديث مقارنة بالإمبراطورية الرومانية: كلتاهما بدأت في صورة جمهورية ثم هجرت مبادئها الرفيعة الأولى منصاعة لمغريات القوة والسلطة والثروة. واشنطن - مثل روما- بها مبنى كابيتول ومجلس شيوخ. وكمثل يوليوس قيصر اغتيل بعض الرؤساء الأمريكيين بدءاً بإبرهام لنكولن. وفي كلا البلدين كان ثمة نظام للرق أو العبودية.

والماضي الشخصي وانعكاسه على الحاضر يتمثل على أنحاء مختلفة في أعمال توني موريسون، ومرغريت درابل وهيلاري مانتل، وجوليان بارنز، وإيان ماكوين، وآخرين.

ففي رواية كازو إيشيغورو (ياباني المولد، بريطاني الجنسية، حاصل على جائزة نوبل للأدب في 2017) المسماة «العملاق الدفين» (2015) تغيم معالم الأشياء ويخيم ضباب ثلجي على بريطانيا في العصور الوسطى وذلك بعد رحيل الرومان عنها (كان يوليوس قيصر قد غزا بريطانيا في القرن الأول ق. م) بزمن طويل. ومن خلال الظلمة نستطيع أن نتبين آثار حضارة بائدة وبهاء زائل: طرق مهدمة، وفيلا خربة كانت أرضها قديماً مرصعةً بفسيفساء جميلة. وعبر هذا المشهد المتداعي نرى زوجين عجوزين يشقان طريقهما بحثاً عن ابن مفقود. وكلاهما مصاب بفقدان للذاكرة، فهما لا يكادان يتذكران شيئاً عن ابنهما ولا عن الجانب المظلم من حياتهما الزوجية الطويلة. هذه أرض تعمرها غيلان وتنانين ورهبان أشرار وملاح زورق ينقل الناس إلى جزيرة الموتى مثل خارون في الأساطير الإغريقية، وشخصيات أسطورية من التراث الأدبي والتاريخي الإنجليزي: بيولف المحارب الملحمي ضد وحش البحيرة جرندل في قصيدة أنجلو - سكسونية قديمة، والسير جاوين أحد فرسان المائدة المستديرة.

العالم قد خطا خطوات واسعة نحو عالم كابوسي يجاوز بمراحل ما تنبأ به أولدوس هكسلي أو جورج أورويل

وبعث الماضي يتجلى في الروايات التاريخية ومن أمثلتها رواية جوليان بارنز «تاريخ العالم في عشرة فصول ونصف فصل» (1989) وفيها نرى الحياة في فلك نوح، أثناء الطوفان الذي غمر الأرض، من منظور دودة آكلة للخشب تمكنت من التسلل إلى الفلك. ورقعة خيال الكاتب واسعة تجلب إلى الرواية غرق الباخرة تايتانيك، ورحلة كولومبوس لاكتشاف العالم الجديد، وقارباً أسترالياً يحاول النجاة من إشعاعات انفجار نووي، وسفينة فضاء.

وأخيراً فهناك استيحاء التراث الأدبي المنحدر إلينا عبر العصور، وهو ما قد يتخذ صورة التقاط شخصيات قصصية من أعمال أدبية سابقة مثل دراكيولا أو ديفيد كوبرفيلد أو شرلوك هومز أو جيمز بوند، والتنبؤ بما سيؤول إليه مصيرها. ومن أمثلة ذلك رواية الروائي الأمريكي جون أبدايك المسماة «غرترود وكلوديوس» (2000) وهي استيحاء تخيلي لمسرحية شكسبير «هاملت» (غرترود هي أم هاملت، وكلوديوس هو العم الذي قتل أبا هاملت)... ويقيم أبدايك تقابلاً بين عقلية العصر الحديث وعقلية العصور الوسطى مبرزاً التباين بين اتجاهاتهما الوجدانية والسلوكية.

كيف ستكون صورة القصة في السنوات المقبلة؟ يقول كمب إن العالم قد خطا خطوات واسعة نحو عالم كابوسي يجاوز بمراحل ما تنبأ به أولدس هكسلي في روايته «عالم جديد جميل» (1932) أو جورج أورويل في روايته «1984». أما إذا آثرنا أن ننظر إلى النصف المليء من الكوب فسنجد أن الصورة ليست سواداً كلها. إن هـ.ج.ولز الذي كان متشائماً في قصصه العلمية الأولى قد أصبح أكثر تفاؤلاً في أعماله الأخيرة، وبدأ يتطلع إلى مستقبل جديد للبشرية يتكئ على إيمان بالتقدم. وتشاؤم الروائية الكندية مرغريت أتوود في روايتها المسماة «حكاية الخادمة» (1985) قد أفسح الطريق في ثلاثيتها المسماة «أوريكس وكريك» (2003) لرؤية أكثر إشراقاً. والأمر كله مرهون بالدرب الذي يسلكه الإنسان (ويصوره الأدب) في المستقبل: أيحافظ على البيئة الطبيعية، ويمحو أسباب الصراعات السياسية، ويضع موارده في خدمة البشر، أم يمعن في شن حروب لا تجلب إلا الخراب والمعاناة ودمار مقتنيات الإنسان الروحية والمادية؟


«الواقعون»... رواية كوبية عن سقوط العائلة في عالم يتداعى

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«الواقعون»... رواية كوبية عن سقوط العائلة في عالم يتداعى

غلاف الرواية
غلاف الرواية

عن دار «الكرمة» للنشر بالقاهرة صدرت رواية «الواقعون» للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألباريس، ترجمة: أحمد محسن. تتناول الرواية فكرة السقوط بمعناه المادي والمعنوي، سواء على مستوى العائلات أو على مستوى أفراد تعطب أرواحهم وتصاب نفوسهم بالخراب. تتجسد تلك الفكرة من خلال قصة عائلة تتكون من ابن لا يؤمن بالثورة وأب يتمسك بحلم باهت ويقتبس من «تشي جيفارا» متى استطاع. وهناك في المقابل أم تسقط مريضة وترى الحياة تنفلت من بين يديها، وكذلك ابنة تفعل كل شيء من أجل تدبير أمورها حتى لو كان هذا يعني الاستسلام للوهم والخداع.

تجسد العائلة وتداعياتها صورة مجتمع في حالة سقوط حر نتيجة لعدم الوفاء بالوعود التي تجسد أحلام الناس، وهي تقدم نظرة جديدة لم نعهدها لكوبا المعاصرة بكل تناقضاتها بقلم أحد أهم أدبائها المعاصرين.

وصفَ الملحق الأدبي لصحيفة «نيويورك تايمز» الرواية بأنها «عمل أدبي مميز ومؤلم وسردية مزعجة ومذهلة تكشف بدقة متناهية قصة عائلة في أزمة تنفجر من الداخل».

واحتفى النقاد بالنص احتفاءً بالغاً، إذ علّق عليه إميليانو مونجي قائلاً: «أفضل ما في أدب أميركا اللاتينية موجود هنا، بمهارة ناضجة لشخص يعد نموذجاً لمصادر السرد والحساسية، إذ يصور كارلوس مانويل بوضوح كيف أن الهوية الوحيدة المهمة حقاً ليست قومية بل الإنسانية، كما يمكن اعتبار الرواية متحفاً للوحدة وللشقوق التي تفصل عالمنا الداخلي عن العالم الذي نعيش فيه وعن أولئك الذين نعيش معهم».

ويعد كارلوس مانويل ألباريس أبرز أديب كوبي شاب في الوقت الحاضر، وقد اختير في 2016 بوصفه واحداً من أفضل عشرين كاتباً من أميركا اللاتينية، كما اختير في قائمة «بوغوتا 39» لأفضل عشرين كاتباً من أميركا اللاتينية تحت سن الأربعين. صدرت روايته «الواقعون» عام 2018 وتُرجمت إلى عدة لغات وهي أول عمل يُنشر له باللغة العربية. وبالإضافة إلى الأدب فكارلوس مانويل ألباريس صحافي معروف وحاصل على عدة جوائز ويسهم في الكتابة بانتظام في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«يكمن أصل السعادة في أن تنام عدد الساعات الضروري في الوقت الذي تختاره. ليس مؤكداً أن تنعم بالسعادة إذا نمت الوقت الكافي لكن المؤكد إن لم تفعل أو نمت في الوقت غير المناسب أنك لن تستطيع أن تنعم بها. في مركز الضيق العالمي، في قلب الرداءة، تكمن حقيقة أن هذه الكتلة عديمة الشكل من الرجال والنساء والفتيان والفتيات، عليها أن تستيقظ الفجر في الساعة الخامسة والنصف أو السادسة أو السادسة والنصف صباحاً وتذهب على مضض إلى أعمالها أو مدارسها برؤوس منخفضة كالماشية، مقودة إلى المذبح اليومي من مؤسسات يكرهونها بكل ما فيهم من نعاس وفتور لكنهم يستمرون في تقديم فروض الطاعة لها.

يولد اليوم معوجّاً، وكل ما يحدث بعد ذلك سيؤول حتماً إلى الفشل لأنه ماذا يمكن أن ينجح فيه شخص استيقظ فجراً؟ من المحتمل أن هناك روتيناً أبشع من سماع المنبه ومد اليد وإغلاقه، والنهوض في الظلام، وإطلاق تلك السلسلة شديدة الحزن من التثاؤبات، وإزالة غمص أعينهم، والإفطار خبزاً قديماً وقليلاً من الحليب، وغسل أسنانهم، ولبس رداء السجين الاجتماعي... كل ذلك من دون أن يستيقظوا تماماً واليوم لا يزال مظلماً، وبرد الصباح يغسل بشرتنا.

روتين الجنود الذي عشته في الخدمة داخل الجيش في الواقع أسوأ. أربع ساعات خدمة وأربعٌ راحة، يوماً بعد يوم. اليوم الذي لا خدمة فيه تشغله بعمل جانبي، ودائماً ما يكون عملاً شاقاً كنقل صومعتين من الألغام المضادة للدروع من مكانيهما، أو كمية من صناديق بنادق كلاشينكوف، أو تنظيف عشرات من مخازن البنادق بالزيت، أو الدهان بالجير جزءاً كبيراً من السور الجانبي للوحدة الذي يرتفع طوله مترين ونصف المتر وقد سقط طلاؤه، أو قضاء ست ساعات في فرك أرضية الفناء الخلفي أو كشط قشرة السخام التي تتراكم في المطبخ».


تماثيل صلصالية من «قصر أوبيري» في «قلعة البحرين»

تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد
تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد
TT

تماثيل صلصالية من «قصر أوبيري» في «قلعة البحرين»

تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد
تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد

أُدرج موقع «قلعة البحرين» في قائمة التراث العالمي لـ«منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (اليونيسكو)» في عام 2007. في العام التالي، افتُتح «متحف قلعة البحرين» بهدف حماية الملامح التاريخية لهذا الموقع الأثري، وتوثيق الحقب الأثريّة التي شهدها. يحوي هذا المتحف عدداً كبيراً من القطع الأثريّة التي خرجت من بين أطلال هذه القلعة، ومنها مجموعة من التماثيل المصنوعة من الطين الأبيض المحروق، عُثر عليها في قاعة من قاعات مجمّع يُعرف اليوم باسم «قصر أوبيري».

شكّلت جزر البحرين في الماضي جزءاً من إقليم امتدّ على مناطق واسعة من ساحل شبه جزيرة العرب وعُرف باسم دلمون. بين عامي 2050 و1650 قبل الميلاد، نعمت دلمون باستقلالها، واشتهرت بتجارتها البحرية، إلى أن سيطرت عليها سلالة الكيشيين البابلية بشكل كامل، وظلّت تحت هذه السيطرة على مدى قرون من الزمن، ودخل اسمها في غياهب التاريخ. في عام 1225 قبل الميلاد، سار الملك الآشوري توكولتي نينورتا الأول بجيشه إلى الأراضي البابلية، وأسر الملك الكاشي كشتيلياش الرابع، وأضاف إلى ألقابه لقب «ملك دلمون»، غير أن دلمون ظلت بعيدة عن آشور، ولم تستعد بريقها في ذلك الزمن كما يبدو.

بعد خمسة قرون، لمع اسم دلمون من جديد، وتكرّر ذكره في النقوش المسمارية التي تعود إلى عهد سرجون الثاني؛ ملك الإمبراطورية الآشورية الحديثة بين عامي 722 و705 قبل الميلاد. على بعد 12 ميلاً إلى الشمال الشرقي من الموصل، على الضفة الغربية لنهر دجلة، مقابل أطلال نينوى، في القرية التي تُعرف اليوم باسم خورسباد، شيّد هذا الملك قصره الهائل في «دور شاروكين»؛ أي «قلعة سرجون»، وهو القصر الذي ضم أكثر من مائتي حجرة و30 فناءً، ومنه خرجت حلل فنية بديعة انتقلت إلى «متحف اللوفر» في باريس و«متحف المعهد الشرقي» في شيكاغو. حوى هذا القصر نقوشاً مسمارية كثيرة تمجّد مآثر سرجون الثاني، وفي هذه الكتابات تكرّر اسم أوبيري؛ «ملك دلمون الذي كان يعيش كالسمكة في وسط بحر الشروق؛ البحر الذي تشرق عليه الشمس، وعلى مسافة 30 ساعة مضاعفة». يستدلّ من هذا النص على أن «الوصول إلى دلمون كان يتطلب نحو 60 ساعة ملاحة من مصب الفرات؛ أي إنها كانت تبعد نحو 300 ميل، وهي نفس المسافة إلى جزر البحرين»، كما أشار محمد أبو المحاسن عصفور في كتابه «معالم الشرق الأدنى القديم».

من جهة أخرى، تؤكد هذه النصوص أن أوبيري؛ ملك دلمون، سمع بجلال عظمة سرجون الثاني، فأرسل بهدايا إليه... «وفي هذا الخبر إشارة واضحة إلى استقلال البحرين؛ أي جزيرة دلمون وخضوعها لحكم ملك لعله كان من أهلها. ولما كان القسم الجنوبي من العراق تحت حكم الآشوريين في هذا العهد، وللبحرين علاقات تجارية متينة مع هذا القسم، لذلك أرسل هدايا ثمينة إلى ملك آشور»، كما كتب جواد علي في موسوعته «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام».

في «قلعة البحرين» المرتفعة فوق تل يقع على الساحل الشمالي للجزيرة، كشفت بعثة فرنسية عن أسس مُجمّع شُيّد فوق أنقاض قصر يعود إلى الحقبة الكاشية، وتبّين أن هذا المجمّع يعود إلى الحقبة الأخيرة من دلمون، وهي الحقبة التي انتهت في القرن الخامس قبل الميلاد، حيث خضعت هذه البلاد لسلالة الأخمينيين التي أنشأت الإمبراطورية الفارسية الأولى. بدأت هذه البعثة الفرنسية مهمّتها في سنة 1977، وشرعت في تحديد معالم هذا المجمّع في سلسلة من الحفريات جرت بين عامي 1989 و1993، وأطلقت عليه اسم «قصر أوبيري»، وتبقى هذه النسبة افتراضية إلى يومنا هذا في غياب أي شاهد أثري يؤكّدها بشكل قاطع. في ركن من أركان هذا القصر، عثر المنقبون على مجموعة كبيرة من التماثيل الصلصالية الصغيرة، بلغ عددها نحو مائة قطعة. وقيل إن هذه التماثيل ترتبط على الأرجح بمعبد في القسم الغربي من الموقع، مما يعني أنها مجسّمات نذرية، غير أن هوية هذا المعبد لم تتضح بعد.

يصعب تحديد تاريخ هذه التماثيل بدقّة... ويُجمع أهل الاختصاص على القول إنها من نتاج المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد

يصعب تحديد تاريخ هذه التماثيل بدقّة، ويُجمع أهل الاختصاص على القول إنها من نتاج المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، وكلّها من الطين الأبيض المحروق، وهي من الحجم الصغير الذي لا يتجاوز طوله بضعة سنتيمترات؛ منها ما وصل بشكل شبه كامل، ومنها ما فقد بعضاً من معالمه. تمثّل هذه التماثيل رجالاً ملتحين، وتتبع في تأليفها قالباً واحداً جامعاً، يتجلّى في تكوين الرأس كما في تحديد ملامح وجهه. يحلّ هذا الرأس في مجمل الأحيان فوق مساحة عمودية تُمثّل النصف الأعلى من جسم جُرّد من مفاصله. هكذا يبدو صدر البدن عارياً من أي ملامح، مع نتوء بسيط عند طرفي الكتفين، يشير إلى أعلى الذراعين الغائبتين.

تتكرّر ملامح هذا الرجل الملتحي بشكل لافت. تظهر العين على شكل دائرة تستقرّ في وسطها دائرة أصغر حجماً تُمثّل البؤبؤ. وتبرز كتلة الأنف العريض الأفطح وسط العينين. ويتحوّل الفم إلى خط أفقي غائر يستقرّ وسط شاربين ولحية نصف بيضاوية، تعلوها شبكة من الخطوط العمودية الغائرة تُحدّد خصلات شعرها. تُظهر النماذج التي وصلت بشكل شبه كامل أن صاحب هذا الوجه يعتمر قبعة مدبّبة كبيرة، تحدّ طرفها الأسفل مساحة أسطوانية بارزة. ومع هذه القبعة، تأخذ كتلة هذا الرأس شكل ما يُعرف في الهندسة باسم المُعيَّن، وهو شكل رباعي مكوّن من مثلثين لهما قاعدة مشتركة. تشكل قمّة القبعة المدبّبة رأس المثلث الأعلى، بينما يشكّل طرف اللحية الأوسط رأس المثلث الأسفل.

يبرز وسط هذه المجموعة الكبيرة من المجسمات الصلصالية تمثال فريد من نوعه يجمع بين هذا الرأس الآدمي الملتحي المميّز، وجسد حيواني ضاعت منه قوائمه الأربع. يشكّل هذا الكائن الهجين العجيب لغزاً يصعب حلّه في غياب الشواهد الأثرية التي تسمح بتقديم قراءة تأويلية لهويّته، والأرجح أن جسد الدابة يرمز إلى قوّة هذا الرجل الملتحي الذي تتكرّر صورته على عشرات من التماثيل النذرية.