عبد الكريم الطبال: ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة

الشاعر المغربي يتحدث عن الشعر العربي كما عاشه منذ الأربعينات

عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
TT

عبد الكريم الطبال: ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة

عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)

عبد الكريم الطبال شاعر مخضرم، درس في جامع القرويين بفاس والمعهد العالي في تطوان ما بين أربعينات وخمسينات القرن الماضي، ونشر أولى قصائده في نهاية الأربعينات. هو أول شاعر مغربي صدرت أعماله الكاملة سنة 2000. لكن ما صدر بعدها يفوق ما تضمنته أعماله الكاملة. وقد توج بجوائز أدبية رفيعة داخل المغرب وخارجه. في هذا الحوار يتحدث الطبال لـ«الشرق الأوسط» عن الشعر العربي، كما عايشه منذ ثمانين عاماً، كما يحكي بحسرة عن المستقبل المجهول للثقافة والكتاب في عالم اليوم.

* تَشَكل حسك الشعري ووعيك الفكري في الأربعينات من القرن الماضي، قبل ثمانين حولاً. فتّحت عينيك ووعيك على مغرب وعالم عربي كان كله خاضعاً للاستعمار الغربي، كيف كانت الصدمة، وماذا كانت الأولوية في تلك الفترة. من أين نبدأ؟

- نعم، وجدنا أنفسنا في جبهة الرفض، وفي خندق المواجهة. وكان لا بد من مواجهة أوضاعنا، أولاً، حتى نواجه هذا الاستعمار. فكان التحدي الأول ثقافياً، أي أن نعي وضعنا، لنعرف مآلنا والمصير. لنقل إننا وعينا بأن التحدي هو تحد ثقافي بالأساس. في تلك الأربعينات كانت الحركة الوطنية المغربية تعيش في خفوت، أو لنقل إنها كانت شبه صامتة، خصوصاً من حيث الوعي الثقافي، مع الحزبين الحاضرين حينها في أغلب التراب المغربي الذي كان خاضعاً للاستعمار الفرنسي، وهما حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال. أما في الشمال، تحديداً في تطوان، كان هنالك حزب الإصلاح الوطني الذي أسسه عبد الخالق الطريس نهاية 1936، وحزب الوحدة الوطنية، الذي أسسه المكي الناصري بداية 1937. والحال أن شمال المغرب كان خاضعاً للاستعمار الإسباني. وبخلاف فرنسا، أقام الاستعمار الإسباني في الشمال صحفاً ومجلات أدبية، وبنيات ثقافية أخرى من مسارح ودور سينما ومكتبات وغيرها، وفيها تشكل وعينا الثقافي أو تفاعلنا الثقافي مع هذا الآخر المستعمر. كما أن علاقة إسبانيا مع الشرق العربي لم تكن سيئة، وهذا ما سمح للوطنيين في الشمال بالتواصل مع المشرق، حيث قام الأمير شكيب أرسلان بزيارات إلى تطوان وطنجة وباقي شمال المغرب، كما زار أمين الريحاني، مثلاً، تطوان وشفشاون... لنقل إن الشمال كان نافذة على الشرق، ونافذة على أوروبا، من خلال التجارب الأدبية والفنية في إسبانيا، حيث زار لوركا وألبيرتي وفرق غنائية ومسرحية كثيرة شمال المغرب. ولعل هذا ما أثر على تجربتنا الشعرية وأثراها، وهي تفيد من رافدين اثنين... الرافد المشرقي والرافد الإسباني.

* قبل أن نصل إلى اللحظة الإسبانية، والاستفادة شعرياً من «جيل 27» ورفقاهما في الحركة التشكيلية، مع دالي وفارو، ولويس بونويل في السينما، وفرقة الفنانين الكتالونيين المستقلين في برشلونة... جمعت أنت ما بين ثقافة تقليدية حيث درست في جامعة القرويين بفاس (أقدم جامعة في العالم حسب تصنيفات رسمية) وثقافة عصرية حين التحقت بالمعهد العالي في تطوان، في فترة الخمسينات.

- فرق كبير بين فاس وتطوان. في فاس، وبجامع القرويين تلقينا العلوم التراثية على يد علماء وفقهاء كبار في الفقه والحضارة الإسلامية وفي الشعر العربي التقليدي، أيضاً، مع محمد الحلوي وآخرين. أما عن الحركة الشعرية في المشرق فقد كانت غائبة عن مكتبة القرويين، بما هي مكتبة تقليدية لا تتجاوز، بخصوص الشعر، أعمال شوقي والبارودي وحافظ إبراهيم. فقط عثرت ذات مرة على كتاب «دمعة وابتسامة» لجبران خليل جبران، وبقيت أتردد على المكتبة من أجل قراءته إلى أن اختفى من مكتبة القرويين، حيث استولى عليه أحدهم.

*لعله أنت؟

- (يضحك) لا أنكر أيضاً أنني اطلعت في فاس على أعداد من مجلة «الأديب» اللبنانية لصاحبها ألبير أديب، ليس في مكتبة القرويين، وإنما في مكتبة للبيع في البطحاء، حيث كنت أكتري العدد الواحد، لليلة وحيدة، مقابل بسيطة واحدة. ومن خلال مطالعة «الأديب» استغربت وجود اسم طالب مغربي كان ينشر فيها شعره، واسمه ابن جلون. لنقل إنني حين وصلت إلى تطوان قادماً من فاس، وكأنما انتقلت من البادية إلى المدينة. ففي تطوان تعرفت إلى مجلات أدبية كثيرة كانت تتناسل وتصدر من هذه المدينة، مثل «الأنيس» و«المعتمد» و«الأنوار» و«كتامة» و«المعرفة» و«الحديقة»... فكان أن تعرضت لما يشبه رجة أمام هذا الوضع الثقافي الجديد. وأكثر من ذلك، كانت هنالك المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان، ولو كانت لي القدرة يومها لأعيش فيها لما غادرتها. ثم هنالك مكتبة الصحف والمجلات، وكانت في ساحة ثانوية القاضي عياض، تديرها سيدة إسبانية إلى جانب الشاعر محمد الصباغ، ومكتبة أخرى في الثانوية نفسها يديرها محمد بنتاويت، وكان مديراً للمعهد العالي بتطوان. وهكذا، وجدتني في بحر بعدما كنت في جدول. هنا في تطوان استفدت الكثير وتعلمت الكثير، وهي المدينة الثقافية التي كانت على علاقة عميقة بالمشرق العربي. كانت هنالك بعثات علمية من تطوان إلى المشرق، بعثة لحزب الإصلاح الوطني وبعثة أخرى يرسلها الشيخ المكي الناصري. ومثلما كانت تطوان نافذتنا على الشرق العربي كانت نافذة مشرعة على الشعر الإسباني أيضاً، حيث بدأت أرتبط بعلاقة مع هذا الشعر عبر الترجمات التي كان يقوم بها بعض المغاربة والعرب، ومنها ترجمات نجيب أبو ملهم، خصوصاً ديوان «الواحة» وهو ديوان غريب يضم شعر الرهبان. وفي تطوان، أيضاً، تعرفت على المجلات التي كانت تصدر من الجنوبية، مثل «العصبة الأندلسية» و«الشرق». كما تحضرني مجلة «المنارة» التي كانت تصدر من إسبانيا، وتنشر وتترجم العديد من النصوص الشعرية، وعثرت فيها على ديوان لخوان رامون خمينيث، نقلته يومها بيدي في دفتر خاص.

*شعر عربي ينشر في إسبانيا، وإسباني ينشر في المغرب، في «المعتمد» و«كتامة»... وحركات شعرية عربية تظهر في الأميركتين، هي بداية الحداثة الشعرية العربية إذن؟

-نعم، وجب القول إن حركة الحداثة الشعرية العربية إنما بدأت مع الشعر المهجري، مع جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة، ومع «المعالفة» في الجنوب الأمريكي، مع ميشيل معلوف وفوزي المعلوف وشفيق معلوف، الذي نشر في مجلة «المعتمد» بتطوان. لنقل إن مدرسة الشعر المهجري كانت مرحلة ابتداء في الشعر العربي، أي مرحلة مؤسسة للجديد والحديث.

* بعد ذلك، سيتم التأصيل لحداثة الشعر العربي، مع السياب والبياتي ونازك الملائكة، هذه الأخيرة التي نظرت وقعّدت لما أسمته «الشعر المعاصر» في عالمنا العربي. لكن، منذ كتاب نازك ظل سؤال التحديث من عدمه رهيناً بالحديث عن الإيقاع، من الخروج عن قالب الشطرين وصولاً إلى قصيدة النثر...

-لا شك أن الموسيقى هي روح الشعر، والشعر لا يمشي بدونها، ولا ينام بدونها. لكن الأساس في كل قصيدة هو الرؤية الشعرية، ثم هنالك اللغة التي هي جوهر كل كتابة شعرية، فاللغة هي التي تكتب الشعر وليس الشاعر، وهذا الشاعر تكتبه قصيدته. يحدث معي أحياناً أن أكون في الشارع وأمر بحادثة أو ألتقي بشخص ما، وفجأة تصدر مني كلمة لا علاقة بما كنا فيه. وتلك الكلمة تتحول إلى جملة ثم إلى جمل، فتضطر لكتابة قصيدة لعلها هي التي تكتبك. وقبل أيام بقيت حتى الفجر أتقلب في فراشي، ولم أنم إلا في الصباح. وفي يوم الغد صدرت عني كلمة «وسن» وقد نسيت معناها. وحين عدت إلى البيت بحثت عن الكلمة فتذكرت أنها تعني «النوم» الذي جفاني بالأمس. ثم كتبت قصيدة «يا وسنا»، وفيها: «يا وسنا/ عيناي في شوق/ وحزن إليك/ وأنا مثلهما/ أشتاق إليك». هكذا، فاللغة هي التي تحكم على الشاعر، والقصيدة تحكم على الشاعر، وهو بينهما أسير يطيعهما.

*ما بين «العصبة الأندلسية» وحلقة الشعراء الأندلسيين، ومنهم شعراء «جيل 27»، تعود بنا الذاكرة الثقافية العربية إلى «اللحظة الأندلسية»، التي كانت واحدة من أهم اللحظات التي مرت بها الحضارة الإنسانية، وتعايشت فيها ثقافات وفنون وحضارات. ماذا عن المرجعية الأندلسية، خصوصاً وأنت شاعر تنتمي إلى شمال المغرب المطل على هذه «الأندلس» والقادم منها أيضاً؟

- قدر الشاعر أن يتناص مع أجيال وتجارب شعرية قديمة وحديثة. وعن الأندلس أذكر أنني حين درست في المعهد العالي بتطوان اكتشفت ذخيرة أندلسية هي كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة»، لابن بسام، الذي قادني إلى اكتشاف الأدب الأندلسي والتعلق به. وحتى حين أزور إسبانيا الآن فإنني أتوقف عند إشبيلية وقرطبة وغرناطة، باعتبارها العواصم التاريخية والفكرية والشعرية للأندلس. وقد استوقفتني تجارب كثيرة لشعراء أندلسيين، خصوصاً ابن سهل وابن الخطيب والمعتمد، وهم حاضرون في شعري كثيراً. وعلاقة بالأندلس وجب القول إننا أندلسيون، هنا في شفشاون أو في تطوان مثلاً، حيث تحمل عائلات شهيرة أسماء أندلسية إسبانية، لأنها العائلات الموريسكية التي تم تهجيرها من الأندلس نحو شمال المغرب. ولا تزال الموسيقى الأندلسية تسكن أرواحنا وتملأ بيوتاتنا وحفلاتنا. وفي شفشاون أذكر أن عميد الموسيقى الأندلسية أحمد البوكيلي كان يتردد على أحمد بن الأمين العلمي ليأخذ عنه معلومات وطبوعاً موسيقية أندلسية. وأنا سليل هذه الشجرة الأندلسية، وقد ولدت في حي الأندلس بشفشاون، الذي كان يشمل مناطق أخرى تحمل اسم «ريف الأندلس» و«عقبة غرناطة» وغيرهما.

حركة الحداثة الشعرية العربية بدأت مع الشعر المهجري مع جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة

*علاقة بهذا التأثير الأندلسي، لا يقتصر الأمر على الشعر وحده، بل على مستوى الفكر أيضاً، هنالك ابن رشد، وفي مقابله هنالك ابن عربي، الذي حضر في تجربتك الشعرية؟ ماذا عن الصوفية بما هي مرجعية أخرى من مرجعيات الشاعر؟

-بدأت علاقتي بالتصوف في بيتنا وأنا صغير. فقبل أن أذهب إلى الكُتّاب كنت أترك أمي وسط البيت تغزل الصوف وهي ترتل وتسبح وتتغنى بالأمداح النبوية وذكر الله. وفي المسجد كنا نقضي اليوم كله في ذلك... وفي المعهد العالي بتطوان تعرفت على ابن عربي فقال لي: «أنت تلميذ صغير، وسوف تتعلم مني شيئاً قليلاً»، فكان أن بدأت بـ«الفتوحات المكية»، ثم بديوان «ترجمان الأشواق» والآن مع «الديوان الكبير». ثم وليت نحو أدنى الشرق، والتقيت بفريد الدين العطار الذي أعطاني «منطق الطير»، ولما جاء جلال الدين الرومي قال لي: «دعك من هذا وذاك، وأعطاني (المثنوي المعنوي)»، وكتباً أخرى، ثم عدت إلى أستاذه شمس التبريزي وشعره العظيم.

*أيضاً، تأثرت برواد الشعر الفرنسي الحديث، وبالشعر الإنجليزي، إلى جانب اللقاء المباشر بالشعر الإسباني، وهذه المرجعيات الأندلسية والمشرقية والغربية... كيف يستطيع الشاعر التخلص من سحر هذه المرجعيات وسطوتها؟

- نعم، ثمة تراكم كبير في الشعر الإنساني، منذ فترة ما قبل الميلاد وإلى اليوم. ولا يزال التراث الشعري يشغلنا إلى حد كبير. وأمام هذه القراءات المتعددة يصبح الشاعر مديناً للكثير من الشعراء الذين سبقوه. والتناص موجود وثابت، ولا أحد يبدأ من عنده وينتهي عنده. ومهما حاول الشاعر التخلص من هذا التراكم فإن الذاكرة تدفعه إلى استرجاعه. فالذاكرة تشتغل من غير تذكر. لكن، على الشاعر في نهاية الأمر أن يكتب لغته الخاصة، وأن ينصهر في اللغة التي يكتب بها.

* تنتمي إلى جيل قارئ، بدأت القراءة منذ تسعين سنة تقريباً، وما زلت تقرأ، كأنك تبدأ فعل القراءة لأول مرة. لكن الجيل القادم لا يقرأ. ألا ترى أن موضوع القراءة سؤال كوني، على دول العالم والمنظمات الدولية أن تتدخل لإنقاذ هذه الحضارة الإنسانية العظيمة التي صنعتها الكتب وتدمرها الأسلحة الآن؟

- ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة. والحرب على الثقافة هي الحرب الأخطر في نظري، لأنها تقوم باستئصال الإنسان والحضارة الإنسانية. وهنا نحن في عالم بات فيه الكتاب مهدداً بالاندثار، فالكتب لم تعد تُقرأ، وحتى الصحف لا تباع ولا تشترى. لقد غرقنا في الترفيه والتسطيح والتفاهة. وهنالك حرب معلنة على الثقافة والكتاب هدفها تدمير الإنسان والمعنى.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.