أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ

الكاتب الجزائري يرى أن الجوائز لا تصنع مبدعاً

أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ
TT

أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ

أحمد طيباوي: لا أحب أن تتحول رواياتي إلى جلسة تعذيب للقارئ

يتسم العالم الروائي للكاتب الجزائري أحمد طيباوي بالتنوع والتكثيف الشديد، وتطرح روايته «باب الوادي» الصادرة أخيراً قضايا ملحة على الساحة الجزائرية مثل قضية الهوية والتسامح مع الآخر. وكان قد صدر له من قبل «اختفاء السيد لا أحد»، «موت ناعم»، «مذكرات من وطن آخر». ورغم أنه حاز عدداً من الجوائز مثل «جائزة نجيب محفوظ للأدب» و«جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي»، فضلاً عن جائزة «رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب»، فإنه يرى أن الجوائز لا تصنع مبدعاً وأن ما يصمد أمام الزمن هو القيمة الفنية للعمل.

هنا حوار معه، حول روايته الجديدة وهموم الكتابة:

> في روايتك الصادرة أخيراً «باب الوادي»، يبدو سؤال «الهوية» مهيمناً من خلال رحلة (كمال) الباحث عن جذوره بين بلاده وفرنسا، كيف جاء تناولك لهذه القضية مختلفاً عن التجارب التي تنطلق من السؤال نفسه في السرد الجزائري؟

- لكل كاتب مقاربته لموضوعات قد تكون مشتركة بينه وبين روائيين آخرين، أو هذا ما أفترضه، بمعنى أنه يملك رؤيته الخاصة للحياة وللبشر، ولا بأس أن يكون هناك تقاطع في الرؤى. ما المختلف في مقاربتي لمسألة الهوية؟ لا أعلم تحديداً درجة الاختلاف، لا أحب أن أسقط في الادعاء، لكني انشغلت بوضع المسافات بيني وبين شخصيات روايتي «باب الوادي» على تناقضاتها الفكرية والاجتماعية الصارخة، وقد شكلت مزيجاً غير متجانس، كل ما جمعها هو روابط القرابة أو العاصمة كفضاء تعيش فيه. توخيت ذلك تجنباً لإصدار الأحكام، وطلباً للحياد الذي يتيح لي طرح كل شخصية من شخصياتي بما تمثله من فئة أو تيار طرحاً إنسانياً محضاً.

> إلى أي حد يمكن القول إن أزمة الهوية في الرواية تتجاوز المصير الفردي لتصبح قضية وطن في الجزائر؟

- ليس في الجزائر فقط، فضاؤنا العربي مأزوم في أغلب توجهاته الاجتماعية والثقافية. تظهر الأزمة عند بعض المراحل التاريخية وتتراجع للخلف بعد ذلك، وبطبيعة الحال عند النخب وذوي الوعي أكثر من غيرهم من الفئات المطحونة في السعي للقمة العيش الكريم لها. من ناحية أدبية، مسألة الهوية مطروحة دوماً، كل ما هنالك أن كل كاتب يعالجها بحسب فهمه وتصوراته ولن يأتي بالجديد سوى في الطريقة الفنية التي طرحها بها.

> رغم أن رواية «باب الوادي» ليست رواية مكان، فإن اسمها مأخوذ من اسم أشهر حي شعبي في العاصمة الجزائرية، كيف ترى هذه المفارقة؟

- حاولت أن أختزل الجزائر كلها، اجتماعياً وسياسياً، تاريخاً وحاضراً، في حي باب الوادي. أحببت أن أستفيد من رمزية الحي واسمه ومكانته في المخيال الشعبي لدينا. من جهة التسمية كان باباً من أبواب الجزائر العاصمة يحاذي وادياً يصب في البحر، توسعت الجزائر العاصمة، وكبر الحيّ، ليصبح زمن الاستعمار الفرنسي معقلاً للأقدام السوداء، وهم الأوربيون الذين سكنوا في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، ومنه انطلقت منظمتهم الخاصة التي قامت بأعمال إرهابية لإفشال مفاوضات الاستقلال بين جبهة التحرير الوطني والسلطات الفرنسية. بعد الاستقلال صار الحيّ شعبياً بامتياز، وقد شهد أحداثاً كثيرة بداية «العشرية السوداء» في تسعينات القرن الماضي. باعتبار هذا كله، كان مناسباً جداً لرؤيتي في هذه الرواية أن يكون الحي هو الحيز الذي تتم فيه أغلب الأحداث. ولكن لن يجد القارئ حيّ باب الوادي حاضراً بالصورة التقليدية التي عودتنا عليها نصوص عربية وأجنبية، ليست رواية مكان بالمعنى التسجيلي ولم أستعن بوصف معالم باب الوادي والعاصمة إجمالاً من أجل تأثيث روايتي.

> إذن، كيف تتعامل مع حضور المكان في فضائك السردي عموماً؟

- كنت مهموماً بذلك في رواية سابقة لي، «مذكرات من وطن آخر» حيث كانت مدينة سطيف وأهم معالمها وأحيائها حاضرة بقوة بما استدعته حاجتي فيها لتقاطع بعض أبطالها مع جغرافية المكان وروحه. هناك روايات كثيرة كانت خلفيات المدن والأحياء حاضرة فيها بقوة، وارتبط عدد كبير من الروائيين الكبار عربياً وعالمياً بكتاباتهم عن المدن، وعن حياة الناس فيها طيلة الفترة الزمنية التي كانت محل اهتمام لديهم، والعلاقات الإنسانية، والعمران، وغير ذلك مما يتعلق بجعل المكان بطلاً حقيقياً في النص. هناك من يتحدث مؤخراً عندنا في الجزائر عن سرديات الصحراء. توظيف المكان يكون بحسب حاجة الكاتب، وهناك أيضاً جانب نفسي حول علاقته بالمكان، ربما حالة حنين أو انتقام أو استذكار أو حياد.

> المتتبع لأعمالك الروائية، يلحظ الميل للتكثيف الشديد والبعد عن الحشو والاستطراد، هل ثمة فلسفة ما وراء هذا، وكيف قاومت غواية الروايات المطولة التي اجتاحت السرد العربي وصارت بمثابة «موضة» في فترة سابقة؟

- ما يمكن للقارئ أن يستنتجه مباشرة، التفاصيل غير المهمة، الاستعراض اللغوي والمعرفي، الخطاب المباشر، الحوارات وكلام الإنشاء وغيرها، كلها زوائد أحرص بشدة على ألا أكتبها، أو التخلص منها عند مراجعة النص إذا حدث ووقعت في الإسهاب. أصبحت قراءة بعض الروايات تحتاج إلى صبر زائد من القارئ، ويحدث أن يضطر إلى أن يحذف فصولاً كاملة أو يقفز عدة صفحات ليصل إلى حيث يمكنه الاستمرار في القراءة. لا أحب أن تكون قراءة رواية لي عبارة عن جلسة تعذيب للقارئ. كُتبت عندنا الكثير من الروايات البدينة، ثم ماذا؟ العبرة بالأثر، الثرثرة لا تعني بالضرورة طول النفس السردي، كلام كثير ومعنى قليل، هذا هو الحال مع أغلب تلك الكتابات المتورمة للأسف. لا يمكننا أن نقول كل شيء في رواية واحدة دون أن يخلّ ذلك بالجانب الفني ودرجة التلقي التي نريدها لنصوصنا.

> حصلت على عدد من الجوائز منها «جائزة نجيب محفوظ للأدب» عن رواية «اختفاء السيد لا أحد» و«جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي» عن روايتك «موت ناعم»، كيف ترى علاقتك كقارئ ومؤلف، بأدب وتراث نجيب محفوظ والطيب صالح؟

- أنا سعيد بطبيعة الحال بأني حظيت بجائزتين تحملان اسمي ساردين عظيمين في أدبنا العربي الحديث بوزن نجيب محفوظ والطيب صالح، وأشعر في المقابل بالمسؤولية المعنوية لذلك الامتياز. بالنسبة لمنجز كليهما، فأنا أكثر اطلاعاً وتمثلاً لإرث نجيب محفوظ، مقارنة بتأثري بما كتبه الطيب صالح، من حيث الكم ومن جهة طبيعة الموضوعات والتيمات والشخصيات. لكل منهما بلا شك ما يمكننا أن نتعلم منه دائماً، أثريا المكتبة العربية بأعمال خالدة، من يمكنه أن ينسى ثلاثية نجيب محفوظ، وشخصياته مثل (عيسى) في «السمان والخريف» أو (صابر) بطله التائه والباحث عن أصل وجوده في رواية «الطريق»، وكذلك الحال بالنسبة للطيب صالح وأبطاله في روايتَي «موسم للهجرة للشمال» و«عرس الزين».

> كيف ترى مأزق تحول الجوائز الأدبية إلى «حكم قيمة» على الأدباء في الساحة الثقافية العربية وكأن من لم يحصد هذه الجائزة أو تلك يصبح مداناً على نحو ما؟

- مع الأسف، هذا هو الانطباع السائد. الجوائز ليست نهاية المطاف، إنها مجرد علامات، إشارات. وما يصمد حقاً أمام الزمن وتعاقب القراء من أجيال مختلفة باختلاف الذائقة والتأويلات هو النص والقيمة الفنية والإنسانية. الآداب والفنون ذاتية إلى أبعد حدّ، بالنسبة للكاتب وبالنسبة للمتلقي، وبقاء الرواية وتحقيقها لصدى بمرور الزمن هو المحك الحقيقي. الحصول على جائزة ليس علامة جودة أبدية للكاتب ولنصوصه إجمالاً. كما أن عدم الحصول عليها لا يعني أبداً حكماً نهائياً بمستوى الروايات غير المتوجة بجوائز. الرواية في امتحان، فحص حقيقي، فنياً وقيمياً، عند كل قارئ مختلف في كل مرة، يتمتع بحد من التراكم والاستقلالية. لا يمكنني أن أتخيل أن هناك إجماعاً حول رواية ما مهما كان من كتبها. الجوائز الأدبية لا تصنع أديباً أو مبدعاً.

> ماذا عن واقع الرواية الجزائرية حالياً... كيف ترى المشهد بأبعاده المختلفة؟

- هناك طفرة في عدد الإصدارات تحت اسم «الرواية»، والجدل بشأنها قائم، بين من يرى فيها ظاهرة صحية يمكن التعويل عليها والصبر لحين تنضج بعض الأقلام الشابة ويتحول الكم إلى كيف، وبين من يرى أنها موجة نجمت عن شبكات التواصل الاجتماعي وحب الظهور. وقع القادمون الجدد في فخ الاستسهال، وليس لديهم من الرصيد المعرفي ولا الصبر الكافي للخروج بنصوص تتوفر فيها الشروط الأساسية. من جهتي، لا أعرف ما قد تتمخض عنه الحالة في المستقبل، لا أستطيع التوقع، لكن أثرها الحالي سلبي، يتم التعمية على الكتابات الجادة، والكثرة تضع القارئ في حالة ارتباك... لا أحد لديه الوقت ولا الجهد لقراءة كل ما يصدر، ومن بعد ذلك يقوم بالفرز. دور الصحافة الثقافية تراجع كثيراً ومن يقومون بالنقد كذلك.

> هل الرواية الجزائرية بحاجة لفتح آفاق جديدة بعيداً عن المسارات التقليدية مثل وطأة حضور التاريخ وسؤال الهوية؟

- الموضوعات التي يعالجها الروائيون والروائيات في بلدي كثيرة، ولا تقتصر في الوقت الحاضر على التاريخ أو الهوية. كانت لدينا ما تسمى بـ«رواية الأزمة»، ويقصد بها تلك النصوص التي كتبت غداة «العشرية السوداء» والمأساة الوطنية، والآن هناك انفتاح أكبر على «ثيمات» محلية وإنسانية نشترك فيها مع مجتمعات أخرى، كما أن مقاربة الهوية والتاريخ روائياً لا تعني التكرار، طريقة المعالجة والرؤية قبل ذلك مختلفة عما كُتب من قبل.

> كيف ترى شكوى بعض الأدباء المغاربة من تهميش أعمالهم بسبب بعدهم الجغرافي عن مراكز الثقل في المشرق العربي؟

- التكنولوجيا الحديثة ألغت عوائق الجغرافيا والزمن، أظن أننا أكثر اطلاعاً على ما ينجز هنا وهناك، معارض الكتاب لعبت دوراً مهماً في السنوات الأخيرة، والتواصل خلال الفعاليات والتظاهرات الثقافية أفضل بكثير مما كان سائداً من قبل. صراحة لا أرى في الوقت الحاضر أي مشكلة يمكن أن تثير نقاشات غالباً ما تتخذ طابعاً «شوفينياً» بلا معنى، ولا يخدم أحداً في المغرب أو في المشرق العربيين.



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».