شعرية الفكرة ومساءلة الماضي

الشاعر المصري عاطف عبد العزيز في «غياب حر»

شعرية الفكرة ومساءلة الماضي
TT

شعرية الفكرة ومساءلة الماضي

شعرية الفكرة ومساءلة الماضي

بومضة شعرية مقتطفة من قصيدة للشاعر الفرنسي شارل بودلير، يسخر فيها من فجاجة العواطف الإنسانية، ويرثي روحه التي كانت تبدو شاسعةً كقبة السماء، يصدِّر الشاعر عاطف عبد العزيز ديوانه «غياب حر». لكن ما علاقة بودلير بهذا الديوان وهو الشاعر الرجيم الذي قاده شعره في القرن الثامن عشر إلى المحاكمة، واتهم ديوانه «أزهار الشر» بإشاعة الرذيلة وإفساد الأخلاق والذوق العام، أما ديوان «غياب حر»، الواقع في نحو مائة صفحة، فقد صدر عن هيئة الكتاب، وهي مؤسسة حكومية، ويتعامل مع الشر بمنطق الألفة والغرابة كحقيقة من حقائق الوجود. يتبلور ذلك في إطار رؤية مشغولة بشعرية الفكرة ومساءلة الماضي، وعبر مسافة افتراضية رخوة مقتطعة من جسد الزمن وسماها بهذا الاسم المراوغ «غياب حر»، ليظل السؤال معلقاً ما بين قوسي المفارقة والباب الموارب، نصف المفتوح.

ومن ثم: هل يناور الشاعر الحرية من نافذة هذا الغياب، أم يطل على الاثنين معاً بقوة الخيال، بحثاً عن حكمةٍ ما، ضائعة ومفتقدة، ربما في طوياها تكمن خلاصة تجربة شعرية لها مدها وجذرها ويقينها الخاص؛ أم أن الأمر يعكس حالة من «النوستالجيا» لأماكن وأزمنة وأشياء وخطى بشر وذكريات لا تزال عالقة صورها وملامحها في سقف هذا الغياب العابر المقيم، الذي ترتطم فيه الذات الشعرية بكينونتها، وهواجسها وأحلامها ورؤاها، وقبل كل شيء ترتطم بحريتها وشهوتها المقموعة المفتقدة للأنثى، التي تتحول بدورها في أغلب قصائد الديوان إلى مرثية مرّةٍ ومرآةٍ كاشفةٍ لهذا الغياب المباغت. ما يشي بأنه ليس غياباً حراً بقدر ما هو انعكاس لمرآة الأنوثة المهشّمة، وفي شظاياها لا تجد الذات الشاعرة وسيلةً للحفاظ على هذه الكينونة سوى الإيهام بالتآمر حتى على نفسها، وعلى هذه المرآة، متشبثة بشعرية الفكرة كإطار يحفظ لها شكلاً من التوازن بين المع والضد، بالإضافة لما تتمتع به هذه الشعرية من إعمال للعقل، ووقاية للذات من الوقوع في مغبة الترهل والاجترار. لذلك تعلن الذات الشاعرة بشكل واضح لا لبس فيه في مستهل النص الثاني بالديوان، الذي يحمل عنوان «Master Scene» أو المشهد الرئيس بلغة السينما قائلةً: «قتلتُ ربّة الغرام». لكن ربّة الغرام هذه ليست كائناً هلامياً أو رمزياً، إنما تتجسد صورتها في مصرع الفنانة الجميلة «سندريلا الشاشة» سعاد حسني، وسقوطها المروع من إحدى البنايات بالعاصمة البريطانية لندن عام 2001، الذي تحول إلى لغز لا تزال تلفه طبقات من الغموض.

يتـأمل الشاعر وقائع هذه المأساة، وينسج على غرارها جريمته الشعرية الخاصة، مستدرجاً ربة الغرام وهي تتسكع في منتصف الليل على حافة النهر ويعد لها كأساً مسمومة تودي بحياتها:

قلت: أنا رجل حزين،

ترك في البيت زجاجةً كاملةً

من شراب معتّق

وليس ثمة من ينادمه

تبسمتْ المرأةُ بشفتين مضموتين،

ثم قالت: لا بأس شريطة أن تعيدني إلى هنا

قبل انقضاء الليل

إن التناص يتحول هنا إلى شكل من أشكال التقمص للشخصية المستدعاة، وتتحول الذات إلى قناع لها، تلاعبها من خلفه، وتتبادل معها الأدوار، وفي الوقت نفسه تحافظ على مسافة رهيفة بينهما، توهم في ظلالها بأنها الجاني والضحية معاً، ومن ثم يبدو القناع وكأنه الشيء واللاشيء معاً... فهكذا لا يفرغ الشاعر من المشهد الدراماتيكي المتخيل تماماً، فحين يصل إلى لطشة النهاية يجعلها مفتوحة بقوة المفارقة على تخوم البدايات:

«قتلت ربَة الغرام

وليس عندي الآن ما أفعله.

أمضى النهارَ بطوله،

أخوض في نعمائي

كغيري،

حتى تكلَّ ساقاي.

وفي الليل

أتمدّد على أريكتي وإلي جواري كأسٌ مسمومة.

غير أنني، لا أجد من يحمل جثتي إلى الماء».

تتنوع شعرية الفكرة في الديوان، وتلعب دوراً لافتاً في الدلالة على المكان والزمان، وبناء إطار جذاب لهما، وبروح مسكونة بالفرح والخوف معاً تتحول في بعض القصائد إلى مفتاحٍ للبوح وتعرية الذات في مرآتها الخاصة، على شكل ومضات لاعجة من النجوى الداخلية، يختلط فيها الحلم بالواقع، وتحت نثار الذاكرة يبدو الشاعر وكأنه يفتش عن لغة أخرى في المشهد، لغةٍ تبدأ بعدما تنتهي لغة النص المكتوبة، مفسحةً المجال لمساحة أوسع تتنوع فيها القراءة والتفاصيل بقوة التخييل، ورهافة الالتقاط، وإعادة الاعتبار لحاسة اللّمس كسلاح للتذكر والتعرية والكشف.

لسنا إزاء إحالة لقضايا وجودية أو فلسفية مطلقة، إنما إزاء مناورة شعرية لذات ملتاثة بالحنين، ترى العالم والعناصر والأشياء وكأنها ظل وأثر لشيء ما مضى، لذلك يبدو الانزلاق إلى الحرية هو الخيار الوحيد أمامها، تتمسح به وتعزّز من خلاله وجودها وبناء عالمها من جديد في هذا الديوان؛ منوعةً مناورة هذا الانزلاق من زوايا عدة، فتارة نراه يتأرجح ما بين الحضور والغياب، وتارة ما بين الماضي والحاضر، والخاص والعام. ويبدو الشاعر في غبار كل هذا، كأنه يقف على حافة شائكة للزمن، يتأمله ببصيرة يقظة وأناقة مخيلة وهو يبتكر مداراته، ويتباهى بأنه سرمدي لا يبلى، مهما انمحت من حوله صور الأشياء وخفُت ضجيج الكائنات. ربما نفهم من ذلك مغزى هذا الغياب في صيرورته الحرة، وأنه ابن الفكرة، التي لم تعد متسقةً مع الإناء وما يحتويه، بعد أن تشعبت علاقاته في آفاق مخاتلة ومغايرة، لا تبالي بالإناء نفسه، وما يعتمل فيه من شروخ تهدده بالكسر والزوال.

هذا الهم يطالعنا على نحو واضح في النص الأول من هذا الديوان بعنوان «الكـتَّانة»، حيت يمر الحب ونزقة العاطفي بمحطات من المسرات والآلام، ثم في أزمنة تتناسخ وتكرر في نص «جنة المطاريد»، ولا يبقى أمام الذات الشاعرة سوى استعادة رتوش المشهد ولملمته في فضاء صورة لم تستطع الأيام أن تثبتها في الجدار، أو تمنحها الفراغ المناسب في الألبوم، أو تضعها بعناية فوق الرّف... يقول في نص «الكتَّانة»:

رِعدةٌ خفيّةٌ

لم تزل بيننا يا سيدةَ الأخطاء،

وكأنها غدَرةُ العطر المسحور.

على هذا المنوال يستمر المشهد في اللعب على الفكرة كمرتكز مكاني وزماني، يشي بتحولاتهما المبثوثة في الطبيعة وحركة الأشياء والعناصر، وما يكمن وراءهما من ظلال ومفاجآت، تنعكس بحدة وقسوة على مفردات الواقع المعيش الماثل للعيان. يمكنا أن نرصد هذا في قصائد: «ليس بالقرب منّا دير»، «صباح الخير يا إسكندرية»، «أيام اللالا»، «تحت ظل دموي» وغيرها؛ حيث الفكرة ليست مكتفية بذاتها، ولا هي إفراز لها، وإنما تحيل دوماً على الآخر، وهنا تكمن حيويتها شعرياً وجمالياً، وندرك أن هذا الغياب الذي يوهم به الديوان عابر، لا يتمسح بالحرية أو يتعامل معها كتكأة للعبور، إنما يرتكز عليها كفعل وجود، يصنع له امتداداً في النص بتعدد حقول التناص وتنوعها في الديوان، ما بين أمكنة وأزمنة وأفلام، وشخوص تركوا شيئاً يبقى في الحياة، منهم شعراء وكتاب وفنانون: صلاح جاهين، كفافيس، بهاء طاهر، الشيخ إمام، أم كلثوم، وغيرهم ممن أشار إليهم الديوان في هوامشه وإشاراته.

من بين هذه الحقول قصيدة بعنوان «حوار صامت في المدينة الضاجة» مهداة إلى الشاعر الراحل محمود نسيم، وتمثل خاتمة الديوان.. يبدو المشهد في نهايتها على هذا النحو:

«تتسع حولنا دوائر النثار الآدمي

وقد خلا من الحنين

كل شيء بات جاهزاً يا محمود

كي ينخفض في بيوت عين شمس سقف الخيال

ما يجعل لغيابك الآن معنى فريداً

..عديدَ الطبقات

كلما رفعنا واحدةً

بان غيرها»

تستدعي القصيدة حفنةً من الذكريات الخاصة مع الشاعر الراحل، يختلط فيها الهم العام والخاص، لكنها لا تبرح أفق التذكر، ويظل الحوار يراوح ما بين التقرير، والإيهام بالبحث عن إجابات لأسئلة لم تطرح أصلاً في النص.

ما يجعلنا أمام ذهنية الصورة الشعرية... حيث الصورة ابنة الفكرة، لا الخيال، ليست متشككة، أو متسائلة متمردة، تلفها الحيرة أحياناً، لكنها تحيل هذه الحيرة إلى منطق الواقع المادي، لتصنع نوعاً من التآلف بينها وبينه ولو بمديح القسوة.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.