«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

زهير الجزائري يتماهى مع بطل روايته الجديدة

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب
TT

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

رواية زهير الجزائري «أزرق. أبيض» الصادرة عام 2023 عن دار المدى، هي «نوفيلا» novella أو رواية قصيرة، وربما قصيرة جداً، لكنها تمتلك جميع مقومات البنية السردية الروائية. وعلى الرغم من واقعية الكثير من أحداثها واشتباكها مع المشهد السياسي العراقي بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، فإنها في الجوهر، «اليغوريا» رمزية عن محاولة المبدع، روائياً أو فناناً تشكيلياً أو مسرحياً للوصول إلى الجوهر الحقيقي للإبداع، وربما للشعرية (البويطيقيا)، التي يمثلها اللون الأزرق وإدراجها كتابياً على الورق (الأبيض) أو اللوحة التشكيلية أو المشهد المسرحي في ثنائية تفاعلية هي ثنائية الأزرق والأبيض.

والرواية من جانب آخر، رواية كابوسية بحس كافكوي أسود، وتتحول أحياناً إلى «كوميديا سوداء» Black Humour لامتصاص درجة العنف والرعب والموت، وتحويلها إلى موقف فكري تأملي يتداوله المتلقي للتفكير والمساءلة، وقد كانت زوجة الروائي على حق عندما قالت عن روايات زوجها الروائي: «إن الناس يدخلون كابوساً حين يقرأون رواياته». (ص9) أو عندما قالت له ابنته المحامية: «تخيفني كوابيسك فوق ما في حياتنا من كوابيس يومية». (ص25). فبطل الرواية وساردها المركزي، وهو روائي، كان يناضل من أجل أن يصل إلى نسغ الإبداع، وأن يلتقط الجملة الكتابية الأولى التي تظل مستعصية، وهاربة. كما يشاركه صديقاه الفنان التشكيلي والفنان المسرحي هذا النضال. إذْ غالباً ما يفلت فيه «الأزرق» من شراك «الأبيض» كتابياً بالنسبة للروائي، أو عند اكتمال اللوحة تشكيلياً، بالنسبة للرسام، أو عند ذروة المشهد المسرحي بالنسبة للمخرج المسرحي، في لعبة معقدة يتحول فيها الإبداع إلى غاية عصية على الإدراك، لكنها تظل هدف المبدع وغايته.

ويعيش بطل الرواية وساردها، تحت وطأة كابوس ينذر بحدوث انفجار قريب، مما يجعل الرواية أسيرة أفق توقع على حد تعبير الناقدين الألمانيين (ياوس) و(آيزر)، كما يتمثل هذا الانفجار على المستوى المرئي والواقعي في تلك القنبلة الصغيرة التي ألقاها شاب صغير في المسرح، واستقرت تحت قدمي المخرج المسرحي، الذي ظل ينتظر أن تنفجر في أية لحظة. أما على المستوى الأليغوري الترميزي فهي كناية عن حالة التفجر والاضطراب والعنف التي كان يعيشها الشارع العراقي بعد تصاعد الصراع الطائفي والإرهابي عامي 2006 - 2007. فالجو العام ملغوم بالموت والجثث والمتفجرات والعنف، حيث تجوب المدرعات الأميركية الشوارع كما تحلق طائرات الهليكوبتر في سماء بغداد.

ويعيش بطل الرواية حالة اغتراب حقيقي عن نفسه: «هذا ليس أنا» (ص 5) ويشعر أنه انفصل عن جسده: «ليس هذا جسدي». (ص5 - 6)

وبطل الرواية كما يتضح لنا، هو قناع لشخصية المؤلف زهير الجزائري، عندما يشير إلى أنه سبق له وأن نشر رواية عن «الخائف»، في إحالة لعنوان روايته «الخائف والمخيف»، وهذا ما يعزز الجوهر الميتا سردي metafiction للرواية منذ البداية، من خلال قصدية فعل الكتابة الروائية: «ينتظر وينتظر البداية المؤجلة أن تأتي». (ص6)

إذْ كانت لحظة اقتناص الكتابة تؤرقه وتدخله في كوابيس متصلة:

«حدق في بياض الورق، ينتظر، ينتظر البداية المؤجلة أن تأتي، وهو يوهم نفسه بأنها جاهزة في ذهنه تنتظر قدحة الزناد».

ويظل «يلوب» عند الجملة الأولى:

«النهار مضى هذا هو اليوم الثاني، وأنا ما أزال عند الجملة التي سأشطبها». (ص7)

ويشعر البطل بالإحباط، ولا جدوى الكتابة «ما الفائدة؟». (ص8) وهو يرى نفسه محاطاً بعالم من الجثث والمفخخات والانفجارات:

«موت، موت، موت... أما مللت من رواية الموت؟» (ص 10)

وتضطرب حياة البطل الزوجية، حيث يدمر الوضع السياسي المضطرب العلاقات الإنسانية والاجتماعية والأسرية.

ويشعر البطل أن خلاصه النفسي يكمن في اقتناص لحظة الصمت، حيث يقوده صديقه المخرج المسرحي إليها في صالة التمرين المسرحية على مسرحية «عطيل» لشكسبير. لكن لحظة الذروة التي يقدم فيها (عطيل) على قتل (ديدمونة) تهرب وينهار المشهد كلياً، مما يزيد من تأزم الوضع النفسي لصديقه المخرج المسرحي، إذْ اكتشف أن كل شيء في المسرحية صاخب حد الملل، وراح يشكك في قيمة ما يفعل «ما قيمة غيرة عطيل في بلد يمشي على الحافة بين انفجارين؟» (ص 12) ويمكن ملاحظة تعالق الحبكات الثلاث لشخصيات الرواية: الروائي الذي ينتظر جملة البداية، والمخرج المسرحي الذي يقف عاجزاً أمام لحظة الذروة في مسرحية «عطيل» أو الرسام الذي دخل المشهد الروائي في الاحتفال الذي أعدته زوجته لعيد ميلاده، والذي اقترن بذكرى مأساوية هي العاشر من محرم، وكأنها تقدم بذلك استباقاً سردياً، وربما نبوءةً عن موته الوشيك. (ص 15)

ويقرن الروائي حياة الرسام، ورمزية استشهاد الإمام الحسين في يوم عاشوراء، فهو يعد نفسه مقتولاً وهو يغامر برسم لوحة جدارية ضخمة «للقائد» على حصانه تحت مرمى نيران الحرب، بعد أن طلى الجدار بلونه المفضل الأزرق الشفاف. (ص6)

والمؤلف لا يريد أن تمر تجربة رسم لوحة القائد على حصانه بوصفها تمجيداً للحرب وللدكتاتورية، ولذا نراه يقدم مشهداً ساخراً يثير الضحك عن اللوحة من خلال إشارة القائد العسكري إلى الحصان في اللوحة: «هذا ليس حصان فارس، هذا حصان»... (ص17)

ومع ذلك فقد كان همُّ الرسام أن يرسم، ويرسم ليستعيد شيئاً يوشك أن ينساه، هو اللون الأزرق. (ص 17)، وهو تأكيد آخر على أن اللون الأزرق، بالنسبة للرسام، يمتلك ذروة اقتناص لحظة الإبداع والشعرية في العمل الفني.

ولم يشأ الروائي أن يترك الفضاء الروائي تحت رحمة المنظور الذكوري فقط، بل يدخل فيه النصف الآخر: الزوجات الثلاث للكاتب والمخرج المسرحي والفنان التشكيلي:

«خلال اجتماعهن تبدأ النساء بالشكوى من تعكر صفو أزواجهن». (ص8) لكن زوجة الرسام تعد نفسها محظوظة لأن الله أعطاها أجمل الرجال وأرقهم قلباً، لأنها عندما تغضب يأتيها مثل ملاك «فيدخل الأزرق إلى قلبي وأهدأ». (ص 19) وهنا تأكيد آخر على التأثير النفسي الإيجابي والملطف للون الأزرق على نفسية الزوجة، ويبرز تأثير اللون الأزرق حتى في الساعات الأخيرة من حياة الرسام، الذي أخبره الطبيب بأنه يعاني من مرض قاتل لا فكاك منه. ومن باب المواساة قرر الأصدقاء الثلاثة ومعهم صاحب الحانة الاستنجاد باللون الأزرق، وكأنه المنقذ من الموت، لذا قرروا أن يتحدثوا عن لونه المفضل: الأزرق، عندما أشار المخرج المسرحي إلى أن الأزرق كان علامته، ولذا كان يكنيه بالأزرق: «جاء الأزرق، اسألوا الأزرق، الأزرق كان هنا». (ص 28)

وينطوي توظيف لوني الأبيض والأزرق في هذه الرواية على دلالات رمزية متعددة. فاللون الأبيض يرمز إلى النقاء والبراءة والصدق، فيما يرمز اللون الأزرق، إلى الهدوء والصفاء والسمو، فهو لون السماء، ولون البحر. ودلالة الألوان في الأدب والفن والتصميم والديكور وعلم النفس تشغل اهتمام الباحثين والدارسين والعلماء والفلاسفة عبر التاريخ. إذْ سبق لأرسطو أن ربط الألوان بعناصر الوجود الأربعة، كما درس الرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي دلالة الألوان، وذهب إلى أن اللون الأبيض هو أول الألوان البسيطة، وهو يمثل الضوء الذي من دونه ما كان يمكن رؤية لون. لكن التحليل العلمي للألوان لم يتحقق إلا على يد العالم إسحاق نيوتن عندما كشف عن الطبيعة الخفية للألوان، وأشار إلى أن جميع الألوان تتفرع من اللون الأبيض، فهو يمكن أن يحلل إلى سبعة ألوان بواسطة استخدام (المنشور) الزجاجي. ولا شك أن الألوان تلعب دوراً مركزياً في الفن التشكيلي والتصميم والإعلان التجاري والديكور، كما تمتلك رمزيتها الخاصة في الأدب عموماً، والشعر بشكل أخص. وتجنباً للإطالة سأقتصر على الإشارة على أنموذج شعري واحد لصيق الصلة بثنائية الأزرق والأبيض في قصيدة «ألوان السيدة المتغيرة»، للشاعر فاضل السلطاني، التي يوظف فيها اللون بطريقة تذكرنا بتجربة الشاعر الإسباني (لوركا). فاللون الأزرق يهيمن على المشهد الشعري منذ الاستهلال:

«زرقاء كنت تحت ذراعي

وكان الثلج الأزرق يمطر

زرقاء أنتِ، كأن السماء قبعتك».

لكن اللون الأبيض هو الآخر يشكل ثنائية واضحة مع اللون الأزرق:

«كنت أريد أن أرى عينيك

بين الأزرق والأبيض

لكني رأيت دمعتين في عينيَّ»

ونجد هذه الثنائية الشعرية تبرز في عنوان رواية الروائي العراقي حسن البحار الموسومة «بحر أزرق... قمر أبيض»، وهي قريبة إلى حدٍ كبير من دلالة الثنائية السردية في رواية زهير الجزائري «أزرق... أبيض».

وهذه الثنائية تتحكم إلى حدٍ كبير في مصائر شخصيات الرواية الثلاث: الروائي والرسام والمخرج المسرحي. لكننا نشعر، ونحن نستقرئ مشاعر الشخصيات الثلاث هذه أنها تحس بالعجز عن الوصول إلى لحظة الإبداع الشعرية، بسبب الواقع الخارجي المتفجر الذي يقف على برميل قابل للانفجار في أية لحظة، والإحساس بلا جدوى الإبداع الفني في عالم ملغوم بالموت والفناء. وربما كان الروائي يرمز إلى هذه الحالة سردياً بتلك القنبلة التي ألقاها الصبي في المسرح، التي توقفت بين قدمي المخرج المسرحي، الذي ينتظر أن تنفجر في أية لحظة، بعد أن شلّت قدرته على التفكير والحركة والإبداع معاً.

ما تقوله الرواية، تأويلياً، إن الإبداع يظل مقيداً ومشلولاً عندما يحاط بالمفخخات والقنابل والألغام والكوابيس والتابوت والموت.

فكما عجز الشاعر فاضل السلطاني أن يرى عيني حبيبته بين الأزرق والأبيض، كذلك يعجز المبدعون الثلاثة: الروائي والرسام والمخرج المسرحي من تحقيق اللقاء بين الأزرق والأبيض بسبب الرعب والموت والجثث التي تملأ الشوارع.

لا يريد المؤلف أن تمر تجربة رسم لوحة القائد على حصانه بوصفها تمجيداً للحرب وللدكتاتورية، ولذا نراه يقدم مشهداً ساخراً يثير الضحك عن اللوحة

والرواية تؤشر، من جانب آخر، بعداً ميتا سردياً واضحاً من خلال محاولات الروائي للإمساك بالجملة الأولى من الكتابة الروائية، لكنه يجد نفسه مضطراً للحذف والشطب مرات ومرات مع أن الشخصية الروائية واضحة لديه. ويمكن سحب مفهوم الميتا على المخرج المسرحي الذي يبذل جهده عبثاً للوصول إلى ذروة المشهد الذي يقتل فيه (عطيل) زوجته (ديدمونة)، كما ينسحب أيضاً على دأب الفنان التشكيلي لمعانقة اللون الأزرق، واكتمال حلمه النهائي، لكنه لم يكن مدركاً أن الموت قد رسم مصيره سلفاً، وأن لوحته الميتا - أزرق ستظل ناقصة.

رواية «أزرق... أبيض» للروائي زهير الجزائري لعبة سردية متقنة إلى حدٍ كبير، وفيها اقتصاد كبير في الكلمات لصالح لحظات الصمت التي كان المخرج المسرحي يتمنى أن تشكل المبنى الدرامي الأساسي للمشهد المسرحي الذي كان يفلت منه مراراً، ولذا فهي إضافة نوعية إلى تجربة الروائي الغزيرة، كما أنها إضافة طيبة للرواية العراقية الحداثية وهي تفتح أفاقاً جديدة للإبداع الروائي.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».